زيد الحلي : الكتاب الثقافي في خطر .. أيها المثقفون انتبهوا !

أدعوكم الى مناقشة ما لمسته من خلال ثلاث جولات في ثلاثة أيام متعاقبة وفي أوقات مختلفة ، في أروقة معرض دمشق الدولي للكتاب ، وهو آخر معرض عربي ضخم ، شاركت فيه دور نشر عربية واجنبية الى جانب دور نشر سورية ومؤسسات ثقافية رسمية .
ثلاث جولات ، بدأتها في اليوم الاول بصحبة الناقد الدكتور حسين سرمك والصديق يوسف زاير وفي اليومين الآخريين صحبتُ نفسي لأطلع على ما أثار فيُ الدهشة التي قررت ان أشرك المعنيين في مناقشتها ، لعل هناك من يعينني في فك طلاسم هذه الدهشة ويعيد التوازن الى رؤاي التي أشتبك فيها الخيال بالحقيقة والصدق بنقيضه ورأيتُ جبالاً من الأسماء الأدبية المرموقة تنهار مثل كتل من الجليد ..
ودون استطراد اقول إنني رأيتُ في هذا المعرض الكبير في سعته وفي محتواه من عناوين معروفة ، ما شكل صدمة ثقافية ، لا زلتُ أعاني من تدعاياتها حتى .. اللحظة!
زوار من مختلف الاعمار يمرون من أمام عناوين الكتب الصادرة في مشرق العرب ومغربهم ، دون أكتراث ..  يمرون دون ان يلفت إنتباههم عنوان ، رغم حشد الأسماء الأدبية المعروفة ، وعناوين كتبهم الأكثرة معرفتهم بينما اتجه رواد المعرض الى كتب السيرة وتكنلوجيا المعلومات لاسيما الكمبيوتر . صحيح  إننا نعيش صرعة الثقافة العلمية ، لكن هل معنى ذلك ان يعزف الكثرة الكاثرة من المواطنين عن القراءات الثقافية والأكتفاء بكتب الكومبيوتر والعلوم الصرفة ؟
لماذا العزوف عن الكتاب الثقافي ؟ هل الخلل في المثقف والكاتب العربي الذي لم يستطع الأحتفاظ بقارئه ، فشاح القراء عنه وأتجه الى المنجز العلمي في محاولة منه الى مسايرة العصر وروحه ، ومن قال ان القصة والشعر والآداب الانسانية هي بالضد من العلم وهواته ، اليس في تاريخنا الثقافي من كان معروفاً في الطب والهندسة لكنهم برزوا في الثقافة ، فأغنوا المكتبة العربية بعشرات الكتب والمؤلفات الثقافية ، هل أعدد الأسماء ، ام إن الأمر لا يحتاج الى ذلك ، فهي أسماء معروفة ولا يزيد ذكرها شيئاً
لقد آلمني أن أجد كتباً لمثقفين معروفين ، وبعضهم يمتلك أسماً مهاباً في عالم المعرفة الثقافية ، وقد عرضت بتخفيض 40 او50 % عن اسعارها ، ورغم ذلك  لم تجد من يقتنيها !
إحدى دور النشر كتبت إعلاناً طريفاً يقول : إشتر كتاب ( .. ) وأحصل على تخفيض مقداره 60% مع كتاب بالمجان هو ” تعلم تشغيل الحاسوب خلال يومين ”
إن الأمر بحاجة الى تحليل لظاهرة إنحسار قراء الثقافة ، ولا أظن إن الموضوع محصور بالمد العلمي لدى الجيل الجديد ، فالذي رأيته هو إبتعاد من هم بأعمارنا وما دونها بقليل ، عن الكتاب الثقافي أيضاً ، وكان تجوالهم ينحصر في مرافقة أبنائهم او أحفادهم .. الخ
وفي رأيي إن السهولة في طبع الكتب لمؤلفين وكتاب سطحيين بلا تاريخ ثقافي ، يقف على رأس الاسباب التي أدت وتؤدي الى العزوف عن إقتناء الكتب ، ففيضان المطبوع السطحي الذي أكتسح سواحل بلداننا ، أتى على الأخضر واليابس من الإصدارات ، فجعل القارئ يمقت الكتاب مهما كان مستوى كاتبه وواضعه ، وهنا ، ينبغي إعادة النظر بأساليب وموافقات الطبع ، فالحرية الحالية في طبع اي كتاب لأي ( كاتب ) ستغرق ذواتنا الثقافية وتدمر خياراتنا في إقتناء ما ينبغي أقتناؤه من كتب مرموقة لكتاب يحملون وعياً ورصانة معروفة ..
لقد غدا النتاج الصناعي صيني المنشأ السمة الغالبة في أسواقنا ، فهذا البلد الملياري في سكانه ، حريص على تقديم منتوج (رديء) في تغليف ( جميل ) ولهذا إتجه المستوردون الى جلب المنتج الصيني لأنه رخيص الثمن وجميل الشكل ، وبات المنتج الأصلي غير المقلد ومن المناشئ المعروفة مركوناً ( العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة ) ويبدو ان سوق الثقافة في البلاد العربية ، أستفاد من التجربة الصينية ، فأخذ يضخ الى المكتبات أطنان من الكتب بعناوين رنانة وأغلفة منتقاة دون مضمون ، وأصبح طبع الكتاب وجاهة لا غير مثل الصناعة الصينية ، وعذرا لهذا البلد الذي أضطررت الى الى وضعه .. مثالاً !
أعرف أشخاصاً لا يمتون الى الثقافة بشئ ، طبعوا كتباً عديدة ووزعوها على المكتبات ( على التصريف) على إنها كتب نقدية او ثقافية ولم يكلفهم الأمر سوى دفع مواد مسحوبة من الأنترنت ، وبعض تلك الكتب وضعوا عليها أسماء قريبة جداً من أسماء ثقافية معروفة .. فأين الرقابة ؟
قبل عقود اربع ، كان في بغداد شركة أهلية لتوزيع المطبوعات ، مقرها في شارع الكفاح قبل إنتقالها الى منطقة السنك ثم تلاشت  ليحل مكانها مؤسسة حكومية هي ( الدار الوطنية للنشر والأعلان ) في تلك الشركة التي تحمل إسم ( فرج الله للمطبوعات ) كان يوجد فيها قاص محترف هو  حازم مراد  ( أين هو ألآن ؟ ) أصدرأكثر من سبع مجاميع قصصية ويرتبط بعلاقات وطيدة بعشرات من المثقفين العرب ويكتب مقالات نقدية محترمة في الصحف .. كان هذا الرجل ، يعطي رأياً لأصحاب الشركة في كل المطبوعات الثقافية التي تصل اليهم لغرض توزيعها ،  ورغم إنهم مؤسسة ربحية لكنهم لم يسمحوا بترويج كتب سطحية .. هكذا كان الحال ، وعلينا أن ننظر لواقعنا الحالي : كتب تصدر دون وعي ثقافي من أناس ربما قراءاتهم لا تتعدى قراءة ابراج الحظ !
حتى لا اتهم بحجر (الفكر) أدعوا الى وضع الثقافة في ميزان الوجدان الثقافي ، قبل فوات الآوان ، ويضيع الخيط والعصفور ، وتبقى مؤلفات الكتاب الجيدين حبيسة أدراجهم فيما يبقى كتبة ( الأنترنيت) هم السادة في شارع الكتب الثقافية التي عافتها النفوس قبل الفكر.. فأنا ارى ان العبرة ليست في ان اكون متساهلاً في إشاعة الكتاب والمطبوع دون ضوابط ومضمون بحجة ( الحرية والديمقراطية ) بل العبرة في أن أكون عادلاً في الحفاظ في إرثنا الثقافي ، حتى لو أضطر إقرار العدل الى التضحية بلفب راعي … الديمقراطية !
علينا ان لا نسوّق الى الذهن العقيم ، لأنه ذهن عنيد ، والذهن العنيد هو الذهن المغلق الذي لا تحكمه في الغالب سوى فكرة واحدة ، شديدة الشبه بالفكرة الثابتة التي تحتل عقل مجنون ، وهذا العقل كما آراه ، هو المسؤول حالياً عن تدني الثقافة واصداراتها .. فهل يُقل إن تكون النسخ المطبوعة لأي ( كاتب ) في الوقت الراهن لا تتعدى الألف نسخة ، معظمها يذهب الى الاهداءات والبقية تذهب الى مخازن … دور النشر!
ارجوكم ، مزيداً من المناقشة ، فلايكفي ان يطبع بعضنا كتبه ويضعها في واجهة مكتبتة اويسعى الى طريقة ( الاهداء )  التي أزدهرت … مؤخراً !
ان الواقع المؤلم الذي لمستهُ في جولاتي في أروقة معرض دمشق الدولي للكتاب ، يشير الى إننا نعيش أزمة أبداع في حركة التأليف في بلادنا العربية ، دون إسثناء ، وهذه الأزمة ينبغي على الجميع دولاً ومؤسسات وأدباء وشعراء وفنانين وكتاب ، التوقف عندها ، فالأبداع الثقافي لا يدخل ضمن دائرة السلامة الصحية في العطاء فقط ، بل هو أحد اهم علامات الحياة المتدفقة بالنضج والتقدم والنمو ، وإن نبض الحياة المتجددة ، ينبغي أن لايتوقف في الأبداع ، او يهن صوته وتتلكأ دقاته ، كما لا يصح القول إن هذه الأزمة نتاج الظروف الحالية التي يمر بها العالم وبلادنا ، فالظروف المأزومة  سياسيا ، وحضارياً ، وأجتماعياً ، يمكن أن تمنح المثقف آفاقاً  في الخلق والإبداع .. وأمامنا تجارب في التاريخ ما يؤيد قولنا .. فالإبداع ينبثق من وسط الأزمات ليقود راية الحياة في مختلف صورها الى شعاع الأنسانية ، لأنه البصيرة الوحيدة القادرة على النفاذ الى صخور الخواء !
ولكني ، أعيد تساؤلي ، وهو تساؤل  أقول بأمانة بأنني لا أملك إجابة عليه ، عن سبب عزوف رواد مثل هذا المعرض الثقافي الكبير وربما في معارض دولية أخرى ، على أقتناء الأصدارات الثقافية ، هل هو عدم الثقة بالكتاب الثقافي ام بمؤلفه أم بسبب إتجاه عام ، لوى عنق المطبوع الثقافي وسحب رواد المعرض الى مطالعات أخرى تتمحورحول السهل من العلوم والرياضيات و.. و
وأياً كان السبب ، فالأمر بحاجة الى وقفة ، قبل أن نجد انفسنا وقد وقف أحدنا على ألأرصفة وهو يصيح ( يا محسنين ، أقرأوا كتابي يرحكم الله ، ففيه ما يسركم ) ولا يجد من يلتفت اليه ، وإذ إلتفت أحدهم فربما سأله : هل في كتابك  معلومات جديدة عن زواج .. نانسي عجرم ً !!

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| نبيل عودة : عجيبة بيت أبو بشارة .

– عجيبة، يا أم بشارة.. استيقظي.. القديسة العذراء الممتلئة بالنعمة… بارك الله اسمها… باركت بيتنا. استيقظي …

| خالد جواد شبيل : الشاعر عزالدين المناصرة سلاماً.

في نهاية الستينات من القرن المنصرم، حطّ بين يديّ كتاب شعر يحمل عنوان ” يا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *