| مهدي شاكر العبيدي : هذا الكتاب اليتيم تاريخ أعلام الطب العراقي الحديث في جزئه الرابع .

الموت نهاية كل حي على وجه البسيطة ، ومهما كابر المرء وتعنت في رأيه ، وأعتد بما بلغه وأوفى عليه من موفور جاه وغنى وامتلاك الضياع ، وزاد عليها ارباءه على الآخرين في الانتساب إلى قبيل ومعشر لا يدانون في زكاء عنصرهم وطيب معدنهم ، فـلابد أن يجيء يوم يودع فيه ذويه وأحباءه وخلصاءه ويسلم إلى مطمورة تضمه وتطبق عليه وتحتويه ، فيغيب عن الدنيا إلى الأبد ويفارق الوجود والناس الذين يتنظرون أدوارهم الواحد بعد الآخر ، أو يتعجلون مصايرهم وخاتمة حياتهم في هذه الحفيرة أو المطمورة حيث الديدان تقتات من اهابهم دون أن يحسوا ويطيقوا لها دفعاً بعد أن كانوا يعتركون لأهون سبب وتستثار حفائظهم لأدنى قدرٍمن نابي الكلام والمنطق الجافي الخشـن ، أكان ذلك واقعاً أو توهموه أو حسبوا الآخرين أمعنوا في تجاهلهم وجاهروهم بالعداوة وتنقصوا منهـم. ولهذا الأمر أو غيره قيل عن الأديب المصري الشهير ابراهيم عبد القادر المازني أنـه الكاتب العربي الوحيد الذي نفذ بمحض فطنته إلى كنه هذه الحياة وأنـه عدمِي لا يعول عليها ولا يثنيه هذا النظر عن الاسترسال في الكتابة والمضي فـي تأليف الأسفار التي هي نسيج وحدها في طلاوة البيان.

 

فما عسانا نقول بصدد هذه الفجيعة برحيل الطبيب أديب توفيق الفكيكي ، ولعلـه المفاجئ وغير المتوقع وهو في ذروة نشاطه الفائق وعطائه السمح الغزير من غير أن يشتكي لغباً ذات يوم أو يجور على بدنه ونفسه في بلهنية أبداً سوى أنـه عاد من سفرته في أحد الأقطار العربية لتكتحل عيناه برؤية مصنفه (تاريخ أعلام الطب الحديث) وقد فرغت المطبعة من جزئه الرابع بعد أن تداول القراء المتابعون وتصفحوا أجزاءه الثلاثة قبلاً ، وهو جهد متميز لم يفطن لقيمته أحد غيره أو يسبقه إلى هذا اللون من التصنيف والتنسيق ، وليست أهميته في تقييم آثار العراقيين وتآليفهم تتمثل في التراجم الضافية المسهبة في تصوير الأتعاب والمشقات التي كابدها الأطباء في أدوار حياتهم جيلاً تلو جيل أثـناء دراستهم المضنية ومواجهتهم للمثبطات والمصاعب ، وربما وجد من بينهم من لا قِبلَ لذويه بتدبير ما يحتاجه أو يني إمكانهم منه بعد أن تورطوا وأغروا فتيتهم بمهنة الطب وحببوها لهم ، غير أنـهم تحملوا وصبروا وتخطوا العقبات والمعضلات وجاوزوها إلى الصفو وإنقشاع الكدر من حياتهم ، حتى ولا في الحكم والعظات التي يلهجون بها علىأنـها مما أفادوه من كتب التراث وجعلوه قبلتهم في عملهم وممارستهم حرفتهم وتعاملهم مع مرضاهم بل في المقدمات التمهيدية التي يستهل بها كل جزءٍ ويفتتحه ، وهي تنبي عن قراءآته ومجانيه من الكتب التاريخية والسياسية والاجتماعية لتؤلف زاده الثقافي لاسيما ما يتعلق منها  بالأحوال والأوضاع الصحية المتدهورة على توالي الأعصر بفعل النكبات والمصائب التي تسبب فيها المحتلـون المتحفزون للاستحواذ على خيرات بلادهم وأتوا جالبين معهم عاداتهم وأفعالهم المذمومة التي لا يرون فيها بأساً ولايستحون منها البتة ، بينا هي تنافي التقاليد والموروثات التي درج عليها الناس وأعتادوها بتأثير القواعد والأصول التربوية المستندة إلى المبادئ الخلقية المستوحاة من الكتب المنزلة في هذا الرجأ من الدنيا ومنطق الأديان السماوية التي فطرت عليها الجماعات المؤتلفة على الوئام والمحبة.

 

وكذا شاع عندنا القمار وتفشى البغاء وعمت الفحشاء أوساطاً كانت غاية في التصون والرفعة ، وعد احتساء الخمور والتظاهر بالسكر شيئاً عادياً أو هو عنوان التقدم ومجاراة الغير في المدنية والخضوع لمنطق العصر مع أنـنا لا نبرئ مجتمعنا من ابتلائه بهذه الآفات في ما سبق أو إنـها توجد فيه أصلاً ، وكل هذا مما أطنب فيه وأسهب في تفصيله المؤلف الحكيم الراحل وأوسعه شرحاً وتبياناً ، مضر بصحة الأفراد ويستنفد قواهم ويودي بهم إلى الهلاك لا محالة ، ويجعل مهام الأطباء والمداوين عسيرة بحيث يضعف أملهم في مغالبة الموت وتأجيله إلى حين آخر ، وهذا قوام المهنة الطبية الذي قامت عليه الدراسات والبحوث ، وابتدعت أفانين من الآلات وأجهزة الفحص والمحارير والمجاهـر ، والتأمت المؤتمرات العلمية الدورية لأستعراض ما اشتغل فيه حذاق الأطباء في العالم وخلصوا له من اجتهادات واستقراءات في كنه الأدواء التي استتبعت تطور العصر وتعـقد الحياة ابانه ، وآخر ما أجمعوا عليه من مواصفات الأدوية التي يلزم المداومة عليها للشفاء منها ، ومدافعة الموت المداهم بعض الوقت ، الموت الذي لا يستثنى أحداً ويعفيه من غائلته حتى الطبيب نفسه .

 

وكذا يمضي بنا عبر الفصل الأول المعنون صفحات مطوية من التاريخ الصحي للعراق في جولة طريفة نؤول منها إلى الشعور بالقرف والمرارة ، بل الأسى والشجن ، فليس ثمة في المشاهد المعروضة ما يضحك أو يسلي ، فباسم الفن هذه المفردة ذات الدلالة المغتنية بالخير والجمال والابتكار والابداع ، وصولاً  إلى الإكتمال والتمام في كل شيء ، تطالعنا صور قلمية للفحش والفجور والدعارة والقمار وانتشار الملاهي والمراقص والمباغي في أنحاء وجهات معلومة من بغداد وبعض المدن خارجها ، وكل ذلك موفٍ بأبناء هذه الديار إلى التردي الأخلاقي والارتماء في الدناءة والحطة والابتلاء بالأمراض الزهرية ، وكأن الكاتب أكتنه ما انتاب مشاعر القراء وخالج نفوسهم من الكمد والحسرة ، إثر انخطافهم بسحر عباراته المؤثرة ووقوعه في أسر بيانه القوي وأسلوبه المتدفق هذه المرة ، فوجد أن لا محيص له من اللجوء إلى الإضحاك والتظرف ، فنقل لنا عن مؤلف معروف عاصر تلك الأحوال الإجتماعية وخبرها ، روايته عن نشوء السينمات والمراقص و المباغي أول مرة ، وكيف لقيت استهجاناً ورفضاً من لدن بعض الأوساط والهيئات والمحافل العلمية ، فقد شيدت في آخر سوق الهرج المعروف بناية أتخذت ملهى في أوائل القرن الماضي وجوبه المشروع بإحتجاج بعض العلماء على صنيع مستأجرها اليهودي (سليم ما شاء الله) الذي سماه بأوبرا الأحمدية ، وعماد احتجاجهم على توقحه وجراءته أن تشير التسمية تلك إلى مقام الرسول الكريم طبعاً ، فأستبدل به أوبرا ما شاء الله ، فأذعنوا موافقين وكفكفوا من غلوائهم لأمرٍ ما ، وفي الواقعة ما يؤلم وفي الحكاية ما يكرث ! .

 

فإذا انتقلنا إلى البحث الثاني المعنون خدمات صحية قدمتها جهات خيرية في العهود المنصرمة ، فسنقف على ألوان شتى من المآثر والآلاء التي أسداها لفيف من ذوي المروءة والنخوة من أبناء هذا الوطن ، فشيدوا المنشآت والمستشفيات وأنفقوا دونها مما فاض من عوائدهم في دنيا الكد والرزق الحلال ، غيرمبتغين إنباه ذكرهم وإعلاء صيتهم ، وتبارت مختلف الفئات غير المسلمة في هذا السياق مدللة على أصالة إنتمائها وحرصها على انعاش الحياة الإجتماعية وتحسيـن الأوضاع بما يُنهي السخط والتذمر والشكوى ، وليثبتوا أنـهم لا يقلون عن بقية الأعراق والأصول والطوائف والمراتب ويتدنون عنها في الإيثار والإخلاص والحرص والحمية ، وكذا أبتنيت مستشفيات : لورة خضوري ، ومير الياس ، والراهبات ، ومرجان في الحلة ، ولقيت الحفاوة والقبول ورضى المسؤولين يومذاك ، بل كان الإحتفال بإفتتاح مستشفى مرجان في يوم 22آذار سنة 1957م وتدشينه برعاية الملك فيصل الثاني وحضور الساسة يومذاك ومشاركة بعض الشعراء النابغين الذين أطروا في قصائدهم هذا الصنيع الخالد الذي قدمه بُناتـُه إلى الدولة بعدما جهزوه بما يلزم للمبتلين والمنكوبين بالأمراض الصدرية بأحدث الأجهزة ومبتكرات العلم من المعدات والمختبرات والمجاهر والعقاقير الطبية ، قلتُ كان غرةً في ذلك اليوم ، فقد بلغ عدد المدعوين لشهوده خمسة الآف بينهم كثير من الصحفيين العرب والأجانب ، دلالة على وعي متقدم في إحياء هذه المناسبة ، ينضاف إلى ما ضمنه الشعراء لقياتهم من المعاني التي تحض على التعاطف والبدار للوئام وشد أزر ذوي الحاجات .

 

أوستن / تكساس

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فراس حج محمد : الزمكانيّة المصاحبة للنصوص الأدبيّة وأثرها في توجيه النصّ.

ماذا يستفيد الدارس من تثبيت الشاعر أو الروائي لزمان كتابة النصّ ومكانها؟ سؤال طرحته كثيراً، …

| د. فاضل حسن شريف : النقد في القرآن الكريم .

لا توجد كلمة بحروفها او مشتقاتها في القرآن الكريم تشير الى النقد. ولكن من تعريف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *