| عباس راضي : بقلم هارتموت فندريش مترجم رواية “فرانكنشتاين في بغداد” الى الالمانية .

«جاري العمل على صناعة إنسان»، يهمس فاغنر، في الجزء الثاني من مسرحية غوته فاوست، إلى مفستوفيليس الذي يدخل المختبر، ويطلب منه ان يتصرف بهدوء. إلا انه يتجاهل عن خبث ويتساءل:« إنسان؟ وأي عاشقين حبستهما داخل الدورق». عندئذ يوضح فاغنر، الذي يكاد يكون غاضباً، وهو يلقي نظرة على القارورة، قائلاً أن الأمر يتعلق بشيء جديد، شيء أكثر حداثة، وليس بالطريقة القديمة للإنتاج البشري. وهنا سينمو الهومونكولوس «الإنسان الصغير» وما أن يقوم حتى يسأل: « مالذي يجب فعله؟ ».

يتناغم غوته بهذا الهومونكولوس مع فكرة قديمة عن البشرية: ألا وهي نشأة إنسان من مواد طينية عضوية ، أو بالأحرى إنتاج إنسان في أنبوب اختبار من سوائل معينة.

ثمة عمل أدبي فلسفي ذائع الصيت من الأدب العربي بعنوان -الحي بن يقظان-  للفيلسوف الأندلسي ابن طفيل (ت. 1185م)، يقدم لنا شخصية من سكان الجزر، تنشأ منعزلة وتمر حياتها بمراحل نمو الانسان ونضجه. ويُروى إنه وصل إلى الجزيرة إما حينما كان طفلاً صغيراً وضعته أمه في صندوق وألقته في البحر أو بصفته كائن نشأ تلقائياً من الوحل البدائي على الجزيرة.

كان حلم خيميائيي العصور الوسطى المتأخرة هو وضع “خلطة” لتكوين إنسان ، بمن فيهم براكلسوس (1493-1541)، الذي قدم ما يشبه الوصفة مع إرشادات حول المدة التي يجب أن تخمر فيها السوائل.

امتزجت هذه الافكار عن الإنسان الاصطناعي مع العديد من الاكتشافات والتطورات العلمية (مثل الميكانيكا والكهرومغناطيسية)، وأقترن كل هذا بالعديد من الأسئلة الفلسفية والعقائدية، التي نوقشت في مطلع القرن التاسع عشر، وربما كان أهم مصدر لأدب الخيال العلمي وأحد أهم الأمثلة على الرواية القوطية هي رواية فرانكنشتاين للكاتبة ماري شيلي ، تلك التي صاغت واحدة من أكثر أساطير الحداثة إثارة1.

يدين الأدب العالمي بالفضل في ظهور هذا العمل لثوران بركاني2 وقع في إندونيسيا عام 1815، أفضت سحبه المحملة بالرماد إلى حدوث كسوف شهده العالم، وتعرضت العديد من الاماكن لموجة من الطقس السيء في صيف عام 1816، الذي سُمِّيَ باسم « عام بلا صيف»، وامتدت تلك الموجة لتشمل سويسرا ، حيث كانت ماري ولستونكرافت جودوين، عُرفت لاحقاً باسم ماري شيلي، تقيم في ذلك الوقت بالقرب من جنيف. أبقاها هذا الطقس السيئ مع أصدقائها في المنزل ، ومن بينهم الشاعران بيرسي بيش شيلي واللورد بايرون ، حيث حاولوا معاً كتابة قصص الرعب. كانت النتيجة الأكثر شهرة لهذه “اللعبة الجماعية” هي رواية فرانكنشتاين، التي بزغت عام 1818 بعنوان «بروميثيوس الحديث»، ولكن دون ان تحمل اسم المؤلفة !

 

كان لعمل ماري شيلي الأول3 ،التي كتبت بعد ذلك أعمالاً أخرى أقل شهرة ، تأثير كبير منذ ظهوره. وقد صدر مؤخرا كتاب عن «الحياة الآخرة»، يحمل عنواناً مميزاً «ذرية الوحش»4. يجمع بين دفتيه، الى جانب دراسات أخرى لا حصر لها ، عدد كبير من الأعمال الأدبية المستوحاة من رواية شيلي، أفلام سينمائية مستلهمة منها وتحليل شخصيات فيكتور فرانكنشتاين ووحشه. بعبارة اخرى، يسلط الكتاب الضوء على كم هائل من الأعمال. إن العالِم الذي يخلق وحشاً، قد يشكل خطراً، ثم يطلق سراحه، والطبيب الذي يعبث بجسم الإنسان، وحتى الوحش نفسه، الذي يمثل تهديداً على « أبيه » والمجتمع أو البشرية بحد ذاتها، هم شخوص – تستمد « مسوغات » فعلها من الواقع – ألهمت خيال الانسان منذ نشأته5. ويُنظر إلى العلماء على أنهم تجسيد للغطرسة البشرية بدخولهم مناطق محظورة أو مُخَلِّصون عندما يداوون العلل. ومثال على ذلك، رواية جزيرة الدكتور مورو للمؤلف هربرت جورج ويلز او قصة  « No Woman Born » لكاثرين مور. أما الوحش، مخلوق د. فرانكنشتاين، قد اُستخدمَ بمثابة استعارة للعديد من الظواهر السياسية والاجتماعية – واكتسب شهرة في الثقافة الشعبية أكثر من خالقه، الذي غالباً ما كان يُلحق اسمه به.

لقد اُشير الى صدام حسين، الدكتاتور العراقي الذي اُطيح به عام 2003 ، الى انه « وحش فرانكنشتاين »- ليكون بمثابة « حصن » امام غول إيران. وهنا يجب أن يُفهم الخالق، فيكتور فرانكنشتاين، بشكل أساسي على انه الدول الغربية المهيمنة.

ومن جملة الأعمال الأدبية المتنوعة التي تناولت موضوع « فرانكنشتاين » هي رواية « فرانكنشتاين في بغداد» للروائي أحمد السعداوي.

وُلد أحمد السعداوي في بغداد عام 1973 ، حيث لا يزال يعيش فيها ويعمل في إخراج الأفلام الوثائقية وإعداد البرامج والأفلام الوثائقية. صدرت له عدة مجموعات شعرية منها عيد الاغنيات السيئة (2000) وثلاث روايات حتى الآن: البلد الجميل (2004) ، إنه يحلم ، أو يلعب أو يموت (2008) وفرانكنشتاين في بغداد (2013) الحائزة على جائزة البوكر العربية بصفتها أفضل رواية عربية لعام 2014. ينتمي سعداوي إلى مجموعة لا يُستهان بها من الكتاب والكاتبات الذين وسعوا فضاء المشهد الأدبي وأحيوه في العراق بعد سقوط صدام حسين، فهم : أصوات الفاجعة متعددة الأشكال التي شهدتها البلاد . إنهم يمثلون إنتاجاً أدبياً «انفجر» بعد ازاحة غطاء من رصاص، يعمل على معالجة قضيتين أساسيتين: من جهة ، الوضع في ظل قمع صدام الذي اتسم بالاضطهاد، العنف، السجون وأساليب التعذيب، إلخ، ومن جهة أخرى، تداعيات الإحتلال الأمريكي (بعد الغزو في آذار 2003) من إرهاب، مذابح، بؤس، إحباط ، إقتتال وأحلام (لم تتحقق)، غالباً ما تكونت المنفى. إنه نوع من أدب الصفحة البيضاء (Tabula Rasa)، يسعى الى وضع نهاية للأكاذيب الأيديولوجية التي امتدت لسنوات طويلة. بعض هذه الأعمال متوفرة باللغة الألمانية ومنها: رواية  إعجام لـ سنان أنطون (عام 2004 ؛ الألمانية 2009) ، الحفيدة الأمريكية لـ إنعام كجه جي (عام 2008 ؛ الألمانية 2018)، معرض الجثث لـ حسن بلاسم (ترجمت الى الالماينة عام 2015) ، بغداد مالبورو لـ  نجم والي (عام 2012 ؛ الألمانية 2014) وأعمال اخرى. جميع الكتاب المذكورين يعيشون خارج العراق!

دائما ما ارتبطت قراءة رواية فرانكنشتاين لـ شيلي بالأساطير القديمة، ويعود ذلك إلى العنوان الفرعي للرواية – بروميثيوس الحديث- ، ولكن أيضاً الى الحقبة التي كُتبت فيها6.

لقد رأت الكاتبة أن فيكتور فرانكنشتاين نفسه يقف وراء بروميثيوس7، هذا الابن العملاق ، الذي – كما تروي الاسطورة – لم يأخذ على عاتقه خلق الانسان الأول من الطين فحسب، وإنما منح أيضاً النار للبشر وما نتج عنها من ثقافة ضد إرادة إرادة زيوس – أب الآلهة – وجراء فعلته قُيد على صخرة في أقاصي جبال القوقاز. ومن الملاحظ أن ثمة مسرحية بقلم بيرسي شيلي، زوج مؤلفة فرانكنشتاين، صدرت عام 1820 تحت عنوان “بروميثيوس طليقاً” Prometheus Unbound، تدور احداثها حول التمرد ضد الاستبداد من أجل تحرر البشرية.

في هذا الإطار يرد أحْياناً ذكر باندورا Pandora – إما بوصفها إلهة الأرض أو كونها المرأة الفاتنة التي أوجدها هيفايستوس الحداد، التي أنزلها زيوس على البشر بعد ” الأثم ” الذي اقترفه بروميثيوس وأعطاها جرةً أو “صندوق باندورا”، تسربت منه الكثير من الشرور وتفشت بين البشرية؛ ولم يبقى في جوفه إلا الأمل.

وخِتَاماً يشمل هذا السياق أيضاً بجماليون، ذلك النحات-الملك القبرصي الذي قام بنحت تمثال امرأة من العاج ووقع في حبها. فاستجابت لتضرعه أفروديت / فينوس ووهبت تمثاله الحياة. إلا ان التحول من تمثال لا حياة له إلى امرأة حية كان لا بد من دفع ثمنه غاليا:  اي بمجرد التحول الى انسان حقيقي تبدأ عملية الشيخوخة “التدهور”.

ان رواية ” فرانكنشتاين في بغداد ” بعيدة كل البعد عن هذه الأساطير ، ليس فقط لأن العمل لا ينبثق من فضاء الرومانسية الأوروبية، أو لاينصب محورها الأساسي فقط على الفظاعة المتمثلة بخلق إنسان اصطناعي ، وإنما على السؤال عن ماهية هذا ” الوحش ” المركب بالنسبة للمجتمع العراقي. إن تسييس وحش فرانكنشتاين هو سمة لافتة للنظر في معالجة سعداوي للمادة الروائية. فيحولها إلى أُمْثولَة للعنف. وتشغل المعتقدات اليهودية والمسيحية والإسلامية في العراق حَيّزاً في بيئة معينة من بغداد. يتجلى ذلك في غرفة هادي العتاك بكل وضوح: ثمة أيقونة خشبيّة منقوش عليها شمعدان خلف تمثال للسيدة العذراء مريم ، مغطى بقطعة كارتون تحوي آية الكرسي.

على سبيل المثال يظهر هنا صاحب الخيال وسارد القصة هادي، وهو تاجر خردوات بسيط، ينبثق من مخيلته الوحش، لكن بعد ذلك يخرج عن سيطرته ، يصبح حقيقة ، مما أدى إلى الاطاحه به. وحسب جويس كارول أوتس يصبح المخلوق ” منتقما لنفسه “. لم تساهم في خلقه يد عالم ذو دراية بالعلوم الحديثة، وإنما أوجدته مخيلة “رجل من الشعب” ، حيث قام بتجميعه من أوصال بشرية من جميع المجموعات السكانية- العرقية والدينية والاجتماعية. ويعي القارئ لمن تعود هذه الأوصال: انها لعراقيين من بغداد. اي أن الشعب العراقي متحد في هذا الشسمه. لكن الجسد الذي جُمِعَت أوصاله لايمكن أن يعيش إلا بواسطة روح ، على سبيل المثال، بواسطة روح تحررت من جسد ما، بعد تمزق جسدها “الخاص بها” إلى أشلاء لدرجة استحالة العثور عليه، لتحل في جسد جديد، ثم تتلقى بعد ذلك الدعوة الإلهية للنهوض. بالنسبة للعديد من المسلمين، ينطوي البعث باتم صوره في يوم القيامة على علاقة متينة ثم أبدية بين الجسد السليم والروح. بينما يُطلق على الوحش عند ماري شيلي ببساطة أسم —- ، شخصية مجهولة الاسم وغير قابلة للتسمية، يمنحه سعداوي Un-Namen ، ” اي الذي ماهو أسمه ” أو الشسمه.

فضلاً عن ذلك يظهر في الرواية القديس مار جرجس، المحبب لدى اليشو، الشهيد العظيم في الكنائس الشرقية والقديس الفارس عند الصليبيين، إلخ. وعنه، الذي مات شهيداً على الأرجح في بداية القرن الرابع، لاتُنسج أسطورة قتل التنين فحسب ، بل هناك اسطورة أخرى ايضا ، وهي أكثر أهمية بكثير في هذا السياق : عندما دافع عن إيمانه المسيحي أمام الإمبراطور الروماني دقلديانوس (حكم 284-305)، في البدء قام الإمبراطور بتعذيبه بشكل مروع ثم قطع أوصاله – إلا أن الرب قد احاط به، فشفى جراحه ولملم أوصاله !

تتعدد التنبؤات حول شخصية الشسمه. أكثر ما يلفت الانتباه عند ظهور مثل هذه الشخصية المميزة هو فكرة أنه قد يكون المهدي، ذلك الشخص الذي، وفقاً للعقيدة الإسلامية، سيأتي ليبدأ حقبة جديدة أو يُختم به الزمان. يدور جدل متشعب ومستمر حول هذا الموضوع في تاريخ العالم الأسلامي رغم عدم ورود الكلمة نفسها في القرآن. وغالباً ما ارتبطت الاضطرابات والانقلابات بشخصية المهدي. وفي هذا الصدد وردت روايات عديدة وأحاديث النبوية، تباينت الآراء إزاء درجة صحتها. وكثيرا ما اقترنت صفات المهدي المنتظر بالنبي محمد ، وأحيانا بالنبي عيسى. رُوِي عن النبي أنّه قال: ” المهدي مني؛ أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، يملك سبع سنين “. وفي كثير من الأحيان تم” إسقاط ” الروايات المأثورة عن النبي على ما يجري من أحداث أو تطورات معينة ومن ثم  يُحاط شخص ما بهالة المهدي.

رواية فرانكنشتاين لأحمد السعداوي هي رواية ممتعة وموجعة، تفصح عن “الوضع” في بغداد. ولكنها أكثر من ذلك أيضاً: فهي أُمْثولَة تتناول موضوع العنف الذي يولد بشكل متواصل عنفاً جديداً، يكاد يصبح مستقلاً. انه لعنة العمل السيء.

الهوامش

  1. Kathryn Harkup: Making the Monster. The Science Behind Mary Shelley s Frankenstein (London – New York, 2o18).
  2. بركان تامبورا
  3. The Cambridge Companion to Frankenstein. Hg. Andrew Smith Frankenstein (Carnbridge, 2016).
  4. Lester D. Friedman, Allison B. Kavey, Monstrous Progeny. A History of the Frankenstein Narratives, New Brunswick, New Jersey and London, 2016.
  5. Sidney Perkowitz / Eddy Von Mueller (Hg.): Frankenstein: how a monster became an icon. The science and enduring allure of Mary Shelles”s creation (New York, 2018).
  6. Jesse Weiner / Benjamin E. Stevens / Brett M. Rogers (Hg.): Frankenstein and Its Classics. The Modern Prometheus from Antiquity to Science Fiction (London u.a., 2018).
  7. Günter Peters: Prometheus. Modelle eines Mythos in der europäischen Literatur (Weilerswist, 2016).
تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله : ميكيس ثيودوراكيس وداعاً “قصائد وأغاني” .

× رحل الموسيقار اليوناني العالمي ( ميكيس ثيودوراكيس ) عن عمر يناهز 96 عاماً , …

| يوسف لؤي جودي : سلامة المسافرين أولًا .

بينما كنا نتسامر في حفلة خاصة للرجال أفاق الخوف من غشيته أثناء محادثتنا. كان لدينا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *