| توفيق الشيخ حسين : “عشر صلوات للجسد” حكايات مؤلمة .

 قلبها يخلق من صمته دفئا ً وحياة , تخترق فضاءات الوهم وتعود الى الواقع , كل شيء صامت, كل شيء ما وراء الأشياء , ما وراء الأكوان , لا تستوعبها كل الكلمات , لذا كانت كل شيء في كل شيء , تتخيل صورة الكلمة امرأة جميلة , الخيالات لها روح أحيانا ً تبعث الحيوية في الجدب وتنتمي لذاتها , تتوكأ على عناد الوقت الممُل ّ في الدار , تخرج الكلمات من روحها , شعرت بحراراتها , وهم ّ اللحظات أخذتها بعيدا ً , تبحث في كل الأمكنة , في الوجوه , في أعالي الأشجار , وفي بريق قطرات المطر , عن الخلاص من تراكمات الحياة لتعيش أجمل وأنقى اللحظات , تبحث عن ارتعاشات الجسد تحت شتاء الشمس اللندني .

تتعثر الهواجس بين الاقتراب من الحلم والخوف من الحقيقة , تنهض وتتحصن بكتابها المفضّل , كلما عاندتها تجاعيد الأيام لجأت اليه , تتلمس الورق وتدخل عمق القصيدة وتعيش مع كاهنة , ضاقت الدائرة عليها منذ أول يوم خرجت به عن وطنها , حلمها المراهق يقاد الى سنوات مهملة , يلوك بها التصحرّ الذئبي بوحشية , فتسقط مثل حجارة من جبل الى قعر ٍ متحجر .                                        

تجمع الكاتبة ” وفاء عبدالرزاق ” في روايتها ” عشرة صلاة للجسد ” الخيال بالواقع وقررت أن تختبيء خلف قناع أسم وهمي ” أزاهير ” لتسقط على لسان شخصياتها أفكارهم ومشاعرهم دون خوف , التي أعطت صوت لبطلتها التي تجسد قهرها كما تجسد أحلامها في تجاوز بؤس واقعها , في أعماق قلبها امرأة اخرى صورة مغايرة عن التي تركتها وهاجرت , تفتح لها قلبها ولم تمتلك ذاتها .

أعتمدت الكاتبة وفاء عبدالرزاق في رسم وأستحضار بطلاتها من قراءاتها للنص التاريخي من عهد الحضارة السومرية لأول شاعرة أكدية أبنة الملك العظيم    “سرجون ” ومن على منصتها تقرأ قصائد للسيدة ذات القلب الأعظم ” إنانا وأبه”.  صديقتها الحبيبة الى قلبها , شاعرتها الأثيرة ” إنهيدوانا “حين دخلت عوالمها في معبدها المقدس من أولى قراءاتها تيقنت جيدا ً لماذا كل صلواتها كانت لـ ” إنانا ” انها تؤمن عن قناعة بأن المرأة إله الحياة , لذا عشقت صلواتها وسط إندهاش الجميع وتقديسها لـ ” إنانا وأبه ” لعل ثقتها تزعزعت بالألهة الذكور وخاب ظنها حين تعرضت لأقسى درجات الألم وشعرت بروعة ذاتها , فمن يتحمل الأقسى يبقى الأقوى والأهم .

من هنا تدخلنا الكاتبة ” وفاء عبدالرزاق ” الى عشر صلوات سومرية عبر روايتها  ” عشر صلوات للجسد ” ** , الرواية تجسد خيبة بحث النساء عن الحرية والديمقراطية في لندن , التقت الساردة  ” الراوية أزاهير ” بالكثير من النساء اللواتي تعذبن ّ وما زال العذاب متوارثا ًفالظلم يدفعهم لتحقيق الذات , في قلب كل منهما قصة مؤلمة , حين تكتب عن المرأة فهي تثق في وعي ومسؤولية , وبكتابتها تهب حريات تليق بتطلعاتها الإنسانية , هي تجيد الكتابة عن بنات جنسها وما تعانيه المرأة في مجتمع ذكوري , في رواياتها وقصصها نصا ً إبداعيا ً دالا ً على ثقافتها وملكتها في التصوّر والخلق .

 يظل الصندوق الأكثر إثارة في الرواية , حُفرت عليه  كلمات غريبة , أشكال وصور , من أين جاء هذا ؟ تساور أزاهير ” الراوية ” الحيرة دائما ً عمن جلبه هنا دون علمها , هي لم تشتره سابقا ً ولا قريبا ً , تشعر كأنها عمياء يبحث عن مجهول لهذا الصندوق , تنظر اليه بقلب صامت ومتيقظ قد يخرج منه ثعبان أو جني أو مارد , ما تعنيه من حركاته , ماسر صوته , ترى في داخله نساء وحركة مجتمع وأحاديث , فتحته وتركته مفتوحا ً باحثة عن سر اللغز .

تسير ومعها كتابها المفضل ” صلاة إنهيدوانا ” وتتخذ ظلا ً لشجرة تطل ّ على النهر , تقرأ عن الزواج المقدّس وكيف هو فرض من فرائض ديانة ” إنانا ” , هكذا تسير الحكايات , غصّة بغصّة وحكاية موجعة بحكايات أكثر منها إيلاما ً وكانت رائحة الألم تفوح من معاني الكلمات , النص ّ السردي ّ يقوم على اقتناص الأحداث الواقعية وبلورتها وتحويرها لكينونة لغوية تحيلها من الواقعي الى الجمالي ّ في اطار بنية سردية , وتعد ّ الشكل الأكثر توثيقا ً للفضاء الزماني والمكاني .

الرواية تتحدث عن حياتها وتجربتها كونها عاشت مشكلات المرأة العربية والأجنبية المهاجرة وحكاياتها عن عالم المرأة الموحش , شخصياتها كلها من النساء ومختلف الثقافات والجنسيات وتجمعهن هموم إنسانية واحدة .عرفت في قلب كل من صديقاتها  قصة مؤلمة , المتعة التي يشعر بها الرجل وهو يقسو ضربا ً على زوجته , يلوث قدسية العشرة الزوجية , هذا ما نلاحظه بحكاية ” بربارة ” انجليزية

 تشارف الخامسة والثلاثين من العمر , تؤمى ّ همسا ً وبالكلام أحيانا ً , واحيانا ً بصوت عال , خاصة حينما يأخذها حماس المعاناة , رأت دفء الألم يتساقط مع دمعات هطلت غيظا ً على خدّها , بدا تحت عينها اليسرى ورم ٌ مزرق حاولت أخفاءه بخصلة ٍ من شعرها , حتى هنا ضرب ٌ وإضطهاد في بلد الحرية والديمقراطية ! أقتربت شابة أفريقية منها :

” كلنا مثلك سيدتي , لذا ننظر الى أجسادنا المُباحة على أنها لها الحق في لذّتّها ونشوتها ” من كثر الأضطهاد والألم أصبحت تبدو أكثر نحولا ً ووجه شاحب , لا تقوى على التركيز والسياقة والرؤية مشوشة عندها وتشعر بحمى ّ أحيانا ً ونشفان في الريق , سيدتي نطقها الطبيب إنك  مصابة بمرض ” الايدز ” , جمدت كأنها تمثال , عيناها شاخصتان بوجه الطبيب وجسدها متصلب , زوجها هو السبب في نقل العدوى , فقدت الوعي وأغمي عليها وأدخلت المستشفى , بعدها جاءها الخبر سيدة ” أزاهير ” نحن من مشفى ” أيلنك ” يؤسفنا أخبارك أن ” بربارة ” توفيت بالسكتة القلبية .

تجربة المرأة عند حرمانها الأمومة وأنهيار حياتها الزوجية من خلال حساسية العلاقة مع أطفال زوجها وما تتعرض له من قلق وخوف , في صالون الحلاقة

أصغيت ” أزاهير ” الى امرأة من المغرب تزوجت من رجل مصري كان مطلقا ً وله أربعة أولاد ذكور جاءت معه الى لندن , عانت من إضطهاده وأتضح لها إنها مربية لأولاده وليست زوجته , كان سليط  اللسان , غليظ القلب , منعها من الإنجاب مدعيا ً أن له أولاد وحرمها من الأمومة ومن أنوثتها وإنسانيتها وكانت أيامها في لعنة الموت الحي .

عندما تتعرض المرأة الى شتى أنواع القهر الجسدي وخاصة الأغتصاب , حكاية

” هينار ” من بلد عريق مثل الهند سليلة ” غاندي وانديرة وطاغور ” سليلة الديانات والمعتقدات , المرأة مضطهدة في أعرق البلدان حضارة وثقافة , تروي لهم عن أختها ” أنوشكا ” التي تعمل نادلة في أحد البارات في الهند , لم تبق غير ثلاثة شهور وذلك لنظرة المجتمع أن النادلة عاهرة وعليه لابد من معاقبتها لأنها تجلب العار لمدينتها وأهلها , تعرضت ” أنوشكا ” الى الإغتصاب فأعتبروها عار على الأسرة والقرية وتأمروا كلهم على قتلها , قطع أبوها رأسها وراح يدور به في القرية إعلانا ً عن انتصاره لشرفه وحتى تكون ” أنوشكا ” عبرة للباقيات كي لا يعملن نادلات .

تجسيد ما تعانية المرأة في أعماق شخصيتها بأنها سلعة وتُحرم من الحب والزواج حكاية ” مهيرة ” من باكستان تتأمل الوجوه والأحاديث وكأنها تحترق مع إيامها التاسعة عشرة , لكن الإحتراق قهرا ً جعلها تبدو في الأربعين , لا تختلف حكايتها عن حكاية ” هينار ” وكأنها مخلوقة اخرى غير التي تركتها في بلدها , بلد ” بناظير بوتو ” فالمرأة سلعة لا صوت لها ولا حق في الأختيار , فقد قتلتها العشيرة بقتلها كرامتها وصوتها لأنها رفضت الزواج بطريقة الأسرة وأختارت من تحب , أحتشدوا لقتل إرادتها وإنسانيتها , هرّبها أخوها الأصغر الى مركز خاص برعاية النساء المطلوبات بتهمة العار والزنىّ وبعرفهم الزانية من تعترض ليس إلا , وبواسطة هذا المركز طلبت اللجوء الى بريطانيا , وهناك أيضا حالة بشعة في أفغانستان , امرأة أُخرجت من خيمتها وأمام ابنائها تم تصويب الرصاص على رأسها بتهمة الدعارة , قاتلها بعد استمتاعه بها ليلا ً قرر قتلها مدعيا ً الشرف والشهامة .

اكدت الناقدة العراقية ” نادية هناوي ” أن الرواية النسوية هي الأكثر تماشيا ً مع المرحلة ما بعد الحداثية بسبب عوامل بعضها سياسية وإجتماعية ونفسية وبعضها الآخر فني وذاتي , ولا يعد السرد نسويا ً الإ إذا أعادت الكاتبة صياغة صوتها بتمثيلات أدبية ذات صور ونماذج أنثوية , تعكس ثقافة انفتاحية لا تؤمن بالحدود المرسومة , ولا تتحدد بالمعايير التي تجدها أو تقمعها .

هنا حكاية ” دلكش ” امرأة بريطانية من أصول ايرانية سحلو أمها من شعرها على الأرض وأغتصبوها جماعيا ً وقتلو اباها أمام عينها ثم سنحت لها ولأمها الفرصة للهروب الى لندن .

في ” تايلند ” تدفن المرأة حية في القبر قبل زوجها المتوفي , توضع هي على أرضية القبر وفوقها ثقل كبير من الخشب والطابوق ثم توضع جثة الزوج .

في بعض قبائل الهند تطبق أسوأ العادات جرما ً وذلك بحرق المرأة مع زوجها المتوفي , تربط مع جثته ويصب عليهما زيت سريع الأشتعال , أي ّ جرم ٍ وأي ّ إضطهاد هذا !! .

حددت الراوية ” أزاهير ” يومين من كل أسبوع للقائها بصديقاتها لتقص ّ كل واحدة قصتها وللإطلاع على مأساة كل واحدة منهن ويكون أختيارها في كل لقاء مكان يتفقن عليه , أماكن فيها من مغزى ّ ومعنى ّ ثقافي وأجتماعي ” قلعة لندن , المتحف البريطاني , نهر التايمز , جسر البرج , محطة البرتن , مطعم سوهو ” .

الكاتبة ” وفاء عبدالرزاق ” مسكونة بوطنها العراق , هي عاشقة له يتمخض فيها وجعا ً ومحبة قالت : ” أنا اراه محبوبي الأوحد الذي به توحدت, أبحث عن الوطن في ّ وأبحث عن نفسي فيه ”

في عتمة الليل يبدو كل شيء صامتا ً , تباع المرأة وتورث مثل باقي الأملاك بعد وفاة الزوج ويحق للرجل بيع ابنته لرجل اخر كعبدة , بعض من عشائر العراق تأخذ المرأة ” فصلية ” لأهل القتيل , تساق للزوج ليحق له إهانتها كعبدة وضربها والحاقها بالضرر منه ومن أسرته , وايضا ً ما دار في الصحف والأعلام المرئي عن زواج القاصرات وأهلية الفتاة للزواج في سن التاسعة .

تمر أمامها صور ٌ كثيرة عن الزواج المقدّس أو الجنس المقدّس, المتعة والمسيار أتراهما إرث قديم ؟ أو نحمل هذا العبء على أكتافنا لنورثه للجيل القادم كما أورثه لنا آباؤنا وأجدادنا !

” على هذه الأريكة تمدّد جسدي المنهك من عُقم الأيام , لم تنجب بطن اللحظات ساعة فرح تهزني من أعماقي , لم تفارق نظرة الحزن عيني , بصمة حدقتيها البنيتين وسِمتها الخاصة , كيف تكون الملابس ذئابا ً , المجوهرات عناكبا ً , والحلي مجرد ثرثرة على معصمي أو عنقي ” .

قسوة المجتمع من معتقدات الدين في قضية ختان البنات , حكاية ” خضرة ” امرأة 

يهودية ذات أصول صومالية جاءت الى بريطانيا مع أسرتها لطلب اللجوء , كيف قاست من معتقدات دينها في قضية ” ختان البنات ” وهي في الخامسة من العمر والذين يعتبرون ختان الفتيات وخياطتهن بعد ذلك أفضل طريقة لعفتهن وعليه تكون عفة عوائلهن .

” ايملي ” فرنسية رغبت دراسة الأدب الأنجليزي , تزوجت بعد أن تعرفت عليه في مرقص صغير , حبلت منه لكنه تمادى في بيعها لناس لا يعتقد إنهم اصدقاء له , مرضت وبسبب عدم قدرتها على مواصلة الدراسة فصلت من الجامعة , كانت فرحة بخلاصها من الجنين وهو في الشهر الرابع , تركته وبعدها أتممت دراستها وحصلت على عمل مدرسة لغة أنجليزية لغير الناطقين في أحد المعاهد في لندن .

حكاية ” إيف ” أمريكية الأب وبريطانية الأم , خلال تواصلها في التواصل الأجتماعي ” الفيس بوك ” تعلقت بشاب عراقي من مدينة الشطرة , كانت سعيدة في علاقتها معه عبر الأثير ومن خلال الشاشة , في ذات يوم حصل على منحة سفر الى لندن كونه رجلا ً اكاديميا ً , فوجئت في المطار بشخص آخر ليس كما وصف نفسه , استغربت منه واخذته الى الفندق الذي حجز فيه ثم تركته يعيش كذبته .

الجسد جزء لا يتجزأ من الكيان الإنساني وهو قيمة مقدّسة تحتاج الى فكر حر ونقاء قلبي وصدق مع الذات لإبراز جماليتها كما تقول ” مادونا عسكر ” :

” المرأة كائن يخضع للتجربة الإنسانية والأختبار الحياتي بكل ما تحمله الكلمة من معنى ّ , لكن المحيط العائلي والإجتماعي والتربوي والديني يقمع بشكل أو بآخر قدرتها على النمو ما يحول بينها وبين التعبير عن هواجسها وأفكارها “.

” سارة ” لها قلب طفلة وعينان غارقتان بالدموع , طفولة ألم وصمت , تزوجت أبن خالها المتعجرف الذي يرى نفسه ملك حياته , أوصلها الى الإنتحار ثلاث مرات والمرة الرابعة لم تنج منه , فقدت الوعي وشل ّ نصف جسدها ولسانها , كان يضطهدها بالعزلة عن العالم , العزلة من الواقع والحياة .

تعاني المرأة من قضية منع الزواج من الرجل الذي أحبته بسبب أختلاف الدين ,

” فتنة ” سيدة من مصر, مسيحية الدّيانة تعرفت على شاب مسلم , مجرد التفكير باختلاف الديانتين يشعرهما بالشلل والعجز ,  الحب قهر كل الأختلافات , قرر علي أن يعقد دون علم أسرتيهما , أوقفت الفكرة المحكمة كون فتنة عمرها أقل من السابعة عشرة , نسيت نفسها بين يديه , تحرك الحمل في بطنها , جل خوفها من إخوتها الثلاثة وأبيها المتعصب لمسيحيته , صديقتها المسيحية الثرثارة سربت خبر حملها لوالدتها , أصبحت خائفة حتى من ظلها , أتصلت بعلي واستعدا للسفر الى تركيا ومنها يطلبان اللجوء الى بريطانيا , وفعلا ً وصلا الى بريطانيا وكان لجوئهما باعتباره إضطهاد ديني .

 ” Bella  ” امرأة نحيفة قصيرة القامة , أجبرت على الزواج من أهلها وهي في سن المراهقة لأقطاعي ثري كبير السن , كون البنت عالة على أهلها في الصين , فالمولودة الأنثى حالة شؤم لإهلها , كانوا يتركون البنات وهن صغيرات في الحقول لتأكلهن الحيوانات المفترسة , يتابع عينها إذا سار معها في أي ّ مكان , زوجها مقيم في لندن منذ خمسين سنة وله مطعم كبير , مازالت عذراء والعذرية عندها نسيان الجسد والرغبة .

” ميلفا ماريك ” زوجة ” أنيشتاين ” تخاطب أزاهير جئت أخذ قلمي منك الذي كتبت به أبحاثي في الفيزياء وجادلت به ” أنيشتاين ” بمعادلات كيميائية حتى وصلنا الى نظريتنا ” قانون التأثير الكهروضوئي ” التي نال عليها جائزة نوبل لوحده حين قدمها مذيلة بإسمه فقط وضاع كل تعبي وسهري معه , قصّر بعلاقته معي ومع أولاده , اذاقهم اليتم وهو على قيد الحياة , كان يعاملني كخادمة له ولا أتوقع منه علاقة زوجية طبيعية أو مودة وحتى صداقة , تركت المنزل لسنوات حتى حصلت على الطلاق .

حتى الفلاسفة يريدون المرأة ظلا ً صامتا ً , الفيلسوف ” كونفيشوس ” في بحثه عن امرأة يريدها أن تكون زوجة لا تسمع ولكن ليست صماء , لا ترى ولكن ليست عمياء , لا تتكلم ولكن ليست خرساء , فأين يجد هذه المرأة ؟ إنه مازال يبحث عنها.

” كوريانا ” تعني الرمح وأختها ” لونجين ” تعني الملكة من رومانيا , كانا باتجاه ركوب الحافلة عندما مرت سيارة واختطفتهما وغادرت بهم مسرعة وتم تكميمهما بكمام فيه مخدر , كانا في غرفة صغيرة مظلمة مرميتان على الأرض , تم التناوب على اغتصابهما , بقيا على هذه الحالة ثلاثة شهور حتى حبلت أختها , ثم هربوهما الى المانيا الوكر الكبير للدعارة , ماتت أختها وهي تنزف من الاجهاض , حتى جاء اليوم الذي انقذها شاب يهودي تعلق بها واستخرج لها وثيقة وعقد زواج وجواز سفر وسافرا الى لندن .

” زبيدة ” أحب امرأة الى قلب ” هارون الرشيد ” , تمنت لو انها امرأة من عامة الناس تحب وتعشق وتتزوج من تعشقه , أم زوجها ” الخيزران ” تتدخل في حياتها , يحبها الرشيد وتعرف كل ليلة  بأحضانه عددا ً من النساء , كان يعذبها بنسائه , رزينة ذات عقل ورأي وفصاحة وبلاغة , تنظم الشعر , أقسى ساعة مرت بها عندما دخل عليها الخليفة المأمون يُعزيها بإبنها , وعليها أستقبال قاتل إبنها بالتبجيل والترحاب .

” خولة ” الأبنة الكبرى لوالديها , لم يفكر والدها بتوفير مستقبلهم كأسرة , حين تخرجت من الجامعة لم يفرح لها كباقي الآباء , كان يحاسبها حتى على شُرب الماء بينما أشترى لأخوته كلهم دورا ً , سافرت الى لندن لإكمال دراستها بعد أن جمعت من راتبها مبلغا من المال وحصلت على الدكتوراه في المحاسبة وعملت لدى شركة كبرى وحصلت على إقامة عمل ثم الجنسية البريطانية .

” جان دارك ” حكم عليها بالموت حرقا ً بتهمة العصيان والزندقة , اسرها البريطانيون في حربهم مع فرنسا وحكمت عليها الكنيسة , خلّدتها الكنيسة الفرنسية بعد خمس وعشرين سنة حين اذن البابا ” كاليسيوس الثالث ” بإعادة النظر في محاكمتها من قبل لجنة مختصة التي قضت ببراءتها من تُهم وجهت اليها وأعلنتها بناء ً على ذلك شهيدة وقدّيسة , تعد ّ بطلة قومية فرنسية قادت الجيش الفرنسي الى عدة انتصارات مهمة خلال حرب المائة عام ممهدة الطريق لتتويج” شارل السابع” ملكا على البلاد وحين اسرت لم يتدخل ” شارل السابع ” لإنقاذها من الاسر , هكذا تساق النساء للحرق أحياء وتلفّق ضدّهن التُهم من أجل مصالح الكراسي والحكام والأساقفة !

تعانق كل مرايا الدار كالمجنونة , في الصالة اثنان , أمام غرفة نومها واحدة , في الغرفة اثنان تتحدث معها , تناقشها , تسألها , ترقص فرحة أمامها , تتصور أن تقول لها : أنها آتية بكل ما تملك من ضوء , تمجدها وتحبها ,المرايا الوحيدة التي تحملتّها وصبرتّها وساندتّها ووجدت فيها ذاتها , والتي لم تصبح ظلا ً لأحد وبقت في محرابها وفي صلواتها العشر, هل هذا انتصار للمرأة ؟ أم اللجوء اليها ؟ إذا ً لا أحد يعرف المرأة بكل ما تمتلك من أحاسيس إلا المرأة .

تعرضت ” هاريت توبمان ” الأفريقية في صغرها للضرب على يد الكثير من أسيادها في مقاطعة ” دورشيستر ” بـ ” ماريلاند ” وتعرضت الى جرح كبير في الرأس وتسببت الإصابة بصداع ونوبات وتخيلات ورؤى , هربت عام 1849 الى ” فيلادلفيا ” لكنها سرعان ما عادت الى ” ماريلاند ” لإنقاذ عائلتها , اخرجت عائلتها من الولاية ببطء على مجموعات وقادت العشرات من العبيد الى الحّرية , كانت أول امرأة تقود حملة مسلحة في الحرب , وقادت حملة حُرر فيها 700 من العبيد , أنهكها المرض ودخلت في بيت للمسنيّن الأمريكيين من أصل أفريقي .

” بولا ” خياطة للأسر الثرية الى أن اصبحت الخياطة الخاصة بالأميرة , كانت تجمع المعلومات وإيصالها الى الثوار في مدينة ” بوغوتا ” , وكانت تتسلل الى السجن بواسطة أحد الحرس وتزود السجناء بالأكل والماء , كشف أمرها وحين ساوموها بالقتل أو الأعتراف بمخابيء الثوار لم تتفوه بكلمة واحدة , أعدموها رميا ً بالرصاص وسط الساحة في العاصمة , بعد ذلك أصبحت رمزا ً للثورة حين نال شعبها حريته واستقلاله .

رواية متميزة تجعلك مشدودا ً تبحث عن حل اللغز , ومسألة وسؤال , هي نقد بأسلوب أنثوي , هي صرخة أحتجاج تكشف عن وجود أزمة حقيقية في الواقع .

 

**عشر صلوات للجسد / رواية / وفاء عبدالرزاق / افاتار للطباعة والنشر /

القاهرة / 2020 / لوحة الغلاف / الفنان العراقي صالح كريم .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| سعد الساعدي : التاريخ الذي تكتبه القصيدة.. الكواز مؤرِّخاً .

إنَّ الناقد اليوم بحاجة لشيء جديد وطريقة اشتغالية جديدة، كمنهج يتماشى مع ما يجده أمامه، …

| الكبير الداديسي : بين التجريب وتبئير المشروع في روايات شعيب حليفي من “زمن الشاوية” حتى “لا تنس ما تقول” 1 .

بقدر سعادتنا بمثل هذه الملتقيات التي نجدد فيها الوصل بأصدقاء نعزهم ونحمل لهم في قلوبنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *