| عبدالله علي شبلي : ازدواجية الرقمي والسيكولوجي في تشكيل الشخصية عبر جسر ثنائي : ” الهوية ” و “المرآة المكسورة “للسي محمد بوغنيم البلبال .

مقدمة :

بين الشخصية والمرآة علاقة نفسية متوترة ومتوازية. علاقة حلول وسكون وعلاقة تنافر وتجاذب. لا يقدر على تفكيكها إلا شاعر ذو حس مرهف أو سيكولوجي متمرس وكلاهما مثلا في عقل الشاعر والسيكولوجي السي محمد بوغنيم البلبال،  في كيانه وفي وعيه الذي يمارس فيه اكلينيكيا،  وفي لا وعيه الذي ينضح حرفا وينضج ابداعاً مزدوجاً. وبين النص الأول والثاني علاقة ومضة وضربة ريشة واحدة،  ترتّق المعنيين السابقين بشكل لا يدع إلتباسا ممكنا.

 

    1 .الصورة هوية ، الهوية بين رفض ممهور ومأمول مرتجى.

 

ان الحديث عن الصورة هوية في حقيقته هو تقزيم للهوية في بعدها النفسي السيكولوجي والاجتماعي الممتد،  ذلك أن ابعاد الهوية كما هو معروف مترامية ومتشعبة لحد العصابية،  فهناك من يربطها بالديني والثقافي،  وهناك من يجعلها لصيقة بالطبقة الاجتماعية مؤدلجة ،  وهناك آخرون جعلوا الهوية أسيرة اللغة والعرق بحيث.لا تنفصم عنهما ولا تتعداهما تصفية واقصاء .

  وفي خضم هذا التنافر حد التضارب والصراع لمفهوم الهوية،  نستطيع أن نقول أن الصورة أيضاً حاضرة في عالمنا الرقمي باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الهوية،  خاصة حين نربطها حصرا ب ” بروفايل فيسبوكي ” ، وهو ما يحيل عليه الاستعمال الذي وظفه الشاعر، وذلك عبر إزالة الصورة اللاحقيقية أصلاً،  ايحاءً على استلاب رقمي – هوياتي،  يَستدعي الشاعرُ المبدعُ نفسَه خارج مجال اشتغاله الشعري،  ليغدو باحثا سيكولوجيا ينقب عن عصاب الشخصية النسوية تحديداً ممثلا في نحت هوية مختلقة طلباً للتوازن النفسي المسلوب،  الذي صار سمة لكل ما هو رقمي – افتراضي،  فهو من جهة أولى هروب من واقع مأزوم نفسيا بشكل كبير، ( مادام النفسي هو أكبر تجلٍ لما هو اقتصادي وسياسي واجتماعي ) ، ومن جهة أخرى هو عوض غير مقارن ضمن هوية أخرى جديدة،  وإن كانت وهمية أو مستلبة أيضاً،  تدفع بها الأولى فتصير الأخيرة بحثاً عن التداوي النفسي بما هو فني أو سردي أو شعري،  وهنا تستخدم الجوكندا بعينين لا لون لهما هوية بديلة ، غير أن أنصرام النص مع هذه العبارة الأخيرة،  تلك التي تفيد عدم اهتمام أحد بها خارج الرسم،  يجعل الشاعر – المعالج يسوقنا الى فشل المطلب الملح في استبدال الهوية المأمولة،  ويطوح بنا في تكسير أفق انتظار متفرد،  الى هويات جديدة منفتحة لا يستطيعها إلا الرسام،  كونه واحداً، من بين العشرات، الذي يستطيع انجاح التأويل ، ويُحضّر لمخاض هوياتي متناسل تصنعه الصورة وتثريه عبر امتدادات الظل وخلفيات الألوان وتشكل الرؤيا عبر تماس الرؤية.

 

    2. تعالق مفهومي المرأة والمرآة، المرأة والمرآة بين الاعجاب والتكسير .

 

المرآة والمرأة علاقة قرابة لغوية مورفيمية،  وتجانس نفسي واجتماعي، ولعل التنشئة الاجتماعية وتحكم العادات والتقاليد في ترسيخ الصورة النمطية عن المرأة ، وعلاقتها بالمرآة يزيد هذه العلاقة التباساً وتشعباً الى حد كبير جداً.

المرآة هي الآخر في تصور البعض،  المرآة هي الخلق في أعراف الغير،  المرآة هي غيرك الخفي الذي يفضح،  المرآة هي نفسك أو ذاتك، هي الآخر سلباً وايجابا ” المؤمن مرآة أخيه ” هي نقيضك أو عدوك أيضاً،  وفي عرف قريب يُنال بمعرفة بسيطة ” هي ذاك الشيء العادي اليومي والرتيب والضروري الذي لا تخلو منه البيوت ” ، الزجاج الذي يعكس وجهك مظلما او عابساً أو مجعداً ، يجعلك تعجب نفسك خيلاء أو تزهد فيه،  بل وتنفر من انعكاس طيفك فيه مرة،  فتهرع الى تغيير ثوبك أو ملبسك عاكفا على تحسين شكله، ناسيا جوهرك الدفين بين جنبيك،  ما به تتحقق آدميتك : الروح والنفس.

وهي في امتدادات عميقة نفسياً  صورة “نرجس” جمالاً واعجاباً،  فناء في جسد وموت يحكمه العصاب والبهاء.

وعلى طول هذه الامتدادات والاسقاطات المتناسلة تتمترس المرآة مكسرة في حلمها الموشوم بتاء الغائبة، دلالة على المرأة الغائبة والحاضرة فينا بمفهوم ” اللاوعي ” الذي يحب المبدع رفقته وسبر اغواره الخفية بحكم اشتغاله النفسي الاكلينكي،  والذي أكاد أجزم انه لن يستطيع الفكاك منه شاعراً، وهنا يحضر الحلم كامتداد للأمل طبعا وتجاوزٍ للألم في الوقت ذاته،  فالحلم بتكسير المرآة فيه امتدادات تراثية تليدة ترتبط باسقاطات نفسية فرويدية تصب كلها مجتمعة في البعد الخلقي،  والإسقاط الجسدي،  والرغبة المشتعلة المكبوتة التي تطفو وترتد بدافع عدم الرضى ببلوغ المراد ،  واشتهاء الجسد على غير ما هو عليه. ولعل في تداخل الحلم مع الاستفاقة وليس مع الاستيقاظ ، يعطي الحلم طابعاً آخر نفسياً أكثر منه حلماً عاديا يتخلل نوم العوام،  فقرينة الفعل ” استفاقت “تجعل الحلم رديف اللاوعي الماثل في الشخصية الأنثوية هنا،  ولعل في غياب نفسها ، ما يدلل على تتابع فقدان الهوية المأمولة وحضور الهوية الوهمية حصراً، ومما زاد من حجية هذا المعنى استحضار الرمز – يعقوب ممزوجا بدلالة يوسفية في الحلم – الرؤيا ، غير أن المبدع لم يتركها هكذا مشرعة باستحضار الإبن دلالة على التحقق والظفر النهائي، ،بل ربطها بالنفس اليعقوبي ليحيلنا الى قوله تعالى : ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم،  ما كان يغني عنهم من الله شيئاً،  إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها ”

فهل ستكسر المرآة لتجد نفسها في نفسها؟  أم هي فقط تمني نفسها بقضاء حاجة في نفسها ونفس يعقوب؟

 

الشاعر السي محمد بوغنيم البلبال. المغرب

 

هوية.

ازالت صورتها الغير حقيقية من البروفايل

فوضعت صورة تشبه الالجوكندا بعينين لالون لهما

فلم يهتم بها احد خارج الرسم.

🌿

 

مرآة مكسرة.

 

حلمت انها

كسرت مرآتها

وحين استفاقت لم تجد نفسها في نفسها ولافي نفس يعقوب .

 

عبدالله علي شبلي

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| سعد الساعدي : التاريخ الذي تكتبه القصيدة.. الكواز مؤرِّخاً .

إنَّ الناقد اليوم بحاجة لشيء جديد وطريقة اشتغالية جديدة، كمنهج يتماشى مع ما يجده أمامه، …

| الكبير الداديسي : بين التجريب وتبئير المشروع في روايات شعيب حليفي من “زمن الشاوية” حتى “لا تنس ما تقول” 1 .

بقدر سعادتنا بمثل هذه الملتقيات التي نجدد فيها الوصل بأصدقاء نعزهم ونحمل لهم في قلوبنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *