| طلال حسن : الباندا .. الباندا/ الحلقة الثانية .

                                     أريد أن أكون ..

 

   حين أفقتُ ، صباح اليوم ، لم أجد ” ديسم ” ، في حضني مع أخته ” ديسومة ” كما أراهما عادة كلّ يوم ، في مثل هذا الوقت .

وتلفتّ في الكهف الثلجيّ يميناً ويساراً ، لا أثر لديسم في أي مكان ، ثم التفتُ إلى ديسومتي الحلوة ، وسألتها : ديسومتي ، أين أخوك ديسم ؟

وردت ديسومة متثائبة : لا أعرف .

ونظرتُ عبر مدخل الكهف ، الشمس مشرقة في الخارج ، ولا أثر لأي ريح قوية ، ديسمي الأحمق ، كم أخشى أن يكون قد ذهب إلى فتحة التنفس ، وهبط عبرها إلى أعماق البحر ، ليصطاد السمك ، فهو البارحة ، كان يريد أن يكون مثل القرش ، صياد سمك ماهر .

ونهضتُ من مكاني ، وأسرعت إلى الخارج ، لأدركه قبل أن يرتكب حماقة جديدة ، لكني فوجئتُ به ، يجلس جامداً كقالب من الثلج ، قرب مدخل الكهف ، ترى ماذا يريد أن يكون هذا اليوم ؟

وتوقفت على مقربة منه ، وقلتُ مازحة : ظننتُ أنك ذهبت لتصطاد فقمة .

فردّ ديسمي ، دون أن يلتفت إليّ : أنا لا آكل لحم الفقمة ، حتى لو متّ من الجوع .

وكتمتُ ابتسامتي ، وقلتُ : يا للعجب ، لكنك البارحة قلت ، إنك تحب أكل لحم الفقمة .

ونظر إليّ لحظة ، ثم قال : هذا كان البارحة .

ونهض من مكانه ، وسار مبتعداً عن الكهف ، وخشيت أن يتجه إلى فتحة التنفس ، فهو ـ من يدري ـ ربما مازال قرشاً ، يحب صيد السمك ، فأسرعت في أثره حتى حاذيته .

وقال ديسمي ، دون أن يلتفت إليّ : ماما ..

وأدركت أنه سيقول شيئاً مهماً ، فأجبته : نعم ، حبيبي .

وقال دون أن يلتفت إليّ : أريد أن أكون .. باندا .

فوجئت بما يريد أن يكونه هذه المرة ، رغم أنني لا أفاجأ بما يريده عادة ، مهما كان ذلك غريباً ، وقد أراد أن يكون قرشاً أو ذئباً أو حوت الأوركا ، وهي كلها تعيش هنا ، أما الباندا .. آه .. عرفت .

والتفتُ إليه ، وقلتُ : لابدّ أنك رأيت الخطاف .

وردّ ديسمي : لا شأن لي به .

فقلتُ : أنا أيضاً رأيته ، وقد حدثني عما رآه من كائنات حية ، في رحلاته حول العام ، ومنها .. الباندا .

ولاذ ديسمي بالصمت ، فقلتُ وكأني أحدث نفسي : صحيح أن الباندا دب ، جميل ، ولطيف ، مكور الجسم ، وكسول ، له فراء سميك ، لونه أبيض وأسود ، لكن معظم طعامه هو البامبو .

ونظر ديسمي إليّ ، وكأنه يسأل عن معنى ” البامبو ” ، فقلت : البامبو أشجار تنبت في الصين ، يتغذى عليها الباندا ، وقلما يأكل غيرها طول اليوم ، وللأسف ليس هنا بامبو لأقدمه لكَ .

وبقي ديسمي صامتا ، لا ينطق بكلمة واحدة ، فتابعت كلامي قائلة : والباندا شديد النهم ، يقضي معظم وقته في تناول البامبو ، وهو لا ينام في اليوم الواحد أكثر من أربع ساعات ، ولهذا فإنه لا يسبت في الشتاء ، مهما اشتدّ البرد وتساقطت الثلوج .

وتوقف ديسمي ، ثم قال : ماما ، إنني متعب ، سأعود وأرتاح في الكهف .

ثم استدار ، ومضى نحو الكهف ، فقلت : انتظرني في الكهف ، سأذهب وأصطاد ما نأكله .

وعند منتصف النهار ، عدتُ إلى الكهف ، ومعي فقمة صغيرة ، اصطدتها من أعماق البحر ، فوضعتها في مدخل الكهف ، وصحت : ديسومتي ، اصطدت فقمة ، تعالي وتناولي غداءكِ .

وأقبلت ديسومتي فرحة ، من داخل الكهف ، وقبل أن تنقض على الفقمة ، سألتها : أين أخوك ديسم ؟

فقالت ، وهي تنهش من الفقمة : إنه متمدد في الداخل .

لم أمدّ يدي إلى الفقمة ، ولم أتناول لقمة واحدة منها ، وكيف آكل وديسمي الحبيب ” العاقل ” ، متمدد في داخل الكهف ، لا يشاركنا الطعام ؟

وفوجئتُ به ، يخرج من الكهف ، ويقترب مني ، وهو يقول : ماما ..

وخفق قلبي فرحاً ، فديسمي يريد أن يقول لي شيئاً مهماً ، وربما مفرحاً ، فقلت : نعم حبيبي .

فقال ديسمي : لا أريد أن أكون باندا ، إنني دب قطبي ، وأريد أن أبقى دباً قطبياً .

ورغم معرفتي السبب ، قلت متسائلة : لماذا ؟

وارتمى ديسمي على صدري ، وقال : لأنكِ أمي الحبيبة ، وأنتِ دبة قطبية .

 

                                7 / 3 / 2019

=================================

                                        الزائر العملاق

 

   غفت الأم عند الفجر ، وضعت رأسها المتعب المهموم قرب رأس ابنها ” شيوان ” الذي سيبلغ الخامسة من العمر خلال أيام ، لعلها ترتاح قليلاً لكنه أغفت ، واستغرقت في نوم عميق .

لقد ظلت لساعات طويلة ، ساهرة لصق سريره ، في هذه الغرفة الصغيرة ، وعيناها القلقتان ، الغارقتان في الحزن ، لا تفارقان وجهه الشاحب المحموم ، فقد قال لها طبيب المستشفى ، الذي يعالجه منذ أن مرض قبل حوالي الشهر : إذا أفاق صغيركِ خلال ” 24 ” ساعة ، فسيكون الخطر قد زايله ، وسيشفى .

وظلت تبتهل ، وتصلي ، وترجو ، وتتوسل ، أن يفيق ” شيوان ” ، فهو صغيرها الأول ، ولن يكون لها صغير آخر ، من زوجها الحبيب ” تشنغ ” ، فقد ذهب إلى الحرب ، ولم يعد .

تناهى إليها من مكان بعيد ، بعيد جداً ، ربما من أعماقها ، التي أرهفتها الآلام والمحن والانتظار ، ما يشبه صوت صغيرها يتمتم : ماما ..

لم تلتفت إليه ، فهي مستغرقة في نوم عميق ، وليس من السهل أن تفيق ، وجاءها الصوت ثانية ، وهذه المرة بشكل أوضح : ماما .. ماما .

وفتحت عينيها ، وقد ضجتا بالحياة ، لعل الأمر ليس حلماً ، من يدري ، وفركت عينيها ، بل وقرصت خدها حتى آلمته ، إنه صغيرها ” شيوان ” ، وها هو قد فتح عينيه حقيقة ، وليس في المنام ، فقالت بصوت تغرقه الدموع : شيوان .. بنيّ .

وابتسم ” شيوان ” لها ، وقال : ماما ، جاء الباندا العملاق لزيارتي .

وجمدت عينا الأم ، صحيح أن ” شيوان ” يحب الباندا ، بل ولديه أكثر من دمية في البيت بهيئة باندا ، لكن أن يزوره الباندا العملاق ، آه بنيّ .

وقال ” شيوان ” ثانية : ماما ..

ولاذت الأم بالصمت ، مذهولة ، مصدومة ، خائفة ، نعم لقد أفاق صغيرها ، وزايله الخطر ، فهل زايله مع الخطر العقل أيضاً ، آه .

وتابع ” شيوان ” قائلاً : هذا ما قاله لي ، عندما جاءني في الحلم ، لكنه سيزورني حقيقة .

ومرة أخرى لاذت الأم بالصمت ، ونهض ” شيوان ” من فراشه ، عندما ارتفعت ضجة في الخارج ، فقالت الأم : ابقَ في فراشك ، يا بنيّ ، أنت مريض .

لكن ” شيوان ” مضى إلى النافذة ، التي تطل على الشارع ، وهو يقول : ماما ، إنه  الباندا العملاق ، جاء لزيارتي كما وعدني .

ووقف ” شيوان ”  عند النافذة ، وأطل منها على الشارع ، وسرعان ما أشرق وجهه الشاحب بالفرح ، وصاح : ماما ، تعالي ، ها هو الباندا العملاق يحييني .

ونهضت الأم ، وقلبها يخفق ألماً ، لقد جن ” شيوان ” ، وأطلت من النافذة ، وكادت هي أن تجن ، فقد رأت باندا عملاقاً ، بلونيه الأسود والأبيض ، يقف في الشارع أمام نافذة غرفة ” شيوان ” ، وقد رفع رأسه الضخم الجميل ، ثم صاح بأعلى صوته ” آآآآآ  .

وفكرت الأم ، أن آآآآ هذه ، ربما تعني بلغة الباندا ، التي لا يفهمها ، في العالم كله ،غير الباندا أنفسهم : طاب يومك ، يا عزيزي شيوان .

لم تصدق الأم ما تراه وما تسمعه ، لكن الأمر حقيقة ، يجري أمام عينيها ، وفي وضح النهار ، وجاءت الممرضة ، فرحة مذهولة ، وأطلت معهما من النافذة ، وهي تقول : انظري ، انظري جيداً ، المرضى كلهم تركوا أسرتهم ، وهم يتفرجون من نوافذ المستشفى ، فهذه أول مرة نرى الباندا العملاق ، الذي يعيش في أعلى الجبال ، يتجول هكذا في شوارع مدينتنا .

وتلفت الباندا العملاق حوله ، ثم بدا وكأنه يلوح لشيوان ، وبعدها استدار ببطء ، وواصل طريقه على امتداد الشارع ، المكتظ بالناس ، حتى غاب .

***************************************

                                         طفل الباندا

 

   قبل أن ترشف ” ويلو ” رشفة واحدة من عصيرها ، الذي كانت تحب أن تشرب منه دائماً ، تناهى إليها صوت مرعوب باكٍ : ابنتي ..

ورشفت رشفة صغيرة ، متلذذة بعصيرها المنعش ، فما شأنها هي بامرأة حمقاء ، ترفع صوتها هكذا ، وكأن ابنتها سيهاجمه باندا عملاق .

وفكرت للحظة واحدة ، أن هذه المرأة الحمقاء ، ربما تاهت ابنتها بين المتفرجين الكثر في حديقة حيوان الباندا العملاق هذه .

آه العصير مازال حلواً ولذيذاً ، كما كانت تشربه وهي طفلة ، تأتي إلى هذه الحديقة مع أمها ، ورفعت الكوب إلى شفتيها ، اللتين تبللتا بالعصير الحلو ، لترشف رشفة ثانية ، لكنها توقفت مذهولة ، وكيف لا تذهل ، وهي تسمع المرأة تصيح ، بنفس الصوت المرعوب الباكي : النجدة .. النجدة .. ابنتي سيفترسها الباندا .

ورأت ” ويلو ” بعض الزوار ، رجالاً ونساء وأطفالاً ، يركضون مولولين نحو موقع الباندا ، وفاتها أنها لم تشرب عصيرها الحلو ، وركضت مع الراكضين ، وكوب العصير في يدها ، حتى أنها لم تلتفت إلى البائع العجوز ، وهو يصيح بها : مهلاً .. مهلاً .. لا تذهبي .. هاتي الكوب أولاً .

واندست بين المتفرجين ، الذين ازدحموا حول موقع الباندا ، وشقت طريقها بينهم ، وكوب العصير في يدها ، حتى وصلت إلى حافة الموقع ، ونظرت حيث ينظر المتفرجون ، وإذا طفلة صغيرة ، تقف متألمة أسفل الموقع ، وهي تنفض الغبار عن ملابسها ، واتسعت عينا ” ويلو ” رعباً ، كيف وصلت هذه الطفلة ، التي لا يزيد عمرها عن الخمس سنوات ، إلى هذا المكان ؟

ثم هذه الملابس الحمقاء ، التي ترتديها ، هل أمها باندا ؟ وعرفت من لغط الجمهور ، أن أمها الحمقاء ، غفلت عنها ، فانحنت كثيراً فوق السياج ، ناظرة إلى الباندا ، وسقطت في موقع الباندا .

وتطلعت ” ويلو ” إلى الباندا ، الذي يقف في طرف الموقع ، ورأته يحدق في الطفلة ، بثوبها الذي يشبه فراء الباندا أسود وأبيض ، الباندا الأحمق قد يؤذيها ، لابدّ من عمل شيء ، وحاولت ” ويلو ” أن تتسور الموقع ، وكوب العصير في يدها ، فأمسكتها امرأة مرعوبة باكية ، وقالت لها : أيتها المجنونة ، ماذا تفعلين ؟

وصاحت بها ” ويلو ” وهي تحاول التملص منها : دعيني ، الباندا قد يؤذيها .

وصاحت المرأة بصوت مجنون : أيتها المجنونة ، هذه ابنتي ، وليست ابنتك .

ودفعت ” ويلو ” كوب العصير إلى المرأة ، وقالت لها : امسكي هذا الكوب .

وأمسكت المرأة المرعوبة الباكية الكوب ، دون أن تتفوه بكلمة ، فتسورت ” ويلو ” حاجز الموقع ، وقبل أن تنحدر نحو الأسفل ، قالت للمرأة : إياك أن تشربي العصير ، إنه لي ، لقد دفعت ثمنه للبائع .

وسقطت ” ويلو ” على الأرض ، لكنها سرعان ما نهضت ، ونفضت التراب عن ملابسها ، وأسرعت إلى الفتاة الصغيرة السوداء والبيضاء وكأنها صغيرة باندا عملاقة ، وسط لغط المتفرجين ، وصيحات بعض النساء الخائفات والمشفقات على الفتاة الصغيرة ، وهنا حدق الباندا العملاق في ” ويلو ” والفتاة الصغيرة ، ورفع رأسه إلى أعلى ، وصاح : آآآآ .

لم يفهم أحد ما أراد الباندا أن يقوله ، حتى ” ويلو ” التي ربت الباندا الوليد إلى أن كبر ، وانفصل عنها ليعيش وحده في الغابة ، لم تفهم ما قصده ، وتقدم الباندا بخطوات ثقيلة ، وعيناه الصغيرتان على ” ويلو ” ، وكأنه لا يرى أحداً غيرها ، ولا حتى الطفلة البيضاء والسوداء ، التي تقف إلى جانبها ، وتوقف أمام ” ويلو ” ، ورفع رأسه ثانية ، وصاح بصوت خيل ” لويلو ” بأنه فرح : آآآآآآ .

وحبس الجمهور ، رجالاً ونساء وأطفالاً ، أنفاسه رعباً وشفقة ، وهم يرون الباندا العملاق يتقدم ببطء من ” ويلو ” والفتاة السوداء البيضاء ، أما أم الفتاة ، التي مازالت تمسك بقدح العصير ، فكاد قلبها أن يتوقف ، فهذا الباندا العملاق سيسحق طفلتها ، ومعها هذه المرأة الحمقاء ، التي تركت عصيرها ، ونزلت إلى موقع الباندا .

ومدّ الباندا يديه الضخمتين ، إلى ” ويلو ” والفتاة البيضاء السوداء ، ماذا يجري ؟ وحدقت في الباندا العملاق جيداً ، واتسعت عيناها ، وراح قلبها يخفق فرحاً ، يا للعجب ، إنه الباندا الذي ربته ، منذ أن كان قطعة صغيرة جداً من اللحم العاري ، فمدت يديها ، واحتضنته قائلة من بين دموعها : بنيّ .. بنيّ .. بنيّ .

وطبعاً خرجت ” ويلو ” سالمة من موقع الباندا ، ومعها الفتاة البيضاء السوداء ، وأسرعت الصغيرة إلى أمها ، وسط الناس المهللين الفرحين ، وكوب العصير يختض في يدها ، فصاحت بها ” ويلو ” : هاتي العصير ، لقد دفعت ثمنه للبائع ، ولي أن أكمل شربه الآن .

                                   1 / 3 / 2019

*******************************************

                                        قاهر الجبال

 

     ” 1 ”

ــــــــــــــــــ

   منذ أن سمع الدب الأسمر ، بعد أن شبّ عن الطوق ، بوجود الباندا الرائعة الجمال ، بجسمها المكور ، اللطيف ، وعينيها الصغيرتين البراقتين ، ولوني فرائها السميك الأسود والأبيض ، صرح لأمه علناً ، أنه لن يتزوج في حياته إلا .. باندا .

وضحكت أمه منه ، رغم فرحها بأن صغيرها قد كبر ، وراح يفكر في الزواج ، ونصحته قائلة : بني ، إن الباندا لا تصلح لك .

وتساءل الدب الأسمر : لماذا ! أليست الباندا دبة ؟

فأجابته أمه : نعم ، لكن ..

وقاطعها الدب الأسمر : بلا لكن ، إنها دبة ، وأنا دب ، ولن أتزوج غيرها .

وحاولت أمه أن تثنيه عن عزمه ، فقالت له : بنيّ ، من الصعب الوصول إلى الباندا ، فبيننا وبينهم جبال كثيرة ، شديدة الوعورة والارتفاع ، فهي تعيش في غابات الخيزران البعيدة .

وتطلع الدب الأسمر ، إلى الجبال البعيدة ، الشديدة الارتفاع ، وقال : وأنا سأقهر هذه الجبال ، وأصل إلى ما أريده ، أصل إلى .. الباند .

 

     ” 2 ”

ـــــــــــــــــــ

   لكن هناك ، في غابة الخيزران ، وراء الجبال الوعرة العالية ، من يريد هذه الباندا ، وهو ليس دباً أسود أو أسمراً أو أبيض ، وإنما دب أبيض وأسود ، نعم إنه دبّ .. الباندا الفتيّ نفسه .

والقلب وما يهوى ، ولدبة الباندا الفتية قلب غريب ، غامض ، فقد كانت كلما لاح الباندا الفتيّ مقبلاً ، تعرض عنه مقطبة ، يا لعشتار ، ماذا يجري ؟  

وذات مرة ، والباندا الفتية تحاول اصطياد سمكة من النهر ، دون جدوى ، تقدم الباندا الفتيّ ، وارتمى في ماء النهر ، وسرعان ما وقعت ، بين يديه سمكة كبيرة ، ورأته الباندا الفتية ، فأشاحت عنه بنظرها .

وخرج الباندا الفتيّ من النهر ، والسمكة الكبيرة تتخبط بين يديه ، وأقبل على الباندا الفتية ، وقدم لها السمكة ، وقال : تفضلي ، هذه السمكة اصطدتها لكِ .

وحدقت الباندا الفتية في السمكة ، وقالت : أشكركَ .

لكنها لم تمدّ يدها إلى السمكة ، وشعر الباندا الفتيّ بالحرج ، وتحير ماذا يفعل ، وأخيراً وضع السمكة الكبيرة أمامها ، وقال وهو ينسحب مبتعداً : هذه السمكة اصطدتها لكِ ، خذيها إذا أردتِ .

وعند المساء ، مرّ الباندا الفتيّ بالمكان ، الذي وضع فيه السمكة ، فلم يجد لها أثراً ، لعلّ الباندا الفتية قد أخذتها ، أم أن باندا آخر عابر أخذها ، وأكلها ، مهما يكن ، فقد صمم الباندا الفتيّ ، ومهما كانت الظروف ، أن لا يقترب من الباندا الفتية ثانية .

 

     ” 3 ”

ــــــــــــــــــ

   وصل الدبّ الأسمر إلى الباندا الفتية ، بعد أن عبر الجبال الوعرة العالية ، وتقدم منها ، وكانت منهمكة في تناول أوراق وأغصان الخيزران .

وتوقف على مقربة منها ، فكفت عن تناول الخيزران ، ورفعت عينيها الصغيرتين إليه ، وأحست بما يعتمل في داخله ، دون أن يتفوه بكلمة واحدة .

وخاطبها الدب الأسمر بصوت مرتعش ، مفعم بالعاطفة : طاب .. يومكِ .

وردت الباندا الفتية : أهلاً ومرحباً .

وصمتت لحظة ، ثم قالت : يبدو أنكَ من غابة بعيدة .

فقال الدب الأسمر : نعم ، أنا من غابة تقع وراء هذه الجبال الوعرة العالية .

وصمت لحظات ، وهو يتمعن فيها ، وقال بصوت مرتعش : والحقيقة ، إنني قطعت هذه الجبال الوعرة العالية  ، من أجلكِ أنتِ بالذات .

وتلفتت الباندا الفتية حولها ، وتمنت في داخلها ، لو أن الباندا الفتيّ ، الذي أهداها السمكة الكبيرة ، كان موجوداً إلى جانبها في تلك اللحظة .

ولأنها كانت وحدها ، مع الدب الأسمر الفتيّ ، فقد استدارت ببطء ، وسارت مبتعدة ، وهي تقول : نحن من غابتين مختلفتين متباعدتين ، ثم إنني .. باندا .

وسار الدب الأسمر الفتي في أثرها ، وقال : الباندا دب ، وأنا دب أيضاً .

وواصلت الباندا الفتية سيرها ، وقالت : الباندا نوع من الدببة ، نعم ، لكنها .. باندا .

وأسرع الدب الأسمر ، واعترض طريقها ، وقال : أنا قطعت كلّ هذه المسافة ، وجئتُ إليكِ ، ويجب أن تأتي معي إلى غابتي .

وتوقفت الباندا الفتية صامتة ، وقلبها يخفق بشيء من الخوف ، فمدّ الدب الأسمر يده ، وأطبق على ذراعها ، وقال : هيا ، تعالي معي .

وهنا انشق جدار من أشجار الخيزران ، وبرز الباندا الفتيّ الضخم ، هل كان هناك صدفة ؟ أم كان يراقب الباندا الفتية من بعيد ؟ أم .. ؟

مهما يكن ، فإنه كان قريباً ، وخفّ لنجدتها في الوقت المناسب ، وشعرت الباندا الفتية بالارتياح والاطمئنان ، وهي تراه يقترب من الدب الأسمر ، ويقول له بحزم : ارفع يدكَ عنها .

وبصورة لا إرادية ، رفع الدب الأسمر يده عن ذراع الباندا الفتية ، فقال له الباندا الفتيّ : اذهب من هنا ، والأفضل أن تعود من حيث أتيت .

ولبث الدبّ الأسمر صامتاً لفترة ، كأنه يراجع نفسه ، ويدرس الموقف جيداً ، ثم أحنى رأسه ، ومضى مبتعداً حتى غاب بين أشجار الخيزران .

وتقدمت الباندا الفتية ، من الباندا الفتي ، وقالت بصوت هادىء : أشكركَ .

فردّ الباندا الفتيّ : هذا واجبي .

وابتسمت الباندا الفتية ، وقالت بصوت فرح : لستُ أشكرك على هذا فقط ، وإنما على سمكة البارحة ، فقد كانت سمكة كبيرة ، ولذيذة جداً .

وخفق قلب الباندا الفتيّ فرحاً ، لكنه لم يتفوه بكلمة ، فقالت الباندا الفتية : أتمنى أن نلتقي غداً عند شاطىء النهر ، ونصطاد السمك معاً .

فقال الباندا الفتي : غداً صباحاً سأكون عن النهر .

 

                                        10 / 3 / 2019 

*******************************************

                     البديل

 

     ” 1 ”

ـــــــــــــــــــ

   في حوالي منتصف إحدى الليالي ، أحست الباندا الأم بآلام المخاض ، وعند الفجر ، وضعت توأمين صغيرين للغاية ، بالنسبة إلى جسمها العملاق .

وطوال النهار انشغلت بهما ، حتى عن تناول الطعام ، فهما أول وليدين تضعهما في حياتها ، وذهلت محتارة عندما وجدتهما مجرد قطعتين من اللحم الطري ، مغمضي العيون ، ولا يريان شيئاً .

وحوالي المساء ، وقد نجحت قليلاً في إرضاع الصغيرين ، تركتهما وحدهما في الوكر ، وخرجت إلى الغابة ، وراحت تلتهم الخيزران بنهم ، حتى تشبع في أسرع وقت ممكن ، لتعود إلى صغيريها .

وحانت منها التفاتة ، ولمحت المرأة العجوز ، التي تسكن مع زوجها في كوخ قريب ، تختلس النظر إليها من وراء إحدى الأشجار ، فانتفضت خائفة ، وأسرعت إلى صغيريها ، اللذين تركتهما في الوكر .

ومنذ البداية ، أدركت الباندا الأم بغريزتها ، أنها لن تستطيع رعاية صغيريها كليهما ، وأن عليها أن تولي اهتمامها لأحدهما ، وهو الذي ولدته أولاً ، وإلا فقدتهما  الواحد بعد الآخر .

وعليه فقد حملت وليدها الأول ، ذات يوم ، وانتقلت به إلى وكر جديد آمن ، وتركت وليدها الآخر وحده في الوكر ، ليواجه مصيره المحتوم .

ومع تقدم الأيام ، ازدادت الباندا الأم خبرة في رعاية الصغير ، حتى استقرت حالته ، وراح ينمو ويتكور ويكبر بسرعة ، واكتسى جسمه بشعر كثيف ، يشبه شعر أمه الأسود والأبيض .

وخلال هذه المدة ، لاحظت الباندا الأم أكثر من مرة ، أن المرأة العجوز ، التي تسكن الكوخ مع زوجها العجوز ، تراقبها باستمرار هي وصغيرها ، الذي بدأت تصحبه معها أحياناً ، عندما تخرج إلى الغابة .

وطالما رأتها تتوقف ، حين ترى صغيرها خاصة ، يركض إلى جانبها ، أو يتسلق ظهرها ، ويجلس أو يتمدد عليه ، متشبثاً بشعرها الغزير ، ورغم أن المرأة العجوز ، لم تقترب من صغيرها ، أو تحاول التعرض له ، إلا أنها لم ترتح لها أبداً .

حتى كان يوم ، خرجت الباندا الأم فيه منذ الصباح ، وكان صغيرها مازال يغط في النوم ، وانتبهت مرة ، وهي مستغرقة في التهام أشجار البامبو ، إلى رفرفة أجنحة طائر جارح يحوم في السماء ، ومرة أخرى ، تناهى إليها وقع أقدام بين أشجار الخيزران ، وانتابها القلق ، فأسرعت إلى الوكر ، حيث تركت صغيرها ، لكنها فوجئت باختفائه .

 

     ” 2 ”

ـــــــــــــــــــ

   مرّ يومان ، وثلاثة أيام ، ولا أثر للباندا الصغير في أي مكان ، وفكرت الباندا الأم ، بقلب حزين مدمى ، أن صغيرها لابدّ أن يكون قد انتهى ، فهو حتى لو لم يأخذه الطير الجارح ، ويفترسه ، فإنه لا يمكن أن يبقى على قيد الحياة بدون طعام هذه المدة .

ويبدو أن المرأة العجوز ، لاحظت اختفاء الباندا الصغير ، ومعاناة الباندا الأم لفقده ، فقالت لزوجها الشيخ : ستموت الباندا الأم هذه ، إذا لم تجد صغيرها .

وهزّ زوجها الشيخ رأسه ، وقال لها : لن تجد صغيرها ، بعد هذه المدة ، وأنت تعرفين من أخذه .

ودمدمت المرأة العجوز غاضبة : هذا النسر اللعين ، إنه يستحق الموت لجرائمه البشعة .

وتطلعت إلى الباندا الأم ، وكانت تدور حائرة مذهولة ، بين أشجار البامبو ، وقالت كأنما تخاطب نفسها : ستموت إذا لم تجد صغيرها ، ولن تجده ، لابد أن أقدم لها البديل .

ونظر أيها زوجه الشيخ ، وقد أدرك ما تعنيه ، وقال : لا تحاولي ، هذا لن يجديها .

والتفتت المرأة العجوز إليه ، وقالت : هذه الدمية ، استغرقت في عملها ، على هيئة باندا صغير ، أيام وأيام وأيام ، وسأقدمها لها ، لعلّ وعسى .

وفي اليوم التالي ، أفاقت الباندا الأم من النوم ، وفتحت عينيها الحائرتين ، لقد سمعت ما يشبه صوت صغيرها ، يأتيها من بعيد ، ولا تدري مصدره ، أهو من خارج الوكر ، أم من داخلها .

وهبت من مكانها ، وخرجت مسرعة من الوكر ، وخفق قلبها بشدة ، وبشيء من الفرح والقلق ، فقد رأت صغيرها ، صغيرها نفسه ، يقف بين أشجار الخيزران القريبة ، جامداً ، دون حراك .

وعلى الفور ، انطلقت إليه كالسهم ، دون أن تلاحظ أنه لم يتحرك ، أو يتجه نحوها ، وضمته بقوة إلى صدرها ، وهي تقول بلهفة : بنيّ .. بنيّ .

وسرعان ما توقفت الباندا الأم ، عندما شعرت بأن الصغير لا يتحرك بين يديها ، فأبعدته عنها قليلاً ، وراحت تحدق فيه ملياً ، ثم ضمته إلى صدرها مرة أخرى ، وانطلقت به مسرعة نحو الوكر .

 

     ” 3 ”

ـــــــــــــــــــ

   تلك الليلة ، لم تنم المرأة العجوز ، وظلت تفكر مهمومة قلقة ، في الباندا الأم ، وما جرى لها في ذلك اليوم ، حين احتضنت الباندا الدمية .

وفتح زوجها الشيخ عينيه الناعستين ، ورآها تقف عند الكوة الصغيرة ، وتطل منها على الليل ، فقال لها : الليل يكاد ينتصف ، تعالي ونامي في مكانك .

وتمتمت المرأة العجوز ، دون أن تلتفت ، كأنما تكلم نفسها : الباندا الأم المسكينة .

وقال زوجها الشيخ : لعل دميتك تعوضها عن صغيرها ، الذي فقدته قبل أيام .

والتفتت المرأة العجوز إليه ، وقالت : هذا ما أرجوه ، فقد كادت تجن في الفترة الأخيرة .

وتنهدت المرأة العجوز ، وتركت الكوة ، وتمددت في فراشها ، وأغمضت عينيها المتعبتين ، فنظر إليها زوجها الشيخ ، وقال : مهما يكن ، نامي الآن ، وارتاحي ، وسنرى ما قد يحث غداً .

لكنها لم تنم ، إلا في ساعة متأخرة من الليل ، فقد كان يقلقها ما يمكن أن تفكر فيه ، أو تقدم عليه ، الباندا الأم ، بعد أن تكتشف حقيقة الدمية .

وأفاقت المرأة العجوز عند الفجر ، على ما تراءى لها أنه وقع أقدام خفيفة ، قرب باب الكوخ ، فتحاملت على نفسها ، واتجهت نحو الباب ، وفتح زوجها الشيخ عينيه الشائختين ، وقال : تعالي ، الشمس لم تشرق بعد .

وردت المرأة العجوز ، وهي تفتح الباب : خيل إليّ أنني سمعتُ وقع أقدام خارج الكوخ .

واعتدل زوجها الشيخ في فراشه ، وقال : أنت واهمة ، لعلها الريح .

واجتازت المرأة العجوز الباب ، ووقفت مذهولة ، فعلى أضواء الفجر الخافتة ، رأت الباندا الدمية ، تجلس على مقربة من الباب .

وخرج زوجها الشيخ من الكوخ ، وتوقف وراءها ، وقال : قلتُ لكِ أن لا فائدة .

وأمسكت المرأة العجوز الباندا الدمية ، وقد دمعت عيناها ، وقالت : أردت أن أقدم لها البديل ، ولو دمية من قماش ، لكنها أعادتها لي ، دون غضب ، يبدو أنها عرفت الحقيقة ، واستسلمت للأمر الواقع .

 

                                       8 / 3 / 2019

  *******************************************

                 سحقاً للفهد الثلجي

     ” 1 ”

ـــــــــــــــــــ

   في الفجر ، أفاق الباندا الصغير ، الذي تجاوز قبل أيام ، السنة الأولى من عمره ، ورأى أمه تغط في النوم ،  فهمس لها : ماما ، جوعان .

وبدل أن تردّ الباندا الأم عليه ، وتقدم له ما يسد به جوعه ، علا غطيطها ، وهمّ أن يهمس لها ثانية ، لكنه لمح أحد ثدييها يتدلى من صدرها .

وبدا له أن هذا الثدي الضخم ، يضجّ بالحليب الدافىء اللذيذ ، فانقض عليه ، وعصره بشفتيه بقوة ، فتدفق الحليب الدافىء اللذيذ في فمه .

لكن أمه ، التي لم توقظها همساته ، واستغاثاته بها من الجوع ، فتحت عينيها ، وأبعدته عن ثديها ، وهي تقول : كفى ، يا باندا ، لم تعد صغيراً .

فقال الباندا الصغير محتجاً : ماما ، أنا جائع .

وأغمضت أمه عينيها ثانية ، وقالت : أنت لا تشبع ، يا بنيّ ، مهما أكلت .

وانقلبت بعيداً عنه ، وهي تقول بصوت ناعس : سنذهب إلى الغابة ، عند شروق الشمس ، وسنأكل من الخيزران ، حتى نشبع .

 

     ” 2 ”

ــــــــــــــــــــ

   طوال ساعات النهار ، ظلّ الباندا الصغير وأمه ، يأكلان من أشجار الخيزران ، عدا الفترات التي يسقط فيها الباندا الصغير نائماً ، سواء على الأرض ، أو تحت أشجار الخيزران ، أو بين الأغصان العالية لشجرة التوت الضخمة المعمرة .

وطالما طلبت منه أمه ، أن لا يتسلق الأشجار العالية ، فهو مازال صغيراً ، وأمه تخشى عليه السقوط من أعلى الشجرة ، فتتهشم عظامه الغضة .

ومن جهته ، كان يقول لها دائماً ، وهما يلتهمان أوراق وأغصان البامبو : ماما ، لا تقلقي وتخافي عليّ ، إنني لم أعد باندا صغيراً .

لكنه ، بين فترة وأخرى ، ينسى أنه ” لم يعد صغيراً ” ، فيحن إلى حليب أمه الدافىء اللذيذ ، فيقترب منها ، ويهمس لها بصوت تعرف معناه : ماما .

وتكتم الباندا الأم ضحكتها ، ولا تردّ عليه ، فيلح قائلاً : ماما ، إنني عطشان .

فتقول له أمه متغاضية عما يريد : الماء حولك كثير ، يا بنيّ ، اشرب حتى ترتوي .

فيقول بشيء من التوسل : أريد أن أرضع .

فتشيح عنه بنظرها ، وتقول : كلا ، أنت قلتها ، يا بنيّ ، لم تعد صغيراً .

ويضرب قدمه في الأرض غاضباً ، ويقول من بين أسنانه : ماما .

وبعد إلحاح ، تقول له أمه مستسلمة : حسناً ، يا بنيّ ، كل الآن من الخيزران ، وفي الليل ، قبل أن تنام ، سأرضعك قليلاً .

ويلتفت الباندا الصغير إلى أشجار الخيزران ، ويبدأ في التهام الأوراق والأغصان ، وأمه تراقبه خلسة ، وهي تكتم ضحكتها .

     ” 3 ”

ــــــــــــــــــــ

   في أول الليل ، من ذلك اليوم ، بعد غروب الشمس ، وهبوط الظلام ، تمددت الباندا الأم في الوكر ، وفي حضنها الدافىء تمدد الباند الصغير .

وتطلع الباندا الصغير إلى أمه ، وقال : ماما .

وأدركت الباندا الأم ، ماذا تعني ” ماما ” هذه ، فأدنت الباندا الصغير من ثديها ، وقالت له : أنت شبعان ، يا بنيّ ، أكلت الكثير من الخيزران ، لكن لا بأس ، لقد وعدتك ، ارضع قليلاً من الحليب .

وقال الباندا الصغير ، وهو يرضع بهدوء وتلذذ : ماما ، حدثيني عن الباندا الأحمر .

وهزت الباندا الأم رأسها ، وقالت : ارضع ، يا بنيّ ، لقد حدثتك عنه مائة مرة .

وقال الباندا الصغير ، وهو مستمر على الرضاعة : حدثيني مرة أخرى ، يا ماما ، مرة أخرى .

ووضعت الأم يدها الحانية على رأسه ، وراحت تحدثه مرة أخرى عن الباندا الأحمر ، وذكرت له مجدداً ، أنه جميل ولطيف ، وجسمه أكبر قليلاً من جسم الهرة أو الثعلب ، ولونه ليس أبيض وأسود ، مثل الباندا في هذه المقاطعة ، وإنما بنيّ محمرّ ، له أعداء شرسون مثل النمس والنسر والفهد الثلجي .

وصمتت الباندا الأم ، حين شعرت أن صغيرها ، توقف عن الرضاعة ، وقد انتظمت أنفاسه ، فأنصتت إليه جيداً ، وإذا هو يغط في نوم عميق .

 

   ” 4 ”

ــــــــــــــــ

   عند شروق الشمس ، في اليوم التالي ، أفاقت الباندا الأم ، ولاحظت أن صغيرها مقطب ، بادي التأثر والغضب ، فأدنته من صدرها ، وقالت له : ارضع ، يا صغيري ، الرضاعة لذيذة في الصباح .

وما لم تتوقعه الباندا الأم ، أن صغيرها لم يلتفت إليها ، وإنما قال فقط : كلا .

وابتسمت الباندا الأم ، وقالت : الآن تأكد لي ، يا بنيّ ، أنك كبرت حقاً .

وتجاهل الباندا الصغير ما قالته  أمه ، وقال : جاءني الباندا الأحمر الليلة في المنام .

وهمهمت الباندا الأم ، فهي تعرف ما يراه صغيرها عادة في المنام ، فتابع الباند الصغير قائلاً : حدق فيّ طويلاً ، ثم قال ، أنت لست باندا .

وجارته أمه في كلامه ، فتساءلت : لماذا ؟

ومرة أخرى ، تابع الباندا الصغير قوله : قال لي ، لو كنت باندا ، لدافعت عنّا ، نحن اخوتك الحمر .

وهمهمت الباندا الأم ثانية ، فرفع الباند الصغير عينيه إليها ، وقال : الفهد الثلجي يهاجمهم ، ويفتك بهم ، أنت تعرفين إنهم ليسوا مثلنا ، نحن الباندا العمالقة ، فهم ـ كما قلتِ أنتِ لي ـ بحجم القط أو الثعلب .

وهبّ الباندا الصغير من حضن أمه ، وقال غاضباً : أنا باندا ، وسأثبت ذلك له وللفهد الثلجي ، ولكل من يهاجم أخوتي من .. الباندا الحمر .

وحدقت أمه فيه ، متسائلة ، فتابع الباندا الصغير قائلاً : سأذهب إلى غابتهم ، وأتصدى لهذا الفهد الثلجي ، وأسحقه ، وأنقذهم من شروره .

وقالت له أمه بصوت هادىء : لكن غابتهم بعيدة جداً ، يا بنيّ ، وأنت ما تزال صغيراً ، اكبر أولاً ، ثم اذهب ، واسحق الفهد الثلجي .

ونظر الباندا الصغير إلى أمه مفكراً ، طبعاً إنها على حق ، ومدت أمه يديها نحوه ، وقالت : تعال ارضع ، يا صغيري ، حتى تكبر ، وتسحق الفهد الثلجي .

وبدا أن الباندا الصغير قد اقتنع بما قالته له الباندا الأم ، خاصة وأن ثدييها ، اللذين كانا يضجان بالحليب الدافىء اللذيذ ، يلوحان له وكأنهما يناديانه ، فارتمى فوق صدر أمه ، وراح يرضع .

                                     7 / 3 / 2019

*******************************************     

                             الباندا الصغير                                      

  ” 1 ”

ـــــــــــــــ

     عند باب الكوخ ، وقفت وانغ ، وإلى جانبها صغيرها تسان، تودع زوجها زياو ، كما تفعل دائماً ، عندما يخرج للصيد .

وسار زياو مبتعداً ، فهتفت وانغ : زياو ، لا تتأخر ، سننتظرك على الغداء .

وردّ زياو ، دون أن يلتفت : سأحاول ، لكن إذا تأخرت تغديا ، أنت وتسان .

وصاح تسان : بابا .

وتوقف زياو ، والتفت إليه مبتسماً ، فقال تسان : أريد باندا .

وضحكت وانغ قائلة : باندا !

ونظر تسان إليها ، وقال : باندا صغير .

وكفت وانغ عن الضحك ، وقالت : لكن للباندا الصغير أماً ، يا تسان .

ولاذ تسان بالصمت لحظة ، ثم قال لأبيه : حسن ، جيء بأمه معه .

وضحك زياو ، واستأنف سيره ، يا للغرابة ، فمنذ أن كان في عمر تسان أحبّ الباندا ، وطالما تمنى أن يكون له باندا صغير ، وهاهو صغيره تسان يحب الباندا أيضاً ، ويتمنى ما تمناه هو في صغره .

وسيعرف تسان ، كما عرف أبوه مع الزمن ، أن الحصول على باندا ليس بالأمر الهين ، فالباندا يعيش منعزلاً حذراً ، في غابات  الخيزران الواسعة الكثيفة ، وهو ما إن يلمح إنسانا من بعيد ، حتى يتوارى في غابات الخيزران الكثيفة ، دون أن يترك أي أثر .

 

   ” 2 ”

ــــــــــــــــ    

توغل زياو في غابة الخيزران ، باحثاً عما يصطاده ، دون جدوى ، وعند منتصف النهار ، قفل عائداً إلى البيت ، وإذا به يرى ، بين الخيزران ، باندا صغير يغط في النوم بين الحشائش . 

وتوقف متلفتاً ، ترى أين أمه ؟ وفكر أنها ، ربما ، انتهزت فرصة استغراقه في النوم ، فراحت تأكل ، ما طاب لها من أغصان الخيزران وأوراقه .

وعلى الفور ، مدّ يديه ، وأخذ الباندا الصغير إلى صدره ، آه يا للفرح ، إنه أفضل هدية يقدمها اليوم لطفله الصغير تسان ، وفتح الباندا الصغير عينيه ، وما إن رأى زياو ، حتى جأر بأعلى صوته ، كأنه يستغيث : ماما .

وانطلق زياو حاملاً الباندا الصغير ، يشق طريقه مسرعاً ، بين الخيزران الكثيف ، خشية أن تلحق به الباندا الأم ، فتفتك به ، أو تستعيد منه صغيرها عنوة .

ومن بعيد ، سمع وقع أقدام ثقيلة ، تركض في أثره ، وتسحق في طريقها ، شجيرات الخيزران الغضة ، إلا أنه لم يلتفت ، ومضى قدماً باتجاه البيت ، والباندا الصغير يجأر بين يديه .

 

   ” 3 ”    

ـــــــــــــ

كاد تسان يطير فرحاً ، حين أقبل أبوه ، وقدم له الباندا الصغير ، وقال : تسان ، خذه ، هذا هو الباندا الصغير ، الذي أردته .

وأخذ تسان الباندا الصغير بين يديه ، وتمايل متداعياً تحت ثقله ، لكنه تماسك ، وقال : آه ما أجمله .

ومدت وانغ يديها إليه ، وقالت : إنه ثقيل ، دعني أحمله عنك .

وتراجع تسان بالباندا الصغير ، وقال : لا ، أستطيع حمله وحدي .

ورمقت وانغ زوجها زياو ، دون أن تتفوه بكلمة ، ثم انصرفت لإعداد الطعام ، وشعر زياو أن وانغ غير مرتاحة من وجود الباندا الصغير ، لكنه تجاهل ذلك ، وتمدد في فراشه ، علّه يرتاح من عناء الذهاب إلى الغابة والعودة منها .

وطوال ساعات ، حاول تسان استرضاء الباندا الصغير ، أو إطعامه ، دون جدوى ، وتطلع إلى أبيه ، كأنه يستنجد به ، فقال زياو : إنه باندا صغير ،  ولعله لا يتناول غير الحليب .

ونهض تسان ، وقال : سأسقيه قليلاً من حليب بقرتنا .

ورمق زياو زوجته وانغ بنظرة خاطفة ، وقال : حاول ، ربما يشرب .

وأسرع تسان ، وجاء بقليل من الحليب ، قدمه للباندا ، وقال متوسلاً : هذا حليب لذيذ ، إشرب ، اشرب .

لكن الباندا الصغير أشاح بوجهه ، وجأر بصوت باك ، كأنه ينادي أمه : ماما .

ووضع تسان إناء الحليب جانباً ، وقال : لعله شبعان ، سيشرب حين يجوع .

وحلّ الليل ، وحان موعد نوم تسان ، فنهض متثائباً ، والباندا الصغير بين يديه ، وقال : يبدو أنه نعسان ، سآخذه معي إلى الفراش .

وهزّت وانغ رأسها ، فقال زياو : خذه إذا شئت ، لكنه لن يدعك تنام .

ومضى تسان إلى فراشه ، حاملاً الباندا الصغير ، وهو يقول : سيدفئني وأدفئه ، فننام حتى الصباح .

 

   ” 4 ”

ـــــــــــــ    

رقد زياو في فراشه ، مفكراً في صغيره تسان ، والباندا الصغير ، وأقبلت وانغ ، وتمددت إلى جانبه ، دون أن تتفوه بكلمة .

وتنهد زياو ، وقال : أرجو أن يكون تساو قد نام .

فردت وانغ قائلة : لم ينم ، ولن ينام .

ثمّ إلتفتت إليه ، وقالت : الباندا لم يأكل شيئاً .

وردّ زياو متردداً : سيأكل ، لنصبر قليلاً .

وقالت وانغ : زياو ، إنه باندا صغير جداً ، ولعله لم يفطم بعد .

وقبل أن يرد زياو ، ارتفع من الخارج ، جئير حزين ممطوط ، واعتدل زياو ، وقال : أنصتي ، هذا ليس صوت الباندا الصغير .

وارتفع الجئير ثانية ، فاعتدلت وانغ ، وقالت : أنت محق ، لعله صو ت أمه .

وتذكر زياو وقع الأقدام ، التي لاحقته في غابة الخيزران ، فهبّ من فراشه ، وتطلع من النافذة ، وعلى ضوء القمر ، رأى الباندا الأم ، تقف متململة ، وعيناها المشتعلتان غضباً مصوبتان نحو كوخهم .

ومضى زياو إلى صغيره تسان ، فأسرعت وانغ في أثره ، وإذا تسان في فراشه ، والباندا الصغير يتململ متضايقاً بين يديه ، وما إن رآهما تسان ، حتى صاح : كاد الباندا ينام ، فلماذا أتيتما؟

ونظر زياو إلى وانغ ، ثم إلتفت إلى تسان ، وقال : بني ، أمه في الخارج ، تناديه .

وأطبق تسان يديه على الباندا الصغير ، وصاح بأعلى صوته : كلا ، إنه لي ، ولن أتخلى عنه.

ومدت وانغ يدها إلى زياو ، ولمست ذراعه برفق ، وقالت : زياو ، لنذهب الآن ، هيا .

ونظر زياو إلى صغيره تسان ، ثم قفل عائداً إلى فراشه ، ووانغ تسير وراءه صامتة .

 

” 5 ”

ـــــــــــ

    تمدد زياو في فراشه ، وإلى جانبه تمددت زوجته وانج ، دون أن يتفوه أحدهما بكلمة واحدة ، وظلا يتقلبان على جمر جئير الباندا الأم ، حتى استغرقا في النوم .

وعند الفجر ، أفاق زياو ، وفوجئ بزوجته وانغ قد أفاقت قبله ، فتطلع إليها ، وقال : أنصتي ، إنني لا أسمع جئير الباندا الأم .

وأنصتت وانج ، ثم قالت : وكذلك الباندا الصغير ، إنني لا أسمعه يجأر .

وتابع زياو قائلا : من يدري ، لعل الباندا الأم قد عادت من حيث أتت .

واعتدلت وانغ ، وقالت : هذا مستحيل .

وتطلع زياو إليها ، فقالت : إنها أم .

ونهضت وانج من فراشها ، ومضت إلى تسان ، ونهض زياو بدوره ، وأسرع في إثرها ، ودخلا الغرفة ، وإذا تسان ، يجلس في فراشه ، وعيناه غارقتان  بالدموع ،

فأسرعت وانج إليه ، وقالت : يبدو أن الباندا الصغير قد هرب .

فرد تسان بصوت باك ، وهو يرتمي في أحضانها : لا ، لم يهرب ، وإنما فتحت له الباب ، فمضى إلى أمه .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان/ عينا نيال.

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

| طلال حسن : رواية للفتيان/ البحث عن تيكي تيكيس الناس الصغار .

  إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *