| طالب عمران المعموري : تراسل الحواس  في قصيدة (حنين) للشاعر ناهض فليح الخياط .

ملامح ترسم جماليات القصيدة بصور شعرية مصدرها الخيال الخصب لإنتاج صور شعرية رائعة، يبين الشاعر قدرته على نقل تجربته الحياتية و الشعرية على حقيقتها كما يعيها، يجمع كيانه اي بعقله وقلبه معا باستخدام صور حيه وبمفردات من صميم التجربة والمرتبط بالحياة .

شاعر عراقي بإحساس عال وبالحنين والشوق لمدينته التي ولد فيها (ذي قار) عائدا الى بساتينها ونهرها  وهواءها مستذكرا طفولته وصباه بمنولوج داخلي، ، حيث تصبح مدينته المكان العوبة الخيال الجامح حيث تتلاقى الصور وتتصادم  ،وهو  يتغلغل في أعماق ذاته ويعود الى ابعد نقطة في اللاوعي فيجلب لنا صورا كاشفة عن خبايا النفس الانسانية وأسرارها

يستهل نصه :

ها أنت تنعطف  عائداً

إلى بساتينها

ونهرها

وهوائها الذي يستقبلك خارج حدودها

وظف الشاعر اسلوب تراسل الحواس وهو نمط من التصوير عند الرمزيين خاصة يعتمد على نقل صفات الحواس بعضها الى بعض فيصبح للون طعم وللصوت رائحة وبذلك تصبح الصورة ايحائية يقول غنيمي هلال ” فتعطي المسموعات ألواناً وتصير المشمومات أنغاماً وتصبح المرئيات عاطرة”2 ويقيم بذلك علاقات متداخلة بين معطيات الحواس المختلفة وبين مدركات كل حاسة منها  كما في مفرداته :

الهواء/ يستقبل،  الرئة/ ترف، الصبي/ يهب، الشمس/ طعم ،القدم / احساس بالنشوة

 

 

ان التراسل بالحواس يسمح التداخل وتشابك الصور والالوان والاصوات  “حيث يكون وحدة في الحواس فسيحة عميقة تتشابك على رحابها المشاهد والالوان والاصوات ويمتزج بعضها ببعضها الآخر”3  ويطلق عليها الصور المتجاوبة ، وقد اعتبر بودلير ان تراسل الحواس اهم عناصر التعبير الفني كما في نصه:

وأنت مستغرق في دواخلك

فترف رئتاك :  ها ..قد وصلنا !

ويهبّ الصبي فيك

وطعم شمسها لمّا يزل في فمه

صور محملة بانفعالات ومشاعر وافكار ومناخ شعوري جديد، ومن خلال الانزياحات اللغوية والخروج عن السائد والمألوف عبر الاستعارة التي تعد من العناصر الاساسية لتشكيل الصورة لما تقدمه من دينامية وحيوية للصورة الشعرية تحيلنا الى عالم مجازي ايحائي والمجاز بدوره ينقلنا من مجال الدلالة الواحدة الى مجال الدلالات المتعددة وفتح فضائها الدلالي على عدد من التأويلات الذي يعد نافذة نطل منها على العالم ونكشف من خلالها الرؤية الفنية للشاعر، يتجلى ذلك في الصورة الشعرية وهو يتحدث لنفسه كما في نصه:

هل تعرفني مدينتي

بعدما تغيرتْ لهجتي وسحنتي

كما فقد صوتي

بحةَ الريح في القصب

وحفيفَ النخيل

ومن خلال تلاحق الصور ، والتنقل بينهما بوحدة عضوية يعالج الشاعر فيها قضيه ذاتية   نرى الشاعر يتنقل بالصور ولكن  يربطهما عامل شعوري واحد وهو الاحساس بالحنين والشوق الى مدينته  كما في نصه:

وسأغسل مرآتي في نهرها

وأؤطرها بضفيرة جمالها

لتكتسي بضيائها الوجوه

وظف الشاعر نمط اخر من الصور وهي الصورة الارتدادية نمط يعود الى زمن الطفولة والماضي، فبين الشاعر والطفولة علاقة وطيدة فهي تمثل عالم البراءة والكمال كما في نصه :

ويهبّ الصبي فيك

وطعم شمسها لمّا يزل في فمه

 

يعتمد الشاعر على تقنية السرد لنقل تجربته الى المتلقي من خلال بنية السرد التي تنظم الصور الشعرية في بناء سردي محكم يحمل رؤية الشاعر وبتنسيق جمالي متميز، بدون تكلف في صياغة الصور فهي تفرض نفسها عليه، فبالسرد والبناء الدرامي تستمد الصورة جماليتها ورونقها من خلال تعانق الخيال والفكر معا، فلم تعد الصور الشعرية مجرد تشكيل زخرفي .

 تمكن الشاعر من تشكيل صور متماسكة في اطار قصصي متميز يسير نحو الاتجاه الدرامي  واعني الصراع الداخلي والمشاعر الجياشة والحنين ، وان تحطيمها للإيقاع الخارجي سمح لها اقتحام  عالم السرد 

او في رجوعه وحنينه للماضي كما نصه:

لكنني الآن في مدينتي

لأستعيد لهجتي

وسحنتي

وكتبي التي أخذتْني

في رحلات العذاب

 

او في نصه :

بين البيوت المطهمة العالية

بعدما كانتا تسرحان مع المدى

والمنازل  الواطئة المنفتحة تحت السماء

 

 

حنين

 

ها أنت تنعطف  عائداً

إلى بساتينها

ونهرها

وهوائها الذي يستقبلك خارج حدودها

وأنت مستغرق في دواخلك

فترف رئتاك :  ها ..قد وصلنا !

ويهبّ الصبي فيك

وطعم شمسها لمّا يزل في فمه

فتقول لنفسك :

هل تعرفني مدينتي

بعدما تغيرتْ لهجتي وسحنتي

كما فقد صوتي

بحةَ الريح في القصب

وحفيفَ النخيل

وفقدَت قدماي المثقلتان إحساسهما بنشوتهما

حافيتين على الرمال الندية عند الضفاف

كما قصّرت عيناي عن أفقهما

بين البيوت المطهمة العالية

بعدما كانتا تسرحان مع المدى

والمنازل  الواطئة المنفتحة تحت السماء

وما عدت ذلك الذي يقول : لا

للكلمة الكاذبة !

وكل ما لدي

سوى أن أكون مُغلَقاً

أو خارج التغطية

لكنني الآن في مدينتي

لأستعيد لهجتي

وسحنتي

وكتبي التي أخذتْني

في رحلات العذاب

وسأغسل مرآتي في نهرها

وأؤطرها بضفيرة جمالها

لتكتسي بضيائها الوجوه

وترى

كم تكون جميلةً

حين تقول : لا أو نعم !

كما تريد..!

 

المصادر

  • غنيمي هلال : النقد الادبي الحديث ،ط1 ، دار العودة ، بيروت ،1892 .ص 412 .
  • نعيم الباقي :تطور الصور الفنية في الشعر العربي الحديث ، منشورات اتحاد الكتاب العرب ، القاهرة ،د،ت،ص195 .
تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| سعد الساعدي : التاريخ الذي تكتبه القصيدة.. الكواز مؤرِّخاً .

إنَّ الناقد اليوم بحاجة لشيء جديد وطريقة اشتغالية جديدة، كمنهج يتماشى مع ما يجده أمامه، …

| الكبير الداديسي : بين التجريب وتبئير المشروع في روايات شعيب حليفي من “زمن الشاوية” حتى “لا تنس ما تقول” 1 .

بقدر سعادتنا بمثل هذه الملتقيات التي نجدد فيها الوصل بأصدقاء نعزهم ونحمل لهم في قلوبنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *