| خليل مزهر الغالبي : مجموعة “ممتلكاتٌ لا تخصَّني” وخاصية البناء الشعري لآمنة محمود .

في مجموعتها الشعرية “ممتلكاتٌ لا تخصّني” راهنت الشاعرة “آمنة محمود” على تأكيد بصمتها الشعرية بمثولها اللغوي واللغوي المصور والتعبيري  في بناءاتها الشعرية وبما شاكلها  من ايجاز دلالي وايماء وتشبيه ، وباقي المرورات الفنية الراكزة  في ذهنيتها وتجربتها الشعرية ، كرؤى صانعة ومندفعة لشروق النص وسطوعه، وقد اتسمت نصوص المجموعة بلسانيات حميمية في تعالقها للخطاب الشعري وتدوينة بتواجد لغوي اكثر ملائمة واناقة في التشكيل والتكوين الشعريين،و حلت النصوص بتوالي وتصاعد تساؤلات الشاعرة وبروحها النافذة للمطالبة والافصاح وبما يمثل لفيوضات صَيَرتها من خلال ايمائية لغتها الايحائية المؤشرة التي وجدت داخل النص كتداخلات غير مرئية في الجمل والانساق و أخرى خارجه كإيماءات اشارية كما في نص… الدمعة الراقصة ص9(كنت منشغلا بمحو طيفها من مرآتك /وحين عجزت…بدأت بتقشير وجهك/بينما كانت  الملامح متداخلة).

 وقد نهجت الشاعرة في بناءات بعض النصوص الى تقطيع ايجازي مختصر ومتنوع  في انتقاءه التعبيري الصوري و كما في نص -الارض الحرام ص12(*وطن /وطن بلا رتبة: جندي أعزل…يمطره الاعداء موتاً /حبيبته التي بها يحلم /خاطت لعودته ثوبين : ثوب للزفاف ( ربما ) /و آخر للخلاص)

وقد حرصت الشاعرة للاشارة  هنا لألام فواجع المشهد العراقي ، حيث نكوص الاشياء الودودة وتعثرها الدائم ، والمعبر عنها من وجود ذلك الجندي العراقي الاعزل. وهو اعزل جراء تسليبه لسلاحه و منع تسليحه وتركة يجابة شراسة العدو المقابل، وبقية الاشياء المسلحة المواجه له مواجهة موت يومي  بوجوده هذا ، وهناك حبيبته المنتظرة له بين عرسها و موته المؤشر له بالخلاص. و يعد هذا السرد الشعري مثول لاعلى حالات الفجيعة الرهابية الضاغطة التي يعيشها المواطن العراقي المهدد بالموت اليومي من جميع الجهات وفي جميع الازمنة.

وحاولت الشاعرة ” آمنة محمود ” كثيراً أن تقارب و تلامس المشهد شعرياً ،المشهد  الباعث لقلقها المجانب لها والمنتزع منها بنزوعات هادئة في النص وصارخة ماخلف النص. بمعنى تلك التداعيات الحزينة كردة فعل من قساوة الأحداث وتغَوّلها.

وقد اتسمت الجمل الشعرية بتعبيرات طازجة مرنة منوعة منها الخروج من حدود الجملة إلى فضاء النص،لبعث الصورة الى بنية اكثر فتوح شعري و وبأكثر توهج باهر ، كما نراها في النص المقطعي الاخر والمعنون –جسر الضوء اليك – ص14 (من مخابي النسيان /يجرجر اسمك علب الالوان /يرسم على حائط مبكاي شفاها تبتسم وفراشات / يخيط  من قز الكتمان ثيابا لفرح مؤجل ) و تتضح هدوء واستكانة سيميالسانية المفردات المستعملة في الجمل الشعرية بمثول ملائم لثيمة ومعنى الجملة والنسق المقطعي النصي كما في (مخابي ،نسيان،يجرجر ،يرسم شفاه، قراشات وذلك الهدوء المصاحب لما يمنح القز من ثياب ساتره مفرحة لفرح اخر  لكنه مؤجل )،هذه الكلمات تحمل في روحها الدلالي واللفظي الكثير من السيميائيات الشفيفة في تعبيرها الخفيض الصوت والعالي التدليل.

وفي نص – عند قبر الحكاية – وهي ترجم السلوكيات والظواهر الكاذبة المحيطه بأشيائها الذي قولت نصها به…

(أيها الغدر العصا /القف ما أفِكنا من قصائد /وما ادعينا من جنون / وارقص ايها النصل الرحيم على انغام الاكاذيب / رقص ريش في مهب الريح / واسكت ايها القلب الذي /ما امتلك يوما  بصيرة/ من انت كي تقول لا / او تتمنى زوال هذا الكابوس الثقيل)ص49.فقد كان كشوفات آمنة بحقيقة الانسانة والشاعرة “آمنة محمود ” وبما اوتيت من تقانة تعبيرية لقبول شعري لاذ القراءة ومؤنس لتلقية والترحيب به    

و من قرائتنا هذه نلاحظ اتسام التجربة  الشعرية لآمنة محمود – بالدقة والتلامس اللغوي، فلا ارغام واحشار في الاشتغالات الشعرية المعبرة ،فالقصيدة لديها مجالاً دقيقاً وحذرا للتفكير البعيد عن الرتابة و القريب المجانب والملائم لخاصية الكتابة الشعرية الكامنة في نسق العلاقات التي تقيمها القصيدة ما بين الدال والمدلول أولا، ثم ما بين المدلولات  المُنطِقةْ ْ للذّات في اتّصالها بالعالم الخارجيّ الّذي أدركتهُ من خلال خبرتها بهِ والّتي كوّنتها عبر الزمانيّة المتذوتةِ للشعر فيها، وعبر عالم حسي وشعوري معاش ملتصق بالشاعرة ومجانب لتوليدها الشعري.

و نلاحظ حضور الشاعرة في النص والماثل بواضح خطابها الشعري المحقق بملمات تفاصيل النصوص ،بتمكين تسويغها لتجويز رؤاها الذاتية الرائية والمحاورة للأشياء.

لذا نرى بقاء الشاعرة مسكونة بلج وهوس تساؤلاتها في تقصيها وتقصدها المعنى والمسك به ليمنحها الشعر الشعور بالتطهير ،فلا تخلع القصيدة ابهتها لدى الشاعرة ” آمنة محمود ” لتبقى هاجسة بتجليات اللذة والألم مع المرأة والعالم وذات الانثى. وهذا ما نراه في نص – ممتلكات لا تخصني –ص17

(هذي اليد التي لا تكفُّ عن الارتعاش /ظننـتها عاطـلة .. وما كـفّت./ هذا القلب الصاخب كــان /كم يشبـهُ طفلاً شبِعَ تعباً ونام /هذي العين وتلك الخطوة / كم غامت شـوقاً / كم عادت أدراجها انكسارا / كم حارت أسئلةٌ في هذا الرأس المجنون / أين تُراهُ يكون ؟!/ أبخير ؟ّ!أبحب ؟! /أبرفقة ؟!..) وهنا تتجلى اللغة و كما في معنى اصطلاح المفكر الاديب “جون كوهين” للغة الشعر وتسميتها – اللغة العليا – حين تكون اللغة بين يديها في النص ألة لإستغوار يقارب كثيراُ ليمس كثيراً اعماق الروح الملتاحة للبوج بكل هواجسها وتطبيعها نصياً.

كما في دوالي  – بقاء- و- ارتعاش اليد – فمعنى بقاء  الذي يشير لإطالة وكثرة هذا الارتعاش الذي عطفته الشاعرة على ذلك القلب  و اوغلته بتشبيهه بذلك الطفل التعب  حد النوم وبما فيه من براءة حتى وصفت العاشق بالمجنون وهو بمثل العاشق الهائم التائه الذي فقد الكثير من الذاكرة وتياه العقل.

و تظل الشاعرة مأخوذة بنزوع العبور والانفتاح والتجلّي  للافصاح وكشف سرائر وخفايا خطوط المنع الخانقة لنفسها الحياتي المطعم بأناشيد مرورتها الشعرية المتقدمة والملوحة بقيمها الجميلة.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| سعد الساعدي : التاريخ الذي تكتبه القصيدة.. الكواز مؤرِّخاً .

إنَّ الناقد اليوم بحاجة لشيء جديد وطريقة اشتغالية جديدة، كمنهج يتماشى مع ما يجده أمامه، …

| الكبير الداديسي : بين التجريب وتبئير المشروع في روايات شعيب حليفي من “زمن الشاوية” حتى “لا تنس ما تقول” 1 .

بقدر سعادتنا بمثل هذه الملتقيات التي نجدد فيها الوصل بأصدقاء نعزهم ونحمل لهم في قلوبنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *