| فخري أمين : استعادة الذات والتصالح مع العالم في رواية “أسود وابيض” .

الحساسية العالية والمرهفة لفتية يجربون الخروج مبكرا إلى العالم، هي أول الإنطباعات التي تصادفك. في الرواية تتذوق المشاعر الخام، في الحب، في الصداقة، في نبل المواقف، وجمال ونقاء العواطف، وتعيشها ليس كذاكرة بل كحياة مكتملة ونابضة، تلهو في بساطة ودعة ريف منسي، قرية بلا اسم. بوسعك أن تشم رائحة الحليب في طلاوة الحنين إلى الأم لدى آدم مثلا. فعل التحسس نفسه قادر على استنباط الفحوى والدلالة من الاشياء الخارجية، وهو لا يقتصر على كتابة النص، بل يتعداه في عملية تفلسف ذاتي، تخص العلاقة بين الذات والعالم، إلى تجاهل الحقيقة الموضوعية إلا بمقدار صلتها بالذات. وقد أضفى هذا المنحى التحسسي إلى جعل الطبيعة نفسها في الرواية روحا مرئية، إلى رموز تتدفق فحواها باتجاه الذات، ورسائل تكشف ما يضطرب في دواخل الشخصيات. الشمس، والغيوم، والصحو، والمطر. الحر والبرد، الاشجار والنهر. القطة، الخراف. كلها تبدو في الرواية غير منفصلة عن الذات. إنها تمثل لحظة تصالح الروح مع الطبيعة. أما الفعل الأهم للحساسية في الرواية، المقابل لفعل التصالح مع الطبيعة، فهو فعل الإغتراب، إغتراب شخصيات الرواية عن مجتمعهم. حلقة مغلقة مؤلفة من ثلاثة أصدقاء. آدم، بسام، شمس. يؤسسون وحدهم بسبب ثقافتهم وتطلعاتهم، نغمة متفردة في مجتمع قروي محافظ وتقليدي. آدم يتيم الأم، فارع الطول، ابن عائلة فلاحية فقيرة، شخصية مفعمة بالحساسية، والحرارة، والحيوية النفسية. لا يرى في محيطه سوى أسئلة موجعة. كان قد وعد أمه، وقت أهدته دفتر رسم، وهي على بعد خطوة من الموت، قائلة: أريدك أن تصبح رساما كبيرا، أن يحقق لها حلمها. ولما اضطرته ظروف المعيشسة الصعبة لترك المدرسة، والتفرغ لرعي الأغنام، لم يتخل عن وعده لأمه، كان يحمل معه في حقيبة جلدية مهترئة دفتر رسم، وقلم رصاص، ويشرع بالرسم. كان يرسم كل ما يصادفه، لكنه يعود دائما ليجرب عمل تخطيط لوجه أمه، محاولا الإمساك بخطفة من أنقى خطفاتها. إلى أن اقتنع بأنه اقترب في واحدة من رسوماته، من حلمها. امسك بنبض دمها، وحفيف روحها، وخفق أجنحتها. فحمل تلك الرسمة ذات فجر إلى قبرها، في جبل الأرواح، رفقة قطته سكر، ووضعها تحت حجر جوار ذلك القبر، موقنا أنها ستراها. بهذا المشهد الطفولي تبدأ الرواية. بسام والده أثقف رجال القرية، يعمل مدرسا للغة في المدينة، ويؤمن له مرتبه مستوى رفيعا من العيش، وهو مصدر آدم للتزود بالكتب التي يقرؤها. شمس فتاة قوية، تنتمي إلى عائلة غنية، بيتها من أكبر بيوت القرية. وهي تنظر إلى آدم بمزيج من الحب والإعجاب، وتؤمن أنه موهبة كبيرة. ثمة إغتراب من نوع أقسى يعاني منه فارس، شقيق غير معروف لآدم. ولد قبل آدم مشوها، نوع من قزم غريب، واقترنت ولادته بموسم جفاف قاس، حمل رجال القرية على الإعتقاد ان وجوده سبب الشؤم الذي أصابهم . وأجبروا والده، رغم مقاومة الأم، على إبعاده عن القرية، برميه على مقربة من بوابة المدينة. ونسيانه. آدم نفسه لم يكن يعرف شيئا عنه.  كبر ذلك القزم برعاية رجل محسن، من أهل المدينة، اسمه جمال. كان الإنتقام من أهل القرية اسمى غايات وجوده. مستعينا بشخص متسول، استدرجه بمال مسروق من السيد الذي رعاه. وللتشديد على هذا المعنى فقد اسمى نفسه أولتر أو المنتقم. ربما يحيل اسم  آدم عند هذه اللحظة من القراءة، إلى الإنسان بعامة، أبيض، وفارس المشوه إلى الشيطان أو الشر، أسود. بدأت في القرية تنتشر أعمال سرقة غامضة، وحرائق، وقتل مجهولة السبب. أجبرت معظم سكانها على الهجرة منها إلى المدينة. كان المنتقم نفسه من يقوم بنقل القرويين الذين لا يملكون حق الدخول إلى المدينة، مهربا إياهم عبر النهر في قارب متهالك، لا يتوفر على أدنى شروط الأمان، منتزعا منهم آخر ما في جيوبهم من أموال. في رحلة عبوره الأخيرة، كان آدم نفسه بين الركاب، فهو لم يعد يطيق البقاء في القرية بعد هجرة شمس وبسام. وتعرض حال بقية الركاب للغرق. يبدو أن هذه النهاية لم تحقق للكاتب أغراضه، فتعين عليه أن يضيف لآدم عمرا آخر. أخرجه من ظلمات الموت في قرارة النهر. ووضعه مرة أخرى  في جدل الأسود والأبيض. هكذا نُفاجأ في الرواية بظهور رسام مهم في المدينة، موهبة نادرة يدور حول أعمالها جدل كثير. اسمه نيجروم البا، يعيش في فوضى عبثية تشبه أعماله، تحوطه رعاية أب مثقف، يشغل وظيفة قاض، اسمه جمال. لا علاقة لألبا بآدم، من حيث الملامح، لون الشعر، والعيون. ثم نعرف لدهشتنا أنه مصاب بعمى الألوان. يبدو أن لهذه الإشارة لدى المؤلف مدلولات، ضمن سياق رؤيته لعمله. مدلولات تضمنها الاسم الجديد لآدم، نيجروم ألبا، تعني باللاتينية الأسود والأبيض. لا يستسلم ألبا للعجز، يقتحم بفرشاته اللوحات، ملونا بكيفية عشوائية، أصابت العالم بالذهول. وبات بسبب ذلك واحدا من اشهر الرسامين. تأتيه دعوة للمشاركة في معرض دولي يقام في العاصمة. في الطائرة يلتقي بشابة من عمره، يعرف منها أنها ذاهبة لمشاهدة المعرض، وأن رسامها المفضل هو ألبا. وحين يعرفها بنفسه، وأنه هو نفسه ألبا، تصاب بالدهشة. وتعرب عن مسرتها بهذه المصادفة. لم يشعر بالوقت يمر سريعا، وهو منغمس في حديث لذيذ معها، لحظة فاجأتهم الطائرة بهيوطها في العاصمة، غادرته على عجل، قبل أن يعرف شيئا عنها. وفي المعرض، كان ينتظر قرب لوحته الوحيدة، مترقبا حضورها. لم تمكث سعاد، وهذا اسمها، طويلا إلى جانب لوحته لما حضرت، ذهبت للبحث عن صديقة لها أشد حماسة منها لأعماله. وحين عادت رفقة صديقتها، كان ألبا، مصفد اليدين، بين مجموعة من رجال الشرطة، يقتادونه إلى أحد مراكز التوقيف، بتهمة أن اللوحة المعروضة، تتضمن معان تسيء إلى سمعة البلاد. المهم تركض الشابتان وراء البا، ولما تلتقي عيون صديقة سعاد بعيون ألبا، تصرخ على الفور، آدم، آدم. كان صوتها يلاحقه بينما سيارة الشرطة تتحرك مبتعدة. إنها صديقته شمس. أمام شمس، تهاوت كل التزويقات التي حرص آدم على إضافتها إلى نفسه، لكي يصبح شخصية ألبا. العيون الزرق، والشعر الأشقر، فضلا عن تغيير الاسم ومحو الذاكرة. حين يغادر بعد شهر السجن، يجد اصدقاءه منتظرين خروجه قرب الباب في لهفة وشوق، إلى جانب السيد جمال، الأب الراعي له. هنا تبدأ عملية تحطيم شخصية البا، ويستعيد آدم ذاته، وهويته القروية النقية. في هذه اللحظة، يكشف السيد جمال عن رسالة وصلت إلى آدم من إدارة السجن. في الرسالة تتكشف كل الخطوط التي اشتغل عليها المؤلف، والمغزى العميق لهذا النص. المرسِل هو السيد فارس المنتقم، كتبها قبل ساعات من إعدامه، وطلب من إدارة السجن، إيصالها إليه. نكتشف أن المنتقم فارس شقيق آدم، وهو يعرفه تماما، لكن رغبة الإنتقام لديه كانت من القوة إلى درجة جعلته يتمنى موته غرقا. وحين سمع بنجاته، وعرف من تحرياته، أن السيد جمال الذي تولى رعايته، هو نفسه من شمل آدم برعايته. كتب له هذه الرسالة: لم يُعد لي الانتقام شيئا مما فقدته، بل جعلني أفقد نفسي. ولن يعيد الأسف ما فقدته، لن يعيد جميع من ماتوا، جميع الأرواح التي أزهقتها، لن يعيد أمي ولا أبي..أشعر أنني عشت كثيرا ومت أكثر. بقدر ما اشتغلت الرواية على هجاء اولتر المنتقم  بجعله قميئا، وحاقدا، ولصا شيطانيا، وكذلك أسعد المتسول الجائع الذي تحول إلى ساعد المنتقم الضارب، يلاحظ  أن الشخصيتين تعانيان من الهامشية، واللاتواصل، فعلت الشيء نفسه في هجائها لحالة الجهل والتطير التي وسمت مجتمع القرية، وصنفتها كلها في خانة الأسود. أرادت في رسالة فارس أن تعيد الإعتبار إلى إنسانيته، فهي تعبر عن عقدة الشعور بالذنب، بوصفها نوعا من محاكمة الذات، ويقظة الضمير، ولحظة إعتراف وندم وعذاب. والرواية فعلت ذلك أيضا للمتسول أسعد، الذي رمى نفسه من الطابق الرابع للسجن، منتحرا، استجابة لقانون الضمير الإنساني، ومحاكمته لذاته، قبل نفاذ حكم القانون المدني فيه. في هذه اللحظة يتحول الأسود إلى الأبيض، وتسود العدالة العالم. إلى جانب الرسالة ساعة فضية، ساعة الأب المتوارثة، الساعة التي كانت آخر ما ودعه آدم لحظة مغادرته البيت. وهي الشيء الوحيد الناجي من الحريق. إنها لحظة استعادة تمام الذات لآدم. ربما كانت تلك اللحظة، مناسبة تماما لوضع نقطة النهاية للرواية. وترك الباقي لمخيلة القراءة. تقدم لنا الرواية في كل شخصياتها، رؤية هرمسية للعالم، تتلخص في كون الأسود والأبيض، ليسا منفصلين، إنهما ينبعان من ذات واحدة، مثل عقربي ساعة الأب الفضية اللذين يدوران على محور واحد. إن للخير والشر وجها واحدا، كما يقول باولو في تصدير الرواية. كما في الحكايات وقصص الأطفال، تنتهي الرواية في لحظة تصالح مع العالم. على الرغم من أن الكاتب أراد أن يوصل المغزى، عن طريق أمكنة متخيلة، بيد أن ضغط الواقع تفوق عليه، فقد تجمع في الرواية أكثر من دال، تشير جميعها إلى الموصل، وجود النهر، وغرق القارب، يشبه كارثة غرق العبارة، وذكر زهرة البابونج، وتوقيف آدم بسبب لوحة. يبدو أن علاقة الكاتب بالنص، متوسطة بنوع من القدرية أو القهرية، هي الرمز والمكان واللغة. رواية اسود أبيض، تكشف لدى كاتبها الذي ما يزال فتيا (تولد 2003)، إمكانات غير عادية، في بناء الشخصية، وإدارة الحوارات، وتقنيات السرد، القادرة على حبس القاريء، واستدراجه إلى حالة تواطؤ معه، أو توريطه في قراءة النص حتى النهاية. هل كنت قارئا متواطئا أو متورطا فعلا..؟. بالنسبة لي كنت ملتذا بنكهة المشاعر النقية والخالصة والبكر لدى شخصيات الرواية. وحتى في طراوة وصفاء لغتها، رغم ما اعتورها من أخطاء مؤسفة.

………………………….

صدرت مؤخرا عن دار سطور في بغداد، ودار سنا في الموصل. بدعم من مؤسسة بيتنا الثقافية. 

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عبدالله نوري الياس : (ذاكرة الطين) .

فصل في ترتيب الخلق  خلق على معلقة الارض ذاكرة تملأ الطوفان  بالعشب والمياه  الغبشة تبحث …

| فهيم عيسى السليم : لسان العراق-اللغة العراقية المحكية لغة الشاعرة فدعة – الحلقة الثامنة عشرة.

  أضفت هذا المبحث في هذا الكتاب كونه واحداً من المصادر القليلة المتوفرة عن اللغة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *