| رفيف الشيخلي : – سياسة أخلاقية – انطباعات عن كتاب “نظرية العدالة عند جون رولز” للكاتب محمد هاشمي .

كنتُ دائما أعتبر السياسة وحشا كاسرا. إنها مجرد مصالح تتجمل بخطابات رنانة… وادعاء مبادئ طنانة… تعلن الحب، في حين أن تعاليها يظهر جليا… أو، في أحسن الأحوال، مجرد أفكار رياضية خالية من أي روح…

كانت السياسة بالنسبة إليّ عبارة عن انقسامات تولد من رحم انقسامات… حتى داخل الهيئة الواحدة والدولة الواحدة…. أصحاب سلط ومأمورين… أغنياء وفقراء… نخبة وعامة… عمال وأصحاب مصانع… شيوعيين ورأسماليين… صالحين وطالحين… أخيار وأشرار… إلى أن قرأت كتاب “نظرية العدالة عند جون رولز” للدكتور المغربي محمد هاشمي…

في الحقيقة، لم أفكر يوما في قراءة كتاب يتناول الفلسفة السياسية موضوعا له… ولولا إعجابي بالكاتب من خلال مقالاته ودروسه وأفكاره… لما فكرت في الأمر… وبكل صراحة، قمت بتأجيل ذلك إلى أبعد ما يمكن… وأخيرا، فرضت على نفسي أن أفعل… كنت متهيبة جدا…

ما إن بدأت بتصفح الكتاب… حتى وجدتني أقرأ بتمعن كبير ورغبة قوية في المعرفة والفهم… إذ أن الفيلسوف جون رولز، لا يقدم فكره بشكل متعال، ولا هو يدّعي التفوق على بقية من فكروا في الأمور السياسية والأخلاقية… بل، يقدّم نظرية العدالة، وعبارة “نظرية” تفيد النقاش والتفكير. أو وضع نموذج مقترح تتم دراسته ومحاولة التأكد من صحته أو عدمها… وهذا ما نجده على طول الكتاب… فهو يعطي فكرته عن مبدأ العدالة، ثم نراه يعدل فيها بعد فقرات، أو يعيد صياغتها بعد تحليلات ونقاشات… والأروع أنه يقرّ بأن ما يقوم به ليس تفردا أو تفوقا، بل إنه يحاول إعادة فهم فلاسفة آخرين. وعدم التعصب في أخذ فكرة من أحدهم، وتطعيمها بأخرى من فيلسوف آخر. كأنه صديق يفكر معنا في كيف يمكن تحسين الوضعية السياسية والاجتماعية… والأجمل، أن تصرفه هذا مع أفكار الآخرين، منسجم جدا مع فكرته وطريقة طرحه لموضوعه. بعدم اعتبار رأي أو شخص أنها الأفضل، بل أن الأمور الحسنة والخيرة تكون بتضافر الجهود واحترام الكل وتعاون الجميع.

نجد في مقدمة كتاب محمد هاشمي ما يلي: “إن الفيلسوف بالمعنى الرولزي، لا يدّعي سلطة على الناس، ولا يقيم مشاريعه على نبوءات تتجاوز أفقهم، أو على أساس مستقبل لا يستطيعون بملكاتهم المتواضعة أن يتبينوه إلا بالتسليم أو الاستسلام، وإنما هو مفكر يحاول أن يؤسس لعدته النظرية قربهم ولأجلهم، فهو لا يغالب أحدا، بل يسعى بالأحرى إلى الحيلولة دون قيام العلاقات المدنية والاجتماعية على أساس المغالبة. كما أن مشاريعه النظرية لا تتجاوز أن تكون محاولة صياغة واضحة وهادئة لما يعتمل داخل الرأي العام، وبالتالي فالحلم النظري للفيلسوف هو الشرعنة النظرية والاستدلالية لأقصى ما يمكن من أحلام الناس البسيطة. ولذلك فإن الفلسفة الرولزية بهذا المعنى فكر يترعرع داخل مجال الأغوار دون أن تكون له أي تطلعات أولمبية.”

ودائما ما كنتُ أتساءل… قبل قراءة كتاب محمد هاشمي… هل سوء أوضاع الناس والعلاقات والقيم هو الذي يتسبب بسوء السياسة؟ أم العكس، عدم قدرة السياسة على تفهم الناس هي ما يؤدي إلى تلك الأمور التي صرنا نراها بكثرة، خصوصا في مجتمعاتنا العربية. من عدم احترام، وتعال، وغرور، وعدم تقدير، وتردي في الذوق العام، وصراعات وانقسامات…. وتلك العزلة التي يشعر بها الكل ويحاول جاهدا أن يحاربها، إما بتقليد الآخرين، كي يتم الاعتراف به، أو بالانسحاب والرفض…
لكني فهمت حين قرأت الكتاب أن الجواب قد يكون كلا الأمرين، فالأول يؤدي إلى الثاني والعكس صحيح… بما أن الأمر يتعلق بمجتمع واحد. وسبب غلطي في السؤال قد يكون نتيجة تلك التقسيمات التي تعودنا عليها… أو بخطأ التعامل مع المجتمع انطلاقا من أفكار مسبقة… سواء كانت اقتصادية ربحية، أو أفكار فلسفية مذهبية…
نقرأ في الكتاب: إن “رولز يعتبر أن الموضوع السياسي ينتمي إلى ما يدعوه بمصطلح الممارسة، الذي يقصد به كل أشكال الأنشطة المحددة من خلال نسق من القواعد التي تحدد الوضعيات، والأدوار، والحركات، والعقوبات، وأشكال الدفاع، كما أنه يمنح هذه الممارسة بنيتها، ويمكن أن نستحضر في هذا الصدد نموذج الألعاب على سبيل المثال.”

لكن، من أين إذن كل تلك الانقسامات التي نعيشها في مجتمعاتنا؟ وكل حالات عدم الرضا وكل الأقنعة؟ يشرح لنا كتاب “نظرية العدالة عند جون رولز” أن الأمر يعود إلى سوء تعامل السياسي أو / و الاقتصادي مع المجتمع… بحيث تصير الأفكار والمذاهب وصيغ الحياة أمورا مفروضة على الناس… يشرح محمد هاشمي في كتابه: “عدالة السياسي لا تتجاوز أن تجعل آليات التدافع السياسي الشرعية تصب مزيدا من الحجم والثقل لصالحالجماعة التي يمثلها في إطار ميزان قوى القرار السياسي، فهو في طبيعته متمركز في جانب ضد آخر، بينما رجل الاقتصاد معني قبل كل شيء بخدمة حجم الخيرات العام، فانشغالاته الكمية تجعل رؤية القضايا الأخلاقية مسألة جانبية وعارضة، (…) لنقل إن كليهما يسعيان إلى استثمار القواعد الجاهزة بأفضل شكل، وتحذوهما “رغبة” في الانتصار، ما دام أن منطق السياسي والاقتصادي يتجذر في فكرة المواجهة.”

في الغالب، يجد أفراد المجتمع أنفسهم داخل أفكار عليا توجههم، وعليهم كي يعبّروا عن انتمائهم للبلد أن يكونوا نسخا من تلك الأفكار. سواء كانت دينية أو فلسفية أو اقتصادية. وهذا ما يمنعهم من أن يكونوا أحرارا في التعامل مع وجودهم الشخصي، أو مع الآخر، ومع مؤسسات الدولة. فمن المعروف، في بلداننا العربية أن المختلف مقصي. هذا إن لم تتم محاسبته. نحس منذ ولادتنا أن كل ما يوجهنا في الحياة هو “يجب”… يجب أن نفكر على هذا الشكل، أن نتصرف بتلك الطريقة، أن نحب هذا الشيء. بل وأن تحب بفهم معين…
والأمر من كل هذا، أننا بدافع الرغبة بالشعور بالاعتراف، أو بفعل التعود… صرنا نجد أنفسنا منقسمين إلى رغبات وأفكار… وإلى واجبات لا نحبها ولا نشعر نحوها بأي احترام، فنحاول جاهدين التملص منها.

يقول محمد هاشمي في كتابه “إن فلسفة مثالية من قبيل الأفلاطونية (…) تجعل الأخلاق نوعا من الترويض والتدريب للنزوعات الطبيعية، في سبيل تحصيل وإدراك الواحد الخير، من حيث هو موضوع حقيقي للرغبة الحقيقية، فهو بشكل ما موقف لا يفرد للأخلاق مجالها الخاص، وإنما يجعلها تابعة لنوع من التصور الأنطولوجي، القائم على خلاص تصاعدي من المعطى الشخصي الزائف، الذي يعتبر عالم الصيرورة مكانه الخاص، نحو عالم آخر مفارق، تنتفي فيه القسمات الشخصية، وتسود فيه مثل تكرار العلاقات الطبيعية في صيغة أكثر عمومية وتجردا وتمحضا، لهذا تصبح الأخلاق الطبيعية نسجا على المنوال المعرفي العلمي، الذي يترقى من الحالات الخاصة إلى الحالات العامة، والذي يعتبر أن العلم لا يكون إلا بالكليات، وهذا ما يجعلها أخلاقا رغم ارتباطها المبدئي بالطبيعة – تتعامل بحس وسواسي واستفزازي للطبيعة، فالسعادة الحقيقية تتغلف بموضوعات متعالية ومفارقة أنطولوجيا، لكننا نخضعها لنفس الأنماط العلائقية العامة على المستوى الأنثروبولوجي.”

وهذا ينطبق حتى على التوجهات الاقتصادية التي تهتم بالربح أكثر من عنايتها بالجوانب الإنسانية، التي تجعل الناس يشعرون أنهم مجرد آلات صناعية لا قيمة لهم سوى الإنتاج المادي الذي يضاعف الثروات… يبين الكتاب أن “رولز يقدم في هذا الصدد الرأسمالي كنموذج لهذه الإنية المتعالية، التي تعبر عن حسها الوحشي والمضاد للجماعة، من خلال نظرتها الأناتية للمستخدمين، الذين يظهرون في التصور الرأسمالي كجزء من آلة الإنتاج وليس كأنداد للرأسمالي.إن تحويل العمل كجهد مستمر للمراكمة القائمة على الاستغلال، يجعل الثروة بالنسبة لهذا الشخص مملكة عزلة، مادام الرأسمالي يقرأ نواتج العمل، ملامح قوة مضافة إلى شخصه، حيث إن الغنى في إطار هذه العلاقة الاستغلالية هو نجاح لهذا الشخص بالذات وليس للجماعة كلها، إن خطيئة الرأسمالي المركزية التي تفرز جميع الرذائل الأخرى، تعود إلى خلطه بين العلاقة مع “الأنت” وبين العلاقة مع “الشيء”، والتعامل مع ما هو شخصي بمنطق ما هو طبيعي.
ويدفع رولز عن نفسه تهمة التشهير بالروح الرأسمالية لصالح التصور الماركسي، فروح الخطيئة شائعةحسب رأيه في جميع الطبقات والشرائح الاجتماعية، كل ما في الأمر أنها تبدو بوضوح أكبر في حالة الرأسمالي. هذه الروح الاستحواذية تجعل الشخص الإني رافضا لفكرة الاقتسام، لا باسم الحاجة، وإنما بمفعول رغبة في التميز، ولذلك فان موضوعات الملكية، وتركيزها في يد قلة، يعطي للثروة بعدا رمزيا، فهو لا يخدم حاجة ملموسة، وإنما يسجل فقط مسافة فاصلة بين من يملك هذه الثروة وبين الأغلبية التي لا تملكها، وهذا ما يجعل مثل هذا الشخص يميل إلى خلق الجماعات المغلقة، التي تتحول إلى عامل معيق أمام الانتماء إلى الجماعة الكبرى. إنها وسيلة لترسيخ عزلة الإنسان في إطار صحبة ضيقة، حيث يكون مهما خلق الفرقة والهوة، وتغذية مشاعر الكبرياء والازدراء للآخرين، ولذلك فإن المثال الأعلى لهذه الجماعة المغلقة ليس هو توسيع شريحة الأعضاء، وإنما اختزالها أكثر فأكثر، فيصبح الطاغية بهذا المعنى، هو خلاصة هذه السيرورة الانغلاقية، حيث يبدو هذا الشخص وقد شكل مجالا مغلقا تماما لا يفسح المكان لغيره.”

وأيضا نفهم بشكل واضح أنواع العلاقات. التي هي علاقات طبيعية نحو الأشياء. أو علاقات أخلاقية نحو الآخر. والتي تجعلنا نتأمل الحالة المحزنة التي وصل إليها تعود الناس على المنطق الربحي الغائي لليبرالية الاقتصادية، فصرنا نرى كيف يتم التعامل مع الآخر بنفس طريقة التعامل مع الشيء. وهذا ما يشعرنا بالكثير من العزلة والإحساس بعدم الاحترام… نقرأ في الكتاب فقرة قوية ومعبرة جدا عن فكرة الكتاب، أو الفكرة الموجهة لنظرية العدالة: “إن الغير في العلاقة الشخصية هو “أنت” وليس “هذا” أو “ذاك”، إذ ما نكاد نستحضر هذا القاسم التمييزي في هذه العلاقة، حتى يتغير جوهر النظر إلى هذا الطرف، فمن البين أن سلوكنا تجاه ذوات أخرى تخاطب بصيغة المخاطَب، وتكون قادرة على أن تحيل إلى نفسها بصيغة المتكلم، يختلف جذريا عن كل العلاقات الأخرى التي نقيمها مع موضوعات تفتقد إلى الطابع الشخصي.
إن الغير الأخلاقي “أنت”، يستدعي منا بالضرورة موقفا، سواء على شكل انسجام أو نفور، على خلاف الموضوعات التي تظل دائما مجرد واقعة خام، شيء يوجد ها هنا بكل بساطة، في انتظار أن يكون موضوعا للرغبة والحيازة أو على العكس موضوعا للامبالاة والتفادي. إن الطرف الآخر في العلاقة الشخصية هو أبعد ما يكون عن هذه السلبية، فهو لا يستقبل فقط نزوعاتناوميولاتنا، بل إنه يُقبل بوعيه وشخصه نحونا، إنه يَقبل منا ويرفض، فهو إرادة أخرى ومركز قرار مستقل عنا ومرتبط بنا في الآن ذاته.”

ولهذا، فمن غير المقبول أخلاقيا أن نعامل الآخر كما لو أنه آلة أو شيء رهن إشارتنا… فبالرغم من كل اختلافاتنا التي قد تصل حد التناقض. فكل آخر هو بشر مثلنا، له أفكاره وميوله… أحاسيسه وأهواؤه ومشاعره الخاصة… كلنا نفرح ونبكي ونغضب، نجوع ونعطش، نحب وننفر، كلنا ولدنا دون إذن منا. وكلنا نحاول أن نعيش بشكل محترم..
لذلك نجد الكتاب يوضح فكرة رولز عن الفرق بين الشخص والفرد. فـ”كل الأفراد هم أشخاص. وحدات متمايزة ومنفصلة، ولكن ليس كل الأفراد أشخاصا”. إن الفرد يكون شخصا بقدر ما تتوفر له القدرة، على إقامة علاقات وحياة روحانية، ولذلك يمكن أن تخلق نوعا من الترادف الدلالي بين مفردة شخص ومفردة الروح “spirit”، لكن كلا المفردتين تحملان مجهولا يعز عن الوصف والتعبير الموضوعيين، إننا نعتقد أن الشخصية شيء فريد لا يقبل اختزاله إلى تملك جسد شخصي، أو مجموعة من الحالات العقلية.فلا يمكن تصور الشخصية كفرد نظري بمعزل عن الشخصيات الأخرى، وهذا ما يقتضي بالضرورة افتراض مفهوم الجماعة، وهو ما يشترط قابلية تحول الأفراد إلى أشخاص بقدر استطاعتهم الحياة داخل الجماعة، والتي ينبغي تمييزها بالضرورة عن مفهوم المجموعة أو المجاميع، التي تتشكل من تراكم الأفراد، وهذا ما يضفي على الجماعة طابعا كيفيا، بحيث لا يمكن اختزالها إلى كينونات عددية، إن الجماعة بشكل ما تملك هي أيضا شخصية تجعلها فريدة ومتميزة.”

كل هذه الأسئلة التي كانت تراودني والتي يشاركني فيها العديد من الناس، وأنا أقرأ الكتاب، وجدتها مطروحة أيضا في كتاب “نظرية العدالة عند جون رولز” للدكتور محمد هامشي. وأيضا نجد الكثير من الأفكار والتحليلات والأجوبة والمقترحات التي تساعد من وجهة نظر الفيلسوف على تجاوز كل هذه العوائق وبناء مجتمع عادل ومتعدد وحر…

لكن، بما أن المجتمع هو في جوهره أشخاص… وكل شخص هو قارة قائمة بذاته… وهذا يعني عدة أفكار ومذاهب وميولات وانتظارات، فكيف يمكن أن نكوّن من كل هذا مجتمعا متصالحا دون أن نفرض عليه أفكارا عليا؟ الجواب في كتاب محمد هاشمي عن نظرية العدالة، بتأكيد بعض المبادئ الضرورية كالحرية، والعدالة… أما بالنسبة لما تبقى من أمور فيكون ذلك، عن طريق حجاب الجهل. فما هو حجاب الجهل؟ حسب فهمي من الكتاب هو نوع من النقاش تشارك فيه كل فئات المجتمع، لكن دون أن يعوا منزلتهم في هذا النقاش… ودون أن يعرفوا مكانة بقية المشاركين… وبهذه الطريقة يمكن التأكد من عدم وجود أي شكل من أنواع السلطة أو التعالي أو التضحيات… فمثلا، كل المشاركين سيحبون أن يتمتعوا بحرية الاعتقاد الديني، وهذا سيؤدي إلى وجوب احترام حرية المعتقد… الكل يتمنى أن يعيش بكرامة ويحصل على عمل وعناية صحية… إذن، تكافؤ فرص العمل والرعاية الاجتماعية… وهكذا…

ونجد تأكيدا في الكتاب على الفرق بين الفرد من حيث انتماؤه ومن حيث حياته الشخصية… فأنا كمواطنة عليّ احترام المجتمع والمؤسسات، واحترام مبادئ العدالة، وعدم المساس بالحقوق والواجبات. لكني على المستوى الشخصي، سأعيش حياتي كما يحلو لي، من التصرف والتوجهات الفكرية والفلسفية، ونمط العيش الذي يناسبني، بما أن مبدأ الحرية هو أمر مكفول للجميع.

وأكثر ما أحببت في نظرية العدالة هو فكرتا “مبدأ التفاوت” و”التسامح”… مبدأ التفاوت هو نوع من الموازنة، أو تقليل الاختلافات في ما قد يجعل من الشخص أقل حظا في الحصول على ما يمكن للآخرين الحصول عليه… نقرأ هذه الفقرة من الكتاب: “إن مبدأ التفاوت يتضمن بشكل ما مبدأ التعديل، أو على الأقل إنه لا يستبعده، إن الذي يهم رولز بشكل أولي هو أن يتم باستمرار تحسين وضعيات الأقل حظا، وتأطير المجتمع بآليات تسمح للجميع بأن يحسن انتظاراته وليس فقط أن يحقق كل ما يعن من انتظارات حتى ولو كانت مبتذلة، فمن المهم خلق أجواء تربوية تسعى للجميع في أن يترقى في مقومات مشروع حياته، لذلك يركز رولز كثيرا على استبعاد التعامل مع التربية بمنطق الفعالية أو الرفاهية فقط، فدور هذا القطاع هو أيضا الرقي الاجتماعي والذوقي والثقافي بالمواطنين، إنه سعي إلى إخراجهم من الالتصاق الضروري بالآفاق الذوقية التي وجدوا فيها أنفسهم بفعل عوامل لا يد لهم فيها، ذلك لأن العدالة ليست هي إشباع الرغبات البسيطة والمبتذلة للناس، وتناسي أن هذه الرغبات إنما هي وليدة حرمان أولي من أخذ فرصة التعليم والتكوين الراقي، وإنما العدالة هي فوق ذلك وقبله أيضا، تربية لحسهم المطلبي من خلال التعليم الجيد: لا ينبغي – يقول رولز – الحكم على قيمة التربية فقط بحساب الفعالية والرفاهية، إذ أن للتربية دورا آخر هو بمثل أهمية هذين المعيارين وأكثر، أقصد التربية في سبيل جعل شخص قادرا على تذوق ثقافة مجتمعه، وعلى لعب دور داخله، وبالتالي إعطاء كل فرد الثقة في قيمه الخاصة”.

ومبدأ التفاوت، مع الأخذ بكل المفاهيم الأخلاقية التي سبقت الإشارة إليها، هو ما يؤدي حسب ما فهمته من الكتاب إلى احترام الذات والآخر. إذ يشير محمد هاشمي “حينما تخلق البنية الأساسية للمجتمع شروطا حقيقية لاحترام الذات، فإن ذلك سيدفع الجميع إلى احترام بعضهم البعض بدافع داخلي تلقائي، دونما الحاجة إلى أوامر خارجية لفعل ذلك، وهذا ما يعبر عنه رولز بشكل بديع حين قوله: نستطيع أن نفترض أن أولئك الذين يحترمون أنفسهم، يتوفرون على فرص أكبر لاحترام الآخرين، على عكس احتقار الذات الذي يستدعي احتقار الآخرين، بل ويهدد خيرهم بمثل ما يفعل الحسد أو أكثر، بينما احترام الذات يتفوق ذاتيا بفعل الطابع التفاعلي.”

كل ذلك يوصلنا بشكل سليم إلى مبدأ التسامح، الذي نجد فيه ملامح وروح الدين المسيحي، والذي يشير الكاتب في الفصل الأول أن الفيلسوف جون رولز كان متأثرا، ومنشغلا قبل “نظرية العدالة” بالأبعاد الأخلاقية للمجتمع، وكيف يمكن بناء فكر سياسي له المسحة الأخلاقية للدين…
إذ نجد في الكتاب عبارة قوية ومعبرة جدا تقول: “لا يمكن انتشال هذا الفرد المعطوب إلا بفضل تفاعله بشخص آخر في أفق علاقة روحانية جماعية.” فـ”أحيانا يحتاج المتعصب للمساعدة، حيث يمنع من أن يدمر نفسه في نفس اللحظة التي يمنع فيها من تدمير الآخرين”
فليس من المقبول أخلاقيا أن نتعامل مع المشاعر على أنها وسيلة، وننسى أن الآخر أيضا يجب احترامه كما نحب أن يتم احترامنا وتفهمنا. بل أن نتعامل مع الآخر كما نحب أن يتعامل معنا، أن نحاول أن نتصف بما نحب أن يتصف به من يتعامل معنا أو ينتمي إلى مجتمعنا…
نقرأ في الكتاب: “إن فعل الخير، وبالتالي الشخص الأخلاقي ذاته، يتيح من خلال سلوكاته تحقيقا لمصالح الآخرين، فهو ليس فعلا فضائليا كماليا بمعزل عن الجماعة أو ضدها، بل إنه خير متجذر في الطبيعة الاجتماعية للإنسان، إنه فعل مساعدة، وحماية، وتعاون، وتضامن، واقتسام إحساني، وكل ما شئنا من الأفعال الخيرة التي تصب في خانة مصالح الآخرين.” ويؤكد “هكذا يسهل مثلا تفسير الخطيئة، من خلال النظر إليها ككل ما يعوق قيام الجماعة، أما الإيمان فيصبح هو الحالة الجوانية للشخص المندمج والمرتبط على نحو مناسب بالجماعة. وهذا ما سيجعل الفرضيات الأربع السابقة تثبت نجاعتها التفسيرية بقدر ما تسمح لنا، بتفسير أخلاقي منسجم بكل ما يتعلق بالوجود الروحاني للإنسان، الذي هو أيضا وجوده الاجتماعي بصورته المتباينة لوجوده الطبيعي.”

حين أنهيت قراءة كتاب “نظرية العدالة عند جون رولز” أحسست أني تغيرت. تصالحت مع المجتمع والناس. صرت أفهم أننا في النهاية، مهما كثرت المشاكل أو سوء الفهم، نكون مجتمعا واحدا، الكل فيه متعاون مع الكل رغم ما يظهر من عدم الحاجة. ألا يؤكد الكتاب “أن نحتاج لبعضنا البعض، معناه أن تكون هناك إمكانية لأطلب من الآخر ما ليس عندي، في مقابل أن أساهم معه بما ليس لديه أيضا”. لذلك، أحببت أن أعبر للدكتور محمد هاشمي، بهذه الانطباعات عن شكري له. وتأكيدا على ذلك، سأحاول البدء من إصلاح نفسي.
وأخيرا، أود أن اختم بسؤال مشاكس، يؤكد الكاتب محمد هاشمي على أهمية ما مر به الفيلسوف جون رولز، من أفكار ومبادئ، على إنتاج مؤلف “نظرية العدالة”. فهل يمكن لنا أن نفهم أو نسقط ذلك على الكاتب أيضا؟ ما الذي جعل محمد هاشمي يختار الانشغال على هذا الموضوع وفكر جون رولز؟ وألا يمكن القول إنه بذلك يحاول التعبير عن أفكاره وتساؤلاته وانشغالاته باللجوء إلى فلسفة جون رولز؟
مع التأكيد أن الكتاب كتب بأسلوب سلس وجميل، لا تعالم فيه ولا تعال، يستطيع غير المتمكن من فهمه واستيعابه، بمجهود واضح في إيصال الأفكار لغير الأكاديميين. وكل هذه الأمور تدل على تمكن الكاتب محمد هاشمي من موضوعه بشكل كبير، مما ساعده على إيصاله بشكل عميق وبأسلوب السهل الممتنع. دون شحن الكتاب بالكثير من الهوامش والأقواس التي تضعف التركيز. مع التأكيد على قدرة الكتاب على شرح وإيصال الأفكار للقارئ، بشكل يساعده على فهم محيطه السياسي والاجتماعي.

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عبد الحسين العامر : رواية”سبعة أصوات”: بعيدًا عن النقد قريبًا من التذوق .

توطئة: لم ألتقِ القاص الأستاذ عبد الحسين العامر يومًا إلا وكلمة (يُبَه) تتردد بين جملة …

| محمد جودة العميدي : الذوق الفني والحس الجمالي في مجموعة : ( حدائق النهار ) للشاعر العراقي الكبير ناهض الخياط .

احتراف الكتابة الشعرية رهين بامتلاك تجربة ثرية تصقلها السنين عبر قانون التراكم المعرفي The law …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *