| صالح البياتي : السيدة سين والقط يسترداي .

  كان الزقاق الذي سرنا فيه ضيقا، اشبه بمرآة تعكس البيوت المتقابلة، الأبواب وحتى الشبابيك، التي تحمل مبردات الهواء، كانت كلها متشابة وبلون ازرق.

جئنا اليوم لزيارة السيدة سين، وكما اعتدنا من قبل، كان استقبالها لنا وترحيبها  بنا، بنفس طريقتها الخاصة غير المتكلفة.

  اجلستنا على كنبة، وجلست على كرسي امامنا، سألتها عن ولديها، فدمعت عيناها، خشيت ان زدت كلمة، فقد تنفجر باكية، قالت بعد أن كفكفت عبراتها، ومسحت دموعها، بكم ثوبها ” هاجرا بعد ان اشتد الحصار “*

وتفاديا لمشاعر الشفقة، اسرعت تقول ” انا بخير.. يبعثان لي ما يسد حاجتي”

 عرفتها امرأة ذات نفس ابية، توقعت لوعرضت عليها المساعدة تلك اللحظة، فسترفض حتما، وسأحرجها أيضا امام زوجتي، وربما أجرح مشاعرها.  

 إستأذنت لتقدم لنا شيئا، القيت نظرة على أثاث غرفة الإستقبال، فأدركت مدى الإختلاف الذي طرأ على حياتها، فقد كانت قبل عودتها الإضطرارية للوطن، تعيش في شقة كبيرة، بمنطقة راقية مطلة على البحر، نظرة سريعة تكفي؛ ان يعرف المرء انها تعيش الآن في أسوأ حال.

 لن انسي أبداً تلك الظروف الإستثنائية الصعبة، التي مررنا بها عندما وقعت الحرب؛ فقد أجبرتني على مغادرة الوطن مع اسرتي، استجابة لمبادئي الإنسانية الرافضة للعنف، مثلما فعل هيرمان هسه، الذي رفض الحرب التي اثارها هتلر، وأتخذ من مدينة سويسرية مكاناً لأقامته* ، ولكن مع إختلاف واضح، ان سويسرا كانت على الحياد، اما الكويت التي التجأنا اليها فلم تكن كذلك، كما التجأ آخرون على إختلاف مشاربهم ونواياهم وأهدافهم، فكان عليَّ توخي الحذر والحيطة، قبل الجهر بآرائي  السياسية، او موقفي الرافض للحرب.

 في تلك الأيام الصعبة، رحبت بنا السيدة سين، واستضافتنا في شقتها لفترة قصيرة، حتى حصلنا على العمل والسكن.

 وكنا كأي مغترب بحاجة الى التعارف، على أناس من أبناء بلدنا، ولحسن الحظ  كانت معرفتنا بها قديمة، لذا كنا نتبادل الزيارات العائلية، طوال فترة اقامتنا.

 قبل ان نودع السيدة سين،  كنا نأمل ان نزورها مرات آخرى، وان نؤدي واجب المساعدة التي تستحقها.

 تذكرت فجأة القط يسترداي، فسألتها عنه، تبسمت، قالت انه بخير.. نادته  فجاء يحبو كالطفل، ندت مني صرخة خافته، يا إلهي.. لقد كبر الهر وهرم كثيرا، وبطؤَت حركته.

 قعد بين قدميها، وراح يتطلع الينا، كأنه يحاول ان يتعرف علينا، غشت وجهه كآبة حزن، لم تفت عن العين الفاحصة، قلت لها، لم أكن أتوقع ان اراه حياً، قالت، انت تعرف جانباً من حياته، وآخر لا تعرفه، استأذنتنا، خرجت وعادت بيدها رزمة أوراق، مدتها إليَّ ، قالت أقرأها، فيها كل شيء تحب ان تعرفه عنه .. وعني. اعرف انك تهوى الكتابة، لعلك تجد فيها ما يثير اهتمامك، فتكتبه وتنشره، أكتبه كسيرة ذاتية لأمرأة مجهولة مع قطها..  اخذت الأوراق، دون ان الفظ  كلمة، صافحتها مودعاً ومضينا.

 في البيت تركتها على المنضدة الجانبية لسرير النوم، شعرت انني انتهك خصوصيتها بمجرد النظر اليها، رغم انها منحتني الإذن بالأطلاع عليها، كنت امد يدي اليها فأتراجع .

  بقت في مكانها لعدة أيام، قمنا خلالها بعدة زيارات، تمكنا في إحداها ان نقنعها بقبول المساعدة،  وقبل ان نودعها سألتني عن الأوراق، قالت أكيد قرأتها، فأعتذرت بالإنشغال وضيق الوقت، وبهذا التبرير لم أقطع بشئ، بعد تلك الزيارة، انكببت اقرأ الأوراق، وأكتب الملاحظات على هوامشها، حتى أكتملت القصة وبصيغة ضمير المتكلم، احب ان انبه القارئ، انني لن اتدخل إلا كشاهد عيان، وعند الضرورة، على الإحداث العامة، اما المدون في الأوراق بخط يدها، فكان عملي فيه مجرد إعادة صياغته، ليتناسب مع أساليب كتابة القصة القصيرة، وهي كما يأتي:   

 كان يوما عاديا.. يبدأ عادة كل يوم عمل، عند السادسة صباحا، بإعداد الطعام لترويقة الصباح، يخرج زوجي قبلي  للعمل، بعد ان يتناول طعامه بسرعة، أقوم انا بمساعدة الولدين على ارتداء ملابسهما المدرسية، وهما يلتهمان طعامهما، ولا انسى أبدا ان ادس في حقيبتيهما ساندويتشتين، تصبيرة لما قبل العودة الى البيت، اي بعد الواحدة ظهرا.

 حكيت لزميلاتي في مكان العمل، عن القط  الذي عثرت عليه، اقترحت احداهن ان نسميه يسترداي، لكنني قلت لماذا لا ندعوه أسعد، قالت الزميلة أوكي، الأسم الأول يشير الى الماضي المجهول، والثاني يومىء بأمل سعيد، لهذا المخلوق الضعيف، الذي عثرت عليه اليوم ، ادهشني انني لم افكر به، وقد جاء عفو الخاطر، فقلت في نفسي يا لها من مصادفة جميلة.

 عندما عدنا الى البيت، كان القط الصغير، يموء تحت مائدة الطعام، إستأنس بالمكان الدافئ، المفروش بالموكيت الرمادي، الشبيه بلونه، عدا البياض الذي يبقع  صدره وظهره، راح الولدان يداعبانه، يمسدان على رأسه وظهره، سألني الأكبر، ماما ماذا نسميه.. قلت أسعد، وأحيانا ندعوه يسترداي، اتفقنا.. هل اعجبكما الأسمين، صرخا هيه هيه، وأخذا ينطان حوله متحمسين، امرتهما ان يكفا عن ازعاج الجيران تحتنا، فهدئا.

 لا زلت اذكر صباح ذاك اليوم، عندما نزلت من الطابق الثاني، لأرمي كيس القمامة، سمعت مواءً خافتاً، كان المسكين يلتصق خائفاً بالحاوية، انحنيت علية، رأيته يغمض عينيه، كالجراء الحديثة الولادة، يحرك رأسه حركة بطيئة، عدت للشقة، احمله بين يدي، دلقت حليباً في صحن غير عميق، وقربته منه، أخذ يلعق حافته المستديرة، فتح عينيه قليلا، مد رأسه، وأخذ يتحسس الحليب بلسانه الوردي، كما لو انه يريد ان يتذوقه اولاً، نظرت اليه متعاطفة، وفي نفسي تساؤل حزين، يا له من مخلوق مسكين، تُرى هل سبق ان ذاق الحليب من قبل، هل ارضعته امه من أثدائها البارزة الشبيهة بحبات العنب، قبل ان تنفصل عنه، يبدو ان المسكين قد حُرم حتى من قطرة واحدة يتذوقها، ربما تركته الأم لسبب ما، أو حدث لها شيء، فأخذه احدهم ورماه جنب الحاوية، او ان الأم كانت قطة منزلية، تخلوا عنها مع صغارها، على كل وجد من يرعاه، الولدان احباه، كانا يلحان علي ان اشتري لهما قطاً شيرازياً او سيامياً ، لكنني كنت ارفض دائما، ليس لدي الوقت الكافي حتى لنفسي، كما انني كنت أخشى تعلقهما به، الأطفال سريعو التعلق بالحيوان، سواء كان قطاً او كلباً، او حتى طيرا في قفص، ناهيك عن العناية المطلوبة، من تلقيح وتنظيف وما اليه، مسؤلية أخلاقية أيضا، وإذا ما حدث له شيء، سيكون تأثيره مؤلما على الولدين، وما يدريني كيف سأواجه ذلك، بعد ان اتعلق به عاطفيا، لكن ها انا ذا اتقبل ما كنت اخشاه.

  اذكر اني سحبت الطفلين، عندما كنت اروم مغادرة الشقة للذهاب للعمل، كانا يتشبثان بقوة بكراسي مائدة الطعام، يتوسلان بي ان ابقيهما مع القط، وأذكر أيضاً انني القيت عليه نظرة شفيقة، عندما تركناه لوحده، لكنني ارتحت حين رأيته قد شبع، وتمدد غافياً على الموكيت الرمادي، اسرعنا نهبط السلالم،  ومشينا الى ساحة العمارة، حيث ركنت سيارتي.

لن أنسى ابداً ما حدث، أذكر كل دقائق ذلك الصباح، الذي انطبع في ذاكرتي، بطابع مزيج من الفرح والحزن، لا أعرف لماذا أحببت ذلك الحيوان الأليف، وتعلقت به بقوة.

 لأعود أحكي عن نفسي، فُرض علي زواج قسري، برجل يكبرني عقدين على الأقل، لم أكن أحبه..  كان سرير النوم أشبه بنسيج عنكبوت يثير إشمئزازي، اما هو فكان يعتبر العلاقة الجنسية، حق شرعي مقدس، لا يتنازل عنه، وعدا ذلك لا يقيم وزناً لأي شيء آخر، وعندما ابديت له رغبتي بالدراسة، راح يسخر مني، ولا غرابة، فهو رجل تقليدي، قد لا يرضي سلوكه اي امرأة مثلي،  كنت  افهم ان زمن العلاقة المتكافئة، بين الزوجين، لم يحن وقته بعد، ولكن سيأتي يوما ما، ورغم ذلك كنت قانعة، لا انتظر افضل من ذلك، كنت اريد ان احقق ذاتي؛ في شيء آخر احبه، يرضي طموحي، ينتشلني من حياتي السطحية التافهة، التي بدأت تذوي يوماً بعد يوم، خاصة بعدما انتقلت من بلدي لأعيش معه، انجبت له الطفل الأول في السنة الأولى، وجاء الثاني بعد سنتين، وبينما كان الولدان يكبران، ويتقدمان في مراحل الدراسة، كانت علاقتنا تذوي مع مرور الزمن، وتزداد بروداً، حتى أصبحت اشبه بالميتة سريريا.

 في المقابل نشأت اسرة موازية، قوامها الولدان، يسترداي، وأنا ؛ أم في أوائل الثلاثينات، امرأة جميلة وناضجة. 

  امتزجت حياتنا بالحب، كنا نحتفل بميلاد يسترداي في الثالث من يوليو/ تموز، اليوم الذي عثرت عليه، كانت مناسبة هامة، لا تقل أهمية عن تاريخ ميلادي الولدين، وفِي هذا العام أطفأ يسترداي اربع شمعات، موزعة حول كعكة على شكل قطة، وقد بدأت عليه علامات شيخوخة مبكرة.

 كان يسترداي او القط أسعد، التجربة الجديدة في حياتي، بعد ان كبر الولدان، وصارا يعتمدان على نفسيهما، ولكن زوجي لم يرق له ذلك، وكنت كلما أمعن في إيذاءه، ازداد تعلقا به، حتى ان زوجي المسكين اعتقد انني سأتخلى عنه من أجل القط. 

عندما اكمل يسترداي نصف السنة الأولى من عمره، دخل مرحلة البلوغ، فأراد زوجي إخصاءه، لكنني عارضت بشدة اخذه للطبيب البيطري، لكي احبط خطته في التخلص منه، لم تنته المشكلة عند هذه النقطة، بل ازدادت تعقيدا بسبب اصراري على الإحتفاظ به، فراح يتهمني بأنني امارس معه الجنس، فيقول مستهزئا، دعي عشيقك يسترداي يشبع غريزتك..

تقاعد زوجي؛ وحصل على مكافأة نهاية الخدمة، وفِي تلك السنة، تفجر نزاع عنيف بين بلدي الأصلي والبلد الذي نقيم فيه، لم يكن يهمني قط  ايهما على حق، لو لم  تتطور الأمور، وتنته الى غزو و إحتلال، غير مجرى حياتي الى الأبد، كان ذلك في أواخر العطلة الصيفية للمدارس.

 لم أهتم بشيءٍ، عدا مستقبل الولدين الدراسي، كما انني لم أشعر بأي ميزة خاصة، نتيجة احتلال وطني الأم، للبلد الذي أقيم فيه،  منذ اكثر من عقد ونصف، بالعكس، فقدت الإحساس بالأمان، رأيت الناس لأول مرة على حقيقتهم، ينقلبون على انفسهم، ولَم تعد الحياة في ظل غياب الدولة، كما كانت من قبل، قائمة على إحترام القانون، انتشرت السرقات على نطاق واسع، وتطاول خدم المنازل على مخدوميهم، البعض منهم فروا، بعد ان سرقوا أشياء ثمينة، وبدا من المألوف رؤيتهم  يتسكعون في الشوارع، يتجاهرون بالسكر، يرفعون قنان البيرة، ويطوقون خصور صديقاتهم..

 اسمحوا لي ان اقاطع السيدة سين، فأنا نفسي كنت شاهد عيان، رأيت زوجها بالصدفة مرة؛ يعانق خادمة اسيوية، بين مجموعة من السكارى، خدم المنازل، لم أجرأ على إنتقاد سلوكه، فقد كان يجاهر بتأييده للغزو والإحتلال، بإنضمامه للجيش الشعبي، وارتداء بزتهم الزيتونية اللون، كنت اتجنب الخوض في أي نقاش عن الضم القسري، الذي اعتبره هو شرعيا، كما كانت تروج له آنذاك وسائل اعلام النظام، بعودة  الفرع للأصل.

 ما شاهدته من تحول جذري مفاجئ، جعلني افكر ان الفوضى شيء مرادف للكفر، وأن النظام  قرين بالإيمان ، هذا ما خطر لي آنذاك، عندما كنت اتجول وارى مظاهر الإنفلات في الشارع، وعند محطات الوقود، وفي الأسواق المركزية، كل شيء انقلب رأسا على عقب.. 

لنعد بعد هذه المداخلة الى السيدة سين.         

 تعاون زوجي مع المحتل، واستفادوا من معرفته الطويلة بالبلد، اما علاقتا فقد فإزدادت تدهورا، وتضاعف إضطهاده ليسترداي، وبعد محاولتين فاشلتين لتسميمه، والتي نجا منهما، لأنه اعتاد ان يأكل من يدي، صرت يقضة، فكنت أثناء غيابي أودعه عند جارتي في نفس العمارة، ريثما اعود الى البيت، ولولا حذري لكان من الممكن ان يقتله بطريقة او بآخرى. 

 يسترداي ذكي جدا، علمته كيف يستعمل المرحاض، وبذلك استغنى في وقت مبكر، عن طبق الرمل الذي كان يتبرز او يبول فيه، علمته ان يطفئ مفاتيح الأضوية التي ننساها مضاءة، تعلم أشياء كثيرة، مثلا كيف يلاعب أطفال الضيوف، أو يصف الأحذية على قطعة المسح، خارج الشقة.

 كنت اكافؤه بأكسسوارات جميلة، تزين رقبته، وأعرضه على البيطري إذا الم به مغص، وعامة كأي قط  كان يمتنع عن الطعام ليوم او يومين، حتى يستعيد عافيته.

 ساءت علاقتي بزوجي، وظل الحال كما هو، حتى أختفى فجأة قبل التحرير، فإرتحت وشعرت بالأمان.        

في نهاية تلك السنة، كان الإستعداد يجري على قدم وساق، لتحرير المدينة، بدأت العمليات العسكرية تقترب، كنّا نسمع دوي القصف الجوي، فكرت بالهرب، ليس  من جريمة أقترفتها، ولكنني سأعاقب ان بقيت، بجريرة زوجي الذي  تعاون مع المحتل، كنت أؤجل السفر كل يوم، فقد اعتدت العيش في هذا البلد، اين سأذهب، انا امرأة لا أملك  ما يكفي من النقود، لأعيش بدون عمل، مع ولدين في سن المراهقة، وقط بدأ يشيخ وتبطئ حركته، اخيراً قررت المغادرة، وضبت الحقائب، وأخذت ما نحتاج اليه لرحلة محفوفة بالخطر.

 اتجهنا شمالا، عند الظهيرة، على الطريق الصحرواي، قطعنا مسافة قصيرة فبدأ دوي الطائرات يُسمع من بعيد، ادركت ان توقيت السفر كان خاطئا، توقفت على جانب الطريق، سمعت صوتا يناديني، يصرخ  انزلوا قبل ان تقترب الطائرات، كان  ذلك صوت ضابط عراقي، يختبئ في حفرة مع جنديين آخرين، وعندما رأوني مع الولدين، اخلى الجنديان مكانهما، واختفيا في حفرة آخرى، نزل الولدان مع الضابط، صرخت يا للغباء تركته في السيارة، حاول الضابط ان يمنعني، ويقوم هو بالذهاب، لكنني اسرعت راكضة، رأيت يسترداي ينظر للطريق، من وراء الزجاج المغلق، حملته وعدت مسرعة، فسقطت حقيبتي عن كتفي في عرض الطريق، تبسم الضابط حينما رآنا، شكرته، قلت ليحميك الله، انت رجل طيب، لا ادري بماذا كان يفكر، هل فكر قبل ان يراني عائدة مع القط، بأنني لشدة إرتباكي تركت طفلا في السيارة، على أي حال، يستحق حتى الحيوان ان نحميه زمن الحرب، وليس هناك حياة أثمن من آخرى، هذا ما كنت افكر به، واحب ان يفكر به الضابط ايضا، لأننا في النهاية سنموت كلنا، انفلت القط من بين يدي، وركض بسرعة نحو الحقيبة، التقطها بين اسنانه، وعاد بها، هتف الجنديان وصفقا اعجابا به، ضحكنا كثيرا، لن ننسى تلك اللحظة،  لأنها بددت الخوف الذي كان يخيم علينا. 

 بتنا تلك الليلة في الحفرة، وعند مطلع الفجر، وانكشاف الظلام قليلا، طلب مني الضابط ان نرحل سريعاً، تركناه وإتجهنا للسيارة، جلس الولدان في المقعد الخلفي وبينهما يسترداي، فتحت الصندوق واخرجت بعض المعلبات وقناني المياه، ومواد غذائية آخرى، وركضت بها للحفرة، أعطيت ما حملت معي للضابط، ودعته متمنية لهم السلامة، وعدت مرة آخرى للسيارة، انطلقنا مع بصيص أمل، وضوء  خافت ، على طريق محفوف بالرعب والموت.*

انتهى سرد السيدة سين كما قرأته مكتوبا على الأوراق، هذا كل ما حدث لها وليسترداي.

 اتفقت مع زوجتي ان نزورها، لأعيد لها الأوراق، وأقرأ لها القصة التي كتبتها، لم أتوقع ان تكون للقصة نهاية آخرى،  غير التي انتهت بها، استقبلتنا بثوب اسود، لم نجرأ ان نسألها، خوفاً ان تخبرنا بشيء مكروه، قد حدث لولديها المغتربين، جلسنا صامتين، انفجرت باكية، قالت :

“رحل عني يسترداي أخيراً وتركني وحيدة ”

اعتقدت ربما خرج وتاه، لكنها قالت بحزن بعد صمت قصير… مات.

 رفعت يدي تلقائيا، وقلت متألماً ليرحمه الله ، نظرت لي زوجتي فأنزلت كفيَّ، وقلت لترقد روحه بسلام الى الأبد.

صالح البياتي

 

  • الحصار الأقتصادي الذي فرضته الولايات المتحدة الأمريكية على العراق.
  • منطقة تيسين المشمسة/ أوتيتشينو، كانتون في سويسرا، يتكلم قاطنوه الإيطالية بالدرجة الأولى.
  • الطريق الذي اشتهر باسم ” طريق الموت “
تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. ميسون حنا : الموهوب .

  نظرت الصبية بانبهار للثائر الأربعيني الذي صدح صوته في الآونة الأخيرة يندد بالظلم، وينادي …

| حيدر حسين سويري : شيزوفرنيا خاصة .

ما بكِ سهام؟! ما لكِ تصرخين على غير عادتك!؟ هكذا تكلم أستاذ فلاح باستغراب مع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *