د. عبد العزيز غوردو : فينومينولوجيا المكان – ما لم يرد عند باشلار –

تحديدات ثانية: في الكتابة بالشعر؛
 البيبليوغرافيا؛ النص والمناص…

في الكتابة بالشعر؛
…الديوان ورحلة التعبير شعرا
ما الكتابة بالشعر؟
سؤال التعبير شعرا يضعنا مباشرة أمام تجربة الكتابة ومبررات الاختيار و/أو ضروراته، ذلك أن للكتابة مسالك كثيرة، يقف المبدع منها موقف اختيار أحيانا، وموقف ضرورة أحيانا أخرى.
إنها طريقة المبدع في الظهور والتجلي، بعد احتراق ومكابدة ومعاناة ، يلاحقه فيها شبح الخشية من ترديد “طوطولوجيا” ميدانية من جهة، واحترام جلال الإبداع وهيبته من جهة ثانية، ومسكونا بهاجس الاستجابة لمطلب التجديد من جهة ثالثة.
والكتابة بالإبداع، ككل كتابة إنشائية ، ليست فطرية ولا تلقائية، بل مركب مهارات تعبيرية وذهنية يتم اكتسابها بعد معاناة ومراس، إنها، بعبارة أوجز، أداء معرفي/مهاري شاق؛ ولئن كانت أقل تأثيرا وإثارة من القول المنطوق والمسموع، فإنها أكثر مواءمة لتثبيت الأفكار والأساليب، وما يرافق ذلك من عمليات عقلية/منطقية صارمة ومحسوبة الخطوات.
إن هذا الاقتراح التحليلي يعيدنا حتما إلى جدلية الكتابة/الكلام، وما ترتب عنها من أسس نظرية وتطبيقات ميدانية، تلخص حقبة تاريخية بأكملها. فقد كان أفلاطون، مثلا، يحتقر الكتابة، وينتقدها بوصفها اغترابا Aliénation ، ويفكر فيها على أنها تكنولوجيا خارجية، دخيلة على الفكر: إنها الكلام الميت، البارد الشبيه بالشيء، عكس الشفاهية الدافئة النابضة بالحياة… وهذا التموقف من النص المكتوب هو ما يفسر كيف أن قلة من الفلاسفة الإغريق، هم الذين خلفوا نصوصا مكتوبة فعلا، أما باقي إنتاج الآخرين فقد أفلت من بين أيدينا، مع الأسف .
إلا أن ما يميز النص الشعري، على خلاف باقي الأجناس الإبداعية الأخرى خصوصا، والكتابة عموما، هو أننا دائما نستحضره مسموعا حتى لو كان مكتوبا بين أيدينا. أي أننا حتى في أثناء قراءتنا لشعر الآخرين عادة ما نتمثلهم وهم يلقون أشعارهم بأنفسهم، إنها الصورة القصوى، والمثلى، لاستحضار النص الشعري، وكأن قراءتنا تظل منقوصة أبدا، ولا تكتمل إلا عبر قراءة الشاعر لشعره. إنها حقيقة المناجاة الذاتية حيث تأحيد الصوت والروح، وحيث يحقق الإنسان فعل الإنصات إلى ما ينطق به.  دون أن ننسى بأن تراثنا الشعري الأول، ونعني به الموسوم بالجاهلي، شفاهي أصلا، حيث نشأ ضمن ثقافة صوتية سماعية بامتياز.
لكن الأمر اختلف في وقتنا الراهن: فأن تكون شاعرا، اليوم، يعني أن تعرف كيف تترك الكلمة تتكلم بذاتها، وهذا لا يتحقق إلا عبر الكتابة . وليس المقصود بالكتابة أي كتابة بل الكتابة التي تبتلع الأسلوب؛ بالنسبة للشاعر المعاصر: الشعر مناخ، بمعنى أساس تعاقد لغوي؛ ولكن عندما تضع الكتابة الشعرية كل الطبيعة موضع تساؤل جذري، بمفعول أثرها البنيوي، دون أن تلجأ لمحتوى الخطاب ودون مراعاة لأي موقف إيديولوجي، فلا تعود هناك أي كتابة، فقط أساليب من خلالها يرتد الإنسان تماما لمواجهة العالم الموضوعي دونما حاجة إلى العبور من خلال صور التاريخ أو المؤانسة .
ففي الاقتصاد اللغوي التقليدي (نثرا وشعرا) كانت الكلمات مجردة إلى أبعد حد، أي مجرد علامات دالة على شيء معين، ولم تكن هناك أي كلمة مكثفة بذاتها ، أما اليوم فقد أصبح الشعر من طبيعة مغلقة، يحرج وظيفة اللغة وبنيتها في الوقت نفسه، بما أن طبيعته أصبحت في ذاته. أيضا انقلبت معادلة الفكر واللغة؛ ففي السابق كانت اللغة أداة، وترجمة، للتعبير عن الفكرة، أما في الشعرية الحديثة فإن الكلمات تنتج محتوى شكلاني معين تتولد عنه تدريجيا كثافة ذهنية وشعورية يستحيل التعبير عنها بدونها .
إننا نتحدث، هنا، عن شاعر يعي ما يقول، وعن “قصيدة ممزقة تبدو بنيتها آيلة إلى الانفجار” ؛ علما بأن النص الشعري عرضة دائما لاحتمال أن يكون بلا معنى، ومن دون هذا الاحتمال فلا معنى له أيضا .
انفجار الكلمة الشعرية يؤسس للشيء المطلق، ويدعونا للحديث عن كلمات – أشياء mots-objets  ليست بينها أي علاقة، فقط مدعومة بقوة انفجارها، تلامس ذبذباتها الميكانيكية مباشرة الكلمة التي تليها، لكنها تنطفئ مباشرة عندها؛ فهذه الكلمات الشعرية تقصي الإنسان من المركزة الكونية، وتعلن بأن ليس هناك إنسية شعرية في الحداثة، لأن الخطاب المنتصب هو خطاب مكتنز بالرعب، بمعنى أنه يضع الإنسان ليس في علاقة مع الناس الآخرين، بل مع الصور الطبيعية المتطرفة في لا إنسانيتها: السماء، الجحيم، المقدس، الطفولة، الحمق، المادة الخالصة الخ.
وفي هذا المستوى يصبح من الصعب الحديث عن كتابة شعرية لأن الأمر يتعلق بلغة يحطم عنفها الذاتي كل معطى أخلاقي …
نتحدث في الشعر المعاصر عن انفجار الكلمة، عن تحطيم الطبيعة التلقائية والوظيفية للغة؛ في اللغة الكلاسيكية كانت العلاقات هي التي تقود الكلمة نحو معناها الذي تعكسه، أما في الشعرية الحديثة فإن العلاقات أصبحت مجرد امتداد للكلمة، التي تصبح حينئذ المسكن والحاضن، وبحيث لا مجال للحديث عن خطأ الكلمة لأنها “كلية” تشع بحرية لا متناهية، منفتحة على ألف علاقة محتملة أو ممكنة… لم تعد الكلمة منقادة إلى الأمام بنية مبيتة للخطاب ، بل أصبحت هي التي تقود الخطاب – بعد أن حطمت علاقات اللغة – نحو محطات الكلمة .
نتحدث عن نص يجمع، في آن واحد، بين التجسّد اللغوي للكائن، و”الانفتاح خارج اللغة على كينونته في الغياب، أي أنه بذاته علاقة جدلية بين الحضور والغياب، لا في كليته وحسب، بل على مستوى مكنوناته اللغوية أيضا” .
هنا علاقة تفاعلية، وانفعالية، بما تضفيه الروح على الصوت والمكتوب، حيث تجعل الكتابة تتجاوز دورها، الثانوي، التقني الأداتي، الموضوع في خدمة اللغة، وتؤول كلاما يظل هو نفسه منفلتا من كل تأويل، لتدخل صلب العلاقة كلها عبر وظيفتها “المِيتا لُغَوية”، أي عبر القفز على الحروف الميتة، وهو ما لا يتحقق إلا بإصباغ الروح عليها . لهذا ينبغي إقامة مشروع حفريات داخل طبقات اللغة الهيرمينوطيقية والسيميائية واللسانية وتحويل النظر عن القراءة/الكتابة التي ترتكن إلى المحاكاة والتقليد، بما أن المادة الوحيدة التي يطرحها النص الشعري للتحليل هي لغته: “وجوده الفيزيائي المباشر على الصفحة، أو في الفضاء الصوتي، ومن هنا كانت الإمكانية الوحيدة لتحليل الشعرية في النص هي اكتناه طبيعة المادة الصوتية – الدلالية، أي نظام العلامات، التي هي جسده وكينونته الناضجة والتي هي شرط وجوده أيضا” .
للوجود صوته الأخرس، وللغة صوتها المنطوق؛ يتحدث الوجود بكلام لا يسمع، يضع قطيعة بين دلالة الوجود الأصلية والكلمة بما هي عملية تصويت عضوية، فينزلق إلى متاهات الاستعارة والانزياح التي يحار فيها النص الإبداعي نفسه؛ فصوت الوجود تجربة تأملية، أما انعكاس صورته في اللغة، انطلاقا من تصور “العلامات” وما تحيل عليه من ثنائية الدال/المدلول، فينبغي إعادة طرحها جوهريا، إذ ما الدال والمدلول في نهاية المطاف إلا شيئا واحدا!؟
إن الوقوف عند هذه التمفصلات يضعنا مباشرة أمام المنجزات اللسانية الراهنة، لنعيد طرح المفارقة التالية على مشروع الدرس السيميولوجي: إن الكتابة بما هي جنس إبداعي قد ظفرت بحظوة مؤسساتية وتراثية على جانب كبير من الأهمية؛ لكن فتوحات اللسانيات في مجملها لم تتحقق إلا في دائرة وفلك ما ينطق ويسمع في اللغة الإنسانية، فلم تضع المكتوب على سلم أولوياتها، ولم تقتحم عالم الكتابة والنصوص إلا بشكل جزئي ونسبي جدا؛ مما يجعل المشروع السيميولوجي غير متوازن في إنجازه المعماري.
أكيد أن تطور ابستيمولوجيا الكتابة والمكتوب، من شأنه أن يمدنا بصورة واضحة عن “حتميات” الكتابة. أي ذاك الذي يمثل في إنجاز وأثر “الأنا” الكاتبة شروطا قاهرة تعجز قدرات الإبداع والمبادرة الحرة عن مجاوزتها أو القفز عليها، بله اختراقها؛ بعبارة أخرى، فإن علاقة الضرورة والحتمية بالإبداع والحرية تثار إثارة إشكالية في كل كتابة عموما، وفي كل كتابة إبداعية خصوصا.
والحاصل أن الدرس اللساني المكتفي بالتحليل الصواتي لا يثري النص الشعري، بما هو جنس مكتوب قبل أن يكون مقروءا، كما أن استخدام الكلمات بأوضاعها القاموسية، الميتة المتخشبة الجامدة، لا ينتج الشعرية، إنما ينتجها فعلا الخروج بالكلمات عن طبيعتها الراسخة إلى طبيعة جديدة، وهذا الخروج هو خلق لما يمكن نعته بالفجوة: “مسافة التوتر، خلق للمسافة بين اللغة المترسبة، وبين اللغة المبتكرة في مكوناتها الأولية، وفي بناها التركيبية، وفي صورها الشعرية. إن الشاعر من جهة يمارس فاعلية جماعية، ويمتاح مع الروح الجماعية بمجرد أنه يستخدم لغة اصطلاحية معروفة مدركة، لكنه في الوقت نفسه لا يستخدم هذه اللغة بما هي اصطلاح معروف مدرك، بل يدخلها في بنى جديدة تكتسب فيها دوراً وفاعلية ودلالات جديدة” .
الشاعر هو الذي يعيد عجن اللغة والكلام لبناء الصورة الشعرية، متوسلا أدوات الاستعارة لتحقيق منجزه الشعري، والربط بينهما (الصورة والاستعارة) بربط وجودي، “ويتحقق مثل هذا الربط حتى في الدراسات الحديثة النابعة من اللسانيات رغم ما في مناهجها من صرامة نقدية تكاد تدفع المرء إلى توقع أنها ستزيح ظاهرة مثل الصورة الشعرية بميلها طبعيا إلى الغموض والخروج على إمكانيات التحليل العلمي الدقيق جانبا “، وهو ما تقوم نظرية التأويل على أساسه: أي ثنائية الاستعارة والرمز، فالأعمال الأدبية تهتم بتوظيف الدلالة، مقابل الأعمال العلمية التي تفهم الدلالات فيها فهما حرفيا. والسؤال هنا ما إذا كان فائض المعنى الذي يميز الأعمال الأدبية جزءا من دلالتها، أم أنه يفهم بوصفه عنصرا خارجيا، ليس بإدراكي بل مجرد عاطفي وانفعالي ، وهذا محور أساس، من بين محاور أخرى عديدة، اشتغل عليه ياكبسون وميز، داخله، بين علاقتين في عملية الخلق الفني هما الاستعارة، والكناية، رابطا بين الاستعارة والشعر وبين الكناية والنثر، دون أن يحصر أيا منهما حصرا ميكانيكيا مطلقا بأحد هذين النمطين من الإنتاج الفني .
يقول مونرو بيردسلي إن الاستعارة هي “قصيدة مصغرة”، فإذا جاز ذلك جاز القول بالاستتباع بأن العلاقة بين المعنى الحرفي والمعنى المجازي هي أشبه ما تكون بنسخة مختصرة في داخل جملة واحدة من الدلالات المعقدة المتداخلة التي تسم العمل الأدبي ككل. والمقصود بالعمل الأدبي هنا هو العمل الذي ينطوي على خطاب متميز عن أي عمل آخر ذي خطاب، ولا سيما الخطاب العلمي، بكونه يربط المعنى الصريح بعلاقة المعنى الضمني .
إن العلاقة بين المعنى الحرفي والمعنى المجازي في الاستعارة هي علاقة في داخل الدلالة الشاملة للاستعارة. نستطيع القول إذن إن ما تقوله القصيدة يرتبط بما توحي به، تماما كما ترتبط دلالتها الأولى بدلالتها الثانوية (دلالة المطابقة/الإدراكية، ودلالة الإيحاء)، حيث تقع كلتا الدلالتين في داخل الحقل الدلالي ؛ هو ذا عمل الخطاب الأدبي الذي تكمن رؤيته في الصورة التي تصغرها الاستعارة؛ لكن ما الاستعارة؟
معروف أن البلاغة تبدأ حيث تنتهي الشفرة المعجمية، لتعالج الدلالات المجازية للكلمة؛ لكن لماذا تحدث هذه الانحرافات، أو المجازات الأسلوبية، عما هو يومي؟
أجاب القدماء عموما أن الغرض منها كان إما ردم فجوة دلالية في الشفرة المعجمية، أو تزيين الخطاب وجعله أكثر توهجا وإشراقا .
لكن، وبعيدا عن مسلمات البلاغة الكلاسيكية هذه، فإنه يمكننا، اعتمادا على الملاحظات التي سجلها ريتشاردز حول هذه البلاغة، الاحتفاظ منها بمقولة الحامل والمحمول، كون الاستعارة لا تهتم بالكلمات إلا لأنها تنتج أولا على صعيد الجملة، أي العدول عن المعنى الحرفي للكلمات، وهو ما يسميه ريكور بالتوتر في القول الاستعاري، ويقصد به التوتر بين تأويلين متعارضين في القول، (“المنافرة الدلالية” حسب جان كوهن؛ و”التناقض” أو “المجافاة” حسب كل من ماكس بلاك ومونرو بيردسيلي) .
إن ما يراهن عليه التعبير الاستعاري هو إظهار قرابة ما، حيث لا ترى النظرة الاعتيادية أية علاقة ، وهذه هي الاستعارة الحية.
إنها استعارة أقرب إلى حل لغز منها إلى مجرد اقتران قائم على المشابهة. الاستعارات الحية هي استعارات الابتكار التي تكون فيها الاستجابة للتنافر في الجملة توسيعا جديدا للمعنى، وإن صح القول بالتأكيد إن الاستعارات المبتدعة تتحول بالتكرار إلى استعارات ميتة، وفي مثل هذه الأحوال يتحول المعنى الممتد إلى جزء لا يتجزأ من مادة المعجم، تسهم في تعدد معاني الألفاظ المعنية التي تتضاعف معانيها اليومية بالنتيجة. فليس في القاموس استعارات حية .
وعليه فالاستعارة ليست مجرد تزويق لفظي للخطاب، بل لها أكثر من قيمة انفعالية، لأنها تعطينا معلومات جديدة، وبوجيز العبارة، تخبرنا الاستعارة شيئاً جديداً عن الواقع ، أي تعيد رسمه على طريقتها، لكنها مع ذلك ليست كل الصورة الشعرية.
تستمد الصورة الشعرية، مهما كانت مجردة، مشروعيتها من ارتباطها بالمعيش اعتمادا على وساطة الأنساق الرمزية خاصة اللغة. لأنها قبل كل شيء لفظ لغوي من جنس اللغة الطبيعية المتواصل عبرها يوميا، لكنها تحيل في الوقت ذاته على ما هو متخيل؛ فإنتاجها إذن يتم عبر علاقة مؤسسة على اللغة، بما هي كلام، أولا، والتخيل، بما هي صورة، ثانيا، والفكر، بما هي تعبير عن فكرة، ثالثا.
للصورة الشعرية قيمة تأويلية مما يفتح أمامها إمكانيات النقد والمساءلة، لكن داخل نسقها المكتوب، وفي حدوده، منظورا إليه بشكل صارم، إذ لا يمكن فصلها، تحت أي طائل، عن سياقها المكتوب، لأنها تندرج ضمن المركب الوظيفي الذي يؤديه. ويتولى النقد توضيحها وفحص صلاحيتها من خلال الشعرية للكشف عما تحمله من دلالات مختلفة. وهكذا فبمجرد الاشتغال على الصورة الشعرية تصبح أداة لتفكيك النص، ومن خلاله العالم، قصد تفكّره، وربما تغييره.
وفضلا عن أن الصورة الشعرية تتسم بأنها لفظ لغوي طابعه التجريد، فإنها لا تعطى بشكل مسبق، بل يتم بناؤها داخل نشاط النص بعيدا عن البداهات المضللة والمباشرة؛ وذلك للكشف عن بنياته الداخلية، وللتفكر فيه على نحو إشكالي (بما أن الصورة تحيل على الدلالة الحمالة للمعاني والمفتوحة على المفارقات والتناقضات).
وإذا كانت الكتابة قد ابتدأت مع الرسم، وكان للرسم استراتيجية وظيفية تقوم على أساس إعادة بناء أبجدية بصرية محدودة، يتركز فيها جهد الرسم الأساس في زيادة معنى العالم، وتكثيفه، والإمساك به في شبكة علاماته المختصرة؛ فإن الكتابة الشعرية انتهت، إلى حد ما، بالرسم؛ إنها أشبه ما يكون بتلك اللوحة التي تعكس قدرات الفنان على تشكيل الألوان والأشكال بطريقة إبداعية عرفت كيف تصهر العناصر المادية مع كتل الأحاسيس والأفكار… ومثلما تعتبر اللوحة الفنية إنجازا ماديا يعرض نفسه للتأمل والقراءة المتعددة، نجد القصيدة، أو الكتابة الشعرية، هي بمثابة إنجاز مادي، في صورة نص خطي، لا ينتظر فقط سامعا منفعلا أو ناظرا عابرا، بل، على الأرجح أيضا، قارئا متأملا، أي كائنا ألف طقوس الكتابة والقراءة.
فالرسام المبدع، الذي يريد أن يحدث انقلابا على الأيقونية Iconicity التقليدية بما هي مجرد ظل الواقع، يحتاج إلى أن يتحكم في أبجدية جديدة، “أبجدية بصرية” لأنه يصبح كيميائيا، ومقطرا، وصاحب طلاء، ومختصا بالتزجيج، ليكون قادرا على إنتاج نص جديد للواقع؛ فلم يكن الرسم لدى الفنانين الهولنديين، الذين قلبوا مبادئه في العصر الحديث، مجرد إعادة إنتاج للعالم، بل كان مسخا له وتحويلا. إن سحر الحفر الذي تغنى به بودلير هو ذاك الذي تمكن من عرض ما هو جوهري في المنجز التشكيلي. أي مجموعة من العلامات الصغرى، التي تتكون من التقطيع والنقاط والضربات والرقع البيضاء، والتي تجمل الصورة الإبداعية وتحيطها بالغياب. وقد واصل، ويواصل، الانطباعيون والتجريديون خطاهم التجسيدية نحو إلغاء الأشكال الطبيعية لصالح ابتكار مدى معين من العلامات الأولية التي تقف أشكالها المتوافقة نقيضا للرؤية العادية …
إن الكتابة الشعرية، توأم المنجز التشكيلي الحديث، هي التي تعمل على ملاحقة المنفلت الهارب، وتثبيت اللحظة/الزمن بمقاومة المحو والنسيان، إنها كتابة جديدة للوجود بملء فراغاته وردم هواته السحيقة، وتسطير خطابها ما هو إلا نسخ للعالم، نسخ لا بمعنى التكرار والمضاعفة، بل بمعنى التحول والامتساخ.
لكن وبقدر ما أن الشعر، قبل كل شيء، لفظ لغوي من جنس اللغة الطبيعية المتواصل عبرها يوميا، فإن قراءته تحملنا إلى فضاء لغوي مخالف لفضائنا اللغوي اليومي، وتجعلنا نلتقي بصياغات وتعابير وأوزان وقوافي لا يخطر على بالنا أن نستعملها في مخاطباتنا اليومية العابرة؛ عندما نتكلم، أو نكتب، فإننا نتجنب التكرار جهد الإمكان (تذكر عناءك وأنت تلميذ تحرص على ألا تكرر الكلمة نفسها في تمرين الإنشاء)؛ لكن التكرار يصير فضيلة في الشعر…
فالأمر يحتاج إلى معالجة نقدية لإزالة القلق والتمثلات المسبقة التي يراكمها القارئ، أي قارئ، مما قد ينتج عنه أحكام مسبقة زائفة… ومهمة القراءة النقدية، إضافة إلى فتح آفاق التأويل، تحرير الفكر من هذه الأحكام.
والواقع أن الناقد المتمرس نفسه قد يقع في فخ تزييف الصورة الشعرية، إذا لم يكن قد خبر طرق إنتاجها من قبل، أي أنه لن يعلم عن طريقها أي شيء إذا لم يكن قد جرب خلقها من قبل، واسترجع علاقته بقصة تكوينها وولادتها.
ذلك أنها ليس محض تصورات فارغة ولا عموميات مجردة، بل تمثلات تتميز بالانفتاح والتعدد وتطل على “الأنا” المشكلة والفاهمة للوجود، أي تلك التي تجعل الفكر متحكما في أدواته وسيدا عليها، قادرا على استيعابها بما هي ماهيات مجردة، ويعيد صياغتها، بعد أن يعيد التفكير فيها، لضمان قطيعة مع الأشكال والصور التجريبية.  وإذاك يمكن لكل واحد أن يصرخ: إنني أفهم المؤلف أكثر مما يفهم نفسه.

البيبليوغرافيا؛
…ما الذي يعنينا؟
تحيلنا إيتيمولوجيا الكلمة “بيبليوغرافيا Bibliographie ” على الأصل اليوناني: بيبليون Biblion بمعنى كتاب؛ وغرافياgraphia  اسم الفعل منgraphein  الذي يعني عند الإغريق “كتب” و”رسم” في الوقت ذاته. أما اصطلاحا  فيفيد معنى البيبليوغرافيا دراسة الشكل المادي للكتب وإعداد قوائم لها، تختلف عن الفهارس المعدة عادة للمكتبات ، فهي العلم الذي يقوم به البيبليوغرافي، أو الضليع في معرفة الكتب  ، وهي إلى ذلك مبحث أولي، لكل درس أدبي، ينزع إلى العلمية . فضلا عن كونها العلم الوحيد القادر على ضبط الانفجار والتدفق المعرفي الحاصل في زمننا الحاضر …
فائض عن الحاجة التذكير بأن البيبليوغرافيا المنجزة حول “البيبليوغرافيا” رحبة ومتسعة، باللغات غير العربية ، مما يجعل الحديث عن تطورها التاريخي وأهميتها وتقسيماتها الخ… حديثا متجاوزا للغاية؛ لكننا نقنع هنا بما يفيد التأطير النظري لهذه الدراسة، أي المنهج البيبليوغرافي المعتمد لبنائها.
من بين أنواع البيبليوغرافيا العديدة فإن الأقرب في تصورنا، إلى معالجة موضوعنا، هي اعتماد مقاربة تدمج البيبليوغرافيا النسقية، أو الحصرية، مع البيبليوغرافيا التحليلية النقدية.
فالأولى تقوم على إعداد قائمة لكتب قد تجمعها صفات مشتركة (فتسمى موضوعية حيث يجمعها موضوع واحد)، وقد لا تجمعها هذه الصفات، فتكون عندها تعددية حصرية ، على أن تكون قوائمها جيدة الضبط والتنظيم ؛ فهي إذن أقرب إلى التنظير، أي إلى علم البيبليوغرافيا نفسه، وتخضع لأسس التجميع تبعا للمكان (العالم؛ مكان؛ إقليم…) أو اللغة أو المؤسسة (فتكون عندها عامة).
أو تخضع لضوابط موضوعاتية كالزمان؛ أو الجنس الأدبي أو العلمي؛ أو الأعلام؛ أو غير ذلك وتسمى عندها بيبليوغرافيا خاصة أو متخصصة.
أما الثانية فهي الموسومة بالتحليلية النصية، أو البيبليوغرافيا النقدية، حيث تسلط مبضع التشريح على العناصر المادية للكتاب (الوصف الخارجي؛ المؤلف؛ مكان النشر؛ تاريخه؛ دار النشر… مع تحليل أثر الإنتاج على المظهر المادي فتكون بذلك وصفية تحليلة)؛ لكنها تتجاوز ذلك عندما تتناول مضامين الكتاب، أي النص نفسه، ومقارنته مع غيره من النصوص، إن وجدت، وبذلك تكون بيبليوغرافيا نصية نقدية، فيغدو الشكل جزءا من مكونات العمل الإبداعي وفي ملكيته .
نحن هنا إذن حيال عمل بيبليوغرافي محدد المشروع والهدف، يرنو اعتماد مقاربة تدمج البيبليوغرافيتين معا: النسقية والنقدية، لأعمال يجمع بينها مؤشر واحد هو المؤشر الشعري، بما هي دواوين شعرية، فضلا عن أنها كلها تشترك في كونها فازت بجائزة البابطين، وهي جائزة انطلقت بمبادرة وجهود فردية قبل أن تصبح مؤسسة متكاملة قائمة الذات؛ انطلقت دورتها الأولى من القاهرة سنة 1990 وتلتها دورة ثانية، من المدينة نفسها، سنة 1991، ثم دورة ثالثة منها أيضا سنة 1992، وهي الدورة التي حملت اسم الشاعر الكبير محمود سامي البارودي، لتليها دورات حملت أسماء شعراء كبار، تكريما لهم على الجهود الكبيرة التي بذلوها في هذا الجنس الإبداعي؛ وهكذا حملت الدورة الرابعة اسم أبي القاسم الشابي، وانعقدت بمدينة فاس سنة 1994، بعد أن تحولت الجائزة من جائزة سنوية إلى جائزة كل سنتين؛ ثم احتضنت أبو ظبي دورة مشاري العدواني (الدورة الخامسة سنة 1996)؛ أما الدورة السادسة: دورة الأخطل الصغير فاحتضنتها مدينة بيروت سنة 1998، وبعد سنتين من ذلك (أي سنة 2000) احتضنت الجزائر دورة أبي فراس الحمداني، وهي الدورة السابعة، فيما عقدت الدورة الثامنة دورة علي بن المقرب العيوني بالمنامة سنة 2002، وتلتها دورة ابن زيدون، بقرطبة سنة 2004، فدورة شوقي ولامارتين، بباريس عام 2006، ودورة المعجم، بالكويت 2008، وأخيرا دورة سراييفو – دورة خليل مطران ومحمد علي – سنة 2010.
فعدد الدواوين المستهدف بالدراسة محصور من الناحية العددية، ولو أنه يتزايد باستمرار مع الزمن، مما يسهل اعتماد المنطق الاستقرائي لضبطه وتبويبه، وبالتالي سهولة اعتماد البيبليوغرافيا النسقية للحصر والتبويب، لكن ما يضفي طابعا مميزا على المشروع هو محاولة تجاوز هذا المستوى من العمل إلى المستوى التحليلي النقدي.
وبما أن المشروع، باعتماد هذه المقاربة يصبح ضخما، فإننا ارتأينا – وكما صرحنا بذلك في مقدمة هذه الدراسة – أن نقسمه إلى أجزاء، والذي يعنينا من هذه الدورات، في هذا الجزء، ثلاث محطات هي:
1) دورة سراييفو التي تألق فيها الشاعر الشاب أحمد حسن بديوانه “مدينة شرق الوريد”؛
2) ثم دورة الكويت، التي عادت جائزتها الأولى لديوان “نقوش على جذع نخلة”، لشاعر الرافدين يحي السماوي؛
3) و دورة باريس التي فاز فيها الشاعر السوري الكبير رضا رجب، عن ديوانه “عناب”.

أولا) مدينة شرق الوريد:
دفعت سلسلة الحكايا بهذا الديوان إلى الوجود سنة 2009، بعد أن دفع به الشاعر إليه من قبل في ولادة لا شك أنها كانت عسيرة وطويلة، بما أنه صدر في 254 صفحة، وحوى 52 قصيدة، بين العمودي والتفعيلة، وبصفحتين خاطئتين في أوله، وثالثة لم يكتب فيها إلا عنوان الديوان أسفلها؛ أما “فاتحة السّفَر” فتموقعت في الصفحة الرابعة، وهي إهداء/إليها، في الوقت ذاته، وفي الصفحة الخامسة إهداء آخر، شعري، لوالديه؛ ثم صفحات خاطئة ثلاث بيضاء (6؛ 7؛ 8) باستثناء أن الصفحة 7 كتب وسطها عنوان الديوان، بخط بارز جدا.
بعض القصائد (“أوزيريس أحيانا…” مثلا) لم يتجاوز عدد أسطرها الشعرية عدد أصابع اليد الواحدة، فيما امتدت قصائد أخرى على مسطحات بياض شاسعة، عملت على تسويدها.
20 قصيدة معنونة بصيغة التعجب، و6 كتب أسفل عنوانها إضاءات تعريف، فيما جاءت 23 إضاءة في الهامش؛ وثلاثة قصائد كتب أسفل عناوينها إهداء خاص.
جاءت “خاتمة السفر” في الصفحة 250، ويمكن اعتبارها – مع فاتحة السفر – من الشعر المنثور؛ إذ فيهما كثير مما يدل عليه؛ وبعد ذلك بطاقة تعريف للشاعر، ثم إصدارات “الحكايا” في صفحة أخيرة.

ثانيا) نقوش على جذع نخلة:
الكتاب الشعري الثاني الذي نفحصه فاز بجائزة البابطين في دورتها الحادية عشرة؛ وهو يحمل رقم 13 في سلسلة دواوين الشاعر يحي السماوي؛ كتاب شعري/ديوان يقع في 189 صفحة، ويتألف من 25 قصيدة.
خصصت صفحته الأخيرة/ص.189 لمؤلفات الشاعر، وقبلها خصصت الصفحتان: 187 و188، لفهرس القصائد.
في بداية الديوان؛ الصفحة الخاطئة البيضاء الأولى: عنوان الديوان واسم الشاعر بخط سميك بالعربية، وأعيدت صياغتهما باللغة الإنجليزية في الصفحة الخاطئة الثانية.
الصفحة البيضاء الثالثة تم تخصيصها لحقوق الطبع، واسم صاحب لوحة الغلاف والمسؤول عن التنفيذ والطباعة.
بينما احتلت البسملة كل الصفحة الخاطئة الرابعة، فيما جاء الإهداء في الصفحة الخاطئة الخامسة. أما أولى القصائد “اخرجوا من وطني..” فابتدأت مع الصفحة السابعة، بعد صفحة سادسة بيضاء تماما.
تحسن الإشارة أخيرا إلى الاستخدام المكثف للهوامش – لشرح وتفسير بعض المفردات الواردة في المتن – وقد لجأ إليها الشاعر كثيرا في ديوانه، وغالبا ما كان يضعها عند نهاية كل قصيدة؛ وقد تم توظيفها بجميع مستوياتها: التفسيرية التعريفية، والتعليقية، والإخبارية؛ ومعلوم أن الهوامش تفضح المنطقة المترددة التي يقع فيها المناص، لأنها تقع بين الداخل والخارج .

ثالثا) عناب:
“عناب” الديوان العاشر لرضا رجب، والثالث في دراستنا هذه، صدرت طبعته الأولى سنة 2003؛ وفاز بجائزة البابطين في دورتها العاشرة/2006، وهو يقع في 65 قصيدة – بما فيها الإهداء الذي جاء على شكل شعري – تفاوتت من حيث الطول ما بين صفحة واحدة وعدة صفحات؛ وهي بين شعر التفعيلة والعمودي.
6 قصائد جاء عنوانها بصيغة الاستفهام، ومثلها (ستة) بصيغة التعجب.
5 قصائد لها تعريفات أسفل عناوينها، وواحدة لها إحالة في الهامش، و5 لها إهداء خاص، و3 انتهت بتواريخ توثق تاريخ كتابتها.
قصيدتان فقط، من كل الديوان، هما اللتان تم الفصل بين فقراتهما بأرقام (إضافة للبياضات والنجيمات)، أما باقي قصائد الديوان فلم يفصل بين فقراتها إلا نجيمات أو بياضات.
الصفحة الخاطئة السابعة: “فاتحة” هي في الوقت نفسه أولى قصائد الديوان.

*** *** ***
ثلاثة دواوين إذن، هي ما نقترح تحليله في الجزء الأول من هذه البيبليوغرافيا، احتوت في مجموعها على 142 قصيدة، منها: 65 قصيدة في “عناب”؛ و52 في “مدينة شرق الوريد”؛ و25 في “نقوش على جذع نخلة”؛ مزجت في قصائدها المتنوعة بين الشعر العمودي وشعر التفعيلة، بل ويمكن اعتبار بعضها من جنس النثيرة .
والأكيد أنها تفاوتت في الطول من قصائد لم يتعد عدد أسطرها الشعرية عدد أصابع اليد الواحدة، إلى قصائد غطت مساحتها عدة صفحات، وهذا شأن معظمها؛ وإن كانت قصيدة نقوش على جذع نخلة قد قاربت النفس الملحمي بطولها ومركزيتها ضمن ديوانها مما استدعى، ربما، اعتماد عنوانها عنوانا للديوان نفسه. وقد اتفق الشعراء الثلاثة على تقسيم القصائد إلى وحدات تركت بينها بياضات، أو أرقام، أو نجيمات… لإضفاء مساحة جمالية على النص الشعري، أو للانتقال إلى مقطع موال، أو للربط فنيا بين وحدات القصيدة: 1، 2، 3… مثلا، وأحيانا ليتم الربط، بعد البياض، باللازمة، كما أنهم استعملوا جميعا الهامش بشكل مكثف لإضاءة نصوصهم الشعرية؛ وأخيرا امتازت عناوين الدواوين الثلاث بالكثافة الشعرية والرمزية الباذخة.
قبل شعرية النص… شعرية المناص؛
…العنوان وإغراء القراءة

يدعونا جيرار جينيت للحفر عند الحدود المتاخمة للنص، أي تلك المحددة للحواف، لأن النص “قلما يظهر عاريا” ؛ الدعوة إلى مساءلة ما يشكل المناص para texte ومصاقبة الألفاظ والأيقونات التي تؤثث معناه ودلالته: اسم المؤلف؛ العنوان/العناوين؛ دار النشر؛ الإهداء…  ذلك أن المناص نص يوازي النص الأصلي، فلا يعرف إلا به، ولا يتداول إلا من خلاله ، إنه رسالة، والرسالة، فضلا عن كونها اعتباطية وعرضية، هي قصدية أيضا حيث يوجهها شخص معين ويعني بها شيئا معينا أيضا .
غير أننا هنا لن نتوقف عند كل تقاطعات المناص: كتلك المقترنة بالناشر، أي المساحة المناصية التي تعود مسؤوليتها إلى الناشر (أو صنعة الكتاب وطباعته)؛ ولا عند المناصات الأيقونية (كتصميم الغلاف؛ الرسومات؛ الصور؛ الأشكال؛ الصفحات الخاطئة البيضاء…)، مخافة أن نصيب موضوعنا بالترهل، بل سنركز عدستنا فقط على بعض ما يتحمل فيه المؤلف مسؤوليته، أي منطقته المعينة ضمن المناص الخاص به وبالذات العنوان؛ أما الإهداء الذي نعتبره عنصرا آسرا في المناص، فإننا سنرجئ دراسته إلى دراسة المكان ضمن تحليل المتون ، نظرا لارتباطه العضوي بالمكان العدواني العنيف، كما سيلحظ القارئ، إلى درجة أننا سنبدأ دراسة بعض الفصول من خلال الإهداءات التي دبج بها الشعراء دواوينهم أو بعض قصائدهم.
إن جهاز العنونة  من أهم ما يقع تحت مناص المؤلف، والسؤال الذي يتحدانا عند مواجهته هو: كيف يمكننا قراءة العناوين بما هي نصوص قابلة للتحليل والتأويل تناص نصوصها الأصلية؟
إذا نحينا جانبا سؤال أينية  عناوين الدواوين التي تعنينا، لأنها جاءت، كما هي العادة في معظم الكتب، في صفحة الغلاف الرئيسة، وغالبا في الصفحة الخاطئة البيضاء الأولى أو الثانية، ثم ظهر الكتاب؛ فإن ما نريد التركيز عليه هو إغراء القراءة الذي يتيحه العنوان الرئيس كمدخل للمتن، أي قدرته على تحريك آليات الفضول إما بتكثيف الدلالات، أو اختزالها، أو وضعها، ووضعنا، في مأزق التأويل… بما يضعنا والقارئ موضع انتظار وينبهنا إلى القادم، ويحرضنا عليه.
ربما يكون سؤال العنوان أكثر أسئلة الكتابة مدعاة للقلق، لأنه يحيل على لحظتين قويتين في فعل الكتابة/القراءة؛ هما بالضبط درجة الصفر، عند الكتابة، وصدمة التلقي الأولى، بالنسبة للقراءة.
قطعا لا يكتب العنوان دائما في درجة الصفر، فقد يكتب بعد انتهاء مغامرة الكتابة، أي بعد أن يكون الناص قد هده التطواف، كما يمكن أن يصاغ عند انثناءات الرحلة وتقاطعات زواياها، أي أثناء الفعل الإبداعي لحظة احتراق أو تأجج قصوى، لكن درجة الصفر تكون دائما هي المحدد، والموجه العام، للموضوع والحاضن له؛ أما القول بكتابته/أي العنوان، أثناء، أو بعد، الرحلة، فهو يحيل على حالته الجمالية بعد أن يصاغ بشكل مكتمل، أي نهائي.
قد يثار سؤال التكوين Genèse أحيانا في الاستهلال ليخبر القارئ عن أصل الكتاب – ومنه العنوان – وظروف تأليفه، ويكون مقبولا إلى حد ما، لكنه يضعه في موضع سيء عندما يخبره بكيفية استعماله ، أي يملي عليه شروط القراءة/التأويل.
فإمكانية انفتاح النص على قراءات متعددة هو النظير الجدلي للاستقلال الدلالي للنص…
ذلك أن النص لا يجب أن يستقر على تفسير محدد، لأن التفاسير بطبيعتها متعددة، متناثرة، مبعثرة، ولا نهائية؛ لأنها تقوم على الاختلاف؛ والاختلاف يشي بانعدام المنهج الواحد، ويحيل على تعدد القراءات، ومن ثم لا نهائية القصد والعجز عن إدراكه .  فتصبح مشكلة تملك معنى النص أمرا لا يقل مفارقة عن التأليف؛ حيث يتداخل حق القارئ بحق النص في نزاع يولد حركية التأويل برمتها؛ إذ تبدأ التأويلية عادة حيث ينتهي الحوار .
اللحظة الثانية التي تعنينا هي فعل قدرة العنوان على تحقيق التواصل الأول مع القارئ، وشده إليه، وإلى الموضوع بالتالي، ولكي نستحضر اللحظة بكل هيبتها ووقارها وجب أن نستحضر فعل إبداع العنوان نفسه، فنحن عادة لا نواجه العنوان إلا بعد أن يصبح جاهزا مكتملا معروضا لناظرينا.. لكن ماذا عما قبل المناص القبلي؟ ماذا بخصوص العناوين قبل، وأثناء، تشكلها في ذهن مبدعيها من الكتاب؟ ماذا عن لحظات الحيرة والتردد، والشك والتشكك، قبل أن يستقر الأمر على عنوان/العنوان النهائي؟
لاستحضار جلال اللحظة علينا تقمص ذات الشاعر لحظة احتراقه القصوى، لكننا نعرف  بأنه ما من “أنا” يمكنها أن تدخل مع “الآخر” في لعبة تماه مطلق، حيث تبقى العملية منقوصة أبدا، ولذلك نسعى إلى إكمالها عبر الصياغة الأصلية للعنوان، كما ارتضاها صاحبها.
إن العنوان – مع مناصات أخرى يعرضها الغلاف – يشكل الفعل الأول للتلقي، وحيث إن باقي المناصات التي يعرضها الغلاف عادة ما تكون بصرية (صنعة الطباعة)، فإن العنوان يتوجه بالخطاب المنطوق إلى شخص يحدده الموقف الحواري سلفا – لأنه يتجه إليك أيها المخاطب – يتجه النص إلى قارئ مجهول، وضمنا إلى كل من يعرف كيف يقرأ. وهذا التعميم للجمهور هو إحدى نتائج الكتابة المثيرة، التي يمكن التعبير عنها بصورة مفارقة Paradoxe؛ فلأن الخطاب قرين الآن بسند مادي، فهو يصير أكثر امتلاء بالروح، بمعنى أنه يتحرر من ضيق موقف المشافهة وجها لوجه .
لهذا لا يمكن أن ننتهي من هذه المحاورة المبدئية للعنوان إلا إلى حيث انتهى جينيت بالقول: إن العنوان نص مواز مشاكس وإشكالي بطبعه ؛ ولأنه كذلك فإن وظائفه المفترضة متعددة، بل لا نهائية، ولا تتضح أحيانا إلا بعد معاينة الأثر، أو المتن، حيث يبدو في النهاية أن أحدهما يضيء الآخر، وينتشله من هاويته السحيقة.
العنوان عقد شعري بين الكاتب والكتابة، وعقد قرائي بينه وبين الجمهور، وعقد تجاري بينه وبين الناشر. العنوان الجميل هو أحسن سمسار للكتاب ؛ لكن حذار من التمادي في لعبة سوق القراء إلى عماء لا مرئي، فضلا عن كون القارئ ليس مغفلا كما يعتقد كثيرون؛ فلنحافظ إذن على ميثاق أخلاقي للقراءة .
هذا الوضع الإشكالي الذي يفتح الاحتمالات الوظائفية على اللانهاية، هو ما جعل جينيت، اعتمادا على شارل كريفل Charles Grivel، يخلص إلى أن العنوان: تعيين، وتحديد، وإغراء : تعيين (بما هو تسمية)؛ وتحديد (لأنه يحيل على مضمون)؛ وإغراء (من خلال الفعل التحريضي للجمهور).
إن معاينة مبدئية، وبصورة إجمالية، لوظائف العنوان، بالنسبة للدواوين التي اخترناها مادة لدراستنا، تشير إلى أن ديوانين منها (هما “عناب” و”نقوش على جذع نخلة”) قد رشما عناوين إحدى قصائدهما عناوين للديوانين أيضا، فيما حمل الديوان الثالث (مدينة شرق الوريد) عنوانا مستقلا عن قصائده، هذا أولا؛
أما ثانيا، فقد اختلفت الوظيفة التعيينية للدواوين الثلاثة من عنوان ذاتي بتعيين حدثي مباشر”عناب”، إلى عنوان موضوعاتي خبري (نقوش على جذع نخلة)، إلى عنوان خاضع للعلاقات الرمزية السريالية (مدينة شرق الوريد)… لكن يلتقي الجميع عند الحدود المكتنزة بالمجاملات الهيرمينوطيقية التي تلعب فيها الوظيفة الإغرائية دورا كبيرا على مستوى التلقي التداولي، بجرعة إيحائية زائدة لتحريك القارئ وتحريضه على القراءة… ولتوكيد هذه الوظيفة الإغرائية وجب فحص العناوين عن قرب…

أولا) مدينة شرق الوريد:
في الحديث عن المدينة.. أوليات  maximes… وهذه الأوليات تنطلق من التراث، وأول مصادر التراث التي نعني: القرآن والسنة، ثم نزولا إلى المصادر الأخرى تاريخية كانت أم جغرافية أم آدابا عامة…
هذه المصادر لم تتفق حول مفهوم واحد، محدد، واضح للمدينة، بل خلطته بمفاهيم كثيرة مغايرة، ومناقضة، له في أحيان كثيرة، منها: المصر والحصن والقرية والإقليم… هذا من حيث الحد والجوهر، أما من حيث النشأة فقد ربطه منظر العمران/ابن خلدون بمراحل معينة من التطور البشري، بما أن مرجعه عوامل الدعة والترف… وما يحيل عليه ذلك من انتقال حياة التوحش من حالة البداوة إلى حياة مناقضة لها تقتضيها حياة الحضر …
وكما لم تتفق كتب التراث حول مدلول المدينة، لم تتفق حوله الجغرافيا الحضرية المعاصرة أيضا، وجوهر خلافها يدور حول المعايير الديموغرافية، أو الإدارية، أو الوظيفية المعتمدة لتحديده… وما يهمنا في مستوى بحثنا هو نظرة السوسيولوجيين والسيكولوجيين إلى المدينة، بما أنهم يتجاوزون المستوى المادي الذي يتضمنه المفهوم، إلى مستويات فوق مادية: فالمدينة ليست مجرد تجمع لعناصر مادية، بل هي كذلك نتاج لمجموعة من السلوكات والعادات والتقاليد والمواقف …
إنها المدينة: مرتع للضجيج والضوضاء والرذيلة، وبؤرة للشهوات والفسق والمجون… تشهد عليها نظرات رجالها الوقحة، ورغبات نسائها الجامحة الملتهبة المختبئة خلف عفة مصطنعة، والحروب الدامية على أرصفتها وشوارعها… وعموما قلة الخير فيها…
شرق: يتحدد الشرق انطلاقا من الموقع الجغرافي الذي يحتله الإنسان، فلكل شرقه انطلاقا من موقعه، أوموضعه، والمعيار الذي يحدد الشرق هنا، ليس الموضع أو الموقع الجغرافي، بل الوريد.. لكن أي الأوردة يعني الشاعر؟
الوريد: العرق الرئيس الذي يجري فيه الدم في الجسم، ويدعى الفليق في العضد والأكحل في الذراع والأشجع في ظاهر الكف والراهشة في باطن الذراع؛ وأشهر الأوردة هما الوريدان اللذان من جانبي العنق. والأوردة إما رئوية أو جسمية. فالأوردة الرئوية أربعة: اثنان لكل رئة ينقلان الدم الأحمر النقي إلى الأذين الأيسر من القلب؛ أما الأوردة الجسمية فتنقل الدم الفاسد من جميع أجزاء الجسم، ما عدا الرئتين، إلى الأذين الأيمن. ويقال: “رجل منفتح الوريد” أي غضوب، سيء الخلق.
مدينة شرق الوريد؛
أكثر عناوين المجموعة التي اخترناها انغلاقا؛ عنوان سريالي بامتياز يحتل فيه المسند مساحة الضوء الكبيرة في فعل الخطاب. وفعل الخطاب ليس مجرد لحظة زائلة أو منفلتة، بل ينبغي معالجته بوصفه واقعة (أو قضية أو خبرا) ، منظورا إليه من خلال العلاقة التي تشكله بذاته، أي العلاقة بين الواقعة والمعنى في الجملة المتضمنة للمحمول أو المسند (predicate). فهذا العنوان نموذج عن اللغة التي قال عنها بنفنست بأنها قد تستغني عن الفاعل أو المبتدأ أو المفعول وغير ذلك من المقولات اللغوية ولكنها لن تستغني أبداً عن المسند .
ورغم ذلك فهذا العنوان، بمحموله، ليس من النوع الذي يسلمك نفسه بسهولة، إن انغلاقه لا يكاد يستقر على قرار، خطاب بنيوي تحليلي (ليس بنيوية البنيويين) في صيغة تفاعل بين وظيفتي التحديد والإسناد في الجملة الواحدة، لا يحيل في النهاية إلا على ذاته، لأن اللغات لا تتكلم بل الناس هم الذين يتكلمون .
مدينة شرق الوريد؛
مدينة: مبتدأ (مسند إليه)؛ شرق الوريد: خبر (مسند): بما أن الجملة الاسمية هنا تتحدد قيمتها ليس بناء على المبتدأ، كما بينا، إنما على مسندها: “شرق الوريد” فإننا نسمح لأنفسنا أن نبحث عن الجملة في الأثر/الديوان، كعلامة استهداء دالة عليها.
وردت الإشارة إلى “شرق الوريد” في مناسبتين دالتين على المعنى الذي قاربته كتب التراث للمدينة، كما ألمعنا إليه أعلاه، الأولى اقترنت بالمدينة فعلا، فصاغت عنوان الديوان، صياغة استفهام واكتشاف:
“…إني لو مشيت على ضفاف القلب يوما،
لاكتشفت مدينة شرق الوريد”
أما الثانية فاقترنت بالقرية، في عبارة من الواضح أنها قد تجاوزت الاكتشاف، وخبرت المضمون، وتعدتهما إلى الرفض:
“لا، لَنْ أُوَرِّثَـكَ التَّشَـرُّدَ فِـي قُـرًى
شَرْقَ الْوَرِيدِ…”
أما المدن التي تحضر في الديوان معرفة بالاسم فعديدة: مكة، القدس، بغداد، دمشق، غزة، مصر/القاهرة، روما، لندن، بكين، إضافة إلى القرية/نكرة، في مناسبات عدة… ومن بين هذه المراكز جميعا تردد اسم “القدس” أكثر من جميع قريناتها: فهل تكون المدينة المقصودة في العنوان، علما بأنها الوحيدة التي ترددت في القصيدة التي جاء فيها التعبير: “مدينة شرق الوريد”؟
عدا ذلك تردد اسم “المدينة” في ستة عشر مناسبة بصيغة المفرد، وفي مناسبتين بصيغة الجمع.. تتقن لعبة الوصل – الفصل بين المتناقضات، دون أن تحدد بدقة تخوم منطقة كل متناقض: فهي في البدء: أضواء ، وشط ، وحرف مسلم أو سطر دال عليه ، ومشوار حالم ، وصنوف أزهار من ورد وعنبر … لكنها تنقلب في مناسبات أخرى إلى تشرد وضوضاء وضياع واحتضار وفخاخ ، إلى جانب كونها مرتعا للرذيلة: مومس تحتضن المومسات المعفرات بثقافة الشيطان …
فكيف ساق الشاعر هذه المتناقضات جميعا، إلى مدينته، ووضعها شرق وريده؟
تجعل المدينة من الوريد الصفة الوحيدة الدالة عليها؛ إنه بيانها الشعري، بعمق دينامي كبير يحيل على الحياة كلها: الوريد = شريان الحياة الأكبر؛ والحياة بكل دلالتها، أي متناقضاتها…
علينا إذن أن نعيد صياغة العبارة، بعد تجميع السياقات الدالة عليها في الأثر:
وريد الشاعر وهو يحتفي بمنجزه/مدينته، التي موقعها إلى الشرق.. من وريده؛ كناية عن أوردتنا جميعا، ربما؟
لكن الشرق هم؛ ألا يقال في العادة: “كلنا في الهم شرق” ؟ فأي شرق/هم هذا الذي يحتفي به الشاعر، ويدعونا إلى مشاركته هذا الاحتفاء الباذخ به؟ وأي وريد هذا الذي يريد إقامة برهانه الشعري عليه؟ وأي مدينة هذه التي تنصب سلطان الرمزية، دفعة واحدة، أساس حداثة شعرية، في فعل تدميري يتهدد الذات والعالم؟
إن صيغة العنوان المتشظية تشي بطموحات وارتكاسات، وأحلام وكوابيس، تتغيى اندغام المعمار مع القلب، الحجر مع المشاعر والأحاسيس، وتدعو إلى انطلاق جياد الخيال في البرية، وتحررها من كل قيود التشكيلات الكلاسيكية وصورها المنمطة المحنطة، فهي تساؤل عن الوجود، وبه، باتجاه رهان يقتحم المستقبل غير هياب لمجاهله، بل يسعى لفضحها، ولذلك جاء العنوان بصيغته المأساوية الحادة، المفتوحة على الانفعال القلق، لأنه يتغذى على القلق؛ ولأنه فعل فاضح لعوالم مدينته فقد تم تخصيبه في رحم وجودية، بعد معاناة ومكابدة ومراس…
عند ذلك يتحول السؤال: أي مدينة؟ أي شرق؟ أي وريد؟
إلى سؤال بلا معنى؛ لأنه فقط: أي شرق، لأي وريد، لأي مدينة…

ثانيا) نقوش على جذع نخلة:
“نقوش على جذع نخلة”؛
الديوان الثاني في المجموعة التي نتناولها بالدراسة، بعنوان تركيبي مفتوح، كأي عنوان باذخ آخر، على شبكة ممتدة من الأسئلة، ومتاهة من التأويلات والرموز.
نقوش: اتفقت معاجم اللغة على أن مصدر الكلمة من نقش الشيء أي نمنمهُ وحسّنه، والنقش النتف بالمنقاش، أو الحفر على سطح منبسط بأداة؛ وسمى الإغريق الكتابة المصرية القديمة بـ”الهيروغليفية” أي “النقوش المقدسة”.
فالنقوش بهذا المعنى ليس ضروريا أن تكون كتابة، ومن ثم فهي تحتاج في الحالة المغايرة إلى قارئ يتقن تأويل العلامات والرموز، أو بلغة سوسير شخص قادر على تحويل الصورة الصواتية إلى مفهوم ؛ لاستكناه المحتوى من التعبير، وحيث يلعب الرمز دورا محوريا في العملية ، محترسا من تداخل الأيقونة والمؤشر والرمز ؛ وفي هذه الحالة نعتقد بأن على الشاعر/المواطن – ما دام أنه ارتضى لذاته اقترانها بالوطن منذ استهلاله الأول – أن يمر عبر بوابة أمبرطو إيكو  Umberto Eco ، ليفك شفرة الرموز المتداخلة، لحل لعبة الوجود والعالم، من خلال نقوشه.
بالرجوع إلى السياقات النصية التي ورد فيها ذكر “نقوش”، في الأثر/الديوان، فإننا لا نكاد نجد لها أثرا يذكر، باستثناء إشارتين يتيمتين وردت فيهما الكلمة بصيغة اسم المفعول مرة، وبصيغة الماضي المبني للمجهول مرة أخرى؛ وحتى القصيدة التي استمد منها الديوان عنوانه: “نقوش على جذع نخلة”، وهي مطولة ملحمية من عدة فصول وصفحات ، فإن متنها جاء خلوا تماما من المفردة ومشتقاتها، لتكتمل حلقة غموض هذا الذي نبحث عن تأويله، من خلال أثره…
أما السياقان اللذان وردت فيهما الكلمة، فقد جاءا بغير صيغتها المثبتة في العنوان، وفي السياقين معا اقترنت الكلمة بالأحداق، فهل هو اقتران بريء؟
– … إلاّك منقوشا على أحداقي . (الصيغة الأولى).
– فكأنها نقشت على حدقاتي..  (الصيغة الثانية).
فتصبح المعادلة: نقوش على جذع النخلة = نقوش على الأحداق… علما بأن الأحداق هي المدخل الطبيعي للذاكرة البصرية، التي تتوسل بالعين تمثل الصور والرموز وإدراكها؛ بينما تجسد النخلة ما ابتغاه المواطن/الشاعر ذاكرة لتخليد نقوشه، عبر رشمها… ليصبح الديوان، كل الديوان، نقوشا تحتفظ بها النخلة/الذاكرة…
المواطن/الشاعر، كما يقدم نفسه من خلال ذاكرته، هو فقط مواطن ، ككل الآخرين، قد يكون “أنا” وقد يكون “الآخر”: ذاك الذي يسافر، ويتعذب، ويمرض، ويحب، ويطير، ويحلم، ويسجن، ويموت، الخ… أو حتى يفقد هذه الذاكرة… والمساحة التي يتحرك فيها هي كل العالم، مع إشارات قوية، في السياقات، تؤشر على الوطن “العربي” والعراق تحديدا: إنه ذاك المرابط في التخوم البعيدة لهذا العالم/الوطن، منعزلا، حزينا كشاعر.. ولذلك لا يعبر عنه إلا شاعر، هو أيضا مواطن كمثل الآخرين.. كل الآخرين أقصد…
على: حرف جر – من المجاورة – وحرف الجر لفظ يدخل على الاسم فيجره، ويتعلق وإياه بفعل سابق، أو ما يشتق منه؛ وقد يأتي على معان: منها الاستعلاء حقيقة: “وعلى الفلك تحملون” (غافر/80)؛ أو بمعنى المصاحبة: “وآتى المال على حبه” (البقرة/177)؛ وقد ترد دالة على التعليل: “ولتكبروا على ما هداكم” (البقرة/185)؛ أو ظرفية بمعنى في: “ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها” (القصص/15) أو تقوم مقام “عن” للمجاوزة؛ أو موافقة لـ: “من” أو للباء؛ أو للاستدراك والإضراب الخ…
وإذ نحاول الابتعاد عن المعنى الأولي، البسيط، الذي قد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى، عندما نقرأ العبارة: “نقوش على جذع نخلة”، فإننا سنلاحط بأن معان أخرى قد تستقيم أيضا، إذا تمعنا فيها جيدا…
أما النخلة، اسم أكثر الأشجار شهرة في التراث العربي الإسلامي، فاسم علم، مُعرّف بما هو جنس معين من الأشجار، لكنه ينقلب إلى نكرة هنا، لأنه لا يحيل على نخلة معينة بالضبط، من خلال ذاتها وصفاتها، بل الأمر هنا أقرب إلى رمز X في الرياضيات، مجرد إحالة على عدد، وككل الأعداد التي تحمل هذه السمة فهو يمتاز بالعمومية والتجريد، فضلا عن كونه يحيل على المجهول؛ أي ذاك الذي ينبغي تعيينه والكشف عنه… وقديما قال فيتاغورس: العالم عدد.. ونغم…
يقال في اللغة بأن النخلة من النخل، أي الانتقاء والاختيار: نخل الشيء صفاه واختاره، والنخلة ترد على التذكير والتأنيث معا.
فالنخلة قد تكون أي نخلة… لكن الإحالات المرجعية للثقافة  العربية الإسلامية تجعل من كل النخلات جزءا من الكائن البشري، فاقترنت به، حتى لقد وضعوا لذلك حديثا: “أكرموا عمتكم النخلة…”، واقترنت بالولادة “هبة الحياة”: “فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة…” (مريم/23)، كما أنها اقترنت بكلمة التوحيد والسمو في القرآن: “ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء” (إبراهيم/24)؛ لكنها وردت فيه أيضا  مقرونة بالدمار والخراب: “أعجاز نخل منقعر”  (القمر/20)؛  “أعجاز نخل خاوية”  (الحاقة/7)، فهل تكون دلالة النخلة في الديوان إحالة على المعنى الأول أم الثاني؛ أم هما معا؟
الأكيد أن دلالة النخلة في الذاكرة العربية الإسلامية كبيرة كما أشرنا، وفي الذاكرة العراقية، موطن الشاعر، أشد حدة حتى لقد قيل: “إن التفكير في عراق من دون نفط ممكن، ولو في المدى البعيد، أما التفكير في عراق من دون نخل فمستحيل”…
“نقوش على جذع نخلة”، عنوان الديوان، فهل هي الديوان نفسه؟ أعني هل الديوان كله “نُقش” على جذع نخلة؟ وقديما كانت الكتابة على سعف النخل شائعة، كما أن نقش تاريخ لقاء غرامي على جذع شجرة/نخلة، شائع أيضا؟
على أي فهذه النقوش لا تكتمل دلالتها إلا بحركيتها الدالة على الفاعل/الناقش/الشاعر ربما.. أو ربما الشاعر مجرد ناسخ لما عثر عليه منقوشا مسبقا؟ فمن هو الناقش الحقيقي: هل يكون مواطنا، أي مواطن عابر، كما افترضنا ابتداء، أراد لتاريخ عبوره أن يسجل بقوة، والقوة هي كل الرصيد الرمزي للحافظة/الذاكرة/النخلة؟ هذه القدرة – المعلومة والمجهولة – هل تتجاوز قدرات “المواطن” على استيعاب العالم؟
ثم هل تضيف هذه النقوش إلى جذع النخلة شيئا، أم أنها مجرد خربشة تخدش حياء النخلة وجمالها البرّي؟
كلا قطعا، لأن المواطن، ولو على لسان الشاعر، يعي الموجودات الأخرى من حوله، أي العالم، وهنا لقاء حاسم مع الفينومينولوجيا التي تعرض عليه العالم من خلال تجربته، وتراكم خبراته المريرة غالبا؛ فهو يراه من خلال البراديغمات التي كوّنتْها “أناه” عنه وليس من خلال أي تصور آخر، منجز، أو مُنزل من قبل…
وهو ما سجله في “نقوش على جذع نخلة”…
ثالثا) عناب:
فأما عناب فاسم علم/قرية الشاعر، وهي من أعمال حماة السورية، لكن ما الذي دعا رضا رجب إلى استدعائها هنا لتكون عنوانا للديوان، وعدم الاكتفاء بها مجرد قصيدة من قصائده؟
بعيدا عن كل ما يمكن أن تحمله عناب/القرية من جمال، ودلال، في نفسية الشاعر وعينيه، لأنها قد لا تكون بمثل ذلك الجمال – الطبيعي أقصد – في ناظرينا، فإنها قطعا ترتبط مع طفولته ومنشئه، ومغامرات صباه وشبابه ومراهقته أو حتى نضجه وكهولته… بوشائج متينة، وهنا الوجه القوي للفينومينولوجيا، لأن فعل الذاكرة، والتذكر، والحلم، والتشكل الخ، هي الأفعال المحببة إليها بفعل تكويناتها وترسباتها التي تنحفر مع الزمن في الذات وترسم خطوطها إلى فهم العالم من حولها، وتشكل رمزيتها في النهاية.
القرية رمز لجدلية المفتوح والمغلق، والبحث فيها بما هي كون الشاعر الخاص، هو بحث في المعلوم لديه طبعا، لكنه – بدرجة أكثر حدّة – بحث في المجهول أيضا وملاحقة سديمه المنفلت الهارب، ليس بنية ردم هوته وملء فراغاتها، بل ربما لمزيد من الحفر فيها عبر استيلاد أحلام وتساؤلات لا متناهية… تنفتح في النهاية على العالم…
أما السياقات الدالة عليها، في الأثر/الديوان، فعديدة، ليس أقلها القصيدة المركزية التي منحت الديوان عنوانها . وقد رصدنا ورودها في أربعة عشر محطة، منها ما ورد في سياقات أضاءت الحقل المفهومي رغم انفتاحه على التأويل:
– “لعناب” داليتي اليابسهْ .
– واستغفري – بالله – يا “عناب “…
– “أعناب” التي أحببت كوني رماد الجرح ؟
– في عنق الوادي ورُويسة “عناب” ..
– إنها “عناب” عاشت في دمي ..
– إنها “عناب” من دفترها قد تعلمت …
– يا ليالي “عناب” أرهقك العتم …
– “عناب” تعلم أنها منسية ؛
– “عناب” تسألني …
فإذا كانت هذه الإضافات الملحقة بالحقل المفهومي/عناب تلقي عليه بعض الإضاءة، للانفتاح على القراءة، ومن ثم التأويل، فإن صفات أخرى وتساؤلات ملحقة به، لم تزده إلا غموضا والتباسا:
– هل تعرف “عناب” ما وجع الحرف !؟
– “لعناب” هذي التي أصبحت بقية وشم على الذاكرة .
– أحاول أن أرى “عناب” منفى .
– “عناب” لؤلؤة زرقاء في دمه …
– وتلغي الوقتَ “عناب” ..
واضح من خلال هذا التمييز الثنائي للتراكيب، التي وردت فيها “عناب”، أن صيغتها الأولى تفيد كمرجعيات لتحديد معالم الحقل المفهومي، وضبط حدوده وأطرافه، بما هي صور دالة على حركات متأتية من صيغ معلومة الهوية والمرجعية، رغم دفقها الشعري، ويمكن تمثلها وجدانيا أو حتى بصريا (عناب: المدرسة، والمعشوقة، والذاكرة…)؛ فيما ترد التراكيب الثانية، بثقلها الرمزي الموغل في المجهول، بصيغ تجاوز المستوى البسيط للإدراك، وتدعوه إلى فتح عوالم أخرى لاستكناه مستوياتها المركبة، لكن يظل الغموض سمتها المرادفة والمميزة (عناب: وجع الحرف، وشم في الذاكرة، لؤلؤة زرقاء في الدم، تلغي الوقت…) إذ ما الذي تضيفه الإضاءة كي تنير الصورة، غير انفتاح على تعدد ممكنات حائرة، وأسئلة أنطولوجية قلقة، وتشظي عصي على الضبط والملامسة؟ يجسد ذلك كله كثرة الاستطرادات الأسلوبية، وأشباه الجملة، والأفعال الحركية التي لا تكاد تنتهي إلا عند نهايات مفتوحة؛ ومعروف أن الأفعال، وبالذات الحركية، فضلا عن قولها شيئا ما (وهذا هو الفعل التعبيريLocutionary )، تفعل شيئا بقوله (وهذا هو الفعل التمريري Illocutionary)، وتترتب عليها آثار من خلال القول (وهذا هو الفعل التأثيري Perlocutionary) .
فعناب ليست مجرد قرية صغيرة منغلقة على ذاتها، بل بنية منفتحة على العالم، وجزءا منه في الوقت ذاته، من خلال أدوات اتصالها وتواصلها معه: إنها بوابة الشاعر لفهم العالم: “عناب تسألني…”؛ “إنها “عناب” من دفترها قد تعلمت…”؛ ثم السؤال: “هل تعرف “عناب” ما وجع الحرف!؟” خصوصا إذا استحضرنا في الذهن أن يكون أسلوب الاستفهام هنا استنكاريا…
“عناب” الأصل، ولذلك جاءت منفردة، متفردة، مستقلة بكامل مساحة العنوان.. وحدها؛ أما باقي التعبيرات الأخرى، المرتبطة بها في الأثر، فهي ظلال لها تسهم في تجليها، وسبر أغوارها السحيقة، والارتماء في هاويتها mise en abime، في سيرورة تذويت مستمرة بلا انقطاع، ماضية، ليس فقط بمعنى الذي مضى وانقضى، بل ماضية أيضا في طريقها نحو المستقبل لرسم معالمه بامتياز، ولتصوغ بيانه الشعري عبر نوى دلالية صغرى لا متناهية الدلالة، وإن جاءت متناهية العدد.
فتعدد الصفات الملتصقة بعناب إنما دليل على مركزيتها والاحتفاء الكبير بها، واعتمادها أداة لاختراق المعلوم، وإدخالها في عملية انصهار وتذويت مع الشاعر دليل آخر، ليس على الانفراد بها، بل على تعدد الصور المرتبطة بها بما أنها تحيل على تردد الصورة وتكررها، حيثما كان هناك شاعر ومكان: فلكل شاعر مكانه الحميم، مدخله لفهم العالم، ودفتره الذي قرأه فيه، ويراه من خلاله..
إنه “عنابـُ”ـه…

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.