| د. ميسون حنا : الموهوب .

 

نظرت الصبية بانبهار للثائر الأربعيني الذي صدح صوته في الآونة الأخيرة يندد بالظلم، وينادي بالحرية، ويدعو لمكافحة الفساد، هذا بعد أن قرر أن يتخطى أزمة بطالته عن العمل ليجد عملا جماهيريا ، طوعيا نذر نفسه له. لمح الصبية ترمقه بإعجاب بينما كان يسير في الشارع رافعا رأسه بخيلاء بطل أفرزه واقع مرير، وحيث أنه مرهف الحس، وجريء ، قرر أن ينفس عن كربه، وخصوصا عندما اكتشف ملكة تميزه عن غيره، وتجعل منه خطيبا مفوها ، اعتلى المنبر، وأسعفته لغته وهو المولع بالأدب أن يسهب في القول، وحيث أنه مطلع ومواكب لأحداث الساعة تمادى في التشبيح، سمعته الناس بشغف المتعطش للحرية، والناقم على الأوضاع، صفقوا لحرارة اللهجة، أمًا هو فكان عندما يختلي مع نفسه بعد انفضاض الجموع يستعيد وقع كلماته في النفوس، كان يفعل هذا بلهفة ليرى نجاحه، لا يدري كيف تحققت شهرته بتسارع زمني ملفت … حيث أنه الناقم الحاقد، المسكون بهواجس تؤرقه وتؤرق الناس حوله، فكان لسانهم. استعاد نظرات الإعجاب التي سُلطت عليه ، كانت نظراتهم تحمل في طياتها الأمل والرجاء، والاستحسان، والاستعطاف، والإعجاب، استعاد كل هذه التفاصيل، وهيأ له خياله تفاصيل أخرى أسعدته، سُر لموهبته، وقرر أن يستثمرها للصالح العام، ومع مرور قليل من الزمن وجد نفسه زعيم زمرة تألبت حوله، واختارهم من المفوهين ليقودوا حركة أسسها بقيادته، تسلطت الأنظار عليه وخصوصا تلك الفتاة التي تراقبه كلما خرج من منزله وهي تقف على شرفة منزلها المقابل لمنزله، كانت نظراتها المعجبة توقد همته فيمتليء حماسا ويتألق في دفاعه الموهوم عن العامة، وفورا فرز نفسه، فهو الخاصة ومن تتعلق نظراتهم به هم العامة بمن فيهم تلك الحسناء العشرينية التي تراقبه، فكّر، ربما ينتشلها إلى حظيرته لتصبح خاصته، ولكنه باطل عن العمل، هذه هي الحقيقة برغم البطالة المقنعة التي تبرزه قائدا ثوريا نذر نفسه للصالح العام. خلاصة القول: قرر أن لا يخذل أحدا، سيواصل المشوار، فالبوادر تشير إليه بالنجاح، فُتن بذاته، وشاركه نرجسيته زمرته التي تصدح بصوته، وتتلو على الناس منهجه الذي اختطه لحراكه، طرح كثيرا من الحلول التي تؤمن الرفاهية للناس، بالغ في طرح الحلول وهو يعلم علم اليقين أن إمكانية تحقيقها على أرض الواقع ضرب من الخيال، فهو لا يملك ميزانية تتيح له التحرك ويفتقر لكوادر أكاديمية تكرس نفسها ، وتتطوع لخدمته ، وليس هناك جهات داعمة لحراكه، وفي لحظات صفاء عندما يختلي مع نفسه يدرك عجزه، ومع ذلك لم يتسلل اليأس إليه، إذ تفتح ذهنه عن حقيقة أرضته عندما أدرك أن تفتيح العقول على الحقيقة وعما يجري حولنا هو بحد ذاته رسالة. أدرك أن افتراض الحلول واجب عليه، أما تحقيقها فهي ليست مهمته، ليتوسع إذن وبقول وليس على الكلام حرج، سُر لهذا الرأي ، لكن الناس تنتظر الحصاد، ولا زرع يُحصد، ما علينا … أرجأ التفكير في هذا الأمر إلى أن يحين حينه، عندئذ سيبتكر مخرجا، إما ذوو الشأن، المُفسدون الذين تسلقوا إلى الدرجات العليا، انتبهوا له، نُقلت إليهم أخباره ونشاطاته، شعروا بقلق لن يلبث أن تلاشى خصوصا عندما تناهت إلى مسامعهم برامجه وحلوله الخيالية، قرروا أن حراكه ضروري ومفيد، فالتعبير عن الغضب وجه من وجوه الديمقراطية ، كما أنه يتيح للعامة التنفيس عن كربها وهو بحد ذاته شفاء، والحلول الخيالية تشبه الأحلام، وللحلم سحر جميل يتسلل إلى القلوب ويخدر المشاعر، وهو المطلوب، وهذا البؤس المحيط بنا بغض النظر عن الأسباب ، وبعيدا عن التحليل بحاجة لجرعة مخدرة، فليكن هو مصدرها، امتدت أياديهم إليه تدعمه، وتشد من أزره، قوي عوده، وهلت عليه التبرعات كطُعم يرمونه أمامه وهم يتوقعون نتائجه، لم يخب ظنهم، حيث قرر. أن ينشيء مشروعا خيريا بسيطا بعد أن يقتطع الجزء الأكبر من المعونات لنفسه ولخاصته ، وهكذا سارت الأمور كما يُشتهى. تذمرت الناس، غضب من غضب، ورضي من رضي، أما هو فأدرك أن رضى الناس غاية لا تُدرك، أدار ظهره، لم يعد يهمه أثر كلامه في النفوس، لم يكدره سوى شأن تلك الفتاة العشرينية التي أغلقت باب شرفتها دونه، ولم تعد تراقبه أو تلتفت إليه، نظر إلى شرفتها الموصدة بقليل من الأسف، ولكنه لم يسمح لتلك الحادثة أن تنغص عليه أو تكدر صفوه، إذ أنه حتما سيتأبط ذراع إحدى الحسناوات التي ستقدر مواهبه ولا تطعن بنزاهته.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. ميسون حنا : فاجعة .

 نقلها إلى المستشفى بعد أن فشلت محاولته إنقاذها في البيت، أُدخلت غرفة العناية المركزة، نظرت …

| نبيل عودة : الفجر يولد من جديد .

لذكرى انتفاضة الأقصى 28-09-2000   نكبت حارتنا بامرأة حل لطف الله عليها، تخرج كل ليلة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *