| طالب عمران المعموري : النضج الجمالي .. رسم في الخيال و تحقق المعنى في (عادات سيئة ) للشاعر رحيم الربيعي .

يقدم لنا الشاعر في نصه النثري  خيار جمالي وفضاء شعري بمعايير فنية ولغة انزياحيه خروجا عن السائد والمألوف من اللغة المباشرة  الى التخييل وهي من ادوات الابداع الشعري (الشعرية) نستشف من خلاله  مدى وعي الشاعر للجماليات ومدى قدرته على التمرد على  المفاهيم والموروث في اللغة الشعرية القديمة ، ونحت جماليات وسمات فنية تخصه وحده، قائم على  المفارقة في فلسفة بنائها ورؤيته في انتاج النص، والهيام في فضائه الشعري.

كما ترى سوزان برنار أحد أهم منظري قصيدة النثر الفرنسية ترى أنها: “ترتكز قصيدة النثر في شكلها، وفي مضمونها على اتحاد المتناقضات، نثر وشعر، حرية وصرامة، فوضى مدمرة، وفن منظم… ومن هنا منبع تناقضها الداخلي، ومن هنا تتأتّى تناقضاتها العميقة والخطيرة والمثمرة، ومن هنا يبرز توترها الدائم وديناميكيتها” 1

(عادات سيئة )  لعل العنوان يعد اولى العتبات المفضيه للنص ومن مناصاته المهمة  وعلامة دالة  تختزل عالما من الدلالات وهو مفتاح تأويلي يسعى الى ربط القارئ بنسيج النص الداخلي ، عنوان استنبطه الشاعر من النص مباشرة :

مهما حاولَ التّشظي ملء الفراغات الشاسعة 

لتكوني  عادتي السيئة 

وبهاجس سردي وبتقنيات  جمالية ابتداء من العنوان جاء بلغة بسيطة وبمفارقة تضمر بعدا نسقيا خفيا ، عَبْر منولوج داخلي  يصف لنا حاله وهو يتلبّسه وحي الشعر في لحظة تتجلى معاناة الذات (الشاعر) في سبيل الوصول الى المعنى الذي ينشده  لإنتاج القصيدة في مخاض، تجربته الشعرية التي يخوضها وقدرته الايقاعية من تحويل اللفظة من معناها الوضعي  الى معناها الشعري

اعتمد الشاعر التساؤلات  والعمق والتركيز على التأمل الفلسفي ..

اتساءل فقط 

كيف للرّيحِ ان تسبقَ يدي 

في لمسِ خصركِ المنساب بين أصابعي 

وكيف للشمسِ ان تُشرقَ فوق ثغركِ 

واستهل النص بلغة سردية  انشائية معبره ويعيد تشكيلها ويهبها الشعرية كما في :

 (حتى أكونَ صادقاً معك ِ) / (سوف َ أُخفي أشياءً تافهة ) 

ثم يستدرجنا في ايقاع وموسيقى داخلية تنثال علينا بتوهج تدريجي الذي يحدثه مسافة التوتر والذي يعد مقوم اساسي للجمال الشعري فهو المحرك الذي بقدرته يؤثر على المتلقي،  موظفا فعلية الجمل التي تزيد من حركية النص والتأزم والتوتر في بنية النص كما في :

أكونَ صادقاً معك ِ/ أُخفي أشياءً تافهة / اخترتُ لها مكاناً/ انام ْكل ليلة بحضنِ نجمة / أكابرُ كثيراً بالابتعاد ِعنك ِ/ أفشي اسرارَ  اوقاتنا/ أكذبُ  ان قلتُ لا احبك ِ/ أمارسها دونَ حياءٍ 

وفي ظل هذه الإزاحة المتعمدة الذي يفرق نصا لغويا عاديا عن نص شعري نثري ورغبته الشديدة في تحقيق ما هو جديد ، وكسر طوق السائد واللغة المباشرة  نرى ذلك جليا في اللغة الانزياحيه  في نصه:

الطَّمرِ العاطفي / راسِ الشِّعرِ/ أخمصَ القصيدة / بحضنِ نجمة / ونرسمُ في الخيالِ/ يضاجعُ الورقَ/ وهجَ الصمت / ظلالِ قبلة / خارطةِ العشق / جسدِ الرغبة / ريحٌ لقيطة

اتسمت لغة الشاعر  بالتكثيف  وعدم الإطناب وعدم الاستطراد وهذه من  أهم ميزات قصيدة النثر، فنرى أدونيس يقول عنها: ”أما قصيدة النثر فذات شكل قبل أي شيء، ذات وحدة مغلقة، هي دائرة أو شبه دائرة لا خط مستقيم، هي مجموعة علائق تنتظم في شبكة كثيفة ذات تقنية محددة وبناء تركيبي موحد منتظم الأجزاء متوازن، تهيمن عليه إرادة الوعي التي تراقب التجربة الشعرية وتقودها وتوجهها، إن قصيدة النثر تتبلور قبل أن تكون نثرا، أي أنها وحدة عضوية وكثافة وتوتر قبل أن تكون جملا وكلمات”)2

فالخطاب الشعري الذي يقدمه لنا رحيم الربيعي هو خطاب هامس وإنساني ، وبمخيلته العالية يمنح النص حرية التحليق في فضاءات مباغتة، في رحلة جمالية ليؤثر في مخيلة المتلقي من خلال استثمار اللغة ودلالاتها ، فتصبح أكثر شفافية واختزالا يشكلها الناص في نسيج الصورة كما في نصه:

لا تعلمين بأنّي طائرٌ بلا أجنحة 

انام ْكل ليلة بحضنِ نجمة 

عجزَ عن لمسِها  ضياءُ القمر  

قد يرى القارئ العليم نسقا ثقافيا3 مضمرا خلف النص خارج عن إرادة الناس  (نسق الانا) تتجلى بوصفها نسقا منظما او متغلغلا في الخطاب الشعري تلك الأنساق التي قد لا يسلم منها احد حتى وما يسمى (بالقارئ العليم) انساقا تمتد عمقا في التأريخ البشري بأبعاده النفسية والاجتماعية والتاريخية  نسق قابع في اللاوعي وفي مضمر النصوص وقد يرى صورة المتلقي العليم اظهار الذات (الشاعر) متضخمة  فتصبح منغرسة في النسيج اللغوي الثقافي ونرى ذلك في نصه:

حتى أكونَ/ سوف َ أُخفي/ اخترتُ لها/ أنا شرقيُّ/ أنّي طائرٌ بلا أجنحة  / أتساءل/ صفعَتُ وهجَ الصمت/ داخلي/ أكابرُ كثيراً/ أفشي اسرارَ /

 “وقد تتوالد  ال (نحن)/ الجماعة من الانا / الفرد في تواز ثقافي، فتكون الانا بالضد من ال(هو) وال(نحن) بالضد من ال(انتم)”4

كما في نصه:

نحنُ الشّعراء نكذبُ كثيراً /ونرسمُ في الخيالِ حقيقةَ المعنى/ونُتَرْجمُ دقّات القلب الى كلمات ٍ/ ونحن ندسُّ السُّمَّ في جسدِ الرغبة / ننقَضُ على ارواحنا ونفترسُ /

 

 

عادات سيئة

حتى أكونَ صادقاً معك ِ

سوف َ أُخفي أشياءً تافهة 

اخترتُ لها مكاناً مناسباً في الطَّمرِ العاطفي 

أنا شرقيُّ الهوى من راسِ الشِّعرِ حتى أخمصَ القصيدة 

لا تعلمين بأنّي طائرٌ بلا أجنحة 

انام ْكل ليلة بحضنِ نجمة 

عجزَ عن لمسِها  ضياءُ القمر  

نحنُ الشّعراء نكذبُ كثيراً 

ونرسمُ في الخيالِ حقيقةَ المعنى

ونُتَرْجمُ دقّات القلب الى كلمات ٍ

تحلِّقُ عالياً… 

تتركُ اثرها الوحيد يضاجعُ الورقَ

اتساءل فقط 

كيف للرّيحِ ان تسبقَ يدي 

في لمسِ خصركِ المنساب بين أصابعي 

وكيف للشمسِ ان تُشرقَ فوق ثغركِ 

بعدما صفعَتُ وهجَ الصمت بظلالِ قبلة طويلة

داخلي طفلٌ لا يطمعُ  باخذِ الحلوى 

لكنه يشاطرُهم بقضمِ هدايا الرَّب   

بكلِ حرصٍ وحرفية 

أكابرُ كثيراً بالابتعاد ِعنك ِ

والسَّفر بعيداً عن خارطةِ العشق 

أفشي اسرارَ  اوقاتنا الساخنة للماء

ونحن ندسُّ السُّمَّ في جسدِ الرغبة 

ننقَضُ على ارواحنا ونفترسُ 

نشوةَ اللقاءِ  دون رحمة 

أكذبُ  ان قلتُ لا احبك ِ

مهما حاولَ التّشظي ملء الفراغات الشاسعة 

لتكوني  عادتي السيئة 

أمارسها دونَ حياءٍ 

كلما عصفتْ في قلبي ريحٌ لقيطة

 

المصادر

  • سوزان برنار/ قصيدة النثر، ت. د. زهير مجيد مغامس ،مراجعة د. علي جواد طاهر، ط2 ، دار المأمون، بغداد ، 1993 .
  • الشعرية عند ادونيس بين المفهوم والتجريب، رسالة دكتوراه، سعد بكير، الجزائر ، جامعة السانيا، وهران 2013 .
  • الغذامي، عبد الله/النقد الثقافي قراءة في الانساق الثقافية،ط2 المركز الثقافي العربي ،الدار البيضاء،2005 .
  • النقد الثقافي نفس المصدر ص 104.
تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| صباح الأنباري : أسوأ قصة في العالم.. حيرة متراكمة.

هذا الخؤون.. ماكر جدا.. يعرف متى يضعك على حافة الرحيل.. لم يقلقني الأمر كثيرا.. بل …

| طالب عمران المعموري : تقانات الميتا سرد في ” عناقيد الجمر” للقاص غانم عمران المعموري .

لقد تجاوزت القصة القصيرة جدا في آلية الكتابة وتقاناتها  مرحلة العفوية والتلقائية، وكاتب القصة القصيرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *