| فخري أمين : الغرانيق تحلق باكرا .

متابعة الأعمال الروائية الصادرة عن دور النشر المختلفة تؤشر تطورا لافتا ومهما: زيادة حادة ومتصاعدة في عدد الروائيين الشباب في المشهد السردي العربي. يمكن عدها ظاهرة لم يفطن النقد بعد إليها، ولم تثر القدر الكافي من الإهتمام لدى مؤرخي الأدب. العديد من أولئك الكتاب الشباب، يقفون على حافة الطفولة، لما يغادروها بعد. بعضهم لم يكمل العقد الثاني من عمره. وهذا هو التطور الجديد واللافت الذي يستدعي منا لحظة تأمل..

سماء شاسعة

الذي يحدث في مواقع التواصل الاجتماعي، والفيسبوك خصوصا، هو تمرين يومي ومستمر على الكتابة والنشر. بعضهم يبدأ في الكتابة في سن مبكرة جدا، بعمر عشر سنوات مثلا، ويواصلها بشغف وانغماس طفوليين، مكتسبا مع الوقت مهارات الكتابة الإبداعية، مكتشفا تدريجيا أسرار اللغة، وفنون السرد، ومناطق السحر في الكلمات. معظم الكتاب الشباب تخرجوا من هذه المدرسة. روشا داخاز، شهد الراوي، شادي بركات، أنس كوركين، مازن رياض، شهلا عجيلي، أنفال الجبوري، وغيرهم. هنا في سماء الفيسبوك الشاسعة تهيأت لهذه الأجيال أوسع الفرص لممارسة تجارب الكتابة والنشر والتحليق البعيد. هذا الشرط لم يكن متوافرا لدى الأجيال الأكبر سنا. كان النشر بالنسبة إليهم عملية صعبة، ومعقدة، خاضعة لشروط وقياسات ليس بالوسع توفرها إلا لدى القلة القليلة من المتمتعين بالموهبة والشغف والإصرار على الكتابة. الكثير جدا من زهور الإبداع كانت تتعرض للإختناق والجفاف بسبب قسوة المحيط، وعدم وجود يد تمتد إليها بالرعاية والاحتضان.

 

 

 

 

 

 

 

قارة بكر

أجيال العالم الافتراضي توفرت لهم ظروف أكثر مؤاتاة لإبراز مكامن الإبداع والسحر والجمال في نفوسهم. هنا عالم عابر للحدود والثقافات، ولا سلطة لأحد عليه. هنا قارة بكر، قد تكون ملأى بالأعشاب، والغابات، والأدغال الضارة، بيد أنه علينا الإعتراف بأننا نتعثر في كثير من مشاويرنا فيها بأنواع بديعة من اللقى الجميلة والنفائس الثمينة. كتابات تتفوق على العديد من الكتابات والأفكار المنشورة في الصحف والمجلات الورقية، أو الصادرة في كتب. لا تحتاج الكتابة الفيسبوكية مثلا بسبب طبيعتها التفاعلية لمعايير النقد ودور الناقد لامتلاك شرعية الإعتراف بقيمتها وجدارتها، وحقها في الوصول. فالجدل المباشر والتفاعل بين الناشر والقاريء يغني عنها. وحين تغادر بعض تلك الكتابات فضاءها الالكتروني متحولة إلى النشر الورقي، في سورة سرود درامية أو شعرية، تخلق فينا حالة من الإنبهار. لجهة أعمار كتابها أولا، ولجهة أعدادهم المتزايدة أيضا. في كل أسبوع تصدر مثلا رواية، ويضيء اسم جديد، لا تاريخ معروفا له، في مشهد الإبداع الروائي. فنشعر نحن الذين تربينا في الماضي على تقديس كتاب الرواية لندرتهم في زماننا، فلا يزيد عددهم في طول عالمنا العربي وعرضه عن أصابع اليد الواحدة، نشعر بالصدمة.  ونتداعى للبحث في ما وراء النصوص عن أسرار فيها، والذهاب بعيدا في التشكيك والتأويل والافتراض. بينما يغيب النقد الحقيقي والمسؤول عن كثير من هذه التجارب. 

بورصة الكتب

الأمر المهم الآخر المتصل بهذه التجارب، يأتي من اتساع سوق الكتاب. يتمثل ذلك بكثرة دور النشر، وانتشارها تقريبا، في كل مدينة، إضافة إلى تطورات مذهلة في صناعة الطباعة والورق، هذه المستجدات جعلت إمكانات النشر الورقي متيسرة بكيفية فيها الكثير من الغواية والإغراء. حتى تسعينات القرن الماضي، كان عدد دور النشر محدودا جدا. بعضها كان رسميا، يعتمد في تمويله على الحكومات، ويخضع تاليا لتوجيهاتها. والتجاري منها كان قليلا جدا، يمكن عده على أصابع اليد الواحدة. وتتطلب عملية النشر فيها توفر شروط مرهقة، منها اسم الكاتب، أن يكون للكاتب تاريخ معروف في مجال الكتابة، ومنجز إبداعي يشار إليه. وهي تتخذ موقفا يتسم بالحذر إزاء الأفكار والآراء الواردة في الكتاب، مراعاة لأمزجة الحكومات، ومن أجل تأمين وصول المطبوع إلى الأسواق. هكذا كانت تشتغل بورصة النشر في القرن المنصرم. بينما تسود سوق صناعة الكتاب هذه الأيام حالة من التنافس الشديد بين الناشرين، على كسب ود الكاتب، والتساهل في شروط النشر إلى أقصى حد ممكن، خصوصا بعد أن بات الكاتب شريكا في تغطية التكاليف، وفي الأرباح في حال تحققت.

درامات بلا  حدود

أي قراءة أولية لمعطيات ومؤشرات مبيعات الكتب في المعارض  الكبرى، تبرز بوضوح حقيقة باتت أقرب إلى البداهة: هيمنة الكتاب الروائي، واحتلاله في الغالب المراكز المتقدمة، منافسا الكتب الدينية والفكرية والفنية وحتى الأكاديمية. هذه مسألة تتصل بعوامل كثيرة، اولها طابع ثقافة العصر، الذي تغلب عليه، وتنتجه أدوات رقمية وشاشوية، ويتسم بسيطرة روح الإعلام. يمكن عد هذا العصر بسبب هيمنة الإعلام أزهى عصور الدراما في التاريخ البشري. فقد استطاع  الإعلام أن يحول كل ما يجري في عالمنا إلى مسلسلات درامية. هناك المسلسل السوري مثلا. والمسلسل الفلسطيني نحن نتابع تطوراته وتحولاته اليومية في الأخبار مثل دراما مؤلمة أو نوع من تراجيديات حديثة، تتصارع في أرضها آلهات دولية وإقليمية، دفاعا عن مصالحها. وثمة في الأخبار الدراما العراقية مسلسل آخر، نوع من الكوميديا السوداء، الدراما اليمنية، وعدد لا حصر له من الدرامات الأخرى. هكذا سيطرت بتأثير الإعلام روح الدراما على العالم. ولم يعد نقل الخبر عاريا كافيا. يجب أن يتم النقل في سورة قصة خبرية، أو مسلسل درامي يومي.

حياة أخرى

في صياغة القصة الخبرية تلعب المخيلة دورا مهما في إنتاجها وفق معايير فنية ونفسية لكي تحقق التأثير المطلوب منها. هكذا جعلنا الإعلام نعيش في ذات اللحظة أكثر من حياة واحدة. كل هذه المستجدات تركت آثارها على مزاج القراءة، وأعطت للرواية مكانة متميزة في معارض الكتب. والسبب ببساطة أن الرواية أقرب أنواع الكتابة إلى روح العصر، وثقافته الإعلامية السائدة. إنها باختصار حياة أخرى. ثمة إلى جانب ذلك تحولات كبيرة وعميقة في طريقة كتابة النص الروائي، كان لها الاثر المهم، في صناعة سرد روائي، يختزن قدرا هائلا من المعلومات، ويعالج أخطر القضايا، ويطرح أعمق الأسئلة الإنسانية، وأكثرها صميمة وحميمية، في كتابة تتوفر على قدر عال من السحر والجذب والجمال. كما أن الرواية تنتمي إلى نص الحكي، الذي كان ينظر إليه، خصوصا في ثقافتنا العربية،  بوصفه شكلا شعبيا من أشكال الثقافة. أي أن قراءة النص الروائي، حتى في أعقد نماذجه، يندرج ضمن الاتجاهات الشعبوية، وهي تاليا تتمتع حتى في هذه اللحظة بقدر عال من الإنتشار والقبول.

حرية أوسع

بوسعي الزعم أن الرواية في شكلها المعاصر هي أم الكتابات، فهي تشتمل على الشعر والدراما والمعلومة والمقالة، وتلبي نزعة الفضول لدى القراء، وهي نزعة أصيلة في تركيبتنا البشرية.  وثمة أيضا حالة التدهور في شروط الحياة على الأرض، وهي حالة تجعل الحاجة ماسة جدا، وعميقة، إلى البحث عن حلم، نوع من ملاذ، ينتزعنا من قسوة وتعاسة ولا منطقية ما يدور حولنا. في صناعة الدراما المرئية ثمة حرص على تحقيق هذا الشرط، إيقاعيا، على مستوى تدفق الأحداث، وفنيا على مستوى رسم الشخصيات، واختيار الأماكن. في الرواية يتوفر للكاتب والقارئ معا حرية أوسع، حدودها مخيلة عابرة لكل الحدود، بكيفية تحقق مستوى عاليا من متعات التحليق البعيد واللذيذ والمتسق مع رغباتنا وتطلعاتنا وأحلامنا.

أثير الحكايات

ربما نحن في شرق المتوسط أكثر مجتمعات العالم عشقا للحكي والحكايات. أشعر أحيانا أننا شعوب مخلوقة من خامة القص، وأثير الأحلام

 والأساطير. وليس مصادفة أن كتبنا المقدسة، التوراة والإنجيل، والقرآن بنسبة اقل، غلب عليها طابع السرد القصصي. وكذلك تاريخنا الأسطوري، ملاحمنا، وقصص ملوكنا، وأبطالنا، وحكايات انتصاراتنا ومآسينا. الحكاية تسيطر على مخيلتنا الثقافية، من ملحمة كلكامش مرورا بألف ليلة وليل

ة حتى سابع أيام الخلق. ومن غير المفهوم ألا يكون لدينا في هذا العصر رواة كبار. ربما هنا، في هذه النقطة بالذات، يكمن أحد الأسرار التي مكنت الإعلام من السيطرة على تفكيرنا، ومشاعرنا، والتحكم بأولويات حياتنا واهتماماتنا على هذا النحو المدمر. إننا ببساطة نصدق بسذاجة كل ما نسمع ونشاهد، وننفعل به بكيفية تحملنا على الذهاب بالاتجاه الذي يريد  بلا أدنى مقاومة من وعي أو حصانة من تأن ونقد وتفكير، حتى لو أدى ذلك إلى إنقراضنا في بعض الحالات.                    

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| أ. د. محمد عبد الرحمن يونس : “التَّبَايُنُ في الشعر النسوي العربي المعاصر” كتاب نقدي جديد للكاتب جعفر كمال .

 قراءة : أ. د. محمد عبد الرحمن يونس نائب رئيس جامعة ابن رشد للشؤون العلمية …

| د. جبَّار ماجد البَهادليُّ : تَجلِّياتُ الأُسلُوبيَّةِ القِصَصِيَّةِ, وفَنيَّةُ التَّشعِيرِ السَّردِي دِراسةٌ نقديَّةٌ في مَجموعةِ(بِئْرُ بَرَهُوْت), لجَابِر مُحمَّد جَابِر .

مَدخلٌ إلى النَّصِّ القَصصِي        إنَّ من يُريد أنْ يُلقي بنفسه في غَياهبِ النَّصِّ القَصصي, …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *