| طالب عمران المعموري : آلية الاشتغال السردي في رواية” حبة خردل ” للروائي عامر حميو/مقاربة نقدية .

 

اعتمدت في قراءتي من خلال المنهج الوصفي التحليلي   والتعرف على آلية الاشتغال السردي في رواية (حبة خردل ) اقف ابتداءً عند عتبتات1 النص الروائي ، لوحة غلاف الكتاب عنوان آيقوني بصري في شكل صورة شريط سيميائي قائمة على الترميز والتدليل ينتهي الى امواج  بحر متلاطم تعبر عن حركة مشهديه درامية، فهي ليست صورة عابرة بعيدة عن مضمون الرواية عنوان خارجي يتربع فوق صفحة الغلاف الأمامي للكتاب، بتسمية بارزة خطاً وكتابةً وتلويناً ودلالة حرفية قائمة على التضمين و الإيحاء وهو حبة خردل ، ط1 دار انسان للنشر والتوزيع، 2019 ، يعلوه  عتبة المؤلف..

وبهذا يؤدي العنوان الخارجي إلى جانب العنوان البصري دلالات سيميائية 2، والإقبال عليه قراءة وإنتاجاً ، عنوان غير فاضح ، فوق عنوان الغلاف الخارجي مفردة (رواية) ما يسمى بالعنوان التعييني أو التجنيسي، والذي يحدد جنس العمل الأدبي.

تحتوي الرواية على تسعة وعشرين فصلا من غير عنونة مكتفيا بالتسلسل الرقمي  وتركها منسابة دون ان يعنون فصولها لكي تنسجم مع التيمة المطروحة ..

 

جاءت عنونة الرواية حبة خردل  جزء من الحكمة  التي وظفها الكاتب وقد كانت  الميتا سردية واضحة جلية في نص الرواية، حيث اعتمد  (الحكمة  الصينية  البحث عن حبة خردل في بيت لم يدخله الحزن مطلقا)  في سياق النص الروائي كما ورد في النص ص145

  • (كلنا جئنا نبحث عن حبة خردل في أرض لا تعرف الحزن ونحن لانعرف ، وأنا أولكم ، ان حبة الخردل تركناها هناك خلفنا)

 

مكان الرواية  في مدينة القاسم ناحية تابعة لمحافظة بابل تبعد 35كم جنوب مدينة الحلة ..

 استطاع الروائي ان يوظف الزمان والمكان بشكل متقن ، وتداخل الأزمنة والأمكنة

وثق  الكاتب حقبة زمنية عاشها الشعب العراقي، وهو يقاسي الأمرين

ما حدث في سنة 2003 وما بعدها من النهب وسلب  وفقدان الأمان ،

 النمط الزمني الخاص بالرواية باعتبار الزمن محور البنية الروائية ،هو عنصر مهم في بناء  السردي للرواية3 فهو ينظم عملية السرد من خلال توظيف تقنيات المفارقة السردية  كالقفز في الزمن سواء كان الى الامام كما في الاستشراف او الى الخلف  كما في الاسترجاع او التلاعب بالأزمنة  من تقديم وتأخير محققا وظائف تطويرية للحدث لخلق ما يسمى بالتأزم الدرامي يتجلى ذلك في ، الاسترجاع في الزمن لأب صابر وهو احد ابطال الرواية يسرد لنا حياته منذ السبعينيات مرورا  بالحرب العراقية الايرانية ثم فترة الحصار  

 (في السبعينيات  من القرن العشرين كان جابر شابا يقترب من عمر العشرين .. ترك الدراسة المتوسطة .. ليساعد والده  في لقمة العيش … ص 25

وكذلك الاسترجاع في الزمن  ص87

حيث يتحدث المقاول لابنه:( صمت قليلا ليجذب انتباه ولده وأكمل يقول:

قبل عام 2003 وكنت انت حينها صغيرا في العمر… كنت انا مجرد عامل بسيط في بلدية المدينة، وفي مهنة في نظر الناس لا يعمل بها غير المسحوقين ، ومن لا يجد لقمة يأكلها بيومه …)

وان بناء الشخصيات صيغ بإتقان تام في لغة سردية دقيقة ومتناغمة ، وكانت التيمة التي اختارها هي موضوعة الهجرة ، يحاول الكاتب أن يوصل رسالة تحذيرية  للمجتمع من ظاهرة تفشي الهجرة موظفا حكمة (البحث عن حبة خردل في بيت لم يدخله الحزن ) لان الحزن في هذه الدنيا هي سنة لا يخلو منها أي انسان

 وتدور أحداث الرواية في دائرة الواقع الاجتماعي الذي يعانيه مجموعة من الشباب كل واحد من شخوص الرواية وهم ابطالها يمثل شريحة من شرائح المجتمع  في  زمن الرواية عبر تقنية تعدد الاصوات، احداثا تهيمن على مشاعرنا ، عبر احداث واسعة وكبيرة، وانتقالاتها تتوغل في أعماق النفس

 

 

لوحات فنية سردية مفعمة بالحس المرهف ، الذي ينساب كنغمة ناي رفيع حزين ،حنين يتواصل مع السرد، ليهيئ المتلقي للأبحار مع فضاء الأحداث ، تناغي مشاعرنا ، فتندى العيون بدموع الأسى والحزن ، على أناس رحلوا

وان الروائي يخلق من السارد الضمني الذي قد تكون هي ذاته، طائرا يحلق فينا ، لنرى شخوصا أتعبتهم حياة البلد..

تناول الروائي أساليب متعددة ، بالإضافة الى انه تناول طرقا من  الاختزال في أسلوب كتابتها، والرموز والدلالات الكبيرة التي تشير الى تاريخ طويل من الحروب، مثل حرب الثماني سنوات والحرب الطائفية ، تعد هذه الرواية أحد الانماط السردية الدستوبية  تنقل لنا الواقع المأساوي والخراب الناجم بسبب الحروب والطائفية والفساد الاداري والمالي

والروائي طرح اسلوبا جديدا في ايقاع داخلي، ونقل لنا ويلات الحرب ودمارها، وان الروائي يخلق من السارد الضمني الذي قد تكون هي ذاته، طائرا يحلق فينا ، لنرى شخوصا أتعبتهم حياة البلد، الاربعة ( صابر ، طاهر ، ابن المقاول ، اسعد ) ص107

((الحيرة والضياع اللذان انتابا الاصدقاء لم يحسوا فيها في العراق فقد كانت تركبهم في ارض الوطن هواجس حب المغامرة  وركوب موجة الهجرة …

راح بعضهم يفكر فيما تخبأ له من مفاجئات  تلك الرحلة التي فكروا بما سيجنونه فيها من مكاسب راحة بال تبعدهم عن اخبار تحكي عن تفجيرات هنا وهناك ، وشبهات فساد مالي  يفضح فيها هذا البرلماني ذاك الوزير ومقاهي تعج بعشرات العاطلين عن العمل ، فيهم من يندب حظه العاثر ، وفيهم من يتأسف على سنوات الدراسة وجهد سهر المطالعة الذي اكل نصف عمره دون فائدة ..

كان الاصدقاء مأخوذين بحلم الحياة الجميلة في أوربا ، بمراقصها بعشرات بارات الخمر المنتشرة في كل مدينة دون حياء لمن يرغب فيها …)

يستعرض الروائي خبرته في هذا المجال ليصنع لنا نصا سرديا مبهرا ظاهرها يساير اللطافة وقد تعني قصدا مغايرا، وان أحداث الرواية تدور بين السخرية والنقد الواقعي والغرابة

ايقاع داخلي مليء بالشجون والأحاسيس، يوظف قدراته الابداعية في رواية  استخدم فيها  التناص والموروث والصور الايحائية والرموز والشخصيات  والدلالات التي طغت على واقع الحدث الروائي ( الالهة السومرية/ آنكي/ ننماخ/ الأنانوكي/ نمو/ طارق بن زياد / نابليون /صلاح الدين الايوبي/ القسطنطينية /

أجد اني   أمام حس  روائي واضح، البناء ، التيمة، فضاء الرواية ، ، السرد والانتقالات ، أمام عمل روائي ، شذب واختزل، وحذف منه ما يعيق التركيبة البنائية للمبنى السردي، وذلك  لكي  توضح الغاية المتوخاة ، في استخدام اللغة السردية

استخدم الكاتب  اللهجة الدارجة لرسم معالم الشخصية وتقوية بناء متن النص ،  ويرى مؤلف الكتاب ان النص السرد ي المفتوح، خطوة تجريبية  جديدة، سوف يكون لها شأن كبير في مجال الكتابة الابداعية…

(تعالوا خلونا نروح على جنب ونحكي براحتنا)/( أمش.. العن ابوك لا ابو القسمة )/ كليجة حلاوية) (هي شنو)…

بنى المؤلف روايته سرديا على عاملين، أولهما الوصف في أكثر الأحوال، ثم الحوار الذي كان فعالا قويا ،فصول تحكي معاناة شخوص الرواية كل على حدة وأسباب  هجرته  ومعاناتهم الاسرية  والاجتماعية

استطاع المؤلف أن ينسج ببراعة لقاء الشخصيات في الرواية، فلا تشعر معه أن شيئا متكلفا تمت صياغته من أجل الحبكة الروائية

قد استخدم عامر حميو  في كتابة الرواية استخداما ناجحا يدل على فهمه لدور الحوار في العمل السردي ، كما أن الحوار في هذه الرواية جاء في صورتين، أولاهما الحوار بين الشخصيات، وقد كان بدوره كافيا لفهم أبعاد صورة الشخصيات، وحدود أفكارها وسلوكها، ثم النوع الثاني الذي كان حوارا ذاتيا بين الشخصية وذاتها، من خلال التساؤل، أو التردد، أو اللوم والعتاب، وهو حوار داخلي أسهم بدوره أيضا في فهم أعمق للشخصيات.

(في الغبش الندي لمدينة استانبول جلس الاربعة محمري العيون، ومن اثر السهر اطرافهم ترتجف من البرد رغم ان خيوط أشعة الشمس كانت تغطيهم كلما ارتفع قرصها عاليا ، اراد صبار أن يقترح  عليهم  الافطار بأحد الكافتريات ، لكن سائق سيارة أجرة توقفت قربهم وفتح سائقها زجاج النافذة من جهتهم وصاح بهم:

  • الاخوة من العرب؟

انبرى له طاهر يرد بمرحه الذي لم يفارقه رغم ما يحس به من برد  ونعاس:

  • نعم … نحن من العراق ، اجدانا سومريون وأهلنا بابليون أقحاح. ص115

 

وتنوعت الأساليب ، بين الفنتازيا والسخرية المؤلمة والنكتة السياسية كما في  الحكاية على لسان طاهر يقول:

(اذن اسمع هذه الحكاية: يقال ان( صكبان) الزوج اختلف على اسم طفله الذي ستلده زوجته (شنينه) وكانت هي تقترح اسما وهو يرفضه، حتى تعبوا من عنادهما ، فاقترحا ان يفتحا الراديو واول اسم يرد فيه يأخذون به: باسم الشعب … فاغلقا الراديو وسميا ابنهما  الشعب بعد ان ولد لها ويوم حملت زوجته ثانية وأنجبت طفلة أعجبتهما الفكرة وأرادا ان يطبقاها مرة اخرى ، وهكذا فتحا الراديو وكان المذيع يقرأ مناشدة من السلطات تقول بدايتها : والحكومة تناشدكم .. وما كان  صكبان وشنينه الا ان أغلقا الراديو واطلقا على ابنتهما اسم (الحكومة ) وذات يوم أرادت شنينه ان تقضي مشوار خارج البيت فتركت ابها (الشعب )وابنتها (الحكومة) يلعبان  قرب زوجها صكبان ، ولما عادت لم تجدهما كما تركتهما ، فسألت عنهما زوجها فرد هذا يقول: الشعب نائم والكومة تلعب بالبيت)

المتلقي يطوف مع الرواية في سياحة ممتعة  وفق مستويات التلقي والتي سيجد فيها القارئ المفتوح  نصا مفتوحا خارج حدود افق التوقعات من خلال المسافة الجمالية التي وظفها الكاتب  حيث لا تنطبق توقعاته  مع افق النص فيحصل التأثير الجمالي لدى المتلقي .

 

المصادر

  • عبد الحق بالعابد/ عتبات جيرار جينت من النص الى المناص. الدار العربية للعلوم ناشرون، الجزائر ،2008.
  • سيميائية العنوان/ رسالة ماجستير، ليندة جنادي، جامعة جيلاني، كلية الآداب، قسم اللغة والادب العربي،2015.
  • البنية السردية في الرواية السعودية ، رسالة دكتوراه نوره بنت محمد بن ناصر المرّي، جامعة ام القرى ، كلية اللغة العربية ، قسم الدراسات العليا ، 2008.
تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| زياد جيوسي : الضياع والبقاء في “ظل منحن على مقعد الشمس” .

   حين حط في بريدي كتابين للكاتبة والشاعرة الأستاذة الدكتورة والباحثة جليلة الخليع من المغرب العربي، …

| هاتف بشبوش : لؤي عمران ، صوتانِ ، في السياسةِ ، وآخرٌ في الوجدان ..جزء ثانٍ .

  القرار الأخير ( القرارالصعب ) : القاص لؤي كان ذكيا في وصف التضحية والفداء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *