| مهدي شاكر العبيدي : هل يُعَد الناقد الأدبي أديباً فاشلاً ؟.

 

من قبيل الغرابة أن يتماثل الاثنان و هما الروائي الروسي تولستوي و صنوه المصري توفيق الحكيم الذي ذاع صيته بعد غياب الأول بسنين ، في نظرتهما إلى النقاد ، و يتفقان في الحد من دالتهم على الأدب و الفكر و الخيال ، فعندهما أن العمل الفني بعد أن يفرغ منتجه منه على أي وجه و شكلٍ يوافقان ذوقه هو غير محوجٍ إلى مهمة الشرح و التفسير و التفصيل في مكوناته ، بل هو قائمٌ بذاته و في غنىً عن أيما توضيح أو إضافةٍ أو تبيان سمات و عناصر و خصائص ، إن لم يبالغ تولستوي في السخرية من النقاد إلى حدٍ يلفيهم أنهم أقل الناس تأثراً بالفن رغم ما يبدو في هذا القول من غرابةٍ ، كما لا يقيم أديبنا العربي أي إعتبار لمقاييسهم و ما يتفننون في ابتداعه من مسميات و مصطلحات و رموز ، يحاولون عبثاً تحريها و الامساك بشياتٍ منها للأعمال الأدبية و الفنية ، غير أنه يميل لبعض الاستدراك ، فعنده “أن من أراد أن يفهم فناناً وجب عليه أن يضع نفسه مكانه و يحس إحساسه و يعرف لون حياته و نشأته و ماضيه و عراكه و جهاده و ميوله و نزعاته”.

و إذ أعرض لرأي الأديبين الأريبين بشأن النقاد ، فلا أبغي تجاوزه و أتطرف في القول بأنهم في عمومهم أدباء فاشلون ، فطالما تولوا عن تحبير نصوص أدبية راقية و هم في غمرة مراسهم لعملية النقد من وراء تفرسهم في الصنيعة الأدبية و إكتناه السر الإبداعي في توفق ناسجيها لحبكها على وفق شاكلةٍ مستوفيةٍ للجمال ، و كثيراً ما يعد دارسو الأدب العربي القديم لقيات النقاد الأوائل أمثال الآمدي و الجرجاني وابن رشيق و غيرهم ، و ينظرون لها مثل نصوص أدبية تقرأ لذاتها.

 

غير أنني أرغب رغبةً خالصة في تعرية ما ساد حياتنا الأدبية طوال ما يقارب عشرة عقود متصرمة بما اكتنفها من قرف تشمئز منه النفوس لما غلب عليها من انحيازٍ و ميل لجانب مَن لا يستحق ما خبرناه من ذينك الإنباه و الإعظام غير المسامتين لما جُبل عليه من موهبة و قابلية ، بينا يثاب غيره من الأدباء الحقيقيين بالكنود و التجاهل ، إن لم نقل بأنه إنتواء مقصود لتعفيته و غصب حقه المشروع في الذيوع.

 

و ما تفشى أمر ذلك لولا أن أناساً ادعوا زمناً مراسهم للنقد الأدبي بالاستناد إلى ألفاظٍ تتكرر بعينها في كل أكتوبة يتولون عنها ، فإذا نقدوا قصةً قصيرةً مثلاً قالوا إن بطلها مُحبط و منكسر و لا قبل له بمواجهة الصعاب ، و أن كاتبها تدخل في رسم نهايتها ، فانتفت منها العفوية و غادرها عامل الاسترسال و ما يسح به البيان من الاشراق و التفاؤل. و لا أدري بعد كيف لم يفقهوا هذه الحقيقة البسيطة عن استحالة تلاقي الأفراد المنخذلين و الشخوص المنكسرين مع البطولة على صعيد ، و مع هذه الحالة الشائهة فقد داخل نفوسهم الزهو و الاغترار و تكشفوا في المنتديات و المحافل عند مثولهم فيها عن قدر فائقٍ من الكبر و التعالي. و من هنا قيل خيرٌ لك أن تتعرف على أصحاب مهنة القلم من خلال ما يكتبون ، لا أن تدنو منهم و تتفرس بوجوههم و تستقصي طباعهم و أميالهم.

 

هذا و قد تفنن بعض النقاد المعروفين في الوطن العربي في التدليل على مراسهم للكتابة الانشائية دفعاً لاتهامهم بالعجز عنها ، و صوناً لذواتهم من رميهم بالنكوص عن الابداع و إسلاف الأثر الذي يَجُب عنهم أي إيذاء و تحرش ، فصوّر لويس عوض أطواراً من تجربته في العمل السياسي من خلال عمل روائي ، و تلمّس علي جواد الطاهر فواتاً في آثار المؤلفين و المحققين ، مما سهوا عنه أو لم يعثروا به و عليه لسبب يعود لقلة تحصيلهم و استرفادهم من المعرفة ، و ذي كتابات أدنى لتاريخ الأدب و أبعد عن النقد.

 

منيتي أن تزهر الآداب و الأخلاق في حياتنا الأدبية ، و أن يلتمع من بين أرباب مهنة القلم صيت الأدباء و النقاد الحقيقيين الذين أتى على مواصفاتهم توفيق الحكيم بحسب ما أوجزناها في استهلالة مقالتنا التي لا نتمنن على القارئ أننا انقطعنا لكتابتها بمحض الإقبال و الرغبة بعد تدارس لكل ما يمت لها بصلة غير مبتغين تفكيهه بما رامه الكاتب المصري إبراهيم عبد القادر المازني رحمه الله ، من تشبيهه لنفسه و كلِ كاتب غيره بخزان يمتلئ بالماء و متى ما طفح فلا بد من أن يفيض ، و المتفايض هذا ليس غير مجتناه من القراءات الموصولة لعيون الكتب و الدوريات.

 

أوستن / تكساس

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فراس حج محمد : الزمكانيّة المصاحبة للنصوص الأدبيّة وأثرها في توجيه النصّ.

ماذا يستفيد الدارس من تثبيت الشاعر أو الروائي لزمان كتابة النصّ ومكانها؟ سؤال طرحته كثيراً، …

| د. فاضل حسن شريف : النقد في القرآن الكريم .

لا توجد كلمة بحروفها او مشتقاتها في القرآن الكريم تشير الى النقد. ولكن من تعريف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *