ناطق خلوصي : عشاق الشمس (4)

– لم احضر الى هنا لهذا الغرض.
– ما الذي تريده اذا؟!
– ان تقولي ما عندك!
– لقد قلت ما عندي.
بدأ بصري يتصفح اوراق الملف تصفحاً سريعاً:
– بل لم تذكري شيئاً ذا قيمة حتى الآن. كل ما جاء على لسانك انك اعترفت بانك مسؤولة الخط الثاني في التنظيم.
– الا يكفي هذا لإدانتي؟
– لا يكفي بالطبع.
-ما الذي يكفي اذا ً؟!
-ان تكشفي عن التسلسل الهرمي وتفرعات الخط الثاني وصولاً الى الخط الأول. نريد الاسماء.. الاسماء. هل تفهمين ما اعني؟
– اقتلني اذا ً!
يا لها من عنيدة! لم ادع سلاحا من اسلحتي لم اجربه معها في محاولة مني لترويضها، لكنها تظل نمرة عصية على الترويض. لقد اصرت على ان تعتصم بحبل الصمت، فقلت في نفسي أخيراً: (ان اخر الدواء الكي) وانا اعرف ما اقصده بالكي. كان عصب نابض يتوتر في داخلي وانا في مواجهة هذا الجسد الشهي، ولكن يا لها من عنيدة: يرن في اذني الآن صدى صراخها وهي تقاوم بيديها ورجليها، بأسنانها بنظراتها المرتعبة، وبكل نبضة قلب فيها. كانت تظن وهي تصرخ، ان احداً ما سوف يهب لنجدتها من دون ان تدري بأن صراخها سيموت عند قشرة الجدران الكاتمة. وحتى لو ان احداً ما سمع ذلك الصراخ فلن يحرك ساكناً، فالصراخ من الطقوس اليومية المألوفة في هذا المكان. استرجع الآن كيف كممت فمها اولاً واجهدت نفسي حتى استطعت ان اوثق يديها وراء ظهرها، لكنها لم تستسلم. ظلت تقاتل برجليها وكادت تفري احشائي برفسة منها. غير انني تمكنت منها اخيراً. اعترف بأن وجه هالة تراءى لي في تلك اللحظة فأغمضت عيني غير ان وجهها ظل يلاحقني حتى وانا مغمض العينين. انها مثلها تماماً، تشابهها سناً وشباباً وحيوية وعنفواناً. لكن ما يمايز بينهما ان هالة ابنتي وهي تنعم في بيت ابيها هانئة. اما عبلة منصور فهي اسيرتي، بل استطيع القول انها سبيّتي انتزعتها من بين اهل لايعرفون ما الذي حل بها او انها اسيرة جسدي الآن.
لقد ظننت انني استطعت ان اهين كبرياءها وامسخ اعتدادها بنفسها، وانني سأجعلها بفعلتي التي انتهيت منها قبل قليل، تلين وتبوح بكل شيء. لكنني حين فككت وثاقها، كان اول ما فعلته ان بصقت بوجهي فصفعتها بيد ومسحت بصاقها بيد في حركة متوترة متزامنة.
حاولت ان امحو هذا المشهد من ذهني، وها انني اقترب منها الآن واجلس على حافة السرير واحدثها بلطف لعلي استطيع ان اكسب ودها لتبوح لي بما تعرف بمحض ارادتها. قلت لها:
– اسمعي يا عبلة، لقد اصبحت هذه القضية قضية مصير بالنسبة لي. انني اشعر ان مصيري مرتبط بها ولن اتخلى عنها مهما كلفني الامر.. ضعي هذا في اعتبارك وساعديني كي استطيع مساعدتك.
– وكيف تستطيع ان تساعدني بعد ما ارتكبته بحقي.. اليست لك بنت؟
– اثنتان والحمد لله.
– هل ترضى ان يفعل بهما احد ما فعلته بي؟!
اسقط في يدي اللحظة. قلت بلسان يتعثر داخل فمي:
– كل خطأ يمكن تصحيحه.
– إلاّ الاخطاء التي من النوع الذي ارتكبته. انها مثل الماء يستحيل جمعه بعد سكبه على الارض.
قلت بصوت خفيض وقد شعرت كأن شيئا ما يرتعش في داخلي:
– حتى هذا الخطأ يمكن تصحيحه، بل انني افكر بتصحيحه فعلا!
اراها تشيح بوجهها عني واسمعها تقول:
– لا تتعب نفسك. قلت لك لم يعد ثمة ما اخاف عليه او منه بعد الآن. لقد اصبح الموت هيناً عليّ وانا على استعداد لاستقباله. مرحبا به لوجاء اللحظة.
يا لها من عنيدة! نظرت الى ساعتي فوجدت ان الظهيرة تقترب. لانهض اذاً.
نهضت وانا اغلي غضبا وقلت لها حين صرت قريباً من الباب:
– استعدي.. سوف ننقلك الى مكان آخر.
هتفت مندهشة وساخرة معًا:
– مكان آخر؟ منذ ايام وانتم تقومون بنقلي من مكان الى آخر مثلما تفعل القطة التي تنقل فراخها الصغار من مكان الى آخر.
واردفت وهي لا تزال تختفظ بنبرة السخرية في صوتها:
– لعلكم تريدون ان تجعلوا مني سفيرة متجولة!
ابتلعت طعم سخريتها المر، وغمغمت مع نفسي: (سفيرة الى جهنم). وحين اوشكت ان ارد ظلفة الباب، سمعت صوتها يرن على نحو مباغت:
– اسمع يا نسيم الكهلاني!
مددت رأسي من فرجة الباب اذ ظننت انها تراجعت من موقفها ولانت، لكن صوتها صفع سمعي:
– ستدفع الثمن غاليا في يوم من الايام!
فصفقت الباب بعنف.
* * *
سيناريو متقن يشي ببراعة واضعه!
وصل البيت بعيد الظهر بقليل، تماماً مثلما كان يفعل في مثل هذا اليوم من كل اسبوع، وكان شمل الاسرة ملتماً، حتى غادة كانت موجودة على الرغم من انها كانت قد قالت بأن محاضرتها تبدأ بعد الظهر. اي عذر افتعلت، لا يدري. كان عمه عند وعده في ان يكون حاضراًً. كيف لايكون حاضراً وهو واضع السيناريو ومخرجه البارع في آنٍ واحد؟
انتهى الجميع من تناول الغداء، وشعر كأن الابصار تتلصص النظر اليه من دون سبب واضح. لا احد سوى عمه يعرف بما سيحدث. حاول ان يزيل عن وجهه كل أثر يمكن ان يشي بأنه في مزاج متعكر.
انتظر الى ان اجتمع شمل الأسرة في الصالة لتناول الشاي. كان عمه يحرك الملعقة في كوبه وينظر اليه من طرف خفي وكأنه يخشى ان يخلف الوعد الذي كان قد قطعه على نفسه امامه لكنه توقف فجأة حين سمعه يقول:
– أريد ان اقول شيئاً يا عمي.
اشرأبت الابصار نحوه ونظر عمه اليه متسائلاً كما لو انه بوغت بما يسمع:
– قل يا ابن اخي.
انتزع كلماته من جوفه على مضض:
– لقد استجد، وانا في سنتي الجامعية الأخيرة، ما يستلزم غيابي كثيراً عن البيت.
قال عمه وهو يضع الكوب جانباً:
– وماذا في ذلك؟ يمكنك ان تعود في اي وقت تشاء، فمفتاح البيت معك.
– لكنني قد اعود في وقت متأخر جداً، بل قد ابيت في الخارج ايضاً.
– وما الذي يدعو الى ذلك؟
– ثمة ما يستلزم ان التقي زملائي حتى في الليل: ندرس ونبحث ونتابع.
بدر من عمه ما يوحي بأنه لم يكن يشعر بالارتياح مما يسمع. لكنه يعرف في قرارة نفسه انه كان يؤدي دوراً تمثيلياً. لقد اكتشف جانباً آخر خفياً من جوانب شخصية عمه الخفية. يا لنسيم الكهلاني من ممثل بارع!
حدجه عمه بنظرة غامضة وهو يقول:
– وماذا تقصد من وراء هذا القول؟
– سأترك البيت!
وكأنه فجّر قنبلة موقوتة حقاً في تلك اللحظة. بوغتت زوجة عمه وارتدّ رأس هالة الى الوراء وقد هرب الدم من وجهها، لكن وجه غادة ظل محايداً. اما وجه عمه فهو الذي اكفهّر. نهض في حركة مسرحية واقترب منه وصاح:
– هذا محال!
قال وهو يحاول ان يكظم غيظه على رياء عمه:
– كلا يا عمي. ليس محالاً.
وقال في نفسه: (ولكنها رغبتك يا نسيم الكهلاني) تراجع عمه وهبط بجسده على مقعده وبدأ يفرك يداً بيد لكأنه يريد ان يفصح عن حيرته وارتباكه. وفجأة قفز سؤال من بين شفتيه:
– هل يعني هذا انك ضجرت من رفقتنا؟
– ايداً يا عمي. فما وجدته هنا لا اجده حتى في بيت ابي!
– لماذا تريد ان تهجرنا اذا ً؟
– قلت لك يا عمي ان ظرفاً استجد واستلزم ذلك.
كانت هالة تتابع ببصر قلق تواتر الحديث الدائر بينه وبين ابيها ولعلها كانت تستحسن تشبث ابيها به، وربما انتبه عمه الى ذلك فقد احتد صوته وارتفع:
– انك تريد ان تتخلى عني وانا في أمسّ الحاجة اليك. ايرضيك ان تترك ابنتي عمك وامهما لوحدهن؟
وافلت شتيمة من بين شفتيه ضحك هو في سره حين سمعها، فقد قفز الى ذهنه ما كان قد قاله له وهما في السيارة في طريق عودتهما من المزرعة امس: (اذا سمعتني اشتمك فلا تغضب).
ساد سكون عميق وجثم الصمت على الشفاه لحظات بدت طويلة، لكأن عمه شعر بأن ذلك الصمت طال اكثر مما ينبغي فهشمه بصوته:
– واين ستسكن؟
– مع زملائي في دار للطلبة.
كتم ضحكة ساخرة كانت تلح عليه وهو يرى عمه قد امسك رأسه بيده وبدا وجهه كئيباً، متقلصاً . وجه ممثل حقاً، سمعه يهمهم:
– تساكن الطلبة وبيتي موجود.. ماذا سأقول لابيك؟
وتظاهر بانه مازال متشبثاً به:
– هذا لا يمكن يا سامي. انك تضعني في زاوية حرجة وتشعرني بانني قصّرت بحقك.
– ابداً يا عمي. ارجو ان لا يذهب بك الظن الى ذلك.
نهض عمه وصار يذرع الصالة عاقداً يديه وراء ظهره. سمعه يقول وكأنه يحاول ان يهدده:
-لقد كنت امنّي النفس في ان يتم زواجكما انت وهالة في بيتي!
اشرق وجه هالة بنور الأمل، لكن ما قاله عمه اجفله هو. قال وكأنه يوجه تهديداً مبطناً لعمه:
– ما هذا الذي تقوله يا عمي؟ هل تعني انني لن اتزوج من هالة؟ اذا كان الامر كذلك فانني ساضحي بدراستي في الكلية.
تراجع عمه على عجل:
– لا اعني ذلك.. لا اعني. انها من نصيبك يا سامي ولا اريد ان اسمع  منك كلاماً مثل هذا بعد الآن.
صمت لحظة واردف يقول:
– كيف تقول بانك سوف تضحي بدراستك ولم يبق امامك سوى بضعة اشهر. لك ما شئت يا ابن اخي. لن اقف في طريق رغبتك.
تابع وقع ما قاله عمه على الوجوه الثلاثة. وجه غادة مازال محايداً، وجه هالة محتقن وفي عينيها خيطا دمع يكادان ينفلتان، وطيف ابتسامة غامضة حار في تفسيرها على وجه زوجة عمه، هل شعرت بان كابوساً ثقيلاً سينزاح عن صدرها؟
رن صوت عمه من جديد:
– ومتى تنوي مغادرتنا؟
– هذا اليوم يا عمي بل سأصعد الآن لأتهيأ. ان زملائي في انتظاري.
قال عمه بصوت خافت:
– حسنا ، اذا كان الامر كذلك فسآخذك بالسيارة لكي اتعرف على موقع سكنك الجديد في الأقل.
كانت هالة تصغي وقد تلبّس الوجوم وجهها وحين رأته ينهض ليصعد الى غرفته، نهضت وركضت الى غرفتها متعثرة وهي تجهش بالبكاء.
لبث واقفاً هنيهة وقال بصوت تعمد ان يصلها وكأنه يخاطبها به هي لوحدها:
– لن انقطع عن زيارة هذا البيت!
سمعه عمه الذي كان غائباً في غرفته فجاء صوته وهو يرتقي السلم:
– بالتأكيد.. بالتأكيد..
لاذت زوجة عمه بالصمت. ما يبدو على وجهها من حزن كاذب لا يفصح عن حقيقة ما يصطخب في رأسها . منذ امس وهي تصغي، تراقب، تجمع التفاصيل الصغيرة في ذهنها وتحاول ان تربط بعضها بالبعض الاخر. لقد حدست ان هناك سراً يلتوي في ممرات ضيقة هنا، وها ان الحدث يبلغ ذورته. انها لم تلتقط بعد طرف الخيط الذي يوصلها الى هذا السر، لكن ثمة شعوراً بالغبطة يسري في اعماقها. منذ ذلك الصباح النحس وهي تشعر كأن طوقاً يثقل عنقها او كأن راس مدية يخز روحها. هل حقاً سينزاح هذا الكابوس عن صدرها؟
حين رأت، وهي تقف وراء نافذة المطبخ، السيارة وهي تجتاز بهما الباب الرئيس، زفرت بعمق تباريح هم ثقيل وتنفست الصعداء.
* * *
شعرتُ، وسيارة عمي تبتعد عن مملكتي، كأن يداً آثمة تنتزعني من فردوس حياتي لتقذف بي الى مفازة الجحيم!
صارت السيارة تجتاز شوارع وضواحي بعد ان عبرت الجسر وكان عمي قد قال بصوت خافت حين بدأنا نبتعد وكأنه كان يخشى ان يسمعه احد وإن حاول ان يخفي تلك الخشية وراء ضحكة مصطنعة:
– لقد اجدت اداء الدور يا سامي!
لا ادري كيف انفلتت الكلمات من بين شفتيّ تلك اللحظة:
– انني تلميذك يا عمي!
قذفني بنظرة عتاب، لكنه تغاضى على مضض عن ان يؤنبني. مالبث ان اوقف السيارة ونزل من دون ان يقول شيئاً، حملت نسمة من هواء آخر النهار رائحة شواء الى انفي، فلسعني قلبي فقد عادت بي الذاكرة الى يوم امس، وها ان المزرعة امام عيني ورائحة الشواء في انفي ونثيت الحزن في قلبي. في هذه السيارة اللعينة، وعلى هذا المقعد الوثير، افترع سمعي صوت عمي وهو يملي علي تفاصيل خطته التي انتهى فصلها الاول ولا ادري ما ينتظرني بعد ذلك.
غاب عمي بعض الوقت وعاد بعد ذلك، يتدلى كيس من يده. قال وقد جلس وراء المقود وادار مفتاح التشغيل:
– هنا مطعم يبيع شواءً ممتازاً اشتريت لك عشاءك!
وضحك، وخيل اليّ وانا اسمع ذلك تلك اللحظة كانني محمول الآن الى قفرٍ ناءٍ لا تشم فيه رائحة الحياة.
اجتازت السيارة ارضاً خالية من اي بناء احسست وهي تجتازها كانها تجتاز بي صحراء الربع الخالي وما لبثت ان صارت على تخوم ضاحية عبرتها وبدأت تتوغل في احشائها: ضاحية هادئة مسكونة بالعزلة، بشوارع رحبة وبيوت فارهة متناثرة يشعشع فيها الضوء ولكن لا تشم فيها رائحة بشر. وسوى هذا الضوء المشعشع ليس ثمة ما يشي بانها على صلة بالعالم الذي خارجها . خيّل اليّ ان السيارة تتوغل في مقبرة مترامية الاطراف وان هذه الابنية التي تلوح لي عبر زجاج نوافذ السيارة انما هي قباب مقامة على قبور، وان هذا السكون الذي يمزقه ازيز محرك السيارة وصوت احتكاك عجلاتها بالاسفلت إن هو الا سكون الاموات.
سمعت عمي يغمغم وكأنه يحدث نفسه:
– واخيراً وصلنا!
اوقف السيارة وقال متودداً:
– هذا هو سكنك الجديد!
بيت جديد، انيق يسترخي وراء حديقة متخمة بخضرة بدت لي موحشة معها وشممت وانا اجتاز الممر الواسع، رائحة غامضة لم اشمها من قبل وكان الاحساس بالغربة قد تملكني مع اول خطوة وضعتها وراء الباب الحديدي.
ادار عمي مفتاح الباب الخشبي ودفع الظلفة وضغط على زر النور فتعرّت امامنا صالة واسعة كاشفة عن مفاتنها مثلما تفعل امرأة لعوب تحاول ان تغري رجلاً تسعى لإيقاعه في شباكها.
انها مصيدة على ما يبدو. هل ان كل هذا الترف من اجلي يا عمي؟
ضغط على زر التلفزيون واسترخى على اريكة وثيرة واشار اليّ ان اجلس الى جواره ففعلت وبصري لا يزال يدور دوراناً حائراً في ارجاء المكان. قال وكأنه ادرك حجم الحيرة التي تتملكني:
– اعرف انك تشعر بالوحشة الآن، ولكنك سرعان ما ستتآلف مع المكان. لن تكون في حاجة الى شيء هنا. ان كل ما تحتاج اليه في متناول يدك. واعرفك شجاعاً لاتخشى من المبيت لوحدك، ومع ذلك ارجو ان تطمئن فالمكان تحت حمايتنا… اعني ان هناك حراسا ليليين.
وكدت انفث تباريح الأسى النائم في صدري واقول (واين اجد هالة في هذا البيت؟) وكأنه قرأ ما يمور في رأسي فقد قال:
– ثم انك لن تنقطع عن زيارة بيتك هناك. ستظل غرفتك فيه على حالها ولن تمتد اليها يد.
وامسك بيدي ونهض فنهضت. قال وهو يسير بي صوب سلّم في الطرف القصي من الصالة:
– ستكون غرفتك في الطابق الثاني. سنذهب لنراها.
غرفة رحبة لكأن عمي حرص على ان يوفر لي جواً مماثلاً لذلك الذي كنت اعيش في ظله في مملكتي التي اشعر كأنها صارت نائية: سرير وثير، خزانة ملابس، منضدة كتابة، كرسي.. قطع اثاث بدت لي كأنها نسخ مكررة من قطع اثاث مملكتي، ولو لم اكن قد رأيت قطع الاثاث تلك وهي مستقرة في مكانها قبل ان اغادر مملكتي، لساورني الشك بان عمي نقل قطع اثاث مملكتي تلك وجاء بها الى هذه الغرفة. ولكن اين اجد هالة هنا يا الهي؟!.
رآني اجول ببصر تائه في ارجاء الغرفة. قال وهو يلامس خدي بأطراف اصابعه:
– كما ترى انها لاتختلف عن غرفتك تلك!
كيف لاتختلف يا عمي؟ وهالة؟ الا يشكّل غيابها عن هذا المكان سبباً خطيراً للاختلاف؟
هززت رأسي بايماءة لم اكن اريد ان افصح بها عن قناعة غير مكتملة في الداخل. رأيته يزيح ستارة عن نافذة واسعة وهو يقول ضاحكا:
– وهذه نافذة تطل منها على الفضاء الرحب الذي يستحم بضوء الشمس التي تحبها!
رددت على عجل:
– مثلما يستحم بالعتمة كما يحدث الان!
لم يعقب بشيء وتمرد في داخلي احساس بان استفزه. قلت:
– الا تحب الشمس يا عمي؟
رد وهو يحدّق في الظلام الكامن وراء النافذة:
– ليس تماماً يا سامي. ان شرر نارها يؤذي عيني، وابرها اللاسعة تثقب قحف رأسي.
ازداد الاحساس الاستفزازي تمرداً في داخلي:
– اذا فأنت تحب الظلام يا عمي!
حدجني بنظرة عتاب وهو يسحب الستارة ليغطي النافذة ويخبئ الظلام وراءها:
– ليس تماماً ايضاً.
– لا افهم ما تعني يا عمي. لاحياد بين النقيضين: الضوء والظلام.
وعجبت من نفسي كيف تتوفر لي هذه الجرأة التي تجعلني اتمادى حين وجدته صامتاً:
– ليس ثمة من ثالث بين الليل والنهار.
رأيته كأنه يريد ان يلتهمني بنظراته، ثم ما لبث ان نشر على وجهه ابتسامة ماكرة كما لو انه يريد ان يعوض بها عن صفعة على خدي:
– لكأنك تستعير افكارها ايها اللعين!
– افكار من يا عمي؟
– ألا تدري افكار من؟ افكار هالة ايها المشاغب.
وقهقه عالياً وكأنه يريد ان ينفس عن حقد مكبوت. قلت وانا ازداد جرأة:
– وهل ثمة ما يثير استغرابك يا عمي؟ انها جزء مكمل لي وانا جزء مكمل لها وكلانا ننهل من رافد واحد.
شحب وجهه قليلاً وبدا ممتعضاً وهو يكز على اسنانه، ثم تساءل مستنكراً:
– اي رافد تعني؟!
رددت على عجل محكوماً برغبة مباغتة في ان اكبح جماح الاحساس الاستفزازي الذي تمرد في داخلي:
– رافد آل الكهلاني يا عمي!
ارتسم وقع كلماتي على وجهه تهليلة واضحة. قلت وانا اقسر على وجهي ابتسامة صغيرة محاولا ان استدرجه بها واحيّد شعوره نحوي في الوقت نفسه:
– لماذا سميت ابنتك البكر (هالة) وهذا الاسم على ارتباط مباشر بالشمس مادمت لا تحب الشمس يا عمي؟
رد وكأن سؤالي افحمه:
– كانت هذه رغبة امها. ثم لاتنس ان ذلك كان منذ ما يقارب من خمس وعشرين سنة ولابد لأفكار المرء ان تخضع لكثير من التحولات احياناً في زمن مثل هذا.
صمت هنيهة وما لبث ان قال:
– على اية حال دعنا من هذا الحديث الآن!
جلس على الكرسي واشار اليّ ان اجلس على السرير ففعلت. وحين استقر بنا المقام، رأيته يمد يده الى جيبه ليخرج مفتاحاً ناولني اياه وهو يقول:
– هذه نسخة من مفتاح البيت.
التقطت المفتاح وضممت عليه يدا ندية بالعرق. وتلك اللحظة تذكرت انني ما زلت احتفظ بنسخة من مفتاح بيته الذي يستقر فيه عرش مملكتي الاثيرة. مددت يداً مرتبكة واستللت المفتاح الذي كان يستقر متشبثاً بقعر الجيب. مددت اصابع مرتعشة بالمفتاح اليه، وغادرت الكلمات حنجرتي عنوة:
– وهذه هي نسخة مفتاح بيتنا هناك!
ترك يدي ممدودة بالمفتاح وظل ينظر الى وجهي لكأنه يريد ان يقرأ ما يعتمل في داخلي وظننت انه سوق يمتنع عن تناول المفتاح لكي لا يشعرني بأنه يريد ان يقطع آخر شعرة بيني وبين مملكتي. لكنني احسست كأنه ينتزع جزءاً مني حين تناوله ووضعه في جيبه وهو يقول:
– هذا لايعني انك ستجد الباب مغلقاً في وجهك هناك.
ضغطت بأصابعي على نسخة المفتاح الجديد حتى تبلل بالعرق وقد انتابتني حالة وجوم انتزعني منها صوته مكرراً ما سبق له ان قاله:
– قد تشعر بالغربة لبعض الوقت لكنك سوف تعتاد على ذلك. وكما قلت لك سوف يتوفر لك هنا جو افضل للدراسة، ولن يشغلك شاغل وسيتحقق لك التفوق الذي اترقبه!
وابتسم ابتسامة ذات مغزى شعرت معها انه يغمز قناتي، وحاولت عبثا ان ابعد شبح هالة عن خيالي فها انني اراها تطوف مثل ملاك وكأن حبات الضوء تتساقط من عينيها وتتناثر نجوماً في فضاء الغرفة.
قال وكأنه يريد ان يخفف من وطأة احساسي بالحزن:
– ربما سيكون هذا البيت سكنك الخاص مع هالة!
اثار في ما اسمع شعوراً بالغبطة لكنها غبطة قلقة. لم اعد اثق بما يقول. لقد بدأت صورته تهتز في نظري كأنني ارى الآن صورة مؤطرة معلقة على الجدار تؤرجحها ريح لا مرئية.
استحالت كلماته الى ثرثرة فارغة تطن في اذني:
– ربما فاجأك وافرحك ان تعرف بان عمك يمتلك بيتا مثل هذا الى جانب ما يملك!
وقهقه عالياً ثم تقافزت الكلمات من بين شدقين كريهين:
– لقد وقعت على كنز يا ابن أخي. ستكون بين من يرثني في كل ذلك.
عمدت الى ان اجعله يشعر بأنه يقف في وادٍ واقف انا في وادٍ اآخر:
– انه بيت مريح حقاً ولكن الضاحية تبدو نائية وكأنها مقطوعة من العالم.
رد على عجل وكأنه يصحح لي خطأ وقعت فيه:
– ليس كما تتوهم يا سامي. انه لايبعد كثيراً عن شارع رئيس يكتظ بالسيارات ستجد طريقك اليه صباح غد.
نهض ومد يده وانتزعني من مكاني على حاشية السرير وهو يقول:
– لننزل الآن ونجلس امام التلفزيون ونتحدث بما هو اكثر اهمية من هذا الموضوع!
* * *

شاهد أيضاً

مريم لطفي: شموس..هايكو

1 بعد المغيب بعض السحب البرتقالية المضيئة تتالق في كبد السماء*1 2 بعد رش السياج …

” الريّاح الصُّفر “وقصص أخرى قصيرة جدّا.
بقلم: حسن سالمي

(رافـــِـــــــــــــــــــــل) بدت المقهى في ذلك الوقت من النّهار كما لو أنّها بين قرني ثور… يهزّها …

ابتسام ابراهيم الاسدي: هل ستأتي …. 

يخال اليَّ أنك هنا خلف مقبض بابي يدك وعينـُك ترتقبُ وصولي من اول الطريق لآخره …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *