| فخري أمين : رجل في كتاب – النسخة السردية للأب في رواية “بقايا” لروشا داخاز .

البحث عن صورة للأب، يرتبط بطفولة البشرية. ثمة اساطير ومعتقدات كثيرة، تتناول هذه النزعة المتغلغلة عميقا في النفس الإنسانية. الأب المثقف، في رواية بقايا، ومدرس التاريخ أنار، أطلق اسم إلهة الأمومة المصرية إيزيس على إبنته البكر، ثم تركها وهي في الثالثة من عمرها، مهاجرا إلى أوربا، ليلقى حتفه قبل الوصول. إيزيس ذات السنوات الثلاث، الفت وجود أبيها في مكتبته، وتعودت البحث عنه هناك، وحين لا تصادفه، كانت قادرة بمخيلتها الطفلية على تخليقه، واللعب معه. كانت الأم تنصت من وراء الباب إلى أحاديث إيزيس معه. ضحكها، وصياحها، وعبثها. شاعرة بالقلق على صحتها العقلية. حاولت مرارا وتكرارا أن تقنعها أن اباها سافر، وهو غير موجود، لكن الطفلة كانت مصرة على أنه هناك، والأدهى أنها أخذت تشكو إليه تصرفات أمها، ومحاولاتها إلغائه، ونفي وجوده، وشيئا فشيئا تحولت إلى موقف يتسم بالعداء لها. كانت تطردها من المكتبة، كلما حاولت الدخول إليها. ولما كبرت كبرت معها حالة الوهم، أخذت تستشيره في شؤون تخص حياتها، وتبوح إليه بأسرارها، ومعاناتها، وتبث له مواجع القلب، وعذاب الروح، وتجد عنده دائما خلاصة الحكمة وعصارة الأفكار. تقرأ في كتبه، تبحث في أوراقه، ومذكراته، وألبوماته، ومستمسكاته. تستفهم منه عن الأحداث المرتبطة بها. حين وجدت صفحات متروكة كثيرة في دفتر مذكراته، اسـتاذنت منه أن تكتب فيها. قال لها يسرني أن تسودي بخطك الجميل تلك الصفحات البيضاء. في هذه اللحظة تشرع روشا بتجميع صورة الأب، وكتابة ما لم يكن بوسعه كتابته، مذكرات، احداث، تاريخ، وشخصيات، ارتبطت بحياته، لا يمكن على اي نحو، تلافيها، أو المرور بها دون الإشارة إليها. هكذا اكتسبت مكتبة الاب كمكان نوعا من قداسة. وتحولت شيئا فشيئا إلى معبد خاص بها، تحتفظ بمفتاحه عندها، وتحرم الدخول إليها إلا بموافقتها. الرواية حوار لا ينقطع لإيزيس مع أبيها، تصغي فيها إلى أصوات زمنه، وتدخل الدهاليز السرية، بحثا عن مكنون ما، في عملية امتداد لأوهام طفولتها، شكل في النهاية المتن الأساس لرواية بقايا. في الرواية أمسكت روشا داخار بأحد أكبر وأخطر الأوهام البشرية، في مكتبة الأب أصداء من الحنين إلى قصر الجبلاوي، في ثلاثية نجيب محفوظ. إنها نوع من مكان مقدس، أو فردوس، لكنه هنا فردوس من كتب، صورة الأب فيها، رجل كتاب أو رجل في كتاب. وقت اضطرت لمغادرة البيت في الموصل، بعد سقوطها بأيدي الدواعش، كان مصير المكتبة، هو أكبر مصادر قلق إيزيس، والحنين إليها هو الأكثر عذابا. في اللحظة الصدمة التي أبصرت المكتبة، بعد تحرير المدينة، وقد استحالت إلى كومة من رماد وهباء وسخام، نتيجة إحراقها من قبل الدواعش، تحررت قليلا من ذلك الوهم. وساعدت تجربة حبها للند، في التخفيف أيضا من هيمنته. خصوصا بعد اتفاقهما على الزواج، والهجرة. بقايا هي محاولة لكتابة نسخة سردية للأب، بكل مدلولاته في المخيلة البشرية، والأساطير والمعتقدات التي تدور حوله، والأوهام المتصلة به، أفضت إلى كتابة حكاية لمكان، وعصر، وناس. ربما كانت لحظة كتابة الرواية بالنسبة لإيزيس، هي لحظة البرء من ذلك الوهم الطفولي. العبور إلى الرشد، والوقوف على حافة وعي مغاير وعالم جديد. الرواية صدرت مؤخرا عن دار سطور في بغداد ودار سنا في الموصل.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حاتم جوعيه : استعراض لرواية “المستحيل” للكاتب والأديب “نبيل عودة”. 

مقدمة: الكاتبُ والأديبُ والناقدُ القدير الأستاذ “نبيل عودة” من سكان مدينةِ الناصرة يكتبُ القصَّة القصيرة والرواية …

| مسعودة العيشي : على خطوات (مارغو جومبييه) .

الدرس الأول   قل لي لماذا تحب لهذه الدرجة أن تتمعن بالنجوم؟ في كل مرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *