| أحمد الشطري : (آلهة من دخان) بين عمق المدلول ونسقية البناء السردي.

توحي لنا رواية (آلهة من دخان) للروائي أحمد الجنديل الصادرة عن دار مداد الكربلائية للوهلة الاولى بانها تتحدث عن مجتمع افتراضي لم يحدد زمنه ولا مكانه، بيد انه ما يلبث أن يقدم لنا اشارة واضحة لهذا المجتمع بإشارته الى ثورة العشرين المعروف مكانها، من خلال ما رواه (جلال سيف الحق) حاكم المدينة عن والده الذي كان متعاونا مع الانكليز في ثورة العشرين “عمل مع الانكليز فنال رضاهم، منحوه الاموال فانثال كرمه على الفلاحين لمنعهم من المشاركة في ثورة العشرين”ص94.

اذن فالرواية تتحدث عن صراع في المجتمع العراقي متمثلا بأربعة أقطاب رئيسة هي: (شخصية الرجل الذي يتخذ من الدين غطاء يخدع به الناس البسطاء؛ ليتخذ منهم مصدر قوة لتنفيذ مآربه، ويتمثل ذلك بالشيخ مصطفى البرهان ووالده وحاشيتهما، بينما يمثل القطب الآخر شخصية جلال سيف الحق الحاكم المتسلط الذي يسعى؛ لبسط سطرته على الشعب بكل ما يمتلكه من وسائل القوة، بينما يتمثل الطرف الثالث بشخصية الثائر المعارض وليد الجواد، الذي يمثل جانب الوعي المجرد من الدين والسلطة، والقطب الرابع يتمثل بشخصية الشيخ الحكيم الذي يمثل نموذج الصفاء الديني البعيد عن المطامع الدنيوية، المعتزل عن صراع الآخرين، بيد أنه لم يسلم من مؤامراتهم ومحاولاتهم؛ لكسبه او تشويه حقيقته).

 ويبدو أن رؤية الجنديل لمستقبل هذا الصراع الرباعي تتسم بالسوداوية، سواء لذوات الشخوص ام للمجتمع الذي يعيشون فيه، وذلك ما يتضح من الصورة التي رسمها للنهاية التي خلصت الى مقتل شخصيات الاقطاب الاربعة؛ لتعم الفوضى في المجتمع، ومن ثم عودة السلطة للحاكم العسكري من خلال انقلاب قائد الشرطة، وقتله للحاكم (جلال سيف الحق) مستغلا شعوره بالضعف بعد تفشي حالة الفوضى في البلد، وهي رؤية بلا شك ليست اعتباطية او توجسية وانما مبنية على عدة مقدمات لعل احدها هو سيادة جانبين مهمين قاما بتوظيف عامل القوة المنفلتة وتبني منهجها: احدهما الاتباع الاعمى للأفراد والأفكار، وثانيهما الخضوع المستميت لإغراءات المطامع الذاتية.   

ان واقعية ثيمة الرواية لا يجردها من محمولاتها الرمزية، والتي تتجلى في كثير من تفاصيل احداثها، اضافة الى تقنياتها، ومن هنا جاء استخدام الجنديل في سرد احداث الرواية لتقنية تعدد الاصوات او ما يعرف بـ( البوليفونية  polyphony) وهو من خلال هذه التقنية يعكس رؤية كل طرف في مجريات الاحداث، ويتيح له التصريح لنا عن نواياه المضمرة اتجاه الاطراف الاخرى، والكشف عن صورته الحقيقية والزائفة، ولذلك نرى أن الروائي قد تجنب عن قصد او عدم قصد أن يمنح (الشيخ الحكيم) مساحة للظهور الصوتي الى جانب الاصوات الاخرى، وهذا يمثل- وفقا لما أراه- تعبيرا عن وحدة الصورة التي تمثل هذه الشخصية، سواء مع ذاتها أو مع الآخرين، وتتجلى بحالة النقاء الأمثل البعيد عن كل المطامع والمغريات، وهذا ايضا جرى مع شخصية الثائر (وليد الجواد)، التي بقيت مغلفة بالغموض ولم يظهر لنا سوى النزر اليسير من ملامحها، وأحسب ان ذلك كان متعمدا؛ لإعطاء تلك الشخصية مساحة أوسع في البعد الرمزي، ونزع جمود المحدودية الاشارية منها.

 ولعل الجنديل اراد ان يظهر لنا حيادية الروائي من خلال استخدامه البوليفونية كتقنية للسرد، رغم اننا ندرك ان شبحه يبقى مهيمنا وموجها للكثير من التفاصيل خاصة فيما يتعلق بما يرويه كل طرف عن خلفياته الاجتماعية والفكرية ونواياه المضمرة.

وربما جاء استخدام الروائي أيضا لهذه التقنية كتلميح او اشارة تتماهى مع حالة التشظي في مجتمع الرواية او كصورة منعكسة عنها.

ومما يمكن أن نشير اليه أن احد ميزات رواية آلهة من دخان الواضحة، هو استخدامه للغة تنسجم مع شخصية كل طرف من حيث فخامة العبارة ونوعية الاشارة ودلالتها، وانعكاس ذلك المدلول على حقيقة الشخصية المتحدثة، وقد يتجلى ذلك بصورة اوضح وادق في ما ينقل من احاديث (الشيخ الحكيم) على لسان الرواة.

ولعل من الأهمية بمكان أن نشير هنا الى استخدام الجنديل في المعادلة البنائية للحدث الروائي لرمزية أسماء الشخوص الرئيسيين على الأخص، وقد تجسد ذلك في صورتين: الأولى حقيقية أو انطباقية تمثلت بأسماء شخصيات ( الرجل الحكيم، ووليد الجواد، ولميعة)، والثانية مزيفة أو تضادية وهي التي تمثلت بأسماء الشخصيات ( جلال سيف الحق، ومصطفى البرهان، وزاهدة البرهان)، ولعل في ذلك تناصا دلاليا  مع المقولة المشهورة للإمام علي(ع):” الحق لا يعرف بالرجال وانما يعرف الرجال بالحق، اعرف الحق تعرف أهله.” إذ نرى أن الروائي استخدم للطرف الثاني من المعادلة والمتمثلة بالاتجاه الباطل أو المنحرف أسماءً تتضادُ مع صفاتها الحقيقية تأكيدا على ظاهريةِ وباطنية صورتِها المخادعة، او ألمضلِّلة.

إن رواية (آلهة من دخان) للروائي أحمد الجنديل تحمل العديد من المزايا الجمالية، التي يمكن للقارئ أن يكتشفها بوضوح ويسر، سواء في بنائها الفني أم في محمولات الخطابية وما فيها من دلالات متعددة الجوانب، أضفت عليها الكثير من السمات الاغرائية التي تمنح القارئ مساحة واسعة من المعطى الإمتاعي والفكري على حد سواء.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| نبيل عودة : هموم نقدية “الشعر هو الذي يعيد الحياة الى اللغة” .

“الشعر هو الذي يعيد الحياة الى اللغة” الجملة أعلاه قالها الشاعر الفلسطيني محمود درويش، في …

| طالب عمران المعموري : تراسل الحواس  في قصيدة (حنين) للشاعر ناهض فليح الخياط .

ملامح ترسم جماليات القصيدة بصور شعرية مصدرها الخيال الخصب لإنتاج صور شعرية رائعة، يبين الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *