| مهدي شاكر العبيدي : تاريخ أعلام الطب العراقي الحديث .

(1)

ورث العرب كثيراً من الأسفار والدوريات والمصنفات الموسوعية التي عكف على كتابتها وتنسيق موضوعاتها ومحتوياتها أسلافهم القدامى المشتغلون بالتدوين والتجميع للمعلومات والقرائن في مختلف الأعصر  والدهور سواء المتميزة منها بالازدهار ورقي الحياة الاجتماعية وانتعاشها أو التي غلب عليها الاضطراب وفساد الحكم وإهمال الشأن الثقافي إذ يكون شاغل الناس جميعاً الحاكم والمحكوم خاصتهم وعامتهم، منصرفاً إلى استدبار الخطر الخارجي المهدد لحياتهم وكيفية ملاقاته ومواجهته. فلا مراء أن استوى في فائدته ودالته على القارئ في أي طور وحقبة من ناحية إطلاعه وتنويره وإذكاء فهمه ورفده بحصيلة من المعارف والحقائق التاريخية والاجتماعية، كتاب الفهرست لابن النديم وكتاب عيون التاريخ لابن شاكر الكتبي على الاختلاف البين بين زمني تأليفهما وطبيعة الأحوال والظروف المواكبة لهما.

وقد عيب على نشاط العرب التأليفي إبان الأدوار والعهود المتأخرة لاسيما منذ القرن الرابع عشر الميلادي أنه استفرغ مجهوده على تأليف الموسوعات ودوائر المعارف، وخلا من أي أثر إبداعي، نظراً لكلال الفهوم والقرائح، ونكوصها عن الابتكار والاستنباط، وتعويلها في أكثر السبل والأعمال التي تضطلع بها ومنها الكتابة على التقليد واجترار ما تولى عنه السابقون وإعادة صوغه ببيان غاية في التهافت والركاكة وأن أوهم برصانته وأحكام نسجه، وأخذه بشيء من التزيين والتحسين، وكان المستشرق نالينو الإيطالي الأستاذ بالجامعة المصرية القديمة قد أنحى في محاضراته عن تاريخ الآداب العربية في الجاهلية حتى أواخر العهد الأموي والمجموعة بكتاب مطبوع بهذا العنوان نقول نعى على العرب فتور همتهم وهمود مشاعرهم وضيق مديات خيالهم في ظل سيطرة الأجانب والدخلاء على مقدراتهم وتعسفهم بمعايشهم وشؤونهم لكنه غير يائس أو نافض اليد بالمرة من استفاقتهم وتنبههم على واقعهم. فلا بد لهم من استئناف نشاطهم العقلي وتجديد عهدهم وصلتهم بالتفكير والنظر والتأمل، لكن على ما يلابس هذا المأخذ ويتسم به هذا الانتقاد من الصحة والسداد والوجاهة، فإن تلك النتاجات المعهودة عن تينك الأزمان والدهور الموسومة بالحصر والانكماش والتقهقر والانحسار، دللت على حسن توثيقها الصلات والروابط بين حاضر وماضٍ، منطويين من تاريخ هذه الأمة وكفلت للمعرفة الإنسانية ديمومتها وسيرورتها وتداول الأجيال المتعاقبة لها.

وأن يصدر كتاب تاريخ أعلام الطب في العراق الحديث ويمثل في الوسط الثقافي متداولاً من لدن الدارسين المتخصصين بموضوعات الطب وتاريخه في العراق، والمتطلعين لمعرفة المراحل التي جازتها الحالة الصحية وصولاً إلى تنشئة مواطن متكامل الصفات الجسمية والعقلية مستوفٍ لأبسط القواعد والآداب التي تكفل لـه الانسجام مع بيئته والتلاؤهم هو ومواضعاتها وتقاليدها، بحيث لايتجاوز الحدود التي ينبغي لـه أن يقف عندها ولا يتخطاها، وغالبية هذا الصنف من الناس الراغبين في الدرس والاطلاع هم عادة من أوساط المتعلمين الذي تنفق الجهود لرفع شأنهم وترقيتهم عقلياً وزيادة نضجهم وخبرتهم، قلت أن ظهور موسوعة كهذه مكتنزة أدباً غزيراً وثراً قوامه استطراد مؤلفها الدكتور أديب توفيق الفكيكي في سيل من الخواطر والانطباعات والأفكار بصدد النفس وانفعالاتها ومشاعرها المتناقضة وبخصوص التاريخ وملابساته وحوادثه المتباينة، وحشده في سياقها اشتاتاً متنوعة وشذرات متفرقة من الشعر والنثر الصوفي وآيات القرآن المجيد التي يستدل بها للبرهنة على سلامة استنتاجاته واستقراءاته، وأصالة رأيه وسداد تفكيره ورجاحة منطقه، يضمنها تمهيدية أو مقدمتين لجزأي هذا السفر الملحمة قبل تناوله سير أصفيائه وعشرائه من الأطباء من مختلف الأجيال، وفي شتى الاختصاصات والاهتمامات والنوازع، ومضيه في سرد الوقائع والماجريات عن كفاحهم ودأبهم في اكتساب المعرفة العلمية ومواصلة تحصيلهم مغالبين المصاعب متخطين العوائق والأزمات والظروف الصعبة، لا تعيد إلينا البتة الأجواء السائدة في عصر الموسوعات ذاك الذي ألمعنا إليه، وما وصمنا جراءه بالأجبال والقحط وضعف السلائق.

لا أنفي أن ثمة شكوى تعتلج في أنفس أبناء الشعب، في مختلف العهود والفترات جراء ما يتفشى في مستشفياتنا ومستوصفاتنا من إهمال وتوان في تقديم الخدمات ونكوص عن إسعاف المتلهف على البرء والشفاء من أوجاعه من آن لآن بما ينهض بحاجته ويطمئن رغبته ، وكل ذلك يطول الطبيب، ويرهن المسؤولية بعاتقه، في نظر الناس غير المحتسبين للأحوال والظروف المحيطة بوضعه، حكمها وأثرها وتسببها في الحال موضع الشكوى، مما دفع بغير نفر منهم لأن ينسجوا الغرائب والحكايات الطريفة عن تهالك الأطباء على المادة وإمعانهم في القسوة ونكولهم عن القسم الطبي الذي نطقوا به غداة تخرجهم، غرائب وطرائف لا ندعي تصديقها والتأمين عليها ولا نجهر البتة بواقعيتها وثبوتها، فهل جاء هذا السفر ليجب عن معاشر الأطباء رسل الإنسانية التخرصات والأراجيف التي تشكك بدخائلهم وتثير الشبهات بصدد نياتهم وأميالهم؟

ذلك أنه عموماً يسمهم جميعاً بالإخلاص والاستقامة والتفاني، ويجلوهم مبرئين من أيما هوىً أو زلة، ويسوق أحياناً نبذاً وخلاصات وافية عن مذاهبهم وفلسفاتهم في الحياة ونصائحهم وإرشاداتهم لمن يليهم من جيل الأطباء الجدد، مما يضعنا في مواجهة ضروب من القول البليغ والكلم الساحر، ويحملنا على استذكار قصيدة شاعر معاصر تخيل مقبرة هائلة تضم أجداثاً لعباقرة ونابغين طواهم الموت وغيبوا فيها من أبناء هذه الأمة ويعود مستفهماً متسائلاً إذا كانت حصتها ونصيبها من الحياة هذا العدد الوافر من العقليات النابهة والمدارك السليمة والضمائر المستقيمة والنقية، فلم هذا التواصل في الشكاة من السوء ومن تردي المقاييس وتدنيها معاً ؟

لكن حسبه أنه “عزم على تصنيف هذا الكتاب إيماناً منه بأن أعلام الطب الذين صنعوا تاريخه في هذا القرن، جديرون بأن يخلدوا وأن تسجل مآثرهم، لأنهم ثروة قومية علمية لا يستهان بها، وأن تخليدهم وامتداح أعمالهم إنما هو واجب وطني، إلى جانب كونه وفاء أخلاقياً إنسانياً ” كما نصت عليه اللجنة المشرفة على طبعه في خاتمة الترجمة المقتضبة والموفقة بمعلومة عنه والمعدة من قبلها.

ومادام المؤلف بصدد إصدار جزء ثالث متى يسعف الوقت، وقد تخير لجنة أو اصطنعها للإشراف على طباعته، كأن تتولى تشذيبه وتنقيحه من الهنات والأغاليط النحوية واللغوية، ولابد أن تضم غير واحد من المتمرسين وذوي الخبرة بهذه الشؤون، فموجبات الاتقان ونجاز الأعمال وبغاية التمام والكمال وتلافي النقص والقصور، تقتضي أن يتفادوا في الأجزاء التالية ما وقعوا فيه من السهو أو انجروا لـه من الهفوات والأخطاء، في النحو واللغة وفي الإملاء أيضا على ما وقفوا لـه من الإخراج الجيد ان من ناحية الحجم أو جمالية الحرف وحسن تسلسل الموضوعات وترتيب صور الأعلام.

وأقطع أن مجهودات بعضهم وترجمة حاله، لابد أن احتوتها دوريات تحيط بسير الرجال المبرزين في غير جانب معرفي وحقل علمي، مما بدأنا نلمسه في تآليف تتوخى تقديم المعرفة باقتضاب وإجمال، كما حصل بالنسبة للرعيل الأول من الأساة والحكماء أمثال هاشم الوتري وصائب شوكت وكمال السامرائي وغيرهم، غير أن ما زان التعريف بخصائصهم وشياتهم من الأطناب والتفصيل والغوص وراء الدقائق والصحائح من الأمور مما اشتمل عليه هذا السفر يجعله أوفى ببغية الراجي وأكفل بمنيته، ومما ينبغي توثيقه وتسجيله لمؤلفه الأستاذ الدكتور أديب توفيق الفكيكي علماً أنه نجل أديب راحل عهدت عنه مؤلفات قيمة تحفل بالمنطق والرصانة وقوة الحجج والأسانيد في محاورة أنداده ونظرائه من الكتاب فضلاً عن قوة البيان وفصاحة العبارة، قلت يسجل لـه توفقه إلى ما يشبه الصور القلمية التي تعكس المواقف والحالات التي مر بها أقرانه وعشراؤه في غير طور من أطوار حياتهم وتعاملهم مع المعضلات والمشكلات التي واجهت بعضهم وألفوا أن لايد لهم فيها انعزوها للقدر أو الحظ أو المصادفات العارضة التي غيرت مصايرهم ووجهاتهم وكادت بفجائعها ومواجعها تزلزل كيانهم لولا أن ثبتوا لها وعلمتهم أن بستمدوا من كل شدة وحراجة موقف وخصاصة قوة وأيداً، كما حصل مثلاً للدكتور عادل توفيق الراوي الذي اعترضه في سني دراسته وبعدها بلاياً ومحن وانكاد تذكرنا بالأهوال التي لقيها أبطال الروائي كافكا حيث لايتحملون وزرها ولاتطولهم طائلتها، لم يقترفوا إثماً، ولاجريرة حتى تلم بهم وتنزل بساحهم، وقد أحسن الكاتب غاية الإحسان في تصوير هذا الحال على شاكلة تذكر القارئ بعالم كافكا وفنه وبراعته .

(2)

جاء الجزء الثالث من هذا الكتاب الموسوعة عن النهضة الصحية وأعلامها المخلصين وجهابذتها المتفانين من قبيل رد الاعتبار لجمهرة غفيرة من الجنود المجهولين الذين بذلوا ما بوسعهم من الجهود والمساعي لمكافحة الأدواء والأوبئة التي عمت هذا القطر وفتكت بغير جيل من أبنائه، واجتاحته نتيجة الويلات والكوارث التي دهمته على توالي الأعصر والدهور جراء ما استولى على نفسيات بعض الحكام والمتسلطين البغاة في دول الجوار من أهواء وأميال ورغبات في إذلاله واستعباده، قلت بعد هذا الاستطراد المفيض الضافي، أنه جاء هذه المرة ليرد الاعتبار للرواد الأوائل من الأطباء والحكماء المتنورين ومعهم غير واحد ممن تسنموا مهام الإدارة والتوجيه والتخطيط والإرشاد، وتبوؤوا أرفع المراتب والمناصب والمسؤوليات، وكان بيدهم الحل والعقد، ثم تنكرت لهم الأيام ونفر منهم من يغشى مجالسهم ويحتمي بأكنافهم ويرتمي بعتباتهم، في أزمنة تولت وعهود خلت، فلا أخفي أن في جوانح فئة غالبة منهم ضمائر حية تنطوي على الإخلاص والمحبة والنزوع لاسداء الخدمات الطائلة حيال الفقراء والمستضعفين، هذا إلى أنهم لم يجدوا سبيلاً لخدمة وطنهم غير الانتظام والانخراط وسط الزمر التي بيدها الأمر والنهي، وانتهاز أكثر ما يتيسر من الفرص السانحة للتدليل على صدق ما يدعون أو يعلنونه أو ينتوون تنفيذه من توجهات ومشروعات، وما اسهابه وتفصيله في وقائع تشييد مستشفى التويثة واستنفار همم ذوي النخوة من ذوي اليسار قبل نصف قرن من الزمان، والبدار لعضده ومساندته ودعمه بما تجود به أيديهم من المال، إلا مثل واضح من أمثلة هذا النزوع السامي الغرض والشريف القصد لرد الاعتبار لهذه الصفوة الكريمة، من أبناء البلد البررة الذين أخنى عليهم الدهر وتجوهلت صنائعهم وأفضالهم وأعمالهم الجليلة وسط عجاجة يكتنفها الغبار وعثير الاجتهادات الخاطئة والأحكام غير المنصفة وغير الموضوعية والتقييمات التي تخلو من النزاهة والمروءة وتمعن في الخطأ والضلال.

فلا مراء أن حفل هذا السفر بالوثائق والنقول من مظانٍ ومراجع شتى متنوعة في مراميها وغاياتها، بقصد تنوير افهام الغافلين والمتعامين عن الواقع الصحي في حالته الحقيقية التي كان عليها أمس، واستدراجهم أو حملهم على الوقوف والتعرف على ما بلغه اليوم وأوفى عليه من الانتعاش والعافية والازدهار، ودونك المقدمة الوافية التي كتبها الأستاذ الدكتور حنا خياط لكتاب أعده الراحل الدكتور موسيس ديرها كوبيان يوم شغل منصب طبابة الوقاية الصحية في الموصل إبان الأربعينيات من القرن الماضي، مضمناً إياه تفصيلاً طائلاً في (حالة العراق الصحية في نصف قرن) أي من عام 1918، إلى عام 1944 معززاً بالأرقام والشواهد والجداول الإحصائية، وتبيان العوامل والأسباب المؤدية ” إلى عرقلة خطط التنمية في المجالات الصحية والبيئية ” ، فبحسبك أن تستنج أن قوام الملاكات الصحية من الأطباء والصيادلة والقوابل والممرضات استند في الفترات والآونة الممتدة بين تواريخ سنوات 1922، 1932، و1942، إلى العناصر والأجناس الأجنبية، وأن نسبة العراقيين، أبناء البلد، تأخذ في التزايد، لاسيما في مقدارها من الأطباء، تبعاً لتحسن الحال الاقتصادي والاجتماعي والصحي والبيئي ومعه أو نضيف لـه تزايد السكان وإنشاء المؤسسات والمراكز الإدارية والخدمية، وأخيراً وعي المواطنين بمختلف أجيالهم، بأهمية موقغ وطنهم بالنسبة لبلدان العالم وتحسسهم بغنى ثرواته وخاماته، واستحقاق أهله وناسه للحياة المرفهة الضامنة لحقوقهم وحرياتهم، والمنيطة بهم تأدية واجبات أو اضطلاع بأعباء، لقاء ذلك.

فرغم ما شجر من خلاف وتطاحن في الرأي بين رجال السياسة عامة، منذ نشوء الحكم الوطني، وما يهرف به غير واحد من أنه أثر على تقدم البلاد وفت في عضدها، وعاقها عن مجاراة غيرها في التحول والانتقال إلى حال أهنأ وأرغد، فإن الحصيلة وماجريات الشؤون والأمور المتعاقبة تنبي أنها لصالح حركة النهوض والإصلاح، في ظروف عصيبة كان المهيمن على البلد هم الأجانب الدخلاء والطامعون في ما سخا به الله وحبا هذه الديار المباركة وجعلها مصدراً وسبباً للصراع الدائم بين مختلف القوى، ولعل الكاتب والشاعر اللبناني الراحل رئيف خوري أفضل من صور حال هذا الشعب في أعقاب وثبة عام 1948 على الأحلاف والمعاهدات الجائرة، رامزاً أن بلدنا هو بلد الترياق كناية عن النفط الذي تسيل مُهج الأوباش والأراذل لانتهابه، وأن الصراع لابد أن يتجدد بين ذوي الحق الشرعي والثابت فيه والطارئين الغرباء الذي لا آباؤهم ولا أمهاتهم منه، وأن التحديات والمسوغات والحجج ستتبدل وتتنوع، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً،

 

قد نكون بعدنا عن الأصل، وساقتنا الوثائق المنقولة المزجاة في هذا الكتاب، إلى غير الغرض الأصلي من تقييم مجهود الدكتور أديب الفكيكي في التعريف بسير رعيل من رصفائه الأطباء ودأبهم في استكمال تحصيلهم وإشباع رغباتهم في التخصص بعد تخرجهم من كليات الطب، هذا إلى الإطناب في خصائصهم وشمائلهم وميزاتهم وفلسفاتهم الحياتية ما يعن لهم من خواطر ونصائح يزجونها للأجيال التالية المتعاقبة من الأطباء، حيث نتعرف أو نطلع على كم هائل من مثاليات وربما مبالغات في التجرد من الهوى والطمع الأشعبي، والله أعلم بالسرائر، والغالبية من هذا الرعيل الفاضل يندرجون في الجيل المتأخر زمنياً، أو بعد جيل الرواد الأوائل، لكن ما أصنع ومذكرات الدكتور هائم بركات الرديني عن الوضع الصحي في البصرة إبان منتصف أربعينيات القرن الماضي وتطوعه لنجدة أخواننا المصريين في مداواتهم من الكوليرا التي اجتاحت بلادهم في سنة 1947 حيث ألم بها مع صفوة من الأطباء الذين استجابوا لاستغاثة المنكوبين في الديار المصرية، وبعد أن أدوا مهمتهم على خير وجه زاروا أثناء عودتهم إلى القطر لبنان والأردن واجتمعوا بالمرحوم الملك عبد الله الذي ما انتووا زيارته ألا نزولاً عند رغبة أو ضغط مرافقهم الدكتور سامي شوكت الذي يبدو أن لـه سابق معرفة به وآصرة تدنيه منه، وناهيك بتعليقاته وآرائه في السياسة والاجتماع، واستطراداته إلى الأوضاع العربية أيامذاك، وغمزه سلوكيات وخلائق غيره من المشتغلين بالقضايا العامة، على شاكلة طريفة تبعث على الضحك والتندر، قلت ما أصنع حيال هذه المذكرات الشائقة عن حوادث أيام مضت غير أن أمحصها وأتأملها واسترجعها إلى الذاكرة والخاطر والوجدان، علي واجد فيها عبرة أو مستلهم درساً، في المقارنة بين أخلاقيات وجبلات في امس واليوم، غير أني وجدت فيها شيئاً من قلة الاستيثاق في سرد بعض الوقائع والحالات، فقد جاء فيها  أن وزارة صالح جبر سمحت لليهود بمغادرة العراق، وصوابه أن هذا الإجراء تم سنة 1951 أثناء وزارة توفيق السويدي وكان صالح جبر وزيراً للداخلية فيها، بعد أن خيل للكثيرين استحالة عودته إلى دفة الحكم أو لاتناط به مسؤولية البتة لفظاعة ما اجترحه أيام الوثبة، لكن مهد لبرزوه ثانية وظهوره في الميدان بفضل الأحكام العرفية التي عمت البلاد فور إعلان الحرب في فلسطين واستغلت أبشع استغلال لغير مقاصدها أصلاً، كما ورد فيها أن الأحزاب الممثلة للشعب العراقي في مناهضة معاهدة بورت سموث هي الاستقلال والوطني الديمقراطي والأحرار والجبهة الشعبية، بينا أن الأخير لم يتأسس إلا صيف 1951 ولم يكن لـه وجود ولا ميثاق ولا خطة عام 1948 سوى أنه جماعة من المستقلين المشتتين!

وتحصيل الحاصل، أن هذا السفر أو الجزء الثالث جاء كصنويه السابقين حافلاً بما يشوق ويروق من الطرائف وصحائح الأخبار والمعلومات عن التطورات الوئيدة التي بلغها الواقع الصحي حتى أوفت اليوم على ما يشبه الطفرات المتسارعة في هذا المجال مما نلمسه في تعدد الكليات في غير حاضرة وتنوع الاختصاصات والملاكات الطبية، واجترائها على القيام بأخطر العمليات الجراحية بنجاح ومهارة وحيازة قصب السبق، بعد أن كان الأمر ساذجاً وبدائياً وداعياً إلى الإشفاق والرثاء. وددت لو أطيل في هذا السياق أكثر، ولكن!

 

أوستن / تكساس

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. مصطفى يوسف اللداوي : عالمٌ أفضلُ بلا نتنياهو وترامب .

لعله قال قبل ستة أشهرٍ لصاحبه، لعنة الله عليك حليفَ بغيٍ ظالمٍ، وشريكَ عدوانٍ سافرٍ، …

| هاتف بشبوش : مخدرات،صديقٌ عربي،وبعضُ عشائر الجنوب..

في الدنمارك لي صديق من الإخوة العرب ، نديمٌ كومفورتبل( مريح) ، يحتسي صهباء أبي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *