حسين سرمك حسن : تحليل رواية الحفيدة الأميركية لإنعام كجه جي (6)

وقفة على “إنسانية” العسكريين الأميركان المزعومة :
——————————————————  
(لقد قضى 793239 جندي ألماني نحبهم في معسكرات الإعتقال الأميركية عام 1945 م ، كما قضى 167 ألف منهم في معسكرات الاعتقال الفرنسية نتيجة للجوع والمرض والأحوال الصحية السيئة، وفي الوقت نفسه كان يوجد 5و13 مليون طرد طعام في مخازن الصليب الأحمر ، تعمّدت سلطات الحلفاء عدم توزيعها عليهم لغرض إبادتهم.
وفي اليابان ، وقبل اختراع القنبلة الذرية ، كان الجنرال الأميركي كورتس لي ماي يقوم بتحطيم مدن اليابان الواحدة تلو الأخرى بشكل منهجي لم يسبق له مثيل في التاريخ . فخلال عشرة أيام في مارس 1945 م ، قامت الطائرات الأميركية بطلعات جوية بلغ عددها 11600، تم خلالها إغراق 32 ميلا مربعا من أكبر أربع مدن يابانية بالقنابل، وهو ما أدى إلى محو هذه المساحات وكل ما عليها من الوجود وتسببت في مقتل 000و150 ألأف إنسان. أما الغارات على طوكيو يوم 25 مايو 1945 م ، فتسببت في إندلاع عاصفة نارية ضخمة حتى أن قائدي الطائرات المقاتلة كانوا يشمون رائحة لحم البشر المحروق وهم على ارتقاع آلاف الأقدام. أدّت هذه الغارات إلى مقتل الآلاف وتشريد مليون شخص على الاقل .
وكانت عملية الإبادة من الشمول بحيث أن الجنرال جروفز المسؤول عن مشروع مانهاتن لإنتاج القنبلة الذرية كان “يخشى” ألا يجد أي هدف سليم يمكن أن يُلقي عليه بقنابله ويدمره. وبرغم أن الولايات المتحدة كانت تعرف أن اليابانيين كانوا قد بدأوا يفكرون بشكل جاد في إنهاء الحرب، فقد رأى الجنرال جروفز ضرورة استخدام القنبلة مهما كان الأمر، بعد أن تم إنفاق 2 بليون دولار في تطويرها وهو ما يعادل 26 بليون دولار بحسابات اليوم. كما أن ترومان كان يشعر بعدم الثقة في نفسه أمام تشرشل وستالين ، ولذا كان يود أن يذهب للاجتماع بهم وهو في موقع قوة، خصوصا وأن الدب الروسي كان قد بدأ في التضخم . ومن ثم كان لابد من إلقاء القنبلة الذرية بغض النظر عن عدد الضحايا أو حجم التدمير . وكان الجنرال جروفز “محظوظا” كما تقول بعض الدراسات ، إذ وجد ضالته المنشودة في هيروشيما التي كان يقطنها 280 ألف نسمة ووجد أنها محاطة بتلال يمكن أن تُحول المدينة إلى جهنم حقيقية بعد الإنفجار إذ أنها ستركز الحرارة. وبالفعل قتل فور وقوع الإنفجار 70 ألف مدني ومات 130 ألف آخرون بعد عدة شهور متأثرين بحروقهم من الإشعاع. وكأن هيروشيما لم تكن كافية ، فألقيت قنبلة أخرى على ناغازاكي ، أدت إلى مقتل 70 ألف آخرين، غير مئات الألوف الآخرين الذين لقوا مصرعهم فيما بعد. فما بين ألمانيا واليابان تم إبادة وإصابة حوالي مليوني شخص معظمهم من المدنيين – ص 219 و220) (14) .
عودة :
——–
وفي نهاية هذا اللقاء المداهمة تكتشف زينة وهي تسأل جدّتها عن سرّ عدم خوفها من الفلتان الأمني خصوصا وهي تعيش وحيدة ، أن لديها أخا بالرضاعة آخر هو مهيمن شقيق حيدر الذي كان أسيرا في إيران وهو اليوم في جيش المهدي، وقد أوصى “جماعته” بالجدّة الوحيدة .
وعندما تعود زينة مع مجموعتها إلى المنطقة الخضراء ، تجد هرجا عند نقطة التفتيش، وأصواتا نسائية تلعلع. كانت ثلاث محجبات من نساء البرلمان يعترضن على شمشمة كلابنا لثيابهن. تقول زينة (لم أرد أن أتورط في الترجمة وانسللت إلى وحدتي- ص 119) .
ولزينة ومن ورائها إنعام، الصحفية القديمة التي يفترض بها أنها تابعت حقائق ما يجري في العراق ، والروائية التي يفترض بها الأمانة في عرض الحقائق في هذه المرحلة العصيبة، أقول إن النساء العراقيات – وبضمنهن عضوات معروفات في مجلس النواب- لم يكن يعترضن على شمشمة – ويا لها من مفردة لطيفة !- كلابكم لثيابهن .. بل إن احتجاجا كبيرا وواسعا حصل لأن الجنود الأميركان استعانوا بأجهزة تخرق الملابس وتكشف حتى الأعضاء التناسلية لهن . كان الجنود الأميركان السفلة يقومون في بداية الإحتلال بتفتيش النساء يدويّا وتمرير أيديهم القذرة بين سيقانهن ! وكانت هذه واحدة من الأسباب الخطيرة التي أثارت العراقيين عليهم وخصوصا في الفلوجة. سيطلع علينا باحث مابعد حداثوي ليجد سببا لهذا السلوك بالقول إنه فارق حضارتين وإن الجنود الأميركان لا يعرفون قيمة المنطقة التي بين الفخذين بالنسبة للعراقية والعراقي ؟ .. وهنا تأتي محاولة رشوة متقدّمة أخرى .. حيث انسلت زنزن إلى وحدتها .. فماذا شاهدت ؟ . دعونا نستمع لزنزن :
(رأيت شون وهاملتون بيل يتسلّون بأداء فصل تمثيلي، وسط حشد من المجندين و المجندات الذين يقهقهون بأصوات صاخبة. عندما يضجر الجنود يفعلون أي شيء لكي تستيقظ البراكين وتتساقط النيازك من الفضاء. كان الأول يحمل مضرب بيسبول ويوجّهه عموديّا إلى جبهته . والآخر يولول وهو يرفع يده اليمنى ويهوي بها على صدره في إيقاع منتظم . أما الثالث فكان يقفز في مكانه وهو يكرّر : “هيدا .. هيدا” (أي : حيدر .. حيدر) – ص 119) .
لقد اتضح لها أنهم يسخرون من مراسم عاشوراء التي شاهدوها قبل قليل في الكاظمية . ولنستمع إلى ردّ فعلها كما تصفه هي :
(لا أدري ما دهاني، فالمزحة تبقى في نهاية الأمر مجرد مزحة. إن الجنود متعبون والصيف حار وقليل من الترويح لن يضرّ نفسا. لكن ضحكاتهم استفزتني رغم أن الدين لم يكن ديني . لنقل إن وعيي تشكل على أصوات مؤذنيه. لذلك تصرفت مثل أي متطرف غيور على العقيدة.
-تعال يا شون نؤدي تمثيلية المصلّين أمام حائط المبكى. أولئك الذين ينحنون ويعتدلون ثم ينحنون ويعتدلون.. مثل اللعب الأوتوماتيكية.
لم يكن صوتي هو الذي يخرج من بين شفتيّ. لعله صوت أبي المذيع، أو صوت طاووس، أو المؤلفة التي تتقمصني وتقلد نبرتي – ص 120 ) .
هنا تطلّع الجميع باستغراب .. أدركوا سرّ انفعالها ودعوها لفنجان قهوة .. وخلال وقت الإنتظار استدعت زينة من مخزون ذاكرتها الكيفية التي كانت فيها عمتها جوزة تقطع شارع الجمهورية زحفا على ركبتيها، نذرا للعذراء كي تشفي ابنها من الشلل .
وما الغاية من هذه الحادثة؟
تريد زنزن – ومن ورائها إنعام خالقتها – بأن تقنعنا بأن هؤلاء الجنود الذين يسخرون من عادات دينية متأصلة مساكين لجهلهم فهم يعتبرونها “فانتاستيك”, “أميزينغ” ، حكاية للتسلية قبل النوم . هذه أمور روحية لا يفهمها سوى وريثي الحضارات القديمة، مثل رفيقها الجندي البيروفي الأصل “مانويل” الذي بدأ يروي لهم- متحمسا- درب الصليب في الحي الفقير الذي نشأ فيه في ليما. كان اختيار الكاهن يقع دائما على عامل البريد خوزيه ليقوم بدور المسيح حيث يصلبونه بالمسامير فعليا كل عام .
ومن جديد ، ما الذي تريده زينة الحزينة ، أو “زينة الحنينة” كما كان يلقبها صديقها المترجم العراقي خريج اكسفورد الذي تلقبه بـ “مالك الحزين” وصاحب الشعار الدائم ” أكلنا خرا يا زينة”؟
إنها محاولة للتلميع غير المباشر ؟ رتوش جميلة تضاف إلى صورة الأميركي القبيح كما كان الشيوعيون يصفونه في الستينات ، والذين صار أمين حزبهم عضوا في مجلس الحكم بإشراف “بول بريمر” لعنه الله في الألفينات!!
ألا تعلم زنزن ماذا يسمون المجموعة التي شنت حرب الإحتلال على العراق في بلدها ؟ أليسوا هم “المحافظون الجدد”؟ وما هي سمتهم الأساسية؟ أليست المزاوجة الدينية بين فرضيتين خرافيتين تنتهيان بمعركة “هرمجديون” وخروج الأعور ثم الخلاص ؟ أليس رئيسها “بوش الإبن” الكحولي المدمن المتأتيء هو الذي كان يتصل برؤساء الدول ويخبرهم بأن الله قد أمره في الليلة الماضية بأن يكمل “المهمة” في العراق ؟
عن أي خزعبلات سوء الفهم “الروحي” تتحدث هذه ؟
لقد ذكر الشهيد القاص والناقد “قاسم عبد الأمير عجام” في مذكراته كيف توجّه الجنود الأميركان الذين احتلوا الحلّة إلى مرقد “الكفل” لزيارته (ينحنون ويعتدلون ) .
وقفة :
——–
ولأننا ذكرنا مذكرات الشهيد عجام الخطيرة ، فأود أن أذكر عرضا موجزا لها فيه عبرة لمن يعانون من “صراع الهويات” كما يريد بعض النقاد تبرير سلوك زينة الخياني :
( في مذكراته (القابض على الجمر) ليوم 6/4/2003 وتحت عنوان ( رتل الكلاب المسرّفة ) كتب الصديق الشهيد ( قاسم عبد الأمير عجام ) الذي اغتالته أيدي الإرهاب الآثمة يوم 17/5/2004 يشرح المعاناة العاصفة التي ألمت به وهو يرى رتل دبابات الغزاة يطأ تراب مدينته المقدس ( ناحية المشروع ) : ( فاضت روحي بالآلام ، وهممت مسرعا لأفتح الباب الخارجي فأنظر إلى رتل الغزاة … فلحقني أحد أبنائي ليعيدني إلى الداخل محذرا من عدوانيتهم المتناثرة . سحبني إلى الداخل واستجبت له فقد كنت موقنا أن كل غضب الدنيا وحزن كل العراق يشتعلان في عيوني ، وكنت مشتعلا بكل لعنات الصبر والتحمل على من أوصل الوطن إلى هذه اللحظة مما كان لابدّ له أن يدفعني لحركة ما أو فعل ما : بصقة كبيرة عليهم – على الأقل – أو حجارة هي أثمن من كل الحديد الراعد الذي جاءوا يرهبوننا به ، مما كان سيجعلني عرضة لوحشيتهم أو هستيرياتهم .. فعدت وارتكنت إلى جدار بيتي أدقّ عليه رأسي التي أثقلها الغضب الحزين أو الغضب المأسور بكبت السنين ، ثم لم أطق صبرا حتى على تلك الوقفة المنكسرة فصرت أدور حول مبنى بيتي – الق– ص 419 ) . ومن يعرف سيرة حياة الشهيد أبي ربيع سيتأكد أن هذه المذكرات هي درس في التربية الوطنية . لقد كان قاسم شيوعيا معروفا وقد تعرض بسبب انتمائه هذا للسجن والتعذيب والملاحقة منذ الستينات ، ومنع عليه حتى العمل وفق شهادته وكفاءته العالية المعروفة . وصل حاله حدا- كما يكتب يوم 20/2/1967 – أن يصاب بالإكتئاب لأنه لا يملك حتى مبلغ مال يمكنه أن يذهب لمقهى دون أن يضطرب حاجة وعوزا ، وموعد محاكمته يقترب : فهل أذهب إلى المجهول خالي الجيب وإلام سأظل أستدين ؟ ). وفي السبعينات حيث كان يتوقع أن يكون حاله أفضل حوصر سياسيا وفرضت عليه البراءة بطريقة خانقة ومذلة صار يعد نفسه فيها الميت الحي : كتب في 6/1/1979 :                                                                                                  (في البيت التقينا بشقيقتي وزوجها وأطفالها، وكان البيت ميدانا للركض وملعبا للكرة. لكن الطاحونة دارت. الحديث إياه: إستسلم استسلم يا أبا ربيع فما عادت المقاومة تجدي ، إخلد إلى الهدوء وانعم بالبركة فالكل فعلوها قبلك ، والصغار سجلوا في (الطلائع) وأمهم بدأت عملها في الحزب ، وسينضم أبوهم غدا ، فمتى ستفعلها أنت ؟ القرار ، واضح . الكل في حزب الدولة ولا غيره منبر أو كيان أو حركة . وكالعادة أضافت لهم السيدة الوالدة مقولاتها المعتادة ورغبتها في الأمان وراحة البال وحاجتهم إلى سلامتي وبدأت تعيد قصص من عُذبوا حتى الموت .                                                                                                  كفى كفى . ودارت في الذهن أحاديث البارحة مع عديلي ، مطاردته حتى إرغامه على (التوقيع) – آه من التوقيع – قلقه على أخته الطالبة الجامعية ، صور التعذيب التي حدثوه عنها ، وتهديده باختطاف ابنته الطفلة الوحيدة وربما زوجته .. و ..و .                                      غادروا مساء . تمنوا لي السلامة والصبر على المكروه ، فودعتهم وعدت أجتر همومي مذهولا : كيف وصلت إلى هذا المنعطف ؟ كيف أصبح ممكنا أن أفكر أنا ، أنا ، بإمكانية ولوجه ؟ من منا الجبان ومن منا الشجاع ؟ الذي يموت تحت التعذيب وهو يدري أنه كان يركب سفينة مخروقة أم الذي يقرر الانتقال إلى سفينة أولئك الذين حاصروا السفينة الأولى ودفعوها نحو الهاوية ؟ ولكن هل يستطيع أحد أن يقرّر ؟ وهل بمستطاع أحد في بلادنا أن يقرر لنفسه موقفا ؟ لست أدري شيئا ، ولا أعرف إلا أني حوصرت في عنق الزجاجة وأن الحياة ما عادت ممكنة بدون ركوب سفينة الحزب الحاكم ، القرار صريح أن تركب معنا أو تغرق في بحر الدم والعذاب ، ولست أريد أن أخسر الحياة في معركة خاسرة مقدما من أجل ناس تنازلوا عن سبب المعركة وأهدافها . فمازال في القلب والرأس طموح بالعمل والخدمة . نعم ، الخدمة العامة ، والإبداع والسعي إلى حياة أخرى أجمل وأنظف – ص 166). ثم كتب في 11/1/1979 :(أخيراوقع المحذور . جاء أحد (زوار الفجر) واقتادني إلى المركز ومنه إلى المقر حيث مات الذي أحكي لك قصته ، وخرج من عنق الزجاجة شخص آخر مخذولا مذهولا يتلمس طريقا جديدا . فيا للحياة في هذا البلد من مهنة شاقة – ص 167) . مُنع قاسم من إكمال دراسته العليا . وسيق في قواطع للمهمات الخاصة في الجيش الشعبي رغم كبر سنه لفترات متطاولة ذاق فيها عذابات جسيمة وتعرض للموت أكثر من مرة ( راجع يومياته في المبحث الثاني ( من يوميات الحرب ) على الصفحات 181-330) وذاق مرارة فجيعة الإنسحاب المذل عام 1991 ثم عانى العوز الشديد في سنوات الحصار العجاف ، لتتوج مسيرة عذابه باحتلال بغداد الأم وحرقها وسلبها على أيدي الرعاع وعملاء الأجنبي الذين سبقوه وأعضاء جيش (إنطوان لحد) –راجع الصفحات الخطيرة في المبحث الرابع : من يوميات المخاض الأخير، ص 397-449).. ورغم هذه المحاصرة والإذلال والمهانة والجوع والعوز والإجحاف يحاول قاسم الحبيب الهجوم على الأمريكان الخنازير الغزاة بيديه العاريتين الكريمتين أو البصاق عليهم .. وعندما لم يفلح صار يضرب رأسه في الحائط . نسمع عن البعض من آكلي أثداء أمهاتهم دُربوا في المجر على استقبال الغزاة بالورود وحرق المؤسسات الرئيسية في بغداد .. ثكلتهم أمهاتهم . موقف الشهيد قاسم عجام ومذكراته التي تعكس روحه الوطني الغيور هي درس في التربية الوطنية التي تعرضت للتشويه القاسي عبر عقود طويلة حتى صار المواطن العراقي لا يميز بين وطنه وبين الحاكم الزائل ، ولا بين أرض وطنه ومقر الحزب . أدعوا إلى نشر هذا الكتاب بأوسع صورة وأن يُحفظ في المكتبات المدرسية والعامة وأن تُعقد الندوات الموسعة لمناقشته واستقاء الدروس والعبر منه . وفي الختام لابد من تحية وافرة للدكتورة (نادية غازي العزاوي) التي بذلت جهدا هائلا في جمع هذه المذكرات والتقديم لها بمقدمة وافية محبة ، ولدار الشؤون الثقافية التي أصدرته بحلة جميلة تذكرنا بأيام مجدها الطباعي والفكري . ( القابض على الجمر – من مذكرات ويوميات الشهيد قاسم عبد الأمير عجام – (1945-2004)- دار الشؤون الثقافية- بغداد- 2009). في ختام يوميات يوم3/8/1986يتساءل قاسم: أية حياة تمضي بالعراقي أو يمضي بها ؟ لعلها ستبقى وإلى أمد بعيد أحد الأسئلة التي ستتعب كثيرا من علماء الاجتماع والنفس حين يطلون على سجلنا هذا). ومن الغرائب أن مذكرات الشهيد قاسم عجام قد كتب رسالة توصية نشرها الشهيد (كامل شياع) الذي أغتيل في العام الماضي.. فأية حياة، حياة العراقيين هذه؟ وإلى أين تمضي بنا؟.
وقفة خطيرة :متى بدأت عمليات قطع رؤوس الأميركان في العراق :
——————————————————————  
ويبدو أن زنزن قد فرضت علينا العناء الباهض في ملاحقة أدق إشاراتها حتى لو كانت عابرة وسريعة، والتي يمكن أن تسمم ذاكرة القارىء العربي ، والأجنبي ، بل حتى العراقي القابض على الجمر حسب تعبير الناقدة نادية العزاوي المحكم وهي تصف محنة الشهيد قاسم عجام . الحرب تدور الآن وبتخطيط من الأميركان والصهاينة على ساحة الذاكرة العراقية ، وكما يقول ميلان كونديرا ، فإن صراع الفرد ضد السلطة هو صراع الذاكرة ضد النسيان . لقد شخص الطبيب مرض الجدة وعلاجها الذي يتمثل في عملية لتغيير مفصل الركبة ، وهي فرصة استثمرتها زينة لكي تشبع من حكايات ووصايا جدتها الوطنية والتاريخية المحملة بالدروس ، فقررت أن تُجري لها العملية في عمان ، وأن تأخذ إجازة من الجيش لمدة أسبوعين تقضيها في عمان ، فتتوفر فرصة اللقاء الدافيء الحميم . وقد يسألني قاريء من أين ستدفع زنزن الكلفة الضخمة لمثل هذه العمليات – أعرف الكلفة كطبيب – ؟ فأقول : الإحتمال الوحيد ، وبفعل تاريخها الشخصي المالي المتواضع ، هو أنها ستدفع من دولارات الخدمة القتالية .. وهي في أصلها دولارات جمعت من دماء العراقيين الأبرياء . المهم من جاء بالجدة بسيارة تاكسي ، ليس حيدر ابن طاووس بل هو مهيمن إبن طاووس الثالث المقاتل في جيش المهدي الذي ستجعله إنعام عاشقا رومانسيا شفافا . والمهم أيضا- وهذه هي مهمة هذه الوقفة- تصف زنزن تداعياتها لحظة وصول جدتها مع مهيمن :
(أنا تعبت من المخططات البوليسية للخروج من المعسكر ، ومن التحايل على التعليمات المشددة للجنود والمترجمين بالأخص . كانوا يصطادونهم مثل العصافير ويذبحونهم مثل الخراف . لا أحب هذا المصير لكنني أريد أن أشبع من جدّتي رحمة – ص 126 ) .
وحين يقرأ أي قاريء عربي أو أوروبي لطيف وإنساني هذه الفقرة سيعتقد أن الجنود والمترجمين الأميركان كانوا يذبحون وتقطع رؤوسهم ظلما وعدوانا . ما سأنقله لكم هو تأريخان في غاية الأهمية . فلقد حاول الأميركان الغزاة – كما تحاول زنزن عمدا أو بسبب خفتها ، ولكن لا عذر للمؤلفة – تصوير أن فاجعة تعذيب واغتصاب العراقيين والعراقيات في معتقل أبي غريب جاء كرد فعل على كارثة قطع رؤوس الأميركان وكثأر لها . خذوا هذه المعلومة وهي موجهة للصحفية القديرة التي يجب أن لا تخفى عليها هذه المعلومة بمعرفيتها العالية :
لقد نشرت وسائل الإعلام صور فاجعة أبي غريب في التاسع والعشرين من نيسان 2004 ، ثم حصلت أول حادثة من حوادث قطع الرأس الأحد عشر في العراق بعد إثني عشر يوما . فمن هو الفعل العدواني الأسبق ؟
عودة :
———
.. الآن تم نقل زنزن من المنطقة الخضراء في بغداد إلى قاعدة أميركية في الموصل ، وهناك تعرفت على مالك الحزين ، المترجم المتشائم، الذي أرادت أن توصل إليه – كطرفة – قائمة بالمفردات الأكثر تداولا بين العراقيين مما نزل على بريدها الإلكتروني :
“مولّدة، ماكو كهرباء، ماكو ماي، إزدحام، مفخخة، حرامي، 20 لتر، ثلاثة دفاتر، حصّة، عركة، مات، إنخطف، فلت، إعتيال، إيراني، دستور، واوي، بنزين، علّاس، صولاغ، مخموط، إنفجار، الله يرحمه، خطيّه، هاون، بريمر، أمريكان، تحشيش، ماكو شبكة، كلاوات، فيدراليّة، سلامات”. (ص 124) .
هي طرفة أو مزحة يتداولها أمثال زنزن على الإنترنت، لكن هذه المزحة سوداء تلخّص كل عذابات العراقيين التي جاء بها وخطط لها وفاقم أوجاعها الغزاة الأميركان . وأود تذكير زنزن بأنها كانت تقول لجدتها الناقمة على عملها مع المحتل إنهم جاءوا ومعهم الخلاص (ص 117) في حين كانت الجدّة التي تكشف الأفكار كعرّافات بابل تتمتم : “الآتي أعظم .. سترك يا ربّ” .. وقائمة المفردات الخلاصة لعذابات العراقيين التي تندّرت بها المواقع الإلكترونية في عام الإحتلال 2003 ، أليست – وأسأل زنزن والكاتبة- هي نفس قائمة الجحيم في عام 2011 ؟ . كم أود أن تعاتب زنزن الرئيس “بوش” لأنه وعدنا بإضافة الهمبرغر إلى البطاقة التموينية في عام 2003، ولم يف بوعده حتى الآن ؟ إنعام صحفية مشهورة تستطيع إيصال شكوانا في بلدها الديمقراطي الحاضر (فرنسا) الذي كان يرمي الجزائريين مقيدين في نهر السين (رمى 3000 منهم ). هل تريد مصدرا ؟ إنها صحفية قديرة والبحث عن مصدر وصحة المعلومات من أهم واجباتها ؟!
تلويث الجدّة :
—————-
وبموافقة الجدّة المسكينة على المجيء إلى عمان لإجراء عملية تبديل مفصل ركبتها ، بدولارات حفيدتها الأميركية ، يمكننا القول إن هذه الحفيدة المخرّبة قد أفلحت في تخريب آخر دفاعات المجتمع العراقي المُحتل المحطم . فقد أذعنت الجدة ، بفعل تغييب وعيها الذي سببته محبتها المفرطة لحفيدتها التي لا ترحم لاشعوريا إلا بعد تجتاز عتبة “تلويث”أي أنموذج نقي مقاوم .. فهمّ الخائن والعميل هو أن تتساوى السطوح الأخلاقية تماما . لا وجود لمنخفض خياني آثم ومرتفع مقاوم صابر مقابل يذكّر بالإنحراف أبدا . ويجب أن يدرك القاريء الكريم أن هذا الجهد ليس موقفا شخصيا من زنزن بل هو نتاج فلسفة غربية شاملة تربت في ظلها أكثر من نصف عمرها .
الآن فقدنا – ولو وقتيا – كمتلقين عراقيين (وبدرجة أقل بكثير كمتلقين عرب وأجانب ، ولا أعلم كيف يتحدثون عن موت المؤلف وعن فصل النص عن حاضنته الاجتماعية ) حصننا الحديدي الذي لذنا به بفعل مخطط إنعام الرائع ، حضن الجدّة المقاومة، المولودة في عام 1917 ، الأمينة على تراث عريق من الإيمان بالوطن بلا طائل ، فالوطن يسير على سكّة تاريخية لعينة تسلمه من محطة خراب إلى محطة خراب عبر سلسلة ليس لها نهاية منظورة . لقد خلق الله العراقي وهو يبكي !!. لقد أفلحت الحفيدة لأمريكية بدولاراتها الدموية في تلويث الجدّة الرمز والأنموذج .. فعلى الدنيا السلام .
# تلويث مهيمن :
——————
لقد أخطأ بعض النقاد حين قالوا إن زينة لم تكن تعرف بأن مهيمن هو واحد من إخوتها الستة في الرضاعة. وواقع السرد يفصح عن حقيقة مناقضة. فعلى الصفحة (74) وبعد أن أنهت الجدة زيارتها لحفيدتها الأميركية وأوصلتها إلى السيارة التي أقلتها إلى القاعدة الأميركية، وشاهدت السائق الغريب ، أخبرتها الجدة بأنه (حيدر) إبن طاووس وهو أخوها بالرضاعة. وعلى الصفحة (78) حدّثتنا زينة عن معلومة كاملة عن مهيمن شقيق حيدر الذي عاد من الأسر إسلاميا متطرفا بعد أن وقع فيه شيوعيا منفتحا . إذن هي تعرف أنه أخوها بالرضاعة. وتعرف كمترجمة وإنسانة قاربت الثلاثين وفي مجتمع “متحضّر” أن من المستحيل عليها أن ترتبط به خصوصا وأنه الآن ، وهذا ما عرفته يقينا وكررته كثيرا، يحمل عاملا مانعا أشد ضراوة ، فقد ذهب شيوعيا كان من الممكن أن يتجاوز هذا العامل الديني، ولكنه عاد أصوليا وعضوا في جيش المهدي، ومن المستحيل أن يخرق هذا “التابو”. (طبعا للسيّدة الفاضلة أوبرا وينفري رأيا مغايرا فقد عرضت علينا حلقة خاصة وكاملة من برنامجها الشهير عن آباء تزوجوا بناتهم وأبناء تزوجوا أمهاتهم !!!!!!). وبرغم معرفتها لكل هذه المحرّمات أصّرت على بناء قصة حب معه. ومن خلال تحليل سلوكها ومحنة نبذها واختزانات عقدها الثأرية، أرجّح أن الدافع الرئيسي هو السعي لتلويث “مهيمن” أيضا كرمز يوازي الجدة ، وكلاهما من المجموعة “الضالة” و”المتخلفة” و”اللاحداثية” التي مازالت تلهج بغباء بأشياء اسمها هوية ووطن وتراب مقدس . تقول زينة:
(أنا غريبة حتى عن جدتي، أمّ أمّي. إن حيدر ومهيمن وطاووس أقرب إليها مني لأنهم ظلوا، عراقيين خلصا. ذهب ليرة. لا تشوب وطنيتهم جنسية أخرى. يندفع الدم إلى شرايينهم حين يُذكر اسم العراق. كوكب درّي فذ في المجرات. يغنون لبغداد بانخطاف دراويش يدورون حول أنفسهم وأصواتهم غائرة من التهجّد. كأنهم مأخوذون إلى نقطة قصيّة. أرواحهم شاخصة إليها : مدينة السلام، المدوّرة، الزوراء، موطن ألف ليلة، بغدااااااد قلعة الأسود – ص 131 ) .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| نضال العزاوي : “وطنٌ يبكي بدلاً عنا… ” قراءة في جديد مصطفى غريب.

    محاكاة العقل للوضع الآني ارتباطاً مع التاريخ وتصورات حول المستقبل وطنٌ يبكي بدلاً …

| احمد عواد الخزاعي : فنتازيا خضير فليح الزيدي في رواية ” يوتيوب “.

صناعة الشخصية الديناميكية المدورة، سمة امتاز بها الروائي خضير فليح الزيدي، فمعظم شخصياته الروائية، تكون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.