| صباح الأنباري :نهر مارتيزا.. الحد الفاصل بين عالمين قراءة في رواية ستار التميمي (نهر مارتيزا).

عن دار أمل الجديدة صدرت للروائي العراقي ستار التميمي المقيم في أستراليا روايته الجديدة (نهر مارتيزا) وهي من الروايات القصيرة (195 صفحة وبواقع 11 فصلاً) من الحجم المتوسط. عنوان الرواية مأخوذ من عنوان فصلها الموسوم (نهر مارتيزا) ومع أهمية هذا الفصل وموقعه المتميز (وسط الرواية) إلا أن الكاتب لم يمنحه رقما أو تسلسلا كما هو حال الفصول الأخرى باستثناءات محدودة (الفصل الأول) وقد تركه سائبا عائماً من صفحة 86 – 92 وهو الحد الفاصل فعلا بين عالمي الرواية ومن هنا تتكشف لنا قصدية العنونة وفحواها ارتباطا بشخصيتها الرئيسة (رائد) الذي يمتهن الاتجار بالبشر. حدوديا يفصل هذا النهر تركيا عن اليونان وهو نهر سريع الجريان يصب في بحر ايجه. وبعبوره يصل المهاجرون الى أوربا كسيلٍ لا ينقطع على مرّ أيام معاناة الناس والقسوة التي لا تنتهي في بلدانهم (الأم). الرواية كتبت بدرامية برزت فيها الأفعال الديناميكية بوضوح مما عزز عملية الصراع وأججها حتى بلغت ذروتها التشويقية القصوى ليتابعها القارئ بشغف ويتسابق مع حركة أفعالها لبلوغ النهاية حتى يمكن أن ينجز قراءتها بجلسة واحدة أو جلستين على الأغلب. تبدأ الرواية من مطار إسطنبول، ومن لحظة وصول الطائرة العراقية وهبوطها فيه، وتهنئة المسافرين بسلامة الوصول. وهذا يعني أن الأحداث جلّها ستجري في هذه المدينة الساحرة من مدن تركيا التي حدد الكاتب هويتها في أنها “أخذت من الكتاب والمؤرخين زمنا ووقتا ليسا بالقصيرين. فمن حكايات السلاطين والأمراء وقصص العشق والخيال الى اللصوص وقطاع الطرق وتجار المخدرات والمافيات” وكان أكثر ركاب الطائرة من العراقيين وأغلبهم من المغادرين بلا رجعة على حد تعبير الكاتب. في هذه المدينة تبدأ أحداث العالم الأول وتتضح سمات الشخصية الرئيسة (رائد) وهو عراقي خبر المدينة وأسلوب حياتها وفقد الثقة بالجميع احترازا من القادم المجهول، وخشية من الخيانات التي تتكرر في هذا المكان وفي مهنة كالتي صار يمتهنها بحرفية وذكاء، وعلى الرغم من سوء مهنته إلا انه لم يتسبب يوما بأذية أحد أو مقتل أحد كما حدث ويحدث مع غيره من الذين امتهنوا هذه المهنة (تهريب البشر) وقد غلف شخصيته اليومية بقناع تاجر ملابس له محله الخاص الذي وسع دائرة معارفه مع كبار التجار والمسؤولين في الدولة. وهذا جعله يجزل العطاء وينفق الأموال الطائلة على جلسات المسؤولين الحمراء. لقد عمل بمنتهى الكتمان والسرية التامة حتى أن صديقه الذي يعمل تحت إمرته مباشرة لم يعرف أو لم يدعه يعرف انه هو من يدير عمليات التهريب من ألفها الى يائها تحت مسمى (التمساح) حتى الشرطة ورجالات القوى الأمنية لا تعرف من هو التمساح ولا كيف تلقي القبض عليه. ومن أول الرواية جعلنا الكاتب نثق بهذه الشخصية التي تحب الآخرين وتعمل على تسهيل أمورهم في اشد المواقف حرجا ونضرب مثالاً على هذا بعد هبوط الطائرة وفي مكتب الأذونات والأختام أملى الضابط التركي على المسافرين الشروط القانونية للحصول على موافقة الدخول وبخلافها يعود المسافر من حيث أتى. والشرطان الرئيسيان هما أن يكون مع كل مسافر مبلغ 2000 $ مع حجز فندقي. فاضطرب المسافرون خاصة أولئك الذي لا يحملون مبلغا كهذا وما كان من (رائد إلا أن تقدم من الضابط لينجز له معاملة امرأة مع طفلها ثم أتم بعد ذلك بقية المعاملات بعد أن دسّ في جيبه مبلغ 1000$ ووعد بقضاء ليلة حمراء معه في الفندق. وهكذا علت صرخات الشكر التي حيّت شهامة هذا الرجل العراقي الذي قدم لهم المساعدة على طبق من ذهب. لقد جعل من المرأة وطفلها عائلة خاصة لصديقه كحيلة مثالية لخداع الضابط المرتشي. وقد اطمئن الضابط بعد أن رأى الصك المحوّل الى رائد بمبلغ كبير. وبهذا اجتاز الجميع العقبة الكأداء التي أوشكت أن تطيح بآمالهم الكبيرة في الخلاص من بلدانهم وظلمها وظلامها. كان رائد حريصاً على أن يكون صديقاه على درجة عالية من الحذر الشديد، وان يبتعدا عن كل حديث من شأنه أن يفسد عليهم عملية مغادرتهم الى ارض الخلاص الموعود. وتستمر الأحداث على هذا المنوال مع شيء من التغيير الذي فرضه التسلسل المنطقي للرواية وفيه يكتشف الصديقان (سعيد وأحمد) أن رائدا يمتلك شقة في إسطنبول مع علمهما انه كلما زار بغداد فانه ينزل في بيت خاله وهذا يعني لهما انه ليس من ميسوري الحال. لقد غلف الكاتب هذه الشخصية ببعض الغموض الذي جعل مهمة اكتشافها مرهونة بفطنة القارئ، وتوقه لمعرفة الجانب غير المكتشف من الشخصية أو المسكوت عنه حتى هذه اللحظة وهذا ما أمدَّ النص بجرعة تشويقية مضافة بذكاء وحنكة تقنية في الكتابة. في الفصل الثاني وفي الفندق يضيف لنا الكاتب شخصية أخرى هي شخصية صاحب الفندق الذي رحب برائد وصديقيه أجمل ترحيب باعتبارهم تجارا كبارا أو هكذا ترك رائد انطباعا لدى صاحب الفندق عن مرافقيه. لقد أشاد صاحب الفندق برائد كونه يمتلك شقة جميلة جدا في حي راق وكبير ومع هذا فانه يفضل السكن عنده في الفندق وهذا كله وضع الصديقين موضع تساؤل عن حقيقة امتلاك رائد لشقة كبيرة في إسطنبول وما إذا كان تاجرا كبيرا فعلا! أو كاذبا كبيرا حين جعل منهما، أمام صاحب الفندق، تاجرين كبيرين. وفي هذا الفصل أيضا ثمة تلميح مهم لشخصية (ليانا) صديقة رائد الحميمة وموضع ثقته العالية. لقد منحنا الكاتب اغلب إن لم أقل كل المعلومات التي تجعلنا قادرين على الخوض في تجربة روايته المثيرة منذ البداية وهذا ما تفعله اغلب الروايات القصيرة الناجحة. في فصل لاحق يفك الكاتب عقدة الشخصية المهاجرة وهي عقدة جنسية يحل طرفيها بجلب فتاتين جميلتين جدا يقضي صديقاه معهن ليلة من ليالي المتع الحمراء التي لم يحلما بها يوماً. وبعد أن يعرفا عن صديقهما أنه يمارس التهريب الذي تأهل له بعد تجربة مريرة في الجيش، وخوضه المعارك أيام الحروب الطاحنة التي وسمت حياته بقسوة تتطلبها هذه المهنة. وبهذا يكون الكاتب قد منحنا الخلفية الخاصة بشخصية الرواية الرئيسة.

 إن من أجمل ما قدمته الرواية هو أنها أعطتنا ملمحاً عن فعل معين فيها ثم تغدق علينا بتفاصيل ذلك الفعل وهذا ما حصلنا عليه من التلميحات الفنية الخاصة بالتهريب من خلال المكالمة التي تمت بين رائد ومهند حول تجارة الملابس والتي يصعب فهمها بطريقة مغلوطة أو تأويلية يوفر الدعم الواقعي لها محل الملابس الذي يمتلكه رائد فعلا في إسطنبول. الكاتب وعبر فصول روايته أتقن لعبة ضخ المعلومات التي يريد إيصالها انطلاقا من حياة الشخصية الرئيسة (رائد) حتى انه نجح في إقناعنا بضرورة الهجرة. مع أن وجهة نظر رائد تخالف فكرة مغادرة الوطن مخالفة تامة.

سعيد: قل لي ألا تفكر بالهروب الى بلد ما؟

يا صديقي أنا مصر على أن أموت وأدفن في بلدي،

فهو لا يحتمل فكرة أن يكون لاجئاً. وهو ينصح المهاجرين على عدم المغادرة وركوب الأخطار مع انه هو من يقوم بتهريبهم مقابل أموال باهظة. رائد إذن شخصية إشكالية مركبة ومعقدة يصعب فهمها من الناحيتين: النفسية والاجتماعية، فضلاً عن السياسية. ثمة مصطلحات مهنية جديدة متعارف عليها بين رائد ومهند تختص بعملهما وبالمعلومات التي ينقلها أحدهما للآخر وكلها تخص عملية التهريب من تركيا الى أوربا. وفي فصل (النفرات) ثمة معلومة مهمة تتعلق بعدد الـ(النفرات) المراد تهريبهم وقد تضاعف فبلغ 48 هارباً من جحيم البلدان ذات الأنظمة الشمولية وهو عدد لم يقم بتهريبه رائد من قبل حرصا على عدم إثارة انتباه الدوريات الحدودية التي كثيرا ما تفتش الغابة وما يحيطها من الأمكنة المتوقعة لاجتياز الحدود. وقد قرر أن تكون هذه العملية هي الأخيرة في هذه المهنة الخطرة. وبعد أن يعدّ رائد العدّة لعبور النهر بواسطة حبل غليظ مربوط بين جهتيه، تعبر المجموعة الأولى وتليها الثانية ولكن من مساوئ الصدف أن يتعثر أحدهم فيسقط من يديه طفل صغير لا يستطيع اللحاق به وإنقاذه وكان يمكن أن يموت غرقا لو لا أن صادف وجود بعض رجال الشرطة الأتراك وقد استطاع أحدهم انتشال الطفل من بين أمواج النهر السريعة الجريان قريباً من مصبّها في بحر إيجة. هذا الحبل هو الحد الفاصل بين أفعال الشخصية الرئيسة (رائد) أفعالها قبل التهريب وبعد التهريب: قبله كاستعدادات دقيقة جداً وبعده كضمانة لعدم انكشاف أسراره الغامضة. عند هذه النقطة ينتهي القسم الأول من الرواية ويبدأ قسمها الثاني والذي تتمثل فيه الاستعدادات السريعة العاجلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل الوقوع في أيدي الشرطة التركية. لقد عرفت الشرطة من يكون التمساح وعملت المستحيل كي تلقي القبض عليه لكنه كان دائما يتقدم عليها بخطوات واثقة جعلته في مأمن منهم. بسرعة باع محل الملابس واستلم المبلغ المودع عند صديقته ليانا وسحب أمواله المودعة عند صاحب الفندق – بينما الشرطة تتحرك وراءه أينما حل وحيثما رحل – بدهاء رجل العصابات تمكن من أن يحجز له مقعدا في طائرة مغادرة الى العراق وبجواز سفر مزور. ومن الطائرة اتصل بأحد المسؤولين الذي كان موقفه ضعيفا أمام السلطات الأمنية ومشكوكا بأمره (السيد دنيز) وقال له سأكشف لك عن أسماء المهربين كلّهم. انتظر رسالتي. وصلته الرسالة مفصلة وأعطى (دنيز) المعلومات كلّها للسلطات الحكومية وصار بذلك خارج الشكوك. عموما القسم الثاني من الرواية بدا أكثر فاعلية وانشط حركة من قسمها الأول بل وأكثر شغفا لتعلقه بمصير رائد الذي صار القارئ على معرفة به ودراية بإنسانيته وخلقه النبيل، لقد قام الكاتب بتبييض صورة رائد حتى غدا شخصية محبوبة ومهمة تابع القارئ آثارها ومصيرها، وما إذا ستنجح فعلاً في التخلص من الشرطة التركية وقواها الأمنية. يعود رائد الى العراق بطائرة عراقية تاركاً خلفه السؤال الآتي: كيف سيعمل في العراق وهل سيتسنم منصباً على شاكلة أمثاله ممن صار يحكم البلد ويعيش على سلب ما يمكن سلبه أو تجييره لصالحه كفرد أو كمجموعة أفراد يجمعهم جامع واحد هو نهب ثروات البلاد التي صارت أسهل وأيسر من نهب ثروات الهاربين من البلد نحو مدن الخلاص المزعوم؟ تحية للكاتب التميمي وهو يتحفنا برايته الجديدة (نهر مارتيز) بعد (قضية عفاف) و( (The Last Gateway.

 

***

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فراس حج محمد : الزمكانيّة المصاحبة للنصوص الأدبيّة وأثرها في توجيه النصّ.

ماذا يستفيد الدارس من تثبيت الشاعر أو الروائي لزمان كتابة النصّ ومكانها؟ سؤال طرحته كثيراً، …

| د. فاضل حسن شريف : النقد في القرآن الكريم .

لا توجد كلمة بحروفها او مشتقاتها في القرآن الكريم تشير الى النقد. ولكن من تعريف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *