| طالب عمران المعموري : بنية النفي ودورها في انتاج الدلالة( لا أودعها أسراري … ) قصيدة للشاعر جبار الكواز مقاربة اسلوبية .

شفافية شعرية روحاً تتماهى في جسد لغة.. انحرافٌ لغوي ومفارق ، وعلاقة وشيجة بالجمال ، شعرية لاتحد بقياس تنفتح على معطيات نفسية (لا أودعها أسراري … )  عنونةٌ لنص وجيز منتهية بعلامة حذف… تحيلنا الى التأويل وكأنه يقول لا أودعها أسراري… وبعد … وماذا ؟ فيه واعزاً ومحركاً فضول القارئ من خلال إثارة المستوى البصري، وهي  لا تقل أهمية عن أي مستوى من مستويات الإثارة الشعرية يضفي ايقاعاً بصرياً اضافة الى  الإيقاعات الصوتية في تثبيت الرؤيا، وتعزيز الإيحاء، والبعد النفسي؛ وبذلك يلعب التشكيل البصري دوراً مهما في انتاج الدلالة وتعميق الرؤيا الشعرية ويزيد من فاعلية الجملة ومردودها الايحائي .

 اعتمد الشاعر اسلوب النفي هو طريقة انكار او نقض فكرة أو حجة أو موضوع ويراد به نفي جملة او دليل  وهو ضد الاثبات1

استهل النص ب(لا ) لا النافية التي تدخل على الجملة الإسمية والجملة الفعلية ويبقى التصريف النحوي وحركة الإعراب كما هو وتحتمل الجملة التصديق والتكذيب،

وأنا أتأمل هذا النص كقارئ أول محاولا الاقتراب اسلوبياً والوقوف على  (أدبية النص)..

أظهر لنا الكواز شعريته هذه المرة من خلال هذا النص الوجيز بأسلوبية…تتجسد في لغته الشعرية وكأنه بلسان الحال يقول كما قال جبران خليل جبران(لكم لغتكم ولي لغتي ) لكم من اللغة العربية ما شئتم ولي منها ما يوافق أفكاري وعواطفي

عَبْر منولوج داخلي لإنتاج نص يمر بمخاض عسير من تأمل، وتخيل ثم المخاض الذي يسبق الكتابة ومرحلة الكتابة ذاتها ، كما في نصه :

أصارعُ حروفي وهي تهربُ من اوراقي/ وأنا أراها تشرق خلف ظنون المساء/ جُمَلي الخرسُ حين أكلّمها بأصابعي/

ومن خلال  شاعريته الكامنة المتبلورة من عوامل اساسية تسهم في نموها كالبيئة والعوامل الاجتماعية ، والنوازع النفسية ، والثقافية ، والتجربة والمعاناة ، والفكر والايديولوجيا ، والنقد والتبادل المعرفي ..الخ   تلك الطاقة الكامنة (الشاعرية – المبدع )2 لولادة كيان مستقل وهو النص  (الشعرية – النص) لإيصال رسالة الى قارئ عارف يمنحه تلك الدلالات الذوقية ،لأنه ”  تبقى تجربة الشاعر في جبين الشاعر كالعطر المحبوس في أحشاء البرعم لا ينتفع به حقل ولا تفرح به رابية …”3.

اعتمد الناص  اسلوب النفي الذي يعكس أسلوب حالة القلق الوجودي الذى يعتمل في وجدان الشاعر، ولا شك أن أسلوب النفي يوحى بحيوية التجربة، وقدرتها على التوازي مع تفاعلات الواقع. وإن التعامل مع أداة النفي في هذه الدفقة الشعرية  يتم عن وعى بدورها الدلالي ، كما في : لا أودعها/ لا سؤالي/ لا حزني / لا جملي / لا خطرات / لا زعلي/

يتجلى ذلك النفي  في نصه :

 

لا أوْدِعُها أسراري

المظللةَ بالثقوب.

ولا سؤالي 

ولا حزني

وأنا أراها تشرق خلف ظنون المساء

ولا جُمَلي الخرسُ حين أكلّمها بأصابعي

ولا خطرات  نبضي الى قلبها

لا  زعلي من  أمواج فراتها

ووجد الشاعر (جبار الكواز) في بنية النفي وسيلة فاعلة لرسم  صورة شعرية ملامح هذه اللوحة الحزينة، بكلمات مكثفة   وقليلة يرسخ مفهوماً عميقاً وإحساساً  كاملاً، حيث يعمل على خلق نوع من التوازي بين البنية اللغوية والتجربة النفسية ، تتجلى ارهاصاته النفسية في المفردات الظاهرة في نصه:  ظنون / خطرات / زعلي / أصارعُ / هامسةً /ماكثة / شهيق /

ينفتح النص على فضاءات شعرية بعناصرها الخارجية والداخلية كالتكرار، والغموض والمفارقة والتأويل والصورة الشعرية  والانزياح  ومن تجربة شعرية ، اللغة ، والموسيقى الداخلية والمجاز والاضداد ، كل ذلك له  الاثر الدلالي الناجم عن تلك الاساليب من خلال السياق ودورها في تعالق واتساق نصه دلاليا.

الإثبات والنفي قيمتان خلافيتان تظهران المفارقة بين حالتين متقابلتين وظفها الشاعر بلغة مؤثرة وفعالة، تحرك مشاعر الاخرين وتداعب مخيلاتهم وتلامس اذواقهم  ، وبأسلوب تنافر الاضداد كما في المفردات التالية:

تشرق/المساء، الخرس/ أكلمها ،افول / شروق، تنأى/ تراني، بعيد / قريب ، زوال / شروق

وبلغة وانزياحات بائنة عن فضاءات شعرية بلاغية  مفارقة واضفاء ايقاع داخلي  :

 

أصارعُ حروفي وهي تهربُ من اوراقي

 هامسةً تحت أفولِ شروقها

وماكثة فيَّ

ثمة ما يقودني اليها 

 لعلّني أراها

في آفاق اخرى

  تنأى

 وهي تراني

  بعيدا عني

  وقريبا مثل حبل وريد

   من انت؟!

فقد ورد الانزياح في الانسنة  نراه جليا  في الجمل :

تشرق خلف ظنون المساء/ حين أكلّمها بأصابعي / أصارعُ حروفي/ هامسةً تحت أفولِ شروقهاتنأى وهي تراني   بعيدا عني / شهيق خطواتي/

 

لا أوْدِعُها أسراري

 

لا أوْدِعُها أسراري

المظللةَ بالثقوب.

ولا سؤالي 

ولا حزني

وأنا أراها تشرق خلف ظنون المساء

ولا جُمَلي الخرسُ حين أكلّمها بأصابعي

ولا خطرات  نبضي الى قلبها

لا  زعلي من  أمواج فراتها

أصارعُ حروفي وهي تهربُ من اوراقي

 هامسةً تحت أفولِ شروقها

وماكثة فيَّ

ثمة ما يقودني اليها 

 لعلّني أراها

في آفاق اخرى

  تنأى

 وهي تراني

  بعيدا عني

  وقريبا مثل حبل وريد

   من انت؟!

أانتِ شهيق خطواتي؟!

يغمرني

فأكاد أنْساني

فيك

زوالا

لا شروقَ بعهده…

 

المصادر

  • ويكبيديا الموسوعة
  • الشعرية في ديوان السياب، سعدون احمد ، رسالة ماجستير، الجزائر، جامعة محمد خيضر – بسكرة ،كلية الآداب واللغات ،قسم الادب العربي، 2010 .
  • نزار قباني: الشعر قنديل أخضر ، منشورات نزار قباني ،ط16 بيروت ص114 .
تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فراس حج محمد : الزمكانيّة المصاحبة للنصوص الأدبيّة وأثرها في توجيه النصّ.

ماذا يستفيد الدارس من تثبيت الشاعر أو الروائي لزمان كتابة النصّ ومكانها؟ سؤال طرحته كثيراً، …

| د. فاضل حسن شريف : النقد في القرآن الكريم .

لا توجد كلمة بحروفها او مشتقاتها في القرآن الكريم تشير الى النقد. ولكن من تعريف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *