| د.عاطف الدرابسة :إذا مِتُّ ادفنوني في قلبِ الكلمة ..‎

 
قلتُ لها :
 
انعقدَ الحرفُ واللِّسان
أغلقوا عقلي بالدُّولارِ الأخضرِ
أغمضوا عينيَّ بالذَّهبِ الأصفر
اشتروا لغتي بالنِّفطِ الأسودِ
ومنعوا روحي مِن التَّحليق ..
توقَّفت في مُخيِّلتي 
رغبتي في الكتابةِ 
كما توقَّفت رغبتي الجِنسيَّة
وصرتُ يا حبيبةُ ظِلَّاً للكآبة
أُمارسُ العنفَ مع أحلامي
مع مُعتقداتِي
ومبادئي
كأنَّني سليلُ شرائعِ الغابة ..
 
قرَّرتُ التِّخلي عن أشياءَ أُحبُّها
وقرَّرتُ قبولَ أشياءٍ لا أُحبُّها
لم أعُد قادراً على التَّحليق 
كلُّ أجنحتِي توقَّفَت عن العمل
انزلقتُ من أعلى الحرفِ
وسقطتُ في قاعِ الجُرح
كأنَّني نسرٌ 
صار في لحظةِ تخلٍّ
وشماً في جناحِ ذبابة …
 
تخلَّت عنِّي لغتي 
فتعرَّيتُ
كأنِّي بلا جلدٍ
بلا لحمٍ
هيكلٌ عظميٌّ مُرقَّعٌ بالدُّولار
أو كأنَّني مطرٌ 
لم يتنزَّل من رحمِ سحابة ..
 
نوافذي مُغطاةٌ بستائرَ سوداء
كأنِّي داخلَ العتمِ .. عتمٌ
لم أعُد أحِنُّ إلى حبيبتي
لم أعُد أُحبُّ أن أتحدَّثَ معها
مُخيِّلتي فارغةٌ من الذِّكريات
كأنَّها ثلَّاجةُ الموتى
أو كأنَّها ثلَّاجةٌ خاليةٌ من الطَّعام
أسئلةٌ مُحرَّمةٌ
تخجلُ من الإجابة ..
 
تعفَّنت الورودُ في حدائقِ أفكاري
وتعطَّلَ اللَّهبُ في ناري
وبدَت الصَّفحاتُ التي أمامي
خاليةً من القصائدِ
ومن الأبجديَّةِ 
أراني خارجَ عينيكِ ميِّتاً
لا يُجيدُ القُبَلَ
ولا يُصغي إلى الموسيقى
ولا يستمتعُ ببهجةِ الرَّبيع
كأنَّني عاشقٌ عذريٌّ 
هامَ في الصَّحراءِ 
وفقدَ صوابَه ..
 
أراني كائناً بريَّاً 
خارجَ البحرِ يموتُ
أراني كائناً بحريَّاً 
خارجَ البرِّ يموتُ 
أراني كائناً في مُخيِّلةِ كاتبٍ روائيٍّ
أرادَ أن يصنعَ منِّي بطلاً
تعشقُه النِّساء
يقودُ الثَّورات
يُوقدُ الشُّموع
لكنَّه في نهايةِ كلِّ روايةٍ يموتُ
كما تموتُ في بلادي الحريَّةُ
وكما تموتُ في العقولِ المُتخلِّفةِ 
الذِّكريات ..
 
تخلَّيتُ عن كلِّ الأفكارِ التي تدورُ في رأسي
إلَّا الألمَ والصُّداع 
تخلَّيتُ عن جسدي لكلِّ النِّساء
تخلَّيتُ عن الطَّريقِ
عن المرايا
وتخلَّيتُ عن النَّبضِ في الحنايا ..
 
أُسافرُ بلا عقلٍ 
وأسبحُ في البحرِ بلا رِئتينِ
وكلَّما وصلتُ إلى الشَّاطئِ 
لأُمارسَ طقوسَ الانتحارِ
مثلَ حوتٍ أزرقَ
تخلَّى عن العرشِ 
وباعَ البحرَ للأسماكِ الصَّغيرةِ
وآثرَ الموتَ البعيد
وجدتُني أعودُ إلى الأعماقِ 
لأُعلنَ من جديدٍ 
ولادةَ الأمواجِ
وثورةَ الأعاصير ..
 
يا حبيبةُ :
تخدَّرت ذاكرتي
لم أعُد أفهمُ لغةَ الطُّيور
لم أعُد أشعرُ بالعطرِ
لم تعُد يدايَ قادرةً على العِناقِ
لم تعُد حروفي قادرةً على ابتكارِ الصُّور
كأنَّني كائنٌ من حجر
لم أعُد أُحسُّ بالفجر
باللَّيلِ
لم يعُد جسدي يفهمُ لغةَ الجسدِ
ولم تعُد عينايَ تتهجَّى ما يكشفهُ لها الضُّوء
كأنَّني قلعةٌ صمَّاء
أو كأنَّني قصرٌ مهجورٌ
أضاعَ المفتاحُ بابَه ..
 
بيني وبين الصَّوتِ 
حواجزُ من الصَّمت
بيني وبين الماءِ 
عصورٌ من الجفاف
بيني وبينكِ جدارٌ 
غابَ عنه ظِلِّي
وأقامَ فيه جُرحي
في كلِّ صدعٍ فيه عُشٌّ للعصافيرِ 
التي تخافُ من النَّار
في كلِّ زاويةٍ رسمتُ صرخةً
تنتظرُ الرِّيحَ 
لتخرجَ من صمتِها 
وتقرأَ على الملأِ عذابَه ..
 
هناكَ ..
رسمتُ قصيدةً 
محوتُها كلَّها 
إلَّا عبارةً واحدةً :
إذا مِتُّ ادفنوني في قلبِ الكلمة 
فبعضُ الكلماتِ خيانةٌ
وبعضهُا ثورةٌ وكتابا ..
 
هامش :
من قلبِ الكلماتِ تُولدُ النَّارُ ، وتشتعلُ الثَّورات .
 
تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| محمد الناصر شيخاوي : حديث الغدير .

جَفَّ الغديرُ وما جَفَّتْ مآقينا يا علي لَنْ نَكُفَّ عن البكاء ما حيينا فأعذر حُبَّنا …

| سامية البحري : أيا نفسي ..رويدك..!! .

حين أطبقت عليك لم أعرفك ..لم أكن أنت ..وما كنت أنا ملامحك لا تشبهني وملامحي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *