| صباح الأنباري : قراءة في محورية الشخوص ومركزيتهم في مجموعة (باصات أبو غريب) للقاص -بولص آدم -.

 الشخصية المحورية: هي واحدة من الشخوص الرئيسة في العمل الإبداعي وتختلف عن الشخصية المركزية من حيث موقعها داخل النص، وأهميتها في التمحور حول محور الشخصية المركزية.

 اعتبرها بعض النقاد شخصية ثانوية لأنها تدور في حركتها، وأفعالها، وسلوكها حول الشخصية المركزية (البطل) داعمة له ومتفضلة على القارئ بمنحه المزيد من المعلومات المهمة عنها، وعلى عكس هذا جاء في التعريف المبسط لقاموس (المعاني الجامع) هي شخصية رئيسية في الرواية تدور حولها الأحداث. والحقيقة أن الأحداث لا تدور حولها بل تدور حول الشخصية المركزية حسب، إنها تضفي الألق والهيمنة على الشخصية المركزية فضلاً عن جعلها تستأثر بمساحة شاسعة من النص فتبدو والحال هذه محورا لها، ولنا في (باصات أبو غريب) أمثلة كثيرة على ذلك.

باصات أبو غريب

عنونة تشير الى مجموعة حركات انتقالية بين مكانين: الأول معني بشؤون المجموعة كلّها (أبو غريب) والثاني المرتبط بها كـأداة ممولة لباصات (أبو غريب) وبمعنى آخر هي همزة الوصل الكبرى بين الداخل المغلق (السجن) والخارج المفتوح (المدينة). وهي عنونة لواحدة من قصص المجموعة نظراً لأهميتها، وتركيز القاص عليها، وقدرتها الإيحائية، وتحديدها المكاني المهيمن على مساحة المجموعة كلّها.

وانتقالاً للقصة الموسومة (باصات أبو غريب) سنجد أنها تأسست على شخصية مركزية هي السجّان، والفعل الذي بنيت عليه هو (ضرطة السجان) التي أضحكت السجناء وأثارت رغبتهم في التهكم من سجانهم الشبيه ببائع العرقسوس.

 “قال أنويا ممازحا سمير الحلاوي (النصف مجنون) ما رأيك لو هبطت علينا من السماء باصات تنقلنا الى بغداد؟ نهض سمير وراح يحث الركاب على الصعود الى الباص ثم قاد الباص وهميا باتجاه عمود في ساحة السجن فارتطم وسقط على وجهه وراح دمه يسيح على وجنتيه” نهض واستدار ووقف أمام السجان الذي اكتفى بشتمه قائلا:

  • اجلس يا حيوان

عند هذه الشتيمة الحيوانية المألوفة في السجون، والشائعة في معسكرات الجنود تنتهي القصة. وهي بكاملها تعد لقطة من السجن أو صورة منه. ولم أعرف على الرغم من إعادة البحث فيها عن مبرر اختيارها كعنونة تتصدر المجموعة كلّها كما لو أنها لا تمتلك البديل أو العلامة الدالة على فحوى المجموعة، ورب قائل يقول إن السبب في هذا هو تأكيدها على هوية المكان الذي تعرّف القاص على تفاصيل مساحته وشخوصه. فتماهى في هذه القصة وراء شخصية الراوي العارف بكل شيء فهو السجين المثالي الذي تحصن بثقافته ووعيه وقدرته على مواجهة الظروف المحيطة المؤثرة سلبا على نزلاء السجن. وهو القادر الوحيد على استرجاع الأفعال والأهوال في ذلك المكان المغلق. وإعادة تشكيلها على وفق رؤيته الخاصة المتجاوزة لمحدودية المكان، وان الباصات هي التي تقوم بحركة الانتقال بين العاصمة صاحبة القرار وبين سجن أبي غريب كمكان لتنفيذ القرار.

السجّان هنا يتمتع بقدرة فائقة على التعامل اليومي الروتيني مع السجناء ولا يهمه أن يطلق هذه الصفة أو تلك عليهم ما داموا نزلاء عنده في غرف لا يدفعون ثمن سكنهم فيها. هو كالراعي لهم، والقائد لقطيعهم وعليهم فقط طاعة أمره كما يطيع هو الأوامر الصادرة من سلسلة مراجعه العسكرية. ومع أن هذه الشخصية التقليدية لم تمنح من الصفات التعريفية ما يكفي (داخل النص) إلا أنه لم يفتْنا اختيار تلك الصفات مما عرفناه، وقرأناه، أو سمعناه عنها. لغة الأوامر تستهويها، والطاعة هي دلالتها الى أن أوامرها مطاعة بشكل يريحها ويشعرها بأهميتها الوظيفية كسجّان. وهو مميز بشتائمه التي يوجهها وقتما يشاء الى أي سجين يشاء، وهو المعرّف بسذاجته، ومحدودية فكره، وضيق أفقه، وتبعيته لسلسلة المراجع مثلما يتبع كلب الحراسة صاحبه أنى ذهب ووقتما شاء. ومع أن القصة أشارت الى بعض شخوصها مثل النصف مجنون سمير الحلاوي، وأنويا إلا أن السجّان ظلّ الشخصية المركزية المهيمنة عليها وانتهت عنده جملتها الأخيرة (اجلس يا حيوان). وإذا كان السجان هو شخصية القصة المركزية (بطلها) فان أنويا وسمير الحلاوي هما شخصيتاها المحوريتان الرئيستان.

جملة الأمر (اجلس يا حيوان) لم تغلق فضاء القصة على نفسها بل تركت المجال مفتوحاً على المزيد من الاحتمال، والـتأويل، والرصد للقادم من أحداثها المستقبلية.

   في قصة (العُنقُرجي) وهي عنونة شعبية من مفردة واحدة منحت الرائي من على شرفتها إيحاءً دلالياً مفاده أن المجريات كلّها أو جزءاً كبيراً منها تدور حول شخصية شعبية مركزية هو (العنقرجي) الذي ستغطي شخصيته مساحة القصة كلّها أو جزءاً كبيراً منها، وهذا استنتاج استباقي مفترض حسب السياقات المعمول بها أسلوبيا، وان الحدث الأساسي، على قصره أو طوله، يصب في المنحى الذي اختير له بقصد أو من دون قصد. والعنقرجي مفردة جاءت من الفصيح (عُنقُر) وأضيف لها حرفي الجيم والياء لتدخل ضمن اللهجة الشعبية الدارجة، وتعني كما جاء في قواميس اللغة العربية أصل البردي (وقيل كل أصل نبات ابيض فهو عُنقُر)(1) ولم نعرف بعد ما إذا كانت الصفة تنطبق على الموصوف أو الشخصية التي نحن بصدد متابعة أحوالها وظرفها المعطى قصصياً.

 تصنّف هذه القصة والقصص الأخرى ضمن أدب السجون لوقوع أحداثها في الأعم الأغلب ضمن مساحة صغيرة في سجن كبير رهيب هو سجن (أبو غريب) الذي أخذت تسميته من اسم المدينة التي تبعد 32 كلم عن بغداد العاصمة. ثم صار يعرف بعد الاحتلال الأمريكي (2003) باسم (سجن بغداد المركزي) وذاع صيته دولياً بعد الفضائح الرهيبة التي ارتكبها الجنود الأمريكان وقتذاك في دهاليزه.

السجن هنا يعني الحرمان شبه التام مما يرى السجين أو يسمع، وبمعنى آخر هو استلاب أكثر من حاسة بشرية يعقل الإنسان بها ظرفه المحيط، ولهذا فان مشاهدة كلب واحد لائذ بمزبلة السجن أمر يعكس مدى العطل الحاصل في رؤية أبسط ما تعودت عليه الرؤية اليومية المطبّعة في بلد قائم على الاضطهاد والاستلاب ليس للحواس البشرية حسب، بل لكل ما له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بذلك السجين. في المدينة وشوارعها تبدو أغلب الأشياء معتاد عليها ولكن حين يحرم السجين منها قسراً وظلما فأنه يفاجأ بمشاهدتها بعد انقطاع طويل ويسأل عن كيفية وصولها الى بؤرة الحرمان الوبائية (مزبلة السجن) وهذا ما حصل بالضبط في مطلع قصة (العنقرجي):

(مرت فترة طويلة لم نرَ فيها كلباً، الحيوان الوحيد هنا هو قمل الرأس الذي يعيش على دمنا)

فهل يؤدي انعدام حاسة الرؤية أو تعطلها الى تفعيل حاسة أخرى مثل الملامسة؟ استنتاج توصل إليه القاص بنباهة مفرطة. وهو ما ينطبق على فاقدي البصر فالأعمى وبسبب العطل في عينيه فان حواس أخرى تحاول التعويض عما فقد تحت أي ظرف كان. إن وجود القمل في رأس السجين الذي أزاح الحيوان (الكلب) هو البديل التعويضي، ليس عند السجين فقط بل عند السجناء جميعاً، وهو الحيوان الملامس الوحيد داخل زنازين السجن. ولم يكتفِ القاص بهذه الإشارة الدلالية إذ أضاف ما يشير الى طبيعة العلاقة بين السجين والسجان، وبهذا شكلت البداية نقطة تنوير شديدة الإضاءة لمجمل ما سنقرأه في متن القصة. ولعل طبيعة الحوار بين هذين الاثنين يكشف عن المزيد من مزايا تلك العلاقة:

– أستاذ جميل لا تهتم انه مجرد كلب

– اسكت لا تتدخل، والا حجرت عليك معه في المحجر يا حيوان!

إن لفظة (حيوان) التي استخدمها (جميل) عادة تغطي جانبا مظلما ودونياً في دخيلته يحاول إزاحتها بنقلها الى خارج ذاته المضطربة أو بالأحرى نقلها الى السجناء عن طريق الإصرار والتأكيد على إطلاقها عليهم، أو على من انعدم عنده ذلك الشعور بالتسامي عليها، وعلى شتائم غيرها.

في الصباح اكتشفوا غياب (العُنقُرجي) وهذه إشارة أولى الى بدء قصته المؤجلة والتي أثارت شكوك السجناء وتساؤلاتهم الكثيرة حتى يخبر أحدهم السجناء بعبارة موحية أن “الحسناء عند الوحش” ويظهر أن العُنقُرجي في مواجهة اضطرارية مع مسؤول كبير في السجن إنه شخصية غائبة لها حضورها الفاعل على ألسنة رفاق السجن، وعلى عنونة القصة التي تمرست خلف اسمه منذ البداية. ولم تمارس حضورها مادياً مثل بقية الشخوص. الراوي العارف بكل شيء وهو سجين جايل شخوص القصة وراح يروي عما حصل له ولهم داخل السجن ينتقل بروايته الى خارج السجن الى المدينة (المكان المفتوح) الذي حرم من مشاهدة تأثيرها على البشر وتأثير البشر عليها، وما (الصابونة) التي وجدها مع بقية أغراضه في الكيس إلا صلة الوصل بين مكانين متشابهين من حيث المعنى، ومختلفين من حيث المبني والصابونة بينهما تعني قذارة المكانين معاً وحاجتهما أو بالأحرى حاجة السجين الى تنظيفهما وهي صلة الوصل بينه وبين عائلته الموصلية وهي علامة مادية، ودلالة مكانية على (باب الطوب) وهو حي من أحياء الموصل القديمة.

وصل السجين الى شاطئ دجلة، أخرج من الكيس بعض حاجياته وخبزاً جافاً وضعه الى جانبه منتظراً النوارس لإطعامها ولكنه راح في إغفاءة طويلة انتهت القصة عندها ولم يكتمل سردها الذي تبقى منه الكثير. وهي بهذا تسير على منوال التي سبقتها في ترك نهايتها مفتوحة على احتمالات كثيرة وأحداث لم تقع بعد. ولكنها ستقع حتما داخل مخيال المتلقي الذي افترضت فاعليته.

العنقرجي إذن شخصية مركزية دار الحديث عنها بوجوده الفعلي أو حضوره الافتراضي وحتى الراوي ذكرها وهو يبتعد عن السجن والسجناء: “تذكرت العنقرجي ونباح الكلب” مما يؤكد مركزية هذه الشخصية الفريدة التي تدور الأحداث كلّها حول محورها وإن كانت غائبة.

في قصة (حدث ذات مرة في الممر) يحل السجين محل الراوي ليحكي لنا بشكل مباشر ما حدث داخل السجن وكـأني به يكتب حلقة ثانية أو فصلا من رواية من روايات أدب السجون. يعود بنا الى الزنزانة لنصغي وإياه الى صوت السجّان وهو يقرأ عددا من أسماء المسجونين المطلق سراحهم بشكل مفاجئ. لحظات ثقيلة وطويلة مرت على السجين وهو ينتظر ورقة، إطلاق سراحه، التي تنقله من غياهب السجن الى عالم النور. السجين حدق بكل الموجودات في الممر للمرة الأخيرة.

فما يراه في هذه اللحظة قد لا يراه ثانية. هكذا كان يفكر، وهكذا كانت لحظات المفارقة بين عالمين مختلفين ومتناقضين: الأول مطوق بالأغلال والقيود والثاني مطوق بالحرية والنور والسعادة المجتمعية المزعومة، مع أن الواقع الفعلي على غير هذا. وتفاصيله ما فتئت تحت هيمنة الفكرة المركزية التي تجلّت فيما حدث ذات مرة في ممر السجن الرهيب (سجن أبو غريب). شعرنا كما شعر السجين أن النهاية قادمة لا محال وسرعان ما تبين أن حلم السجين بالحرية لم يكن سوى وهم من أوهام السجناء. لم يكن في هذه القصة من يشارك السجين محنته ولهذا بدت وكأنها مونولوج حدث ذات حلم وهمي بطله السجين نفسه.

في (الطعنة الغامضة) يخبرنا العنوان أن ثمة طعنة غير مرئية (غامضة) لم يعرف بعد من قام بها. وهي تعني أيضا أن ثمة مطعون نعرف مدى طعنته من حالة سقوطه مضرجاً بدمه النازف بشدة. وهذه لقطة طالما شاهدناها في أفلام السجون كدلالة على عنف السجناء، وخلفيتهم التربوية القاسية، ورغبتهم الجامحة في الانتقام، وثمة طاعن شديد المكر قادر على إبعاد الشبهة عن شخصيته غير المكترثة بالحياة البشرية حيث يتساوى عنده الموت والحياة بعيداً عن حياته المستثناة طبعاً. ويمكن إجمال هذا كلّه تحت يافطة يحلو للقاص تسميتها (الواقعية الوحشية).

هذه الطعنة أدت في القصة الى معاقبة السجناء بتركهم في ساحة السجن تحت المطر المنهمر بغزارة لما يقرب الساعتين أو أكثر قليلاً تنتقل كاميرا الكاتب الى المستقبل لتصور لقطات قام بتوليفها ذهنياً ليرى أمه في المطبخ وهي تسلق الخضار. وشقيقته عائدة من عملها الى البيت وإخوته من الجنود وهم في أماكن مختلفة، مع أن هذه الأفعال (المستقبلية) كلّها تتماهي مع استرجاع الماضي وأفعاله أكثر مما هي رؤية مستقبلية لها. وفي النهاية يتركنا القاص مع آخر لقطة فنية يظهر فيها الفاعل في عملية الطعن متكئاً على جدار السجن أسفل برج المراقبة والحارس ينظر إليه وفي يده سماعة الهاتف. في هذه القصة تجدر الإشارة الى أن القاص باعتباره من المهتمين في السينما اهتم باللقطة السينمائية الموحية والمعبرة عن جوهر الحدث كبديل فني جنّب القصة من الحشو والرتابة المملة.

ويظل الفعل الأخير رهن ذهنية القارئ الذي يقوم بتأويل أو ابتداع نهايةِ ما بعد نهايةِ القاص ولكل قارئ تأويله على أية حال، وبعدد قراء هذا النص تتعدد النهايات المحتملة والمختلفة.

في القصة تنفلت من بين أيدينا الشخصية المركزية ربما بعد غياب الشخصية الرئيسة أو تخفيها داخل ساحة كرة القدم. وحتى بعد ظهورها تظل عصية عن التحديد، حالها حال المتحدث داخل القصة وهو أحد السجناء الذي ظل خارج الفعل الرئيس معلقاً على الأحداث غير مشارك فيها وجاءت النهاية كنهايات القاص المألوفة بانفتاحها على عالم من التأويل واجتراح المجريات القادمة.

في (علاكات تعبان) يبدو القاص مصراً على منح قصصه سمة شعبية خالصة فجاء عنوان القصة مستخلصا من المفردة الشعبية (علاگات) مضافة لشخصية القصة (تعبان) وهو اسم مذكر شائع على المستوى الشعبي واللهجة الشعبية ويدل على سلسلة الأتعاب التي جادت بها الحياة عليه بشكل دائم مع أن هذه الدلالة لا تتوافق مع حقيقة هذه الشخصية، ويخبرنا القاص إن هذا الاسم إنما هو اسم حركي لا غير. وهذا يعني انه مارس السياسة والانتماء لطرف ما في الحركة السياسية ولم يعد يأبه لكل ما وصف به من الأسماء والصفات اللاذعة بعد أن حكم عليه بالإعدام. الرجل عاش معارضاً، ذاق مرارة التعذيب الوحشي وإيهام الموت شنقاً، وصار لا يحلم إلا بشائعة العفو العام الذي لا يصرح به إلا سيادة الرئيس كمرحمة منه لأبنائه السجناء. وما التلفزيون الذي يشغله من أجل متعة السجناء إلا صلة الوصل بينه وبين سجناء (أبو غريب) يقول الكاتب: “تعبان كان من أغزر مساجين أبو غريب تداولا، نقلاً وتأليفاً لمختلف أنواع العلاكات (إشاعة العفو العام)” فالعلاكات هنا هي البديل الأمثل عند السجناء لأملهم بالعفو العام. شخصية إشكالية غريبة ترك الراوي لنفسه حرية الإخبار عنها وعن تفاصيل حياتها في الداخل والخارج عاشت على أمل صدور العفو العام عن السجناء وذاقت مرارة التعذيب الوحشي أيام التحقيق معها كشخصية معارضة للنظام. وسمحت لنفسها القيام على خدمة السجناء بتشغيل التلفاز كل يوم وكانت تكتفي من التلفاز فقط بمشاهد أفلام الرسوم المتحركة فهي وعلى الرغم مما مرت به من المعاناة والمرارات والأذى تنطوي على قدر كبير من براءة الأطفال. شخصية مركزية كانت الفاعل الكبير الذي غطى مساحة النص بأفعاله وأحواله الى يوم انقض عليه السرطان ونقل من السجن الى بغداد.    

في قصة (حمامة أبو غريب) تضمنت عنونتها اسم السجن أو المكان الذي تتحرك عليه أفعال شخصيات المجموعة. والجديد فيه الآن هو (حمامة) ظهرت أمام القاص (السجين) في فناء بين ردهتين وهي تلتقط عيدان القش لبناء بيت شقي. استأثرت بمتابعة القاص لها فهي عنده كما هي عند العراقيين رمز للسلام والطمأنينة والمحبة وهي وجه المقارنة المضاد بينها وبين محمود الذهبي الذي قاطع القاص بطلب كتابة قصته أو جريمته وهو أكبر المتنمرين داخل السجن ويخشى بطشه الجميع بما فيهم السجانون. يقوم محمود الذهبي بواسطة نصف موس كان مخبأ تحت لسانه يشق صدر السجان وبطنه عدة مرات بينما انصرف القاص الى الحمامة يرقبها وهي تبني عشها الشقي.

في قصة (بانتظار الأبوذية) ثمة عقدة نفسية كبيرة كتب عنها الناقد الراحل حسين سرمك حسن تحليلاً سيكولوجيا مستفيضا سدَّ به علينا قابلية الاستزادة أو إضافة ما هو مهم في هذه القصة المتفردة. ويمكن الاستشهاد بها أو الرجوع إليها لغرض التعرف أكثر على أجوائها المشحونة بطاقة سلبية غير مستقرة يمكن الرجوع إليها في مقدمة المجموعة تحت عنوان (فأر الوجود) وهذه تسمية مأخوذة من جوهر القصة، كانت السبب في وقوع الكارثة الكبرى على رأس مطرب السجن (دعيّر) فأخرسته ولم تترك لصوته الشجي حرية الانطلاق، ولا بكاء السجناء كلما صدح صوت مطربهم داخل السجن. القصة مشحونة بطاقة درامية هائلة، وأفعال حركية قوية، وتضاد كبير بين المجموعة (السجناء) التي طالما أبكاها مطرب السجن الريفي وبين المطرب نفسه. والذي لم يذرف دمعة واحدة إثر موت ابنه الوحيد (حميّد).

جلّ ما أراده السجناء من دعيّر أن يبكي على ابنه، وان يفرّغ شحنة حزنه العميق بأبوذية نعي تخفف عنه آلام الثكل وهم العارفون أن احتباس الحزن وعدم البكاء يؤديان بالرجل الى الجنون. الكارثة عقدت لسان (دعيّر) فكف عن الغناء وأمام ملحة الجميع اكتفى بقوله: “قلب الأب يدمع وعين الأم تبكي”

في هذه القصة عدد من الشخصيات المحورية التي دعمت الشخصية المركزية بالقول والفعل، وكلّها عززت دور البكاء في معالجة نفس دعيّر وخلاصه مما يسبب له الجنون حسب زعمها.

تتسع رقعة النصوص عند بولص آدم وتكبر مساحاتها وفضاءاتها كما مر بنا في قصص سابقة، وهذه القصة أيضا فموضوعاتها وتشعباتها لم يكن ممكنا صبها على أساس ضيق المساحة في أرض صغيرة. وهذا يعني أننا لم نخض في هذه المساحات أو في استراتيجياتها حرصا على التكثيف والإيجاز في المقال لا التوسع في الدراسة كما فعل الأستاذ الراحل حسين سرمك حسن وهو يتناول هذه القصة المحدثة بدراسة معمقة شاملة.

في سائق القطار يسهل على القارئ تحديد هوية الشخصية المركزية من عنوانها الذي تأسس على اسم الشخصية أو وظيفتها (سائق القطار) وتكون الشخصيات الأخرى بمثابة شخصيات محورية حتى الراوي الذي يخبرنا عما يدور في قصة سائق القطار فهو موجود من اجل دعم الشخصية المركزية بالمزيد من المعلومات عنها وهذه هي وظيفته المحورية عادة. ومن ضمن المعلومات التي أوكل القاص بها الراوي هي إخبارنا بما حدث في قطار آخر أطلق عليه (قطار الموت) والتي تتلخص في إرسال الحكومة عدداً من السجناء السياسيين الى السماوة بمقطورات محكمة الغلق في صيف قائض لتجف السوائل في أجسادهم ويموتوا جميعاً في خاتمة المطاف.

إن جلَّ قصص المجموعة ارتكزت على شخصية مركزية محاطة بعدد من الشخصيات المحورية وهذه سمة تقليدية درج عليها أغلب كتاب القصة العراقية والعربية الى إن حان الوقت لتغيير ذلك في توزيع المركزية على مجموعة من الأشخاص وليس على شخص واحد حسب ولم تعد ثمة أهمية قصوى للشخوص المحوريين في الأدب الحديث الذي تجاوز هذه المعضلة الأسلوبية مبشرا بما استجد في الأسلوبية المحدثة. وخاصة في المونودراما المسرحية، والمونولوج الروائي.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حاتم جوعيه : استعراض لرواية “المستحيل” للكاتب والأديب “نبيل عودة”. 

مقدمة: الكاتبُ والأديبُ والناقدُ القدير الأستاذ “نبيل عودة” من سكان مدينةِ الناصرة يكتبُ القصَّة القصيرة والرواية …

| مسعودة العيشي : على خطوات (مارغو جومبييه) .

الدرس الأول   قل لي لماذا تحب لهذه الدرجة أن تتمعن بالنجوم؟ في كل مرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *