حنّون مجيد : الجثّة

كلما غاب القمرأو اكتنفته غيوم سود,انسل شبحان من كوخهما وتتابعا تتابع ذئب وشاة.
هناك وعبر الظلمة اللزجة ياخذان طريقهما نحو الشاطئ ,حيث يكمن زورقهما الصغير.
تضطجع المرأة ثمة وتدفن نفسها تحت كوم من حشيش ,ويطرح الرجل فوقها بندقيته ذات الماسورة المزدوجة ,كذاهب للصيد, ثم ما يفتأ أن يشق سبيله نحو عرض النهر, لينطلق صعوداً من هناك.
لن تمضي,غالباً, ساعة مضطرمة بالخوف والإنفعال ومقاومة تيارات الريح والماء,حتى يكون الزورق قد رسى عند منتهى رحلته, فيغادره الشبحان.. كل الى كوخ ، الرجل الى كوخ الموظفين, والمرأة الى كوخ آخر يقابله,يستخدم عادة مخزناً للأفرشة ولبعض الأثاث الزائد ، ولمآرب متنوعة اخرى.
في الجانب الاخر,يكون موظفو المشروع أولاء قد أطفاوا نور مصباحهم الزيتي مبكراً رغبة عن ضيف طارئ أوزائر دخيل.
إنما يكون هؤلاء قد تيقظوا بهذا, للزيارة هذه بلهفة أجساد مسها الحرمان وأرواح اكتظت بالرغبة المحرمة حتى الآذان.
”         ما العمل”؟
يقول بعضهم ثم يقبلون مسرعين ينسون ما يتولد عادة بعد كل لقاء مع امرأة لايرون من وجهها الاّ بريق نظرة كسيرة,ولايسمعون من صوتها الاّ ” النذل” وتأوهات حيوان جريح.
تتعطر المرأة كل مرة برائحة التبن وحليب أطفالها ولا تفكر حتى بعطر ريفي رخيص مما يسوّق في القرى والأرياف, ويتعطر الرجال بزنخ انفعالهم  والعرق الذي ينزّ من أجسادهم ,ورائحة السجاير والخمرة الثقيلة التي تملأ أفواههم.
خليط من تبن وحليب وتبغ وخمر..عطر جذاب مصنوع في بوتقة من تراب ، يضاف اليه قسط قليل أو كثير,وحسب الإنفعال,من صنان يعطر جو المكان ليشحن اللقاء بالإلفة وإثارة الأحاسيس!
عند الرجل الأول تمسي رحلة المرأة قد انتهت ، بل لم يعد حتى هذا يدغدغ أطرافاً شبه حية من جسد بارد , أو يثير من جديد بصيصاً من إشراقة حلم أبكم اصطنعه “النذل” بالموظف “النظيف ذي الرائحة الطيبة والنقود الورقية الجديدة”!
أما مع الثاني ,فكل شيء ميت حتى أنفاسها ,إذ لاتاخذ الاّ قليلا من هدوء تسترقه بغصة دامية , بعيداً عن رائحة ثقيلة تفحها أنفاس لاهثة ، رائحة تحسها ‘مرّة , من تبغ وخمر.
تتاوه تحت وطأة الثالث .. تحت ظله الثقيل ورغبته الفجة.. تئن أنين امرأة مكلومة
بزوج ،نذل” و”رجال غادرين”.
وما الذي كانت ستفعله لو فتحت عينها ,وهي في لوعتها تلك , على يدها تقبض على سكين؟كانت ستقتل من؟
وماذا يفعل الرابع والخامس غير ما يفعله الاخرون , غير أن يطلق كل سهمه
على جسد ميت ويستريح؟
إبتدأ الدور، الليلة تعطرت جيداً..تمرغت بالتراب ولاكتْ باسنانها لحمة متفسخة, وتمنت لو انّ صناناً يملأ إبطيها,فانسرب العرق كالمطر مشبعاً بالصنان..
هذه الليلة بدأت مع قمر أفل مبكراً ولم يعد في عودته أمل حتى ليالي مقبلات، وسماءأزدحمت بغيوم لاتمطر,وستظل معلقة هناك حتى الهلاك .
فاليكم بي إذن أيها الرجال الرجال!..هلموا الى الظلمة المكتنزة بالجسد الابيض السمين! أسرعوا تفوزوا بامرأة غير كل النساء ..إمرأة معطرة بعطور مدنكم المنورة , وسعيدة سعادة أزواجكم المترفات!
هي لا تقول ذلك .. فهي امرأة ‘شبّعت منذ زمن بعيد بما يدوّم في الصدر حسب , من دون أن يلامس اللسان, بل ليس على لسانها لغة مثل هذه ,إنما هكذا تتقاذفها الفِكر وهكذا تنتابها حمّى الاحاسيس!
من فرجة الباب ,وبما يسمح به نور سطحي شفيف تعرفت عليه..الأول هو الأول،
لاتغيير في الادوار.. دب نحو المكان المعهود,تلمس الجسد البارد الهزيل وأدرك الموت الكامن فيه ,لكنه برك عليه ..رمى بسهمه القاتل قبل أن يشم اللحم المتفسخ وقبل أن يأبه للتراب الذي عفّرت رأسها به . وإذ يتلمس الثاني طريقه  إلتقطت، بنظرة محمومة ، شبحه كامناً في الظلمة ، يستهلك السيجارة تلو السيجارة
ويتسلم نقوداّهزيلات، ” ألنذل ” كررتها بكل لسانها الذي لايجود بغيرها واستسلمت.
إنْ لم يشم الاول منها شيئا ,فما سيكون حال هذا الآخر المشرب بالخمرة والتبغ؟ لقد عرف الغادر طريقه من دون مقومات وكأنّه يستنشق عطراً لم يستنشقه من قبل، لقد شهق وزفر وشخر وانقلب على عقبيه وغادر بلا كلام .
أي منهم لم يكلمها ولو مرة واحدة ,ولم يستدل على صورتها  ولو بعود ثقاب,ولم يتعرف على رائحتها ,أو يقدم لها عطراً مما تجود به ،حسبما تسمع ،المدن الكبيرة هناك..لاشيء سوى رمي السهام ولتسقط على جيفة,على لحم رخيص, على دابة تمرغت بالتراب والتحفت القش..لايهم.
هبط الثالث بثقله بلا تريث كما لم يمنح نفسه فرصة تمحيص الاشياء,أو منحها
بعض الراحة والهدوء .. كلّ يغلب الآخر ويقتص منه ،وكلّ سابق أفضل من خَلَفه ، وآخرهم أخسأهم.
لقد انقضّ عليها بكل جبروت جسده وثقل حواسه ..لقد تعطرت له هذه المرة خصيصا,وتعافت بحيث امتلأ ساقاها المعروقتان,ونهد صدرها الذاوي ، وتورد خداها اليابسان , وإنه لينظر اليها الآن بعينين تبصران ما خلف الظلام ، فليستمتع اذن بهذه الفرصة النادرة ,لينهش اللحم الطري ويمتص الرحيق, ولكن ليشبع سريعاً فما عاد في الجسد بقية من حياة.

بين فترات تتابع الادوار,كانت تحلم..يالها من امرأة تحلم وهي في الوحل ،تمد يدها لتقتطف زهرة مما تولّد في الطفولة الغابرة والصبا البعيد ..حليمة ! وتلتفت حليمة على نداءات العشاق وهي طفلة بعد. تمد يدها على قطعة نقود صغيرة,أو منديل ملون رخيص, أوزهرة برية حمراء..يالصغر الأشياء..بل يالكبرها ولذتها وجمال ألوانها.تقتنص حليمة الهنيهة السريعة ما بين الادوار, وتستذكر او تستعيد..تحلم وتتالم..لقد كبرت حليمة..صار لها أربع جدائل ثقيلة مضفورة بالعطر حتى منتصف الظهر,وعينان حالمتان وقامة ممتلئة هيفاء..كانت تطير او تكاد..والساحة ، ساحة القرية الواسعة تضيق بها وهي تتنقل عبرها بين البيوت. والنهر هذا كم طفت على وجهه وكم طافت على سواحله ,وكم خبطته؟ الان هي تكره هذا النهر..كان مرآتها الوحيدة..فتقول،تقول على افضل وجه,وافصح لسان يا”للنذل” وتبصق على التراب.
وإذا كانت تستذكر جيدا ,فانها تستذكر وبمرارة قاطعة,وهي في الظلمة ذي وخراب الجسد,أولئك الذين مروا عشاقاً غابرين وانطفأت صورهم قبل أن يبوحوا بشيء.
كان الرابع أكثر نكهة وطرافة هذه المرة..نكهة الذي لايريد ان يدخل مباشرة في الوضوع,فيحاول بهذا أن يفك أسرار اللذة سراً سراً مع ميت,مع جثة مضى على موتها سنة اويزيد .
لقد حمل جسده الصغير بعيدا ,وقال: هيا..تقدمي..أريد أن أشم عطرك أنت لا عطورهم. ولكن كان يخاطب من ؟ لقد انغلقت الأسرار,ودخلها صدأ لايعالج فباشر في الموضوع . الجثة جاهزة وأبوابها الى اللذة مشرعة فاهنأ بما انت فيه.
لحظة قصيرة من التردد، وزحف مثل قملة والتصق بالجسد الصامت وجعل يعب عطره الهجين..لاشيء مختلف هذه المرة كذلك..كنت أريدك وحدك لأشمّ عطرك لاعطرهم.
لاك كلماته مرة اخرى ,وكادت تاخذها نوبة من ضحك مجنون ، ضحك تتفجر منه العروق وينزّ الدم, ولكن منْ تستطيع أن تضحك في مثل موقفها هذا غير الفاجرات؟
أول مرة تسمع صوتاً يتودد اليها..لقد غابت أصواتهم في تضاعيف الليل والخوف واحتدام الرغبات العمياء,وهي الأخرى ما الذي يحفزها لكي تستحثهم على الكلام، وما الذي ترجوه من رجال غرباء يستبيحون جسدها  واحداً تلو آخر ، ويخونون ازواجهم كل ليلة ظلماء؟ كانت وآخر يحلّ تحلم أيضاً،هي لا تترك الحلم فهو منفذها الوحيد الى غير هذه الظلمة  الدكناء والفعل المقيت ، لقد نضجت حليمة الآن، أصبحت أجمل النساء، يرنوا اليها الرجال بعيون لاتستطيع ,مهابةً, أن تقول ما تريد بيد إنه الوحيد الذي وقف أمامها وسد على الآخرين الطريق.
لم تسمع من هذا الآخر حركة, انما شعرت بدبيب أصابعه وحمّى انفاسه ..الجسد
مستباح منك قبل هذه  الليلة عشرات المرات,وكل فيه من جديد رائحة الشراب المرّ واللحم العفن فانهش منه ما تشاء .. تركته يفعل ما يشاء ..يأكل اللحم الشهي ويشمّ العطر الزكي..لقد خذلها التراب هذه المرة..حتى التراب واللحم المتفسخ خذلا جسدها المريض..إذن لو كانت لها مخالب وأنياب.
كانت قد أفردت ذراعيها ليشم رائحة إبطيها,وتأوهت قليلاً أو كثيراً ليمتلأ برائحة اللوعة والبكاء,غير انه لم يفهم من هذا كله الاّ محاولة منها لاحتضانه والرغبة فيه, فارتمى على الجسد المتهالك ,سحق ماسحق مما بقي من حياة فيه, وطوى كشحه وغادر لايلوي على شيء..لقد حقق كما الآخرون بغيتهم, وما خلفوا من صراخ مكتوم أو أنين دفين لم يكن في حسبانهم الا التياعات امرأة غنوج!
كان هذا آخرهم الليلة ذي..تخلف الآخر أو الآخرون لسبب لاتدريه..وكان يمكن ان يقضي نحبها على يديه,فلقد همد جسدها وتناولته آلام شتى توغلت في ارجائه وبثت الهلاك فيه.
انتهت المهمة, وقبض”النذل” أجر ذلك بالتمام والكمال ، ولملمت هي بقاياها ونهضت..أجالت بصرها في الظلام المعتم المدنس ، نقلته من فراغ لفراغ ،الصمت
الكئيب يسود المكان ..لقد مرت الزوبعة,ولم تخلف سوى الوحشة والخراب . “لماذا  كل هذا” ؟ بهذه الكتلة من الأحاسيس نبضت عروقها وارتجفت أطرافها وارتعش لسانها.. لقد تعلمت إذن أن تهمس بشيء..تماماً كما يتعلم الأميّ أبجديةً..لقد حُلت عقدة لسانها..بدات تقول شيئاً يخرج من صلبها ..من حرقة أعماقها ..لماذا صنع كل هذا؟ كادت تقول الكلمة..تقولها بصورتها السليمة كأي بشر يفقه ما يقول لو أنه تركها,إذ  بهيئته المضطربة أبداً هجم عليها وتناولها بيد مرتجفة وقادها نحو الشاطئ الذي ينتظر عليه زورق خجول. مالكِ؟ هكذا همس لها وهما يرتقيان جسد الزورق المرتجف .لم تجب,فبعد الخراب يشق الكلام..
شق الزورق طريقه ‘نزلاً في النهر..اضطجعت من جديد وتدثرت بكوم القش  ورمى بندقيته فوقها .أغمضت عينيها  عن الماء الذي ركدت لمعته,والبيوت التي أظلمت على الجانبين. “سيلبث القمر غائباً عدة ليال,والغيوم معلقة لاتريم”,قطع عليها استعدادها لنوم قصير حزين, آخر ما فاه به لزوجها آخرُ الرجال وهو يسلمه قطعاً من نقود,وأعادها للتفكير في ما عساها تفعل لو ظلت الغيوم معلقة حقاً والقمر غائباً حتى ليالي أخريات.
إذن عليها أن تحيا من جديد.. أن تعيد لجسدها حياة غادرته ,وأن تتهيأ لليلة قادمة أو لليال مقبلات.
مضى الزورق يخترق كتل الظلام التي تواطأت عتمتها مع قمر غائب وسماء حبلى بغيوم تشبه قطعان الذئاب .
عليها أن.. وامتلأت بالغيظ والحقد حتى كادت عروقها تتفجر بالدم..والتاث عقلها في دوّامة ما عليها أن تتهيأ له غداً, وفي ما مضت تفكر أو تود القيام به الآن.. غير أن خدراً عنيفاً فاجأها ليتفشى في أوصالها كالسم .. اذن عليها أن تستسلم للنوم ..أن تخلد الى النوم وتحلم,ولكن ليس أحلام النساء السعيدات بعطور ملونة وزهور برية حمر وستائر حرير تحف بموكب عرس سعيد.. لا, انما بزورق وحيد تأخذه الريح أينما تشاء, وامرأة تغتسل في نهر تحت شمس كنست ، في لحظة خارقة ، آخر الغيوم..
لا تدري وهي في حمّى اصطراعها بين يقظة ومنام , وعقل وجنون,كيف أن  شبحاً هوى وتقاذفته كتل الموج, ويداً هزيلة مضطربة عادت ببندقيتها ، القتها في القرار وانضمت الى جسدها واختبأت تحت القش..
لا تدري في لحظة  اختناقها تلك ، كيف حدث ذلك ووفق أي قرار ..كل ما تدريه ، وقد عاد اليها بعض رشدها ,انها الآن وحيدة.. وحيدة بصورة مطلقة لاحدود لها,وقد أشرعت زورقها للريح وأسلمته لمجرى الماء.
بغداد/1985

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. قصي الشيخ عسكر : الرجل ذو الوجوه الجديدة – قصة لمحة .

كلّ يوم يبدو بوجه جديد وجه يختلف عن الوجه السابق حتى هو نفسه إذا نظر …

| محمد الدرقاوي : انغماس….

قصة حب عمرها فاق الخمسين سنة في ثلاث فصول 1 ـ انغماس 2 ـ قناديل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.