| أحمد غانم عبد الجليل : الخالة سعاد .

شأن كل ليلة تقريبًا، تتواصل ثرثرتهم ويعلو صخبهم الضاحك بالقرب من من شباك غرفتها، يتناسون وجودها في الدار مع والدها العجوز الذي يغط في نومه منذ العاشرة مساءً، يتركها بمفردها تتابع برامج التلفاز، وقد تقرأ إحدى الروايات العاطفية التي تحرص على ادخار أثمانها، أو تقلِب إحدى المجلات، بينما تستمع إلى قصائد نزار قباني المغناة بصوت كاظم الساهر، أحيانا تأتي ابنة أختها، أو ابنة أخيها، لتمضي معها ليلة أو ليلتين في تلك الدار الصامتة أغلب الوقت، ذات مرة همّت إحداهما أن تخرج رأسها من الشباك لتصرخ في وجهه ووجه أصحابه الذين يقلقون نومهما، ولكنها منعتها من ذلك، قالت بأنها سوف تشكوه إلى والدته، غير أنها لم تفعل ذلك.

 غالبًا ما كانت تراه لدى زيارتها لأمه، يكاد لا يفعل شيئًا سوى النوم حتى الظهيرة. أو الخروج للبحث عن عمل، بعد حصوله على شهادته الجامعية، دون جدوى، تلفت انتباهها عضلاته المفتولة، نبرة صوته المشحونة بجسارة الشباب، تستطيع تمييز حدتها جيدًا عن أصوات رفاقة، تفيقها من غفواتها المتقطِعة، تملأ غرفتها ضجيجًا مرهقًا للأعصاب، بالكاد تفهم ما يقول،  لكنها تنتبه جبدًا عندما يخفض صوته ليتحول إلى شيء من الهمس، تجلجل بعد ذلك الضحكات العالية، تذكرها بهمس زملائها في العمل، وهم يرمون بنظرات خفية زميلتهم التي طالما أبهرتها بأنوثتها الطازجة وأناقتها الملفتة، يطلقون بعد ذلك ضحكاتهم المكتومة حتى تنهرهم بنظرة صارمة تجبرهم على معاودة العمل بسرعة، متهيبين سطوتها ومكانتها لدى المدير العام الذي يعتبرها من أفضل موظفيه وأكثرهم كفاءة على مدى ثمانية عشر عامًا، حتى عند استشهاد أحد أقربائها في الحرب، قبل حلول موعد زفافهما بفترةٍ بسيطة، لم تأخذ إجازة أكثر من شهر واحد، فاجأت بعده الجميع بصلابة غريبة ونشاط غير عادي، ظن البعض أنهما وسيلتها للتغلب على مواجعها التي لم تعتد الكشف عنها أمام أحد، خاصة وأن ملامح وجهها السمراء وحدقتيّ عينيها الضيقتين كانت تعينها على ارتداء قناع الغموض ذاك.      

 صارت كل النظرات وكلمات المواساة، بالإضافة إلى إحساسها، يوحون لها بأنها أرملة أمضت عمرًا مع زوجها قبل وفاته، رغم أن يدًا لم تلمس ذلك الجسد النحيل قط، سوى في بعض أحلامها المراهقة التي تعلق في ذاكرتها لحد الآن، عيناه فقط كانتا تفتشان عن خباياه الضامرة بعض الشيء عبر الثياب الطويلة التي اعتادت أن ترتديها، يرمقها بابتسامةٍ مراوغة، تتخطى الأيام نحو ليلة لم تأتِ، فتعتري خديها حمرةٌ خفيفة، وتخفي عنه ضحكةً خجول من إيماءات الاشتياق التي تختلج قسمات وجهه ونظرات عينيه، تسرد حكاية حب جميلة لم يشهدها قلباهما يومًا.      

 بعد رحيل رفاقة تبقى نظراته متجهة صوب نافذة غرفة جارته القديمة، الموصدة منذ زواجها، بانفعال وحسرة يحتدمان داخله أكثر أثناء زياراتها ووليدها الجميل إلى بيت أهلها الملاصق لدار الأرملة العذراء المسارعة إلى حمل واحتضان ذلك الرضيع الضاحك ما أن تراه، تنهال عليه بالقبل، تلاعبه وتضحك لكركرته، تحنو عليه بلوعة حرمانها الطويل من ذلك الدفء الرقيق، وقد تلحظ أحيانًا شرود نظرات الشابة الحسناء نحو البيت المواجه لدار أهلها، وكأنها تتلصص على حياة فتاة أخرى.

 بين الحين والآخر تسألها عيناه عن أخبار تلك الأم الفاتنة، عشقه الذي رافقه منذ صباه، تجيبه بابتسامةٍ مشفقة تكاد تدفعها لاحتوائه بين أحضانها، كما كانت تفعل أثناء صباه عندما كان يلجأ إليها هربًا من عقاب والديه لدى قيامه بتصرف من تصرفاته الطائشة، ولكن أمام هذا الشاب الوسيم ماذا بوسعها أن تفعل، وشيءٌ في داخلها صار يستغرب مناداته لها بالخالة سعاد، بتلك النبرة الرجولية التي أمست تتسلل إلى غرفة نومها، خاصةً بعد استدعائه لإداء الخدمة العسكرية، قبيل بدء الحرب الأخيرة.

منذ ذلك الوقت تخلى رفاقه عن الوقوف في كل الزقاق، متجنبين نوبة جديدة من صياحها الهادر في وجوههم.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| نبيل عودة : كيف صار لله شعب مختار؟.

اختلف اساتذة اللاهوت وممثلو الأديان من الشخصيات الدينية رفيعة المستوى حول أسباب حصول اليهود دون …

| كفاح الزهاوي : قنديل لم ينطفئ.

      كانت الأصوات المتداخلة وضحكات الرجال ترتفع بوتيرة عالية في جوٍ من المرح والانسجام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *