مؤيد داود البصّام : تأثيرات الحركة الفنية العراقية على الفن الأردني

تأثرت الحركات الفنية في العالم العربي والعالم الثالث، . بشكل وآخر بالحركة الأوربية والعالمية  بمجمل الفنون السمعية والبصرية بصورة عامة، ( وقد كتب عن هذا الموضوع الكثير واشبع بحثا ) .ويأخذ بنظر الاعتبار بعض الاستثناءات مثلا إذا استثنينا الفنون البدائية والفطرية للشعوب والإفراد الذين ظلت علاقتهم بعيدة عن .الاحتكاك المباشر بالتطورات الحضارية في العالم الغربي، ولكن الشعوب التي احتكت ببعضها البعض، ما زال التأثير يمارس دوره في حراك هذه الحركات مفهوما وتقنية، كما سبق وحدث من تأثيرات فكرية واجتماعية عند الفتوحات الإسلامية، أو إثناء الحروب الصليبية، وقد حاول بعض الفنانين في الدول النامية من إيجاد أسلوب متميز .للخروج به عن دائرة التأثير المباشر، ويمنح عملهم أصالة متفردة، كما فعل المختار في مصر وجواد سليم في العراق، وآخرون في شتى بقاع العالم الثالث، ولكن ظل الحافر يدق على الحافر، ومن هنا يمكننا معرفة التأثيرات التي صاحبت الفن العراقي في بدايات انطلاقته، هي نفس بداية انطلاقة الفن الأردني والمؤثرات وان اختلفت السبل والطرق، ففي بداية تكوين الدولة العراقية بعد الحرب العالمية الأولى وانتهاء الحكم العثماني للمنطقة العربية، وتحرك المجتمع العراقي لبناء تطوره الاجتماعي والاقتصادي، منذ عشرينيات القرن الماضي كان الفن العراقي يخط أولى بداياته، على أيدي مجموعة من الهواة ، كان أكثرهم من الذين خدموا ضباط في الجيش التركي، وتأثروا بما شاهدوه من إعمال فنية إما في القصور العثمانية، أو من خلال رحلاتهم إلى أوروبا، ولان أكثرهم لم يكن يملك دراسة أكاديمية خاصة أو ضمن مناهج مخصصة، ولكون مجتمعاتهم مجتمعات متخلفة فقد راقهم إن تكون الطبيعة ومناظرها أساس أعمالها الفنية، وبهذا يكسبون جمهورهم ويتخطون المصادمة مع الأطروحات الدينية المناوئة للفن، و قلة من اللوحات التي أنجزها الرواد، نجد فيها العنصر البشري (التشخيص \ figure ) وان وجد، فهو يمثل عسكر أو رسوم لضباط أو شئ قريب من ذلك، وهذا ما نجده في لوحات عبد القادر رسام والحاج سليم والد الفنان جواد سليم والآخرون، واستمرت هذه الحالة حتى بذهاب بعض الفنانين قبل الحرب العالمية الثانية للدراسة في المعاهد الفرنسية والبريطانية، فلم يشكلوا مؤثرات كتلويه أو جماعية وظلت تطوراتهم فردية، حتى مجئ الفنانين البولنديين اللاجئين من الحرب،( الحرب العالمية الثانية ) إلى العراق، ولقائهم  بمجموعة من الشباب . في المقهى البرازيلية- شارع الرشيد في العاصمة بغداد، وعلى رأسهم الفنان جواد سليم، وجد هؤلاء الشباب ضالتهم في التقنية اللونية التي يمتلكها هؤلاء الفنانون من بلد روبنز ساحر الألوان، وتوافق مع ما يملكون من تطلع وروح هائمة للتطور، استطاعوا من كسب الكثير، وفي المقابل وجد فيهم البولنديين حس الإخلاص وروح الجد، إضافة لمداراة غربتهم بهذه الصداقات، ومن هنا بدأت تطورات الحركة الفنية العراقية وتصاعدها، في اتجاهين النص والتقنية، ولكن المسألة المهمة التي حكمت تطور الفن العراقي على أيدي هذه النخبة من المتطلعين نحو البناء والتغيير، ظروف التحولات الاجتماعية، فقد كان هناك تصاعد للحركة الوطنية العراقية ضد .الوجود الأجنبي وتدخلهم في شؤون العراق، ونمو الشعور القومي في كل إرجاء الوطن العربي، مما جعل حراك هذه الطلائع يرتبط ، بشكل  وأخر في تطلعهم الفكري بقضية التحرر والحرية، وبناء المجتمع والإنسان القادر على التواصل مع ركب الحضارة، وهو ما جعل البناء الأولي يقوم على أسس متينة، وجاءت المؤثرات الخارجية عليه، من جانب التقنية وليس من جانب  النص، فقد كانت لهم رؤاهم وأفكارهم، وهو ما جعل الحركة الفنية العراقية تبقى متماسكة وتبني تطلعاتها، بناء على هذه النظرة في تشكيلها الفني، وعندما ندرس الحركة الفنية الأردنية، لا نجد اختلافات كبيرة بين ما حدث للفن العراقي وبين ما حدث للفن الأردني ولكن الاختلاف في الأولى عنصر أجنبي في التأثير وفي الثانية عنصر من المنطقة وجزء منها، فكريا وتاريخيا واقتصاديا وفي العلاقات الاجتماعية،( كما إننا يجب أن لا نغفل أن المنطقة هي ذات طابع موحد في مرجعياتها، فالرموز والمفاهيم والعادات والتقاليد تقريبا واحدة في أكثر من نسق ) ففي بدايات بناء الدولة الأردنية، حكمتها الرؤيا السلفية في العلاقات بين طموحات الفنانين الأردنيين ووجه النظر الخاطئة لفهم العلاقة بين الإيمان وبين الفن، وعلى الرغم مما عانته شعوب العالم الإسلامي .من هذه المسالة، وما أصاب الحركة الفنية في العالم العربي من حيف إزاء هذه النظرة، التي تستقي فهمها من خلال الوضع الذي كان عليه الإسلام في بدايات النشوء وتكوين مفاهيمه، ولكون هذه المفاهيم  والمعتقدات الجاهلية مترسخة في عقلية وطبيعة المجتمع، كان لابد من اتخاذ موقف صارم إزاء الأوثان التي كانت تعبد، ولكن بعد تخلص المجتمع من أدرآن الجاهلية، ورسوخ الإسلام إيمانا ومعتقدا وإتباع تقاليده، وأصبحت العقيدة الأساس في طبيعة الحياة الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، وفي كل نواحي الحياة، لم يعد هناك محظورات على مسائل وقضايا كانت متطلبات البداية والنشوء تفرضها، ولكن العالم الإسلامي ظل يعاني من هذه القضية، ولم يكن الأردن وفلسطين بمعزل عن ذلك، على الرغم من استطاعت الفنان الفلسطيني من تخطي بعض أوجه هذا التحرك، بسبب الاحتكاك الخارجي الذي كان يحدثه السواح لفلسطين وبيت المقدس، ولكنه ظل أيضاً بشكل وآخر محكوماً بنفس النظرة التي تحكم عموم المنطقة، وهو ما رسخ الإعمال الواقعية والانطباعية والتعبيرية لفترة طويلة في الحركة الفنية الأردنية،(عندما نقول الحركة الفنية الأردنية فاننا نعني الحركة الفنية الأردنية الفلسطينية، لما لهما من ارتباط ووشائج، تاريخية واجتماعية واقتصادية ) كما حدث في العراق، سني أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، مجارات للوضع العام، وعلى الرغم من عودة الفنانين الاردنين الدارسين للفن من أوروبا والبلدان العربية ( مصر والعراق وسوريا ) إلا أنهم استمروا في مجارات الوضع العام، خصوصا وان طبيعة المرحلة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي كانت تشهد تصاعدا لمد الحركات اليسارية والقومية، وارتفاع أسهم الواقعية الاشتراكية في الفن والأدب والثقافة بشكل عام، مما ساعد على استمرار الفنان الأردني في البقاء مستمرا على نهج الواقعية والانطباعية والتعبيرية،( وعندما أقمت معرضا في الأردن عام 1973، كان اغلب الإعمال تعبيرية تجريدية أو تجريدية، اثأر موجة استغراب ودهشة لدى الجمهور الذي واكب مثل هذه الإعمال، وفي الجانب الأخر، اعتبره الوسط الفني جرأة لم يحن موعدها ) … وهو ما يؤشر، على إن الوسط الاجتماعي كان مؤثرا بقوة، وقد كان الفنان مهنا الدرة يرسم أعماله التجريدية أرضاء لنزواته الذاتية ولا يعرضها إلا لزواره الأجانب ولاصدقاءه الخلص، وهذا ينطبق على الكثير من الفنانين الأردنيين في عقد الستينيات من القرن الماضي وما قبله،  وفرض على الفن والأدب وكل الجهود الفكرية والثقافية مسايرة الاتجاهات التعبيرية والانطباعية والواقعية مجاراة للوضع العام، وحدثت الانعطافة في الحركة الفنية الأردنية، كما حدثت لدى الفنانين العراقيين في لقائهم بالفنانين البولنديين، إن حضر عدد لاباس به من الفنانين العراقيين إلى الأردن، عندما اشتد أوار الحرب العراقية الإيرانية عام 1982، وأغلقت القاعات في بغداد وبقية المحافظات، ولم يعد في الإمكان إقامة معارض شخصية، أو ذات طابع تتماشى والأحاسيس الذاتية للفنانين وفرض الوضع الذي كان يمر به العراق، إذ أتخذ الكثير ليس من الفنانين وحسب وإنما من مختلف أنساق المجتمع قرار الهجرة، وقلة منهم كان لأسباب سياسية، ولكن الكثير كان بدافع تحقيق مكاسب ذاتية، وإيجاد فرصة أكبر للعيش والظهور، وهربا من الحرب وآثارها، وهو ما حدا بالكثير من الفنانين البحث لإيجاد منافذ للتعبير والتسويق بعد أن سمعوا عما حققته الدفعة الأولى من مكاسب مادية ومعنوية، وساعدت العلاقات المتطورة في تلك الفترة بين حكومة العراق والحكومة الأردنية على احتضان هذه الإعداد من الفنانين والأدباء والطاقات من الأنساق الأخرى، وفسح المجال أمامهم اقتصاديا واجتماعيا، وفي هذا الوقت وجد الفنان الأردني من عملية الاختلاط وما يعرض أمامه فرصة للتنفيس عن المكبوت، وكذلك تجاوب الجمهور نظرا للتطور الثقافي والحضاري في بنية المجتمع الأردني، الذي شهده الأردن في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، إضافة إلى عنصر مهم، وهو إن الفنانين العراقيين حملوا .قضيتين رئيسيتين مما أسسه  رواد الفن في العراق، الأصالة والمعاصرة، وهو ما حرك الكثير في بنائية و تطور الحركة الفنية الأردنية، بما جعلهم على المحك، إن الأصالة لا تعني التقوقع على الواقع والمحلية، والمعاصرة لا تعني إلغاء الواقع والمحلية، وهذا التأثير الذي أحدثه الاحتكاك بين الفنانين الأردنيين والعراقيين، خصوصا وان اغلب الذين حضروا في تلك الفترة، كانوا من المخلصين لفنهم ومبادئهم،  وتأثيرات جيل الرواد واضحة على بنائيتهم الفكرية والتقنية، خصوصا في التقنية اللونية،  مما أعطى مصداقية لإعمالهم وأطروحاتهم الفكرية، التي نسجت مع تطلعات الفنان الأردني حراكا حمل الحركة الفنية للقفز والإبداع بفترة قياسية من عمرها، وظهرت أسماء وأعمال أثبتت حضورها في الساحة الفنية الأردنية والعربية .

.                              الخلاصة
لا يمكن إنكار تأثيرات الحركة الفنية العراقية على الحركة الفنية الأردنية، وهذا بلا شك يعطينا المؤشر على قدرات الحركة الفنية العربية في الاستفادة من تجارب بعضهم البعض، للخروج بشئ جديد، وهذا يذكرنا بفترة نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين لما حدث في بعض الحركات الفنية الأوروبية، التي اتخذت الابتعاد عن جو المركز والعيش في مكان آخر أو منعزل، لتشكل انطلاقة جديدة ومختلفة، مثل ما حدث لجماعة الباربيزون أو انقسام جماعة الفارس الأزرق الألمانية واتخاذ بعضهم العزلة في الريف، وغيرهم من الحركات الفنية، والنقطة المهمة في تلاحم الفن العراقي الأردني، أن المؤثرات الأوربية تمنح الفنان التقنية العالية المستوى، ولكنها تفقده التميز الفكري والثقافي الخلاق، ولكن في التحام الخبرة والتقنية العراقية في تفاعلها مع بنية المجتمع الأردني، التي لا تبتعد كثيرا أن لم تتطابق في الكثير من المنطلقات التاريخية والاجتماعية والفكرية ومفردات الحياة اليومية، أنتجت خلالها الساحة الفنية الأردنية وخلال فترة زمنية لا تعد في الحسابات كمؤثر مباشر ومتفاعل، وظهور جيل تخطى أن لم نقل حرق المراحل، وقدم أعمالا بدت أكثر إبداعا وانسجاما من واقعها المحلي والعربي، أمام تراجع قسم من الفنانين العراقيين الذين استهلكنهم السوق التجاري، فباتوا يستنسخون ويقلدون لملاحقة طلبات السوق، متعللين بالحاجة لمتطلبات العيش في الغربة، وهو ما جعل الكثير من أصحاب المصالح التجارية، وهي مسالة طبيعية في كل أنحاء العالم، لاستغلال هذه الفرصة، ودفعوا بهؤلاء إلى تقديم أعمال تجارية رخيصة الثمن والقيم الجمالية، وإغراق السوق الأردنية بها، مما أساء إلى الفن والفنانين العراقيين، في الوقت الذي هضم الكثير من الفنانين الأردنيين التجربة، وقدموا إبداعات عززت انطلاقة الحركة الفنية الأردنية ومكانتها بين الحركات الفنية الواعدة، ولكن هذا لا يعني إلغاء مدى الاستفادة التي قدمتها الموجة الأولى من الفنانين العراقيين إلى الفن والفنان الأردني، والتي كانت تمتلك خبرة وتقنية عالية، وثقافة فنية وغير فنية متعددة الأنساق، وهي التي أحدثت الهزة الأولى في الحراك الفني للقفزة التي حققتها الحركة الفنية الأردنية، مع الأخذ بالأسباب :
أولا- اغلب الدارسين الأردنيين الأوائل للفن، تخرجوا من العراق، وهذا سبب يجعل مؤثرات طبيعة البناء متأثرة بأسلوب الأساتذة، وحراك التلاقح في العملية الفنية بشكل عام.
ثانيا- العلاقة الاجتماعية، والحياة المشتركة في طبيعة العادات والتقاليد والتاريخ بين أبناء العراق والأردن، كانت عاملا مؤثرا في إيجاد هذا التواشج، الذي لم يحدث مع أبناء العمومة من مناطق أخرى من الوطن العربي.
ثالثا- وجد الفنان الأردني بالفنان العراقي، الصدق وروح المثابرة، والإخلاص للمبدأ، مما جعل سهولة تسرب التأثيرات، للتجانس الروحي، ولكنه ابتعد عندما جاءت موجات من المنتفعين وانتهازيي الفرص، أحدثت شرخا في عملية التقارب والتجانس، التي كان من الممكن إن تعطي مزيداً من إبداعات التواصل بين الطرفين.
رابعا- لاشك إن الفنانين العراقيين حملوا معهم رؤى وتقنيات، ولكنها ليست بعيدة عن رؤى وتقنية الفنانين الأردنيين لأن أكثرهم كان قد درس الفن في البلاد العربية الأخرى والعراق بالذات، ولكن ما كان يحتاجه الفنان الأردني الدافع للتحدي لما كان يفرض عليه، من قبل القوى الاجتماعية والفكرية، المؤثرة في المجتمع.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

| طالب عمران المعموري : بنية الاهداء في المجاميع الشعرية  للشاعر مهند عبد الجبار آل ابراهيم.

لمنتجي النّص الابداعي  في عموم نتاجاتهم الأدبية أسلوبهم   فيما يكتبون  وإن كثيراً لهم بصمةٍ مميزةٍ  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.