| جمعة عبدالله : قراءة في رواية ( فقيه الطين ) للاديب واثق الجلبي .

تتوسم هذه الرواية في اسلوبيتها  المتميزة في براعة الاسلوب اللغوي , وصياغته  بشكل فخم وببراعة مشوقة , بأساليب تقنيات  متنوعة من اشكال التعبير الادبي . وتسهم اللغة السردية بشكل مهم في البناء الرؤائي ومنظوره الفكري  , في تناول الأحداث النص ,   في وسائل لغوية وفنية  متعددة في السرد وحبكته . في ابراز معالم الرؤيا والرؤى الفكرية بالطرح الصريح بالجرأة الثاقبة , في التناص بين  الماضي والحاضر الواقع  , في تناص الارث الحضاري  في الطين السومري . براعة في الاستنطاق والاستنباط الموروثات الاسطورية والدينية , في محاججة بافعال الحاضرالقائمة  , بعمق الرؤية البليغة الدالة  في الايحاء والرمز في شفراته , التي تملك عمق وقوة  المحاججة والمناظرة بثيمات أو موضوعات الواقع التي انحرفت عن اصلها وهويتها واصبحت هجينة عن واقعال طين السومري , براعة في محاججة الذات للذات والى الذات في الصوت والصدى , , الحوار الداخلي والخارجي ( ديالوج ) براعة في استلهام الدراما بفعلها الصاعد , ليكشف عقدة الحوار , وعقدة الفعل في الايحاء الدال بالمعنى والرمز . بدون شك لقد  وظف الروائي ( واثق  الجلبي ) براعته في لبس  قناع بطل الرواية او شخصيتها الاساسية لينطق بأسمه ويحركه بأفعاله , والتخفي وراء هذا القناع بكل اوجاع الصوت والصدى  وهواجسه القلقة  , ومايخفي داخل الذات من ركام فكري هو انعكاس  لعدسة الواقع المزرية والمخيبة . بداءً من عنوان الرواية ( فقيه الطين ) يدخلنا في دهاليز البحث في  المعرفة اللغوية والفكرية وكذلك في رمزية العنوان الدال , الذي يفتح باب التأويل والتفكير والمحاججة في التحليل والتشخيص . هو يملك عمق   أو خلفية معرفية بالحضارة الطين السومرية  ,  وفقها القائم على التشريع , فمفردة ( فقيه ) . يعني الجهة المخولة التي شرعت  ناموس الحياة والحضارة , وقامت  بالتنظيم المتناسق والمرتب , ليكون الوجه الحضاري المشع بالحكمة والتبصير  . والشق الثاني ( الطين ) هو يرمز الى البلد أو بالاحرى ( العراق ) هو بلد الطين  الذي كان بحضارته الشامخة  كانت مصدر التشريع والناموس والقانون . والارث الحضاري لبلد الطين يؤكد على ذلك , في الخلفية الحضارية التي كانت مصدر النور والاشعاع الرقي للانسانية المتطورة والمتحضرة . من هذا المنطلق  يحاجج الارث التاريخي في مدلولات بالمقارنة بأفعال الحاضر أو اليوم . هذه براعة المتن  السردي , الذي  جمع  الارث الحضاري قاعدة للمحاججة , تنطلق  من  الذات والى الجمع , ثم يعود مردوداتها وانعكاساتها على الذات , في المحاكاة الجدلية بين الذات ومفردات الواقع , التي تعتمد على الجدل السقراطي ( نسبة الى الفيلسوف سقراط في فلسفة الجدل ) على ربوع بلد الطين وما يحمله من معنى , وما أنتهى اليه  من  الخراب والفوضى في عواصف الجهل ( الطين الجامع لكل فضائل المعرفة , لا ينبغي له أن يستسلم أمام  الجهل , حتى في ظلمة الطين , كانت بمسحة المعرفة ,  فالظلال ليست من الظلام في شيء …. فتح بوابة الطين على مصراعيها لتغمره نور المعرفة حتى تمدد الطين فأن ذلك لا يستغرق اكثر من مساحة ألم محدق بفكرة مرتوبة من النور الجاثم على فكره ….. النور لا يستطيع حمل الماء لكن بأستطاعة الطين أن يحمل النور والماء والهواء ولهذا المخلوق تمت الكلمة وصار كائناً أبدياً )  ويشعر شخصية الرواية المحورية ( وخلفيته الروائي العليم المقنع وراء هذه الشخصية ) , بأنه محاصر بالاختناق , ومحبط بالخيبة واليأس والانكسار من كل جانب في هذا الزمن الخائب بالاحباط  ,  الذي اطلق زوابع القلق والتوجس . يشعربثقل  ثقوب الزمن المتصدع في شرخ  التأزم والصراع . يخشى ويتجنب الوقوع  في فخ  لوثة الوشاية الطائشة من ان يصل كلامه الى وزير مخمور , أو زعيم ديني طائش ,   وبالتالي سيهدرون دمه بكل بساطة وسهولة كشربة الماء, في هذا الزمن الرديء ,  يشعر في ثقل  ظلمة الزمن , كأنه تحت وطئة الاعتقال الرسمي ,  وهو وسط مجموعة  من الموظفين المنافقين الذين يعرفون كيف  يتسلقون على اكتاف الآخرين . وهو موظف بسيط لم يتعلم فنون  الوشاية والنفاق   ( تم اعتقاله هنا في هذا الزمن وهو معتقل …. والاهم من ذلك هو المعتقل الرسمي في هذه الاضطرابات الزنزانية ) ويشعر بأن افكاره  ستجف في هذا الاعتقال الحياتي اذا لم ينطقها ويحاكيها ويكتبها , وانه إن لم يفعل ذلك  سيصاب بالجفاف العقلي  في الحيرة والفوضى والانفلات . في هذا الزمن الذي يدفع الانسان الى المهانة والنذالة والانتهاك . هذا الواقع الذي شطب وحذف حكمة الطين من قاموسه اليومي. وكانوا قديماً حكماء العالم يسترشدون بحكمة الطين  ( الحكمة الطينية العراقية التي أخذها العالم القديم والحديث وعزوها لأنفسهم , أحس بالضجر لأن العالم اليوم ليس كالامس , فهو ليس حكيماً وبطانته من الخونة والانتهازيين , ولا يوجد مشتار يحمل أمانة الامة …. حكمة العراق تسري في دمه فقد انقذ العراق العالم من الجهل ) لماذا اصبح العراق مصاب بلوثة الجهل  بهذا الشكل المريب , وهو يحمل حكمة فقيه الطين ؟ . لماذا وصل الطين الى هذا الحضيض والى المستنقع العفن . كأن هناك من نصب فخاً له للدمار والخراب  , وهذا ماحدث فعلاً بعد الاحتلال .  والرواية تتحدث عن الفترة المظلمة ما  بعد الاحتلال عام 2003 . . وصار في اسفل حضيض الدول الفاسدة والمتخلفة , بينما كان ارثه الحضاري نبراساً للعالم ( حكماء العراق سبقوا حكماء الصين والهند ومصر وفلاسفة اليونان ) كان يملك الكبرياء والشموخ بما  يملك من  حكمة التسامح , بالعقل الناضج بالناموس والقانون والشريعة . اصبح العراقي جائعا الى الحرية لكي يتنفس من خلالها .  يبحث عن متنفس للحرية , حتى لو رحل الى المريخ أو الى زحل , والى أي بقعة آخرى  في العالم ,  فيها يتنفس  قبس من نور الحرية . حكام اليوم دنسوا ارض الطين , مرغوها في الوحل , وأطفأوا الانوار , ليعيش العراق في الظلمة ( أينك يا نور الطين وطين النور … خذهُ بلا رحمة الى ذلك العالم .. أغسله من جديد على شاطئ الفرات ليعود بأعين جديدة … أظمأه كثيراً ذلك الحرف فلقد طمح بالمزيد لتحترق روحه بالضياء غير المدنس بالخدع ) لذلك يصبح الكلام لناطقه  جريمة , والحرف ممنوع شرعاً عاقبته كاتم الصوت بلا جدال , بهذا الشكل يشعر شخصية الرواية أنه مطارد في جريمة قول  الكلام والحرف , في ظل التأزم والصراع الحياتي في هذا الزمن المغلف بالانهزام والاحباط . أنهم لا يعرفون عن العراق سوى مغانمه من الذهب والدولار والسحت الحرام , كل شيء مستباح لهم , لانهم يتصورون أنفسهم أنهم ابناء الله , وابناء الشعب هم ابناء الشياطين , فالقصاص  بحقهم عادل  بالحرمان من حق العيش والحياة  . ومن يخرق شريعتهم تصيبه زوابع  الموت والاختطاف الى المجهول . أنه عهد الخوف , جمهورية الخوف بأسم الله والدين والطائفة , عراق القلق والفقر والجوع  ( في عراق كلاب السياسة , تناسلت الاحزاب البغية وعهرها السياسي , ليحكم العراق قوادون وحمير ) ولهذا ينهش الخراب في كل مكان . وسدت الابواب والمنافذ في وجه العراقي . والى اين يرحل هل هناك حيلة تنقذه من هذا المأزق , فقد اصبح العراق عبارة عن زنزانة أو سجن كبير . وبهذا الشكل تصرخ الاسئلة في داخله بالغضب المدوي  . بين الصوت والصدى .

( الصوت : لماذا بكيت عندما اتيت الى هذا العالم ؟

هو : لم أكن أريده

الصوت : وهكذا ستبقى ؟

هو : هل ستأتيني السكينة يوماً ؟

الصوت : ربما

هو : سأظل أكتب كل شيء

الصوت : لا أعبأ بما ستكتب حتى وان كتبت  حلمي

هو : هل تحلم ؟

الصوت : أحلم بما تفكر فيه أنت … )

هذه عقدة الصراع المتازم داخل شخصية الرواية ,  بالمعاناة الجاثمة على صدره . ويشعر بالاختناق , وهو يعيش في واقع يرفس أنفاسه  الاخيرة .

( الصوت : ألا تكف عن الاسئلة ؟

هو : أنا أدونها الآن ربما أجد جواباً وحداً يغنيني .

الصوت : هل يوجد جواب لأسئلتك كلها ؟

هو : يوجد يا صديق

الصوت : كيف ؟

هو : أذا أرجعنا كل شيء الى شيء

الصوت : هذا كلام الحالمين

هو : لا يا صديقي … لابد من الاسئلة حتى شفير النهاية

الصوت : ستكون نهايتك قريبة .

بلد الطين فرش سجادة الحزن والمعاناة بغياب الحكمة والعقل . واصبح تابع لحكمة معابد الاوثان , التي جعلت العراقي يركض وراء فقاقيع الامل المتبخرة بالوهم والسراب , وهو متأرجخ بين الجحيم الموت . والمفاضلة تعوده له بأي شكل يتجرع السم القاتل , كما اصبحت الكلمة الشريفة مطاردة بالسم القاتل . لكن روح التحدي تبقى حية , برفع شعار الكلمة حتى النفس الاخير .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| كريم عبد الله : رحلةُ العودة من العالم السفليّ .

الظلام سفينة تستعجلُ ركوبها الأجساد المنهكة القابعة وراء الصمت تستحثّ خطاها عواصف سرّية دوّاماتها تستند …

| فراس حج محمد : جماهيريّةُ الشاعر تميم البرغوثي .

جماهيريّةُ الشاعر تميم البرغوثي فراس حج محمد/ فلسطين في حديث سابقٍ عن الشاعر مريد البرغوثي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *