| د. محمد حسين السماعنة : السحر الأسود في قصيدة نزار قباني “يوميات امرأة”.

احتلت المرأة مساحة واسعة من أوراق نزار قباني فقد مدت ظلها على أكثر عمره، وأكثر شعره، وهو اختارها اختياراً لتكون دفترًا يكتب عليه أشعاره بصور متعددة فهي الوطن ، والمدينة العربية، والأم ، والقصيدة، والمحبوبة…

والقصيدة النزارية لها أثر عميق في النفس فعباراتها تدغدغ مشاعر المرأة وأحاسيسها، لأنها تخاطب الأذن والحواس بموسيقاها الساحرة وعباراتها الرشيقة، وألفاظها المختارة المنتقاة، لتعطي المرأة دفقًا من الزهو بجسدها وأثره في الرجل الذي يصوره نزار عنيفاً قاسياً لا يهمه منها غير أنوثتها. وتجرف هذه الخلطة السحرية الشعرية القارئ إلى التفكر بموسيقاها والطرب لإيقاعها.

ويسعى الباحث في هذه المقالة للاقتراب من عاطفة نزار قباني، ومن صوره وأسلوبه وألفاظه في ديوان” يوميات امرأة لا مبالية” لمحاولة تعرف موقفه من المرأة بقراءة بناء النص وألفاظ الشاعر فيه، وجمله، وصوره والنسق الثقافي الذي ينظمها.

ولما كان النص انعكاسًا لمشاعر الكاتب ومواقفه، يختار ألفاظه لتحملها، وينسج عباراته لتؤكدها، فإن صياغة النص ليست عملية اعتباطية، وإنما هي خطاب مقصود يختار فيه الكاتب ألفاظه وعباراته وأسلوبه ومقدمته وخاتمته بتخطيط واعٍ أو بأوامر من اللاوعي المرتبط بما يعتقده الكاتب ووبما يؤمن به ويحبه ويتمناه ويريده. ودراسة بناء  النص تكشف عن حقيقة موقف الكاتب، وعن مدى صدقه أو كذبه، وعن توجهاته، ورغباته وطموحاته، فاختياره الألفاظ  يحدد ويشير ويبيّن.

ويسرد نزار قباني في هذه القصيدة يوميات فتاة شرقية على لسانها بأسلوبه الساحر المعتمد على الموسيقى والبساطة والسهولة والرقة وجمال العبارات والصور، فيقول:

لماذا في مدينتنا ؟

نعيش الحب تهريباً وتزويراً ؟

 ونسرق من شقوق الباب موعدنا

ونستعطي الرسائل

والمشاويرا

لماذا في مدينتنا ؟

يصيدون العواطف والعصافيرا

لماذا نحن قصديرا ؟

وما يبقى من الإنسان

حين يصير قصديرا ؟

لماذا نحن مزدوجون

إحساسا وتفكيرا ؟

لماذا نحن ارضيون ..

تحتيون .. نخشى الشمس والنورا ؟

لماذا أهل بلدتنا ؟

يمزقهم تناقضهم

 ففي ساعات يقظتهم

يسبون الضفائر والتنانيرا

وحين الليل يطويهم

يضمون التصاويرا

أسائل دائماً نفسي

لماذا لا يكون الحب في الدنيا ؟

لكل الناس

كل الناس

مثل أشعة الفجر

لماذا لا يكون الحب مثل الخبز والخمر ؟

ومثل الماء في النهر

ومثل الغيم ، والأمطار ،

والأعشاب والزهر

أليس الحب للإنسان

عمراً داخل العمر ؟

لماذا لا يكون الحب في بلدي ؟

طبيعياً

كلقيا الثغر بالثغر

 ومنساباً

كما شعري على ظهري

لماذا لا يحب الناس في لين وفي يسر ؟

كما الأسماك في البحر

كما الأقمار في أفلاكها تجري

لماذا لا يكون الحب في بلدي

ضرورياً

كديوان من الشعر

انقسمت القصيدة إلى قسمين رئيسين؛ هاجم نزار قباني في قسمها الأول المجتمع الذكوري الشرقي، ودعا في قسمها الثاني المجتمع الذكوري الشرقي إلى تعرف الحب وضرورته، ودعاه إلى غتح الباب للحب الحر البسيط اللين، والسماح للمرأة بالإعلان عن نبض قلبها ، والالتقاء بمن تحب علانية وجهارًا نهاراً.وهو لا يترك زاوية في القصيدة إلا ويملؤها تدميراً لصورة الشرقي. فهو في القصيدة مجتمع متناقض لا يعرف الحب ولا يحترمه، ولا يحترم المرأة ويجبرها على البحث عنه خفية وتهريباً.

وأسهب الشاعر في القصيدة في وصف معاناة المرأة الشرقية من نظرة الرجل الشرقي لها، وطريقة تعامله معها، ومن موقفه من الحب أهم ما تحتاجه المرأة منه، وظاهر القصيدة أن الشاعر يدافع عن المرأة ويطالب بكل ما يسعدها، ويوفر لها الأمان العاطفي والروحي، وحين تأمل الباحث في القصيدة وأعاد التدقيق في مفرداتها، وأسلوبها وصورها وعباراتها وأفكارها، توضحت له حقائق أحب أن يشرككم  في تعرفها.

ولعل أول ما يطالع القارئ في القصيدة هو هذا الكم المتتابع من الأسئلة الإنكارية التي تحمل مجموعة من الاتهامات التي يندد فيها نزار قباني بموقف المجتمع الشرقي من المرأة، وتبدأ الأسئلة من الدفقة الأولى “لماذا في مديتنا؟ وتنتهي مع الدفقة الأخيرة في القصيدة” لماذا لا يكون الحب في بلدي ضرورياً”.

والقصيدة سؤال كبير رافض محرض مندد يحمله تكرار السؤال (لماذا) فهو الذي يحتضن أفكار القصيدة ، ويوجه إيقاعها ، وينظم موسيقاها، ويفتح الباب للشاعر كي يوزع التهم، ويلبسها للمجتمع الشرقي بغنائية سوداء قاتمة وصفه فيها بأشنع الصفات، وجرده من الحب والخير والجمال، وصوره بأنه عدو للحب، وللمرأة .فهو استمد من تكرار لماذا أنفاساً هجومية أمدته بطاقة موسيقية متجددة، وهو يحمل سيل الاتهامات والصور القاتمة .

ويوحي عنوان القصيدة أن المرأة هي التي ستتكلم فيها، وأن صوتها هو الذي سيحمل همها، ولكن روح الشاعر الذكورية هي التي سيطرت على دفقات القصيدة فقد علا صوته وهو يوزع الاتهامات على المجتمع الشرقي ويسهب في تصويرها، وخلق امرأة وصفها بأنها شرقية حمّلها مطالبه هو، ورغباته هو، وما يريده لها هو، حتى إن صوت المرأة لم يسمع في هذه الدفقات.

          وحمل كلامه على الحب بين الرجل والمرأة في المجتمع الشرقي دعوة صريحة إلى الانحلال الخلقي فهو يريد حبًا واضحاً علنياً لا حباً مزوراً مهرباً، ولا تضبطه قيود أو حدود كحياة الأسماك في الماء، ولا يهمها إلا السعي نحو طعامها، ولا يوقفها عائق كما الأقمارفي مساراتها ، وأن يكون ضرورياً متاحاً في كل مكان وفي كل زمان كما الغذاء والماء، ويرفق ذلك كله اتهاماً واضحاً للمجتمع بمحاربة الحب وقتله ومحاربة عنصره الأهم المرأة.

ويكثر الشاعر من استخدام ضمير جماعة المتكلمين (نحن) التي في استخدامهما استحضار واجب لصورة (هم) فهو يدفع القارئ لاستحضار الصورة المقابلة للمجتمع الشرقي الذي رسمه له، ويدفعه لإجراء مقابلات غير عادلة بين المجتمعين لأنه يقاد بأسئلة الشاعر الاتهامية ، وينطلق من صفات هو وضعها له ، وغلفها بالموسيقى الجاذبة الماتعة.

وأوحت كثير من المفردات التي اختارها نزار قباني في دفقات القصيدة بهذا الموقف العدائي الوضح

وبنى الشاعر قصيدته على مفردات من مثل: تهريب وتزوير، ونسرق، وشقوق، وقصدير، ومزدوجون، وأرضيون،وتحتيون، ونخشى،ويمزقهم، وتناقضهم،, يسبون. وهي مفردات لا تصنع جواً من المودة والجمال داخل القصيدة، وإنما اختارها ليهجو ويهاجم ويوبخ.

وبعد؛ فقد أعد نزار قباني أدواته ومفرداته بمهارة لتحطيم صورة الشرق في ذهن المرأة الشرقية، ودفع باتجاه الانحلال والبحث عن المتعة الجسدية الحرة ، والتمرد على القيم الناظمة، والقيود الواقية. حين ظن أن نموذج الحياة الغربي(هم) هو الأفضل والأجمل.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| إبراهيم مشارة : الإسلام والحداثة – إسلام المؤسسة أم إسلام الرسالة؟.

  كلما هبت  جماعة من رواد التنوير في الفكر الإسلامي يقيضها الله لإحياء رسالته وشرحها …

| مقداد مسعود : مِن خلال زمنين (عند باب الأزج) للروائية : نيران العبيدي .

الأزج :بناء مستطيل مقوس السقف : هذا ما يخبرنا به المعجم الوسيط  ..أما (باب الأزج) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *