| أسامة غانم : بنية الوعي الطبقي في الصورتين الواقعية والحلم .

    الحلم الشفاف يتداخل بالـواقع المرعب فـي المجموعة القصصية لــ أحمد محمد اميــن ” طائر الليل ” بشكل مذهـل ورائع ، حيث لا يعطي للمتلقي اية فرصة أو مجال للتوقف من اجــل التفكير بفصلهما ، او العثور علـى نقاط الالتحام بينهما ، لأن التداخـل القصـــدي الغـــى جميــع  الحدود فيما بينهما ، وليصبـح قطعـة فنيـة متكاملة ، يتسم بجمالية فائقـة ، لا يســتطيع المتلقي اختراقها ، لكنه يسـتطيع تأسيس جدليـة تأويلية عليها ، وليشكل القاعدة السردية الاساسية لها ، لأن السـرد يتألف من دلالات ، والكلمات فيه ليست أشياء ، بل دلالات أشياء ، مـع دفـع المتلقي الـى العيـش فـي الداخل ، ليندمج بالنـص ، مما يجعـل مـن الحـلم والواقـع هما المـادة التي يبنى عليها الســرد ولا يمكن ” أدراك خصوصية مـؤلف مـا ، مـن خلال الملامح الأســلوبية النصـية ، وانما مـن خلال تنظيم المادة الســردية ” 1  ، بمعنى اسـتيعاب المعنـى والقصـد المتواجدين فــي النص ، واختراق الكلمات التي تربط المعنى بالشــفرات .

         وتحدث في الســرد عمليتين متداخلتين فـي آن واحـد ، هـي تفكيك النــص ، وهــو فـــي  طريـق التشـكيل والتـكامـل التام ، رغم بقاء البنية التفكيكية محايدة فيه ، مع الانتقال من سـيطرة البنية القديمة الى سـيطرة البنية الجديدة التي هـي ” تحديداً ما يدعوه الفكـر الجدلـي الانتقال من الكم الى الكيف “2 .

         ويعمل الوعي الطبقي – أي وعي المـؤلف الطبقي – علـى التقاء الـذات ، وفهمـه لـــهذه الذات ، وفهم العامـل المحـيط به فهماً شـاملاً ، لا سـقاط الوعي المزيف ، والابتعاد عـن ظــاهرة التـشـيؤ، وفضح الممارسات اللاعقـلانية فـي المجتمـع ، التي تتســم بالوحـشـية والعنــف اثنـاء الصراع الحتمـي بين الاضـداد ، والتركيـز علـى العلاقـــات المختلفــة داخــل كليـــة اقتصـاديــة موضـوعيـة التي هـي الوعي الطبقـي ، والخروج مـن دائرة الخرافـة ، وعدم رســم شــخصيات خـارقـة لأن ” الانسـان الفردي المأخوذ كقياس لكـل الأشـياء يقود بالضرورة الـى تيـه الخرافـة هـذا ” 3 ، وترسـيخ المفارقـة وتعميقها فـي بنيـة النص ،لتعمل على تأسيس بنية جمالية ، ومعه ينشــأ وعي مواز عنـد المتلقي بأن النص الذي يقرأه انما هـو ملك لفاعـل آخر ، ولكنــه يشـــعر كأنه ملك له ، هنـا يتحقق التواصـل عبر طريق الحرية ، والمشــاركـة .

        وتعتبر نصوص هذه المجموعة مغامرة رحلـة الـى حـافة الممكــن ، مغــامـرة محـاولــة تجاوز النص ذاته ، لخلق صلات حميمية مـع المجتمـع ،وهذه المغامـرة ينتهي المطاف بها الى البحث عـن الانسـان الممكن ، لخـلق توازن بين الحلم والواقع ، اللذين يكونــا اســـاس الرؤيــة الطبقية في النص ، وادانة صـامتة جذرية للوضع اللانسـاني ، لأن هكــــذا نصــوص تمتلـك وظيفة  نقدية  حأدة .

      ومعظم نصوص المجموعــة تشترك في وحدات معينة متسقة مع بعضها من خلال :         * وحدة المسـار الغرائبي .

*وحدة البيئة الاجتماعية  للشـخصية .

* وحدة بنية الوعي الطبقي وتجذره .

*  وحدة الحس الانساني تجاه العالم .

*  وحدة النهايات المفتوحة .

أن وحدات هذة المجموعـة ” طائر الليل ”  تجعل النصوص متمـاثلـة ومتقاطعـة ومتداخلـة، تنبثق مـن سيناريو الحلم وسيناريو الواقع .

          وأن شـخصية  الراوي هـي المهيمنة والمسـيطرة ، بمواقفها وسلوكها وتفكيرها وافعالـها ورؤيتها للعـالـم ، ويقـص الراوي عـن نفسـه بضمـير المتكلم فـي ســـتة عشـــر نـص ، وبضمـير الغائب فـي نصين ” خارج الدائرة – المعطف ”  .  

          وفـي نصـين يبرز فيهما التأثير الفوكنري ( نسـبة الى وليم فوكنر ) بـصـورة واضحـة  ” رجـل من اقصى المدينـة ” و ” مملكة السـراب ” .

           يبلغ احمد محمد اميـن فـي قصة ” الموت الجميل ” الذروة في تحقيـق وظيفـة الوعــي  الفريدة الا وهـي الوحدة بين النظريـة والممارسـة ، بين الحلم والواقع ، ويكـون الموت والحياة ، الفناء والخلود ، ويبقى الـوهم والحقيقة هـو المعادل الموضوعي لها ويكون  ” الموت فـي نظـر القتلة هو النهاية ..وفي نظـر صاحـب القضية هو البدء – ص 102 ” ، في البدء كانت الكلمة ،كـان الانسان . أن البدء هـو الحياة بالنسـبة للأنسـان المؤمن بقضية ، وما بين الكلمة والانسان ،الفعل الذي يرتعـب منـه القتلـة ، ويعتقدون بان موت الأنسـان هو موت القضية ، هكــذا ينســـج لــهم  وعيهم الكاذب ، فان الحقيقة مـع ذرات الشمـس الذهبية خالدة ، والصور التي تتشـكل منها هــذه القصة تعبيرية ، فهي تنتقل من المألوف الى اللأ مألوف ، ولتجمع فـي آن بين النور والظلام .

         يختلـف بطـل احمد محمد اميـن فـي ( الموت الجميل ) عــن بطــل كـافـكـــا فــي روايــة  ” القضيـة ” ، فــ جوزيف ك لا يعرف لماذا يعتقل ويحاكم ويعدم ؟! يفيق مـن نومـه ليواجــه اتــهامـاً لايعرفه مـن محكمـة مجهولـة تطالبه بالمثول بين يديـها والدفاع عـن نفسـه – امــــا بطـل امـــين فيعرف لماذا يعتقل ويحـاكـم  ويعـدم ! ويســاق الى سـاحة الاعدام بمحض ارادته – لأنه اختار أن يكــون – ولـم ” احفل بالموت ابداً، فعنـدمـا ما قررت تحمل المسـؤولية  اعتبرته قدراً لابـد منـه ، يأتي ايما لحظـة – ص 99 ” ، فهو يعرف ويرفض ، وقضيته ادانــة قــوى الظــلام وهــد ” بنيان  الظلم- ص 103 ” و “قلاع القتلـة – ص 103 ” ، وما موتـه الا ” محـاولـة لا ضفـاء معنى للحياة ” 4 ، معنـى يرتبط جـذرياً بالحريـة ، وتحمـل مسـؤولية  ذاتـه ومــسؤولية الأخريــن ، انـه الاختيــار الانساني الصعب فـي الزمـن الصعب .

          امــا جوزيف ك ، فيسـاق قـسراً الى الاعدام ، ولا يعرف  ولا يرفض  ولا يضيف شيئاً لأن الحياة والعالم عنـده ” سـاحة انقاض لامعنى لها ” 5 ، وعدم الثقة والريبة و ” اليأس القاسـي من الانـسان ” 6 ، فالعالم التاريخي عنده يبصـر مـن نقطة خارج التاريخ ، لأن لديه شعور بانه ملقـى في العالم تحت سـيطرة قوة غيبية وتحت سـلطتها ، انها قوة شـمولية مجهولة .

        لكـن الاثنين يلتقيان فـي نقد ” الحياة البرجوازية اولاً مـن حيث كونـها مطبوعـة بالتجريـد والانقسـام والتمزق ” 7 ، مـع فضـح اسـتلاب الانسـان ، وتصعيد التحدي والادانة – بطـل كـافكــا يتخذ الموقف السبي في المواجهة – .

      والقصة شـفافة عميقة تمتلك مقـومـات البنية الجماليـة ، الممتدة علـى سـاحة النص كلــه ،  وتتدفق جمالاً عندمـا يسـوقوه للموت ، وهـو ينوء تحت ثقل اغلاله ، وهـذا المشـهد سـيتكرر كل لحظة فـي العالم ، وخاصـة في الدول النامية ، مـادام يوجد ثمة قـوى ظلامية مســتبدة ومســيطرة باليأتهـا و ” ومادام العالم المقلوب لايزال هو العالم الفعلي ” 8 ،  وتزدحم بالصور الشــعرية فــي الســرد ، وتصل ذروتهـا قبل الاعـدام وبعده ، وهـو متوحـد بالطبيعة ، وجزء منها ومــن العــالم  عـن طريق خمـسة ثقوب فـي جـسده ، وساقتطف المقطع الذي يصور هذا ، لكـي ابين مـدى عمق ايمانه ” بانه ” يجب أن نمتلك هـدف نموت من اجله اذا كان ذلك ضرورياً ، واننا علـى اســتعداد دائم لســرقة النار الازلية مثل بروميثيوس ….لمنحها.. :

( كنت لحظئذ انظـر الـى الـشمـس التي ولدت تواً .. ودوي فـي الفضاء انفجار .. اخترم صفــاء الصباح . هـز اركـانه . انطلقت خمـس رصـاصـات من خمـس بنادق ، فتحت في صدري خمــس  زهرات حمرا ، خمـسة ثقوب ارجوانية .. وأحسست بعدة وخزات تخترق صدري … انـدفعــت بقوة الـى الوراء وســقطت … لم أشـــعر بالآلم .. ربما جـــرح بســـيط  أكــثر إيلامـاً مــن هـــذه  الرصـاصـات القاتلة … كنت لم أزل أرى كـل شـيء بوضوح .. وجوه القتلة ، نظراتهم ، فوهـات  البنادق التي انهمرت منهـا الرصـاصـات . الأصـابع التي ضـغطــت علــى الزنــاد … والســــماء   الزرقـاء ، قرص الشمـس الذي أصـبح اكثر سـطوعاَ .. الشـجرة الباســقة ..السور البعيد الوقـور. البوابة العالية .. والجبال النائية المرمية علـى حافـة الأفـق .. عندما هويــت اختلطــت الازهــار  الخمــس ببعضهـا ..صـارت زهــرة واحـدة كبـيرة غطـت صـدري كلـه- ص 101/ 102 ) .

هـذا المقتطف يلزمني أن اتاملـه مجتمعة فـي مجالـه التعبيري ، وتواتر التناغم الطاغي بين الانــا – المتحولة – والطبيعة ، بين الذات والعالــم قبل الموت وبعـده، والقصـة وأن كانـت تعبـر عـــن رؤية خاصة تجاه العالــم ، فأنهـا تصـوغ حدود هذه الرؤية والقيم الانسـانية التي ينبغي التضحيـة بها لأجل الدفاع عنها ، للوصول من خلالها الى الحريـة ، الى الحقيقة .

          فـي قصـة مملكة السـراب يأخذ التجسيد الغريماسي مـــداه الــى الحــد الاســـطوري :

( فاسـترعى انتباهي مرأى بيكاسـو .. فتح عينيه ، امطراني بوابل مـن نظراته الوادعة .. لم يكن مجرد صورة – ص 62 ) ، مـع اضفاء لمـسات سـحرية ( الا انني رأيت ثقباً فـي الســقف يسـقط فوق المكتبة خيـط مــن الضـوء يبدو كــسيف رفيع .. وترامـى الـــى صــوت … صــوت اختـــها  الافعواني  حادا شـرسـا متعالياً:

-لقد خرجنا مـن الثقب …حاول أن تتبعنا . ألم تكن تكن تتحداني باستمرار – ص 64 ) . كـل ذلـك  لتشكيل صـور غرائبية هي في الحقيقة مـن صميـم الحيـاة الاجتماعيـة – السياسـية – التاريخية:  (  انت قــروي جيئتنا مـن عالـم بعيد أســــن – ص 68 )  ، نظـرة طبقية كثيفـــة لا تحتــاج  الـى التفســير والتحليـل ، أنه مجتمـع طبقي ، والاختلاف والتباين بين الطبقتين ظاهــر.

          يقول جورج لوكاش ” فان الصـراع الاجتماعـي ينعكـس فـي صراع ايديولوجي بالنسـبة  للوعي لكــشف القناع أو لأخفاء طـابع المجتمـع الطبقي ” 9 ، وامكانية هذا الصـراع تــبرز مــن   خلال تناقضاته المحتدمة  ، مع عدم ظهور الصراع ظاهرياً احياناً .

انها قصة شـاب يطـارد حبيبته فـي ذهنـه عبر الحلم . وخارج حــدود الواقـع ، ولكن الاخت تغلـق عليـه كـل المنافذ والمسـارب التي تـؤدي اليها ، وتمنعه من الانتماء الى عالم غير عالمه ، فأنهما فـي ” عالمين متناقضين لا يلتقيان ابداً – ص 69 ” ، وتحرق سـفنه ، وتسـرق بوصلته، ويتيـه بيــن امواج الوهم الواقع .

   لا تموت مرسيدس فــي رواية ” مائة عام من العزلة ” ، بل تطير الى السماء من بين الملاءات البيضــاء ، اما فـي مملكة الســراب ، فتقفز الاختان من اعالي البرج الـى الاسـفل بعباءتهما السوداوين ، وتخلف الحبيبة الهاربة زهرة قرنفل حمراء مع الشيخ ليعطيها له للذكرى ، فالتقاطع الاجتماعي عميق وتناقضاته مختفية ، ولكنـه يشـكل صورة حقيقية وراء الصورة السـحرية .

         لو درسـنا بناء قصة عالم مملكة السراب ، فسنجد انفسنا ازاء عالم قصصي حديث ، لن نجـد حدثاً قصصياً متطوراً ، وانما نجد مجموعة كبيرة من المراحل المتوازية المتقابلــة ، دون أن نبين النهايـة ، اذ اننا لانعرف في النهايـة الـى اين ينتهي المطاف بالشـاب القروي ، فكـل شــيء خاضع للاحتمال والتأويل ومسـتمد من الذاكرة المتداخلة مع حلم اليقظة .

       وتشكل قصة ” خارج الدائرة ” ، انعطافة كبيرة في المجموعة ، في توظيف الحلم والخرافة ، فـي مسـار السـرد القصصي  لا سـتخلاص بنية دلالية ، عاكسـة الصراع الاقتصادي- الاجتماعي – النفسـي فيها لكشـف القناع .

      وعـند قراءتنا للاسـتهلال ، قراءة تأويلية ، تمنحنا دلالة مبطنة عــن عـالم محمــد الحمــال – الشـخصية الوحيدة والمحورية والمرـز الدلالي في القصة – ” ليل اشبه بالكابوس ، ظلمات فوق  ظلمات . وسـماء تتكدس بالغيم .. وبرد يقطع العظام – ص 42 ” . فوق الظلام المكثف ، تضيف الســماء ظلامـاً مضافـاً ، لأن الغيم يتكـدس فيها ، فعالـم محمـد الحمـال ندخلـه مـــن خــلال هــذه  الظلمات المتعددة لتكشف لنا بأنه ” كان وحده في هذا الكون الفسيح – ص 44 ” ، وانه موشوم بالظــلام والوحــدة والفقـر ، ثالوثه الذي يحمله كل يوم علـى جسـده المتعب ، ليمارس طقوســه  فـي عالمـه المتوحد معه ، وزمنــه الذي صار ” هامشاً سـخيفاً بلا معنــى – ص 47 ” ، من هذه الاشــياء يتكون عالـم محمـد الحمـال ، بمعنى دائرته وخارجها بالنسـبة لــه تابـو ، لا يســـتطيع     الوصول اليه الا عـن طريق الحلـــــــــــــــم .

ولقد اعتاد محمـد الحـمال أن ينام قليلاً قبـل ” القيام بتنظيف الارضيـة والاحواض وازالة الاوساخ والممرات الصغيرة – ص 43 ” ، وما بين النوم / الغفوة ، والتنظيف ، لحظات انزيـاح عن الواقع ، واقعه الحقيقي  ، لحظــات تأسـيس نـص مـواز للنص الاصلي متداخـل معه فـي فضـاء واحــد، كفضاءات ألـف ليلـة وليلـة وعلى ضوء ذلك تكون الدائرة هـي النص الاصلي وخارجها النـص الموازي ومركزهما محمـد الحمـال .

        ونعثر على دلالة رمـزية عميقة فـي النص ، ترسخ الرؤية الطبقية لدي الراوي ، ولدي البطـل ، عند عثوره عند التنظيف على قشور الفواكة : ” أن ارضية الحمام والممرات المائية كانت مليئة بالوغف وقشور البرتقال والموز – ص48 ” ، وياتي مشهد تبذير الماء من (قبلهم)، ويرمز المـاء الى الحياة ، وقد ورد في الاساطير البابلية قصة التكوين ، وكيفية ولادة الالهــة من امتزاج المياة ( 10 ) ، وهذة اشـارة واضحـة الـى عـدم اهتمامهم بحيـاة الاخرين ” يبذرونه كيفما يشاؤون – ص 46 ” ، وحتى وهو في خارج الدائرة ( = التابو ) لا يحق له أن يشاركهم في أي فعل ، فقط الرؤية ، رؤية الغرباء ” انه ليس منا ، ليس من عشيرتنا – 47 ” ، فالمقصود هنــا بالعشيرة ، الطبقة .

وفـي الليلة الثانية ، تخرج كائنات محمد الحمال الليلية ، هـذه المرة نسـاء فقـط ويحـترق بنار الرؤية ، وتقعي فحولته جانب الباب بالقرب منهن ، وهي لا تثير انتبأهن والملفت للنظـر أن محمد الحمال لا يمتلك وعياً طبقياً ، كما الذي يمتلكه الراوي ، فلقد مسـخته الحياة الروتينية الى بومـة ليلية لا ترى الا الصـور الحلمية في الظلام رغم انه ينتمي الـى عالمه انتماءاً تامـا، وانه عامل اصيل.       يكون السـرد فـي قصة ” طائر الليل ” ، متواطيء مع الذاكرة الموغلة فـي عمــق الطفولـة ليتخذ طابع الحوارية الصامتة مع الطائر ، ولبناء علاقة حميمية امتدت زهـاء اربعيــن عامــا معه ، والقص كله عـن طائر ” من انواع الغربان يسمونه : ططوة – ص 16 ” ، وتسـتـل القصـة تفاصيلها من جعبة الذاكرة المغمسة بالحلم .

لم تتغير صورته ابدا ، وبقى نشيده لاجمل من احزان وتداعيات مالك بن الريب ، معـه يخترق الازمنـة ، يخترق جوهر الاشياء ، معـه يــهاجر نحــو الاحــلام القصية ، الاحــلام المســتحيلة ،  ومـعه يسـتوطن مدن بعيدة لم يسـمع عنها الا فـي الكتب ، ثم يعود مـن المغــامرة – الحلـــم ليحط في واقعه ـ ليعيش مع هموم ومشاكل ناسه .

     وعندما يقول ” بدون الحـرية لا يبقى منه شيء – ص 15 ” ، هـذه اشــارة جلية انه عندمـا تســلب الحرية من الانسان يتحول الى اشلاء مقهورة ، مقموعة ، مستلبة ، وتكون جميلة حين ” تتمتع بالحرية – ص 15 ” ، وتملأ الوجود بوجودها ، فـــ طـائر الليل رمـز تعبيري عن حريــة الانسان وعدم رميه ” داخل قفص ، سجيناً حتى الموت – ص 14 ” ، وهذه المقتطفات تبين مدى تعلق الرمـز بالحرية او قل هو الحرية .

      وعند اعادة بناء صورة تمني الشخصية الرئيســة فـي القصـة ، أن يشـــتركا هـو والطائر/ الحرية بفعل الحلـم ” نحلـم حلما واحـداً- ص 7 ” ، يتحقق المعنـى فـي التكــامل لانبثـاق الصورة الحقيقية في النص الا وهي : انسان –  حـرية – حلـم .

وعند قيامنا بترتيب هذه المفردات تتعمق الصورة اكـثر ونعثر على دلالة النـص الرمـزية :  حلـــم الانسـان الحـريـة.

         والمرأة عند القاص كائــن رائع ، لا يصورها بأي سـوء ، رومانـسية الى حـد الصـوفيـة انثى بالمعنـى الكـامـل ، فهي : الشفافة ، الرقيقة ، الحبيبة الناعمة ، النقية ، فليســت فيــها صفـة ذميمة ” خائنة – مومــس – شــريرة – شــبقة ” واحيانا تجمع الصفتين انثــى ورمــز فــي آن لمنحها دلالة انسانية عميقة ، انها المرأة – الحلم ” امرأة تخطر في الحلم ولا تخرج من دائرته – ص 75 ” .

      والمرأة تعطـي قذارة العالـم وطبيعته ، جمالية اسطورية : ” من نهر تزدحم جوانبه بالبردي والعوسـج .. او مـن مسـتنقع ذي مياه ثقيـلة محـاطة بالاحراش خرجت عاريــة تمامــا .. امرأة  ناضجة ذات بشرة نحاسية .. وشـعر فاحم – 74 ” ، العـري هنا متكون مـن موج النهـر ، وضوء  القمر، واريج الزنابق ، وعلى انها غير مدنــسة ، بلا خطيئة ، لولاها لغرق العالــم بـــالقذارة ، لكنها هي النقاء المولد منها ، هي تعطي للأشياء وميضــها ، هي تمنح العالــم نكهة خاصة ، انها زنبقـة لا تمــوت .

     وتثير فيه المشاعر المتوهجة المتدفقة لحافات الجنون ” وقد اشعل هــذا الحيـوان فيـه حرائق الدنيــا – ص 20 ” ، وهـي تدخل في الية القهر الاجتماعي : ” مطلقـة منـذ ثلاث ســنوات … لم استطيع أن اجب له اولادا – ص 19 ” .

       وانها مخلوقة من ” الارج وزبد البحر – ص 183 “،  ويصل الحد بابطاله مواجهة  الموت لملاقاة  الحبيبة ، من اجل رؤيتها فقط، علاقة حب عذري او رومانسية – جنسية ” اقـسم بــالله  اني لم امسها بسوء ، ولا لوثت شـرف علاقتنا الطاهرة – ص 183 ” ، صورة من صور فرسان القرون الوسـطى .

       وفي نافذة بعيدة تختزل نساء احمـد محمـد اميـن في وجه وجسد واحد ، لامــرأة واحــدة في ناهدة : ” امرأة ممتلئة ذات جســد بلون النحاس ، ووجه مدور يحمـل عينين تومضــان بـالألق  والسحر – ص 199 ”  .. تاتين في الغبش .. في رائحة السماء . مضمخة بلون النحاس .. بهيئة مثل عرائس البحر .. تعودين في الحلم او الحقيقة .. ايتها المقدسة .. المجبـولــة مـن عطــر طفولتي الفقيرة – ص 207 ” .

      وأن عالـم المرأة بما يحويه من دلالات لدي القاص ، يشارك فـــي تكويـن النــص ، وتفجير فضاءاته فــي اللامحدود واختراق البنية النصية الشــاملة لاسـتخراج معــاني مشــفرة ذات دلالة  متضمنة للحالات الاجتماعية- الاقتصادية – السياسية – التاريخية  ، التـي يشـكل ” اختلاطها وتداخلها الواقع التجريبي ” 11 .

        هنالك محورين اســاسيين في المجموعة يلخصان اســتراتيجية النصوص بدقة وتلقي الضوء على المنحى الفكري العام لها :

 1 – حلمية الحلم .

 2 – اغلبية ابطاله مثقفون .

المجموعة بشــكل عام تتسـم برؤى حلمية ضاجة ، وبالرغم من وظيفة الحلـم فــــي تكوين بنية   الصورة الحلمية الممتزجة في بنية الصورة الواقعية ، فأن له وظيفة مستقلة ثانية أهم وأخطــر  هـي تحقيق حلـم الحلـم ” احلام داخل احلام – ص 29 ” ، وهي منتشرة في المجموعة ومبعثرة ولا تشـكل بنية متكاملة الا بعد تحليل النـص القرائي بتعمق ودقة لكي نكتشــف هـذه الوظيفة المستترة ، أي أن نقوم باختراق الحلـم – الواقـع للوصول الى حلــم الحلــم الذي يكون في دور التشــكيل في ذات اللحظـة ، وســأورد بعض الامثلة حتى نتبين عمقـها واتســاعها والتي يسميها القاص الاختراق عندما يقول : ” استطيع اختراق الاشياء الى ما وراءها – ص 167 ” ، ليـأخذ طابع الاسطـورة  ووظيفتها ، وعندمـا يتمنى أن يحلم مع الطائر ” حلما واحـداً- ص 7 ” ، رغم اســتحالة ذلك ” واتبع طائري نحو الاحلام القصية والمستحيلة – ص 9 ” ، وفي بعض الاحيان يكون البديل عن الوهم : ” كل الذي عشناه كان حلما .. اضغاثا من الوهم – ص 27 ” ، ولكنـه باقي مـع الانسـان ولا يفنى : ” الاحلام لا تموت ، انها تعود دائما تخطفنا من الواقع .. من الحقيقة ، تأخذنا الى مرابعها السـرية وتضيئنا بآلاتها السـحرية – ص 63 ” ، وانه عالــم مـن الاسـرار والسـحر ، وفـي قصة المشاكس تختلط الامور ، تضيع ، تتيه ما بين الحلم الواقع وبيـن  حلـم الحلـم : ” ظننت أن ما يجري داخل الشقة ليس سوى حلم – 89 ” مع وجود اشارة واضحة صريحة انه يتشكل عبر الحلم – الواقع فـي قصة ( رجل من اقصى المدينة ) : ” لقد حلمت ليلـة امس حلما غريبا .. بوســعك أن تحوله الى قصة .. كم اتمنى لو اخلده .. فــالاحـلام جميلـة .. اشبه بفقاعات الصابون – ص 33 ” ، فالفقاعة تتكون من الماء والصابون ، هكــذا يتكون حلـم الحلـم من حلم وواقع ، ليتلاشى في اللحظـة التي يتكون فيها ، تشبيه فيه دلالة ، فأن الفقاعة تتلاشى فعلياً ، اما حلم الحلم فينجرف الى تخوم الاسـطورة .

امـا المحور الثاني ، فيكون اغـلب ابطال قصصـه من فئة المثقـف / الموظـف كما فــي ( طائر الليل – رجـل مـن اقصى المدينة – المعطف – مملكة الـسراب – المشاكس – بيــان للطــهر –  السـوق ) او المثقـف الثوري ( الموت الجميل ) او مثقف متجسد فــي صـورة دب ، ليبين عدم    اسـتطاعة المثقف التفاهم مع الاخرين ، مـع ادانه المجتمع والمؤسسات ، قصة ( المشاكس ) او  مثقف يعود مـن الهنـد بشهادة الفلسـفة ( الانتظار ) ليتحد بالمطلق ، تاركا العالم والحيــاة وراءه انهم من صميم الواقع ، فمنهم من : يثور ، يتمرد ، يغيب في المطلق ، يستسلم ، ينهار ، يبحـث   عن الآمل ، لكنهــم يشـتركون في انهم يتوسـدون الحلم .

       أن احمد محمد اميـن من القصاصين العراقيين القلائل الذين يتميزون بفرادة خاصة ، ولديه الجرأة والشجاعة ان يتبنى اليوتوبيا الحقيقية ، من خلال قصص منـسوجة من الحلـم ، يرتديــها  الجـسد- الواقع ، وهو من الذين تركوا – او حققوا – اثرا كبيرا بقصص قليلة .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامـش والاحالات :

 

1 – توماس ج بافل – القواعد السردية – ت . د ناصـر حلاوي ، ص59 مجلة الثقافـة الاجنبية  العدد 2 / 1992 .

2 – لوسيان غولدمان – المنهجية في علم الاجتماع الادبي – ت . مصطفى المـسناوي ، ص 31 دار الحداثة بيروت 1981 .

3 – جورج لوكاش – التاريخ والوعي الطبقي – ت . د. حنا الشاعر ، ص 169 ، دار الاندلــس ط2 ، بيروت 1982 .

4 – لوسيان غولدمان – المصدر السابق ص 36 .

5 –  فيلهيلهم امريش – الفن القصصي في القرن العشرين – ت . ناجي نجيب ، ص 38 مجلـة   فكروفن  العدد 23 / 1974 .

6 – المصدر السابق ص 43 .

7 – هنري لوفيفر – مـاالحداثة – ت . كاظم جهاد – ص 117 ، دار ابن رشد ، بيروت 1983 . 8 – المصدر السابق ص 111 .

مقتطف من رسالة كان قد بعثها ماركس الى روج في مايس 1883 .

9 – جورج لوكاش – التاريخ والوعي الطبقي – ص 259 .

10 – د. فاضل عبد الواحد علي – عشتار وماساة تموز – ص 133 ، دار الشؤون الثقافية  بغداد  1986 .

11 – لوسيان غولدمان – المصدر السابق ص 31 .

*  احمد محمد اميـن – طائر الليل ( قصص ) – دار الشؤون الثقافية ، بغداد ، 1996 .

* نشرت في مجلة عمان الثقافية – العدد 77 / تشرين الثاني / 2001 .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| إبراهيم مشارة : الإسلام والحداثة – إسلام المؤسسة أم إسلام الرسالة؟.

  كلما هبت  جماعة من رواد التنوير في الفكر الإسلامي يقيضها الله لإحياء رسالته وشرحها …

| مقداد مسعود : مِن خلال زمنين (عند باب الأزج) للروائية : نيران العبيدي .

الأزج :بناء مستطيل مقوس السقف : هذا ما يخبرنا به المعجم الوسيط  ..أما (باب الأزج) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *