| احمد ابراهيم الدسوقي : الغولة التى لم أتمناها .

قزم صغير ، طوله قدمين ، وسيم جدا ، بالمقارنة بصغار الوحوش ، قزمنا كان من عالم الخرافات ، عالم التنانين والحيزبونات والغيلان ، جنتلمان هو بالمعنى المحدد ، برنس أو أرشيدوق ، كما تسميه النساء ، لأنه إلى جانب مواهبه الكثيرة ، كان شاعرا ، سيد شعراء الإرتجال ، والشطر والقافية

            يأسر ألباب الكبار والصغار ، وعلى الأخص النساء ، كان أبوه ملك ملوك الأقزام ، وهو أصغر أمير فى بلاطه ، وآخر سلالته من الذكور ، لكن الرياح ليست قوية بما يكفى ، لتدفع سفن الملك ، فمملكة الأب تذوى ، الرعاع فى أقاصى المملكة ، يثيرون الشغب ، يتجرئون عليه ، يودون الإنفصال ، أو إنفصل البعض بالفعل بإقطاعياتهم

            ونسل الملك من الذكور ، بدناء ضعفاء متخاذلين ، لا يبارحون لا الطعام ولا الشراب ، ولا النساء ولا اللهو ، فماذا يفعل الأب الملك ، قرر أن يُطعم نسله ، بجنس من الغيلان ، يسكنون أقاصى جنوب جبال مملكته ، فهم عماليق مرعبين ، طول الواحد منهم ، أكثر من ستين ذراعا

            فهم جنس متوحش ، خشن الطباع ، يقتلون المرء بلا سبب ، لكن هل سيقوى أولاده ، على الزواج من بنات الغيلان ، فهن مشهور عنهن ، قتل الزوج ليلة العرس ، لا أحد يطء فراشهن ، إلا وعوقب بالموت ، فالعذرية عندهم غالية ، حتى ولو كانت ، فى إطار شرعى ، ومنذ سنوات قليلة ، حاول الأب الملك ، تزويج بعض أولاده ، من جنس الغيلان

            وكان له ثلاثة أبناء ، ممن يصيبهم الدور ، هم من كبار الأمراء ، الأول كان أحمقا مغرورا ، لم يأمن جانب عروسته الغولة ، فقتلته فى الفراش ، وسلقته مع الخضراوات ، وشربت من شوربته ، ونهشت من لحمه المطهو ، حتى شبعت وتجشأت ، ونامت شهور كثيرة ، حتى تهضم الوجبة الدسمة الملكية

            وأعلن الحداد على الأمير الأحمق ، الذى ذهب فداء المملكة ، فأرسل الأب الملك ، إبنه الأمير الثانى ، وكان رعديدا ، يرتعش فى حفل الزواج ، فلم تضيع العروس الغولة الوقت ، وأمسكت به ، قبل أن يأخذ عفافها ، وسلخته أمام كاهن المعبد والإشبينيات ، ثم قطعته إلى شرائح ، ووضعتها فى براميل الملح ، حتى ُيقدد

            ثم أخذت تتسلى على بقاياه ، وتلتهم لحمه المالح ، وتغمغم وتهمهم ، وللمرة الثانية أعلن الحداد ، على الأمير الثانى ، وقيل أنه راح فداء المملكة ، ولم يضيع الأب الملك الوقت ، فلقد أرسل إبنه الثالث ، ليتزوج من جميلة الغيلان ، وكان لا يختلف ، عن سابقيه من الأشقاء ، إما جبان أو مغرور ، أو الإثنين معا

            وكانت العروس الغولة ، من هواه إلتهام الأسماك المدخنة ، فأمسكت به أمام فراشها ، الذى لم ولن يقربه رجل ، وعلقته مع الأسماك ، التى ستطهى بدخان النيران ، وأشعلت من أسفله ، شعلات النار أو الجحيم ، وسمعت المملكة كلها صرخاته ، وظن الجهلاء أنه نال من عفافها

            لكن بعد إلقاء عظامه ، فى قارعة الطريق ، وصلت الرسالة للجميع ، لن يقوى أمير ، من أمراء البيت المالك ، على فراش إحدى بنات الغيلان ، العملاقات المتوحشات ، وستنهار المملكة ، إن آجلا أو عاجلا ، أما بطل قصتنا ، الأمير القزم الشاعر ، فلقد صار وليا للعهد ، بين ليلة وضحاها ، وهو لا يفيق ، من الشعر ولا الخمر ولا النساء

           وكان عليه القيام ، بواجبات ملك البلاد القادم ، وأول وأصعب إختبار له ، هو تطعيم نسله الملكى ، بجنس الغيلان ، لكن كيف ، فعبور وادى الوحوش ، أيسر من الإضجاع مع غولة ، طولها اكثر من ستين ذراع ، تأكل الوحوش نيئة ، وهو طوله قدمين ، لا يمتلك إلا ناصية الشعر ، وإعمال العقل

           فقرر ان يخدع عروسه ، حتى لا تقتله ، وتمثل بجسده ، لكن كيف ، فأوراقه كلها مكشوفة ، هو يريد فراشها ، وهى تريد موته ، وعندما أقيم العرس ، وعزفت الموسيقى ، طوال شهور متصلة ، وجد نفسه ، أمام أجمل بنات الغيلان ، صحيح طولها مثل منزل كبير ، ولها أنياب مخيفة ، ومخالب مريعة

            لكن جمالها كأنثى ، أسر ألباب الأمير ، ولى العهد الشاعر ، كان إسمها الكونتيسة ( ضل الوحشة ) ، فهى الغولة التى لم يتمناها ، لكنه تمناها ، وأسف عليه الجميع ، لكنه لم يأسف على نفسه ، كان يشغل عقله ، فهو زئر نساء ، والأنثى أعجبته ، فأخذ يفسح المجال لمواهبه ، فهو شاعر فذ

            والنساء تحمر وجناتهن من الغزل ، والأمر عنده ، ليس تكوين أسرة ، بل لحظات مع أنثى من رعيته ، فالملوك كما نشأته التقاليد الملكية ، يملكون كل نساء ممالكهن ، يأمر فيطاع ، ولمسة من يده ، على جسد أى قروية ، هو شرف ملكى لها مقدس ، لكن كيف يقهر تلك الغولة ، إذن إنه الشعر ، وقليل من المديح ، والتغزل فى جمالها

            يجعل التخدير ينساب فى جسدها ، هكذا يفعل ذكور العناكب ، مع إناثهم السامة ، يخدرها بواسطة إبرة التخدير ، ثم يهرب قبل إستيقاظها ، ويكون قد نال منها نيل الرجال ، فليفعل أميرنا ذلك ، مع أنثاه الغولة ، يخدعها بالشعر الغزلى ، وهو فى ملعبه ، ثم تصاب بالخدر ، فيأخذ منها ، ما يأخذه الرجل من المراة ، ويفر قبل أن تفيق

            وبذلك يكون قد خدعها ، ويتركها كما تقتضى معتقداتها القروية ، للذل والمهانة ، لقد وطئها رجل ، ياللعار ياللعار ، وعندما تأتى اللحظة الحاسمة ، ويغلق عليهما الباب الذهبى ، تحمر عيونها وتزمجر ، وتتهيا للفتك به ، فيقول لها ، يا متوحشة قلبى ، يا سيئتى ، يا داهيتى ، يا سوء عاقبتى ، ماذا فعلت بى ، لقد ملئت كل كيانى ، أظلمت كل عالمى ، فلا أرى غيرك والنجوم

            وبالفعل تحمر وجناتها ، وتصاب تدريجيا بالخدر ، وهو يرص أبيات الشعر ، متقزز منها مرتعب ، لكنه يراها قطعة حلوى ، يمتص سكاكرها ثم يبصقها ، ليزورها زيارة كل ليلة ، ليتمتع ويتسلى بها ، وبالفعل فى أول ليلة ، فعل بها ما يفعله الرجال ، وهرب قبل إستيقاظها ، وكسر كرامة جنس الغيلان

            لكن الدائرة لازالت تدور ، وعندما ذهب فى الليلة التالية ، إستهان بها ، وظن أن فراش العذارى ، سهل الوطء ، ودلف إلى غرفتها ، وبدأ فى حيلته ، وقال لها ، يا ذات الشعر الثعبانى ، الحيات الرائعة ، تتراقص فوق رأسك ، يا صاحبة أزناب العقارب ، السم الرائع يسيل من وجهك ، يا ظلمة قلبى ، يا تعاسة حياتى

            يا إلهى ماذا حدث ، إن الخدر لا يعتمل بها ، يا كارثتى يا لعنتى ، لقد كشفت ألاعيبى ، لا يهم سأقتحم فراشها ، عل رجولتى تشفع لى ، وحاول الأمير ولى العهد ، محاولته الأخيرة ، وبعد أن إنتهى ، لم ينتشى ، بل إنتشت هى ، ووجد صباحا ، وهو معلق من عقبيه ، داخل المدفاة ، متفحم مع الحطب ، وعلى وجهه ،  إبتسامة المرتعب وقت الموت

            بعدها بشهور قليلة ، ذوت مملكة أبيه نهائيا ، فأفكار الملك وأولاده ، تجاه الرعية ،  حمقاء وخرقاء ، فليس هكذا تُحكم الشعوب ، بالقهر والذل ولغة الفراش ، وثار خلالها جنس الغيلان ، ثورة سياسية ، لأن الملك وأولاده ، يستحلون ما حرمته السماء

            وإستولوا على المملكة ، وباد جنس الأقزام نهائيا ، وكان ما حدث ، لولى العهد الشاعر ، عبرة تتناقلها الأجيال ، فالحب ولغة الجسد ، تأتى بالود والرضاء ، وليس بالخديعة ، والسحر كما رئينا ، إنقلب على الساحر ، ويقول المثل الشائع ، على مر السنوات الطويلة ، إياكم وعفاف الغيلان ، فعيونهم حمراء ، وإنتقامهم بشع

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| بولص آدم : عجائب وغرائب الدكتور أبو لؤي .

لم اهتم لجرح ما عندما كنت طفلا، بقدر ما كان الذهاب الى مستوصف سكك حديد …

| قصي الشيخ عسكر : البانتولايم .

لم أكن قد تشرفت بعد بلقاء الدكتور ” ود القلوب المحض ” العالم الشهير في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *