| أحمد شحيمط : الرواية العربية المعاصرة وأسئلة النقد .

يتحول الإبداع من الرواية والسرد إلى مجال النقد الأدبي، وإثارة تساؤلات عن واقع الرواية العربية المعاصرة، والتحولات في الأعمال الروائية بين الأمس واليوم ، تحولات كبيرة في تقبل الانتاجات الروائية، وانتقال الرواية من الوعظ والإرشاد في الوظائف التربوية والاجتماعية التوجيهية لإعادة الاعتبار للذات العربية التي أنهكها الاستعمار والتغريب، وسياسة الإجهاز على الثقافي والرمزي، حيث عرف العالم العربي توسعا في مجال الإبداع ، من زمن النكسة وما بعدها ، والتحليل الجديد للباحثين في النقد الروائي عن أسباب الإخفاق والاحتقان، وبوادر الانقسام في المواقف الأيديولوجية، والمستويات الاجتماعية،رواية معاصرة بمواصفات أخرى بعيدا عن نسخ الواقع أو ترميم الذات لأجل إخفاء جروح المجتمع السقيم من الأزمة المركبة، مجتمعات غنية ومجتمعات فقيرة، أو متوسطة، تجرب ذاتها وتكابد من أجل النمو والإقلاع في المجال الاقتصادي، ومجتمعات تحاول تكسير القيود نحو التطور وبناء الوعي الذاتي والجمعي معا. فالتحليل السوسيولوجي يعتبر أن الرواية ارتبطت في نشأتها بالمجتمع البورجوازي، وسيادة نمط الإنتاج الرأسمالي، حيث عرف الفرد صراعا ضد الاستغلال والهيمنة، وضد قوى تتحكم في دواليب الإنتاج والسياسة ، هنا عملت الرواية على رصد التناقضات بين الطبقات الاجتماعية، والخلل في توزيع الثروة، ودرجة الاستلاب الثقافي والفكري من خلال الهيمنة ونشر الوعي المزيف، ويمكن أن يكون التحليل مبالغا فيه بخصوص مسألة الطبقات والإنتاج خصوصا إذا كانت الآليات المعرفية والمنهجية مبنية على القراءة الماركسية، فالروائي العربي كيفما كانت المرحلة التي عاش فيها لا يكتب من فراغ، وليست الذاتية مغيبة، ويبقى الروائي ملزم بالقضايا المصيرية لشعبه، إلا أنه يضفي على العمل مجموعة من المواد والأسس في تخيل الحكاية بالعقدة والحبكة، والرموز والشخصيات النامية، يظهر الروائي العربي ويختفي، ويعلن عن إنتاج جديد، أحيانا يستلهم مادته من الواقع والتاريخ، وأحيانا أخرى من رأسماله ومن الخيال واللغة، هذا ويعتبر التهجين اللغوي أبرز مقومات الرواية العربية الجديدة، يعني التوليد والإخصاب، وإبداع كلمات ومصطلحات جديدة تنأى عن الحشو والإطناب، والوصف الطويل، للتهوين والتهويل معا ، في التهجين اللغوي تتعدد الأصوات، ومستويات الكلام، وتوظف لغة مقتضبة سريعة تدعو القارئ إلى الانتباه، ومتابعة الحكاية، وتخيل أبعاد النص، وتكسير قواعد الكتابة الكلاسيكية، فالأسئلة التي تطرح الآن في سماء النقد العربي من قبيل :                                                                     

 الرواية العربية إلى أين ؟ هل وصلت هذه الرواية إلى العالمية ؟ ما هي قيمة الأشكال الأدبية والأساليب الجمالية في بناء الرواية الجديدة ؟                                                                                                                                             

تنعقد الندوات واللقاءات ذات الطبيعة النقدية والتقييمية للبحث في سبل الارتقاء بالرواية العربية إلى مستوى عال من الجودة والأصالة، فالروائي لا يقدم ألبوما للصور، ولا دروسا، لكن الروائي أيضا يبث أيديولوجيا ، نظرات، رؤية، مما يتصل بالعلاقات الإنسانية، بالإنسان ومحيطه الاجتماعي والطبيعي أيضا، بالتاريخ، وهذا الذي يبثه الروائي ليس إلا إلهاما ولا ذاتية خالصة، إنه إنتاج فردي اجتماعي معين(1)، من قراءة أخرى للنقد البنيوي، يمكن اعتبار البنية أساس كل فكر وعمل، مجموعة من العناصر الداخلية بالذات، تتفاعل وتتكامل في منح الدلالة والمعنى، والقيمة على الأعمال الفنية، البنية موجودة في الانتاجات الأدبية بالقوة لا بالفعل ،كامنة في السرد وفي الخلفية التي يكتب من خلالها الروائي ، عندما يكتب الروائي العربي عن التاريخ، هناك غايات وأهداف كامنة وظاهرة في التوجه نحو رسم الممكن، وتوجيه مسار الحكاية، معيار القول النقدي إذن الدقة، مثله في ذلك مثل الموسيقى، فالنوتة هي النوتة الحقيقية ، إذ أن حقيقة الغناء تتوقف على دقته التي تعتمد بدورها على قوانين التناغم(2)، العمل الإبداعي دالا وذو بنية، يروم الانسجام والتلاؤم بين مكونات مختلفة في النص الإبداعي، الشكل والمضمون، الدلالة والمعنى، الوحدات المركبة والمؤلف، يعني العناية بالتفاعلات والسياقات والأسلوب، وكل ما يمكن أن يمنح النص الإبداعي جمالية فنية، وعذوبة في الكتابة، التي ترغم القارئ على اكتشاف بنية العمل من الداخل، فالنقد للأعمال الروائية غالبا ما يستند على نظريات أدبية، تزود القارئ باليات ومفاهيم، وتسكب نوع من الجودة في إعادة قراءة الأعمال الروائية .                                                              

 يصعب القول بالتقييم الدقيق والنهائي للرواية العربية المعاصرة، لأنها أنتجت كما من الأعمال، وفتحت المجال للقراءة لبعض الأعمال، ولو اعتبر البعض من النقاد أن القراءة تراجعت في عالمنا ، فإن الأمر لا يعود بشكل أساسي إلى سيادة الشاشة، ولا سيما الصغيرة، بل إلى سيادة وانتشار الأمية التي تراجعت عددا، واستمرت ثقافة ووعيا، وعليه فإن السؤال عن مستقبل الرواية العربية، هو من هذه الجهة سؤال عن القراءة، مما هي أعداد ثقافي قائم على الحوارية النقدية(3)، فالكتابة الإبداعية ألم ومعاناة ، مخاض وعسر في بلورة العقدة والحبكة، وترك الحرية للشخصيات لكي تعبر عن ذاتها في لغة مختصرة ودينامية، تؤدي إلى تسريع السرد، والإلتفاف على الماضي والتراث للوصل بين الأزمنة، وهذا لا يعني أن الروائي تحول إلى مؤرخ، بل هو أشبه بأركيولوجي يحفر في أعماق الذاكرة المنسية التي أغفلت أجزاء من الكتابة،كل عودة إلى الماضي تشكل بالنسبة للسرد استذكار يقوم به لماضيه الخاص، ويحيلنا من خلاله على أحداث سابقة عن النقطة التي وصلتها القصة، ومن بين الأنواع الأخرى المختلفة، تميل الرواية أكثر من غيرها، إلى الاحتفال بالماضي، واستدعائه لتوظيفه بنائيا عن طريق استعمال الاستدراكات التي تأتي دائما لتلبية بواعث جمالية، وفنية خالصة في النص الروائي (4)، هناك السرد الذي يهتم بالاستذكار، وما تحتوي عليه الذاكرة الفردية والجماعية من حكايات، والسرد الإستشرافي الذي يعني التطلع للمستقبل كما جاء في رواية واسيني الأعرج عن مستقبل العرب والعالم العربي في 2084 وفي مملكة الفراشة.   

 هناك أسئلة تطرح من قبل الروائي والناقد معا، لمن يكتب الروائي؟ ولماذا الكتابة في زمن الهزائم المتتالية ؟ وكيف نكتب؟ بالتأكيد أن الأسئلة تندرج ضمن الكتابة السردية والأسلوبية، عشق الكتابة والرغبة في توعية القارئ بالعقد والأزمات، نكتب حتى نلمس وضعية الذات في عالم اليوم، ونعبر باللغة، وتداخل الأصوات المعبرة وانسياب الزمن النفسي والمادي، قيمة الحكايات من زمن الماضي والمستقبل، يمكن القول أنه واقع الرواية المستعينة بالتوثيق، المحيل على التاريخ المكتوب والمرويات الشفوية، والقصاصات الصحفية والمدونات ، تبدو أفقا مستقبليا للرواية العربية ، غير ذلك لا يعني أنها الأفق الوحيد(5)، أما السؤال الذي يتعلق بأسلوب الكتابة، فمن الملاحظ أنها تختلف من كاتب لآخر، دافع الكتابة هم التنوير، والمساهمة في إذكاء روح معينة من الوعي الفردي والجمعي، دافع ليس بالأساس ماديا،بقدر ما هو تفريغ الطاقة الإبداعية في الإبداع، هذه الطاقة والتعطش الذي تريد من خلاله الذات التنفيس بحرارة، في عملية زفير لكل ما جاء به الخيال من قوة وقدرة، لا شك أن الرواية العربية تسير وفق مسارات حثيثة، وخطى منشودة نحو آفاق مستقبلية عند الإنصات للنقد البناء، والعناية بالأجيال الجديدة المبدعة في الأوطان، تجارب حية في واقع مأزوم يعرف انتكاسة، وتراجعا نحو مصير مجهول إذا استمرت الأوطان في الحروب والصراعات، والتدخلات الخارجية، أوطان يسكنها الجهل والفقر، الرغبة في القوة المادية، لكن تغفو القوة الناعمة التي تعيد للإنسان الكرامة والبسمة، في عالم لا نريد أن يتحول إلى رماد، العالم العربي في الرواية العربية هي الأوطان التي عانت ويلات الصراعات، وتكبدت سنوات الاستعمار، وكابد الإنسان في زمن الصمت للتعبير عن طموحه، وشجون الذات التواقة للعلم والحرية، ليست الكلمات خاصة بالنخبة العربية في المشاريع المعاقة، والرؤى الكسيحة التي راهنت عليها الجماهير، حتى اكتشفت زيف الخطاب الرسمي، بل طموحات الجماهير الواسع في العالم العربي للتغيير، رغبة ملحة في العبور بالإنسان نحو التحرر من هيمنة الانغلاق السياسي وانسداد الأفق، ارتوى الناس من الماضي، فكانت الصدمة من خلال الهزائم النفسية بالغة الضرر ، فحاولت الرواية الجديدة ترميم الذات من خلال كشف زيف الخطاب الرسمي، وكل المواقف الأيديولوجية المزيفة .                       

أصبح الروائي يعبر عن شجون وطنه فقط، وينغمس في التاريخ للبحث عن شذرات في المقامات والمحكيات، يروي ظمأ القراء، والواقع الحالي نتيجة مباشرة للتاريخ، وتلك الوقائع التي سكت عنها المؤرخ قصدا أو سهوا ، سؤال الرواية العربية إلى أين ؟ غالبا ما يطرح في الندوات واللقاءات، ويكون الإسهام في مجال النقد بين الرؤى الوردية، التي ترسم آمالا وتطلعات للمستقبل، والرؤى القاتمة أن الرواية العربية تائهة، نتيجة التيه والاغتراب الذي يعانيه الإنسان العربي، وهي بالفعل قراءة في الآني والمستقبلي، عندما يتم المزج بين الواقعي والمتخيل ، فكانت الرواية العربية المعاصرة بمثابة رؤية فنية جديدة في نسف التحصينات والقلاع المنيعة، التي ظلت تتوارى عن كشف ذاتها وراء الخطاب الرسمي، وتلك اليقينيات الثابتة، التي عبرت عن هشاشة عالمنا فكريا ونفسيا، هزيمة العالم العربي كانت قاسية على الأجيال التي كتبت الرواية الحديثة، وآثارها باقية اليوم من الهزائم المتتالية، نيران الفشل يتطاير من مكان لآخر، وتأتي الرواية المعاصرة بقالب جديدة في تعرية ترسبات الفكر الثابت، وإماطة اللثام عن الحقيقة الكامنة، تستمر الحكاية بدون نهاية قطعية، أو بطل نهائي من طينة الأبطال الذين يجسدون قيم التضحية والشهامة، وانتصار الخير على الشر، تقريع الذات والكشف عن أزماتها بلغ مبلغا من الوضوح والمكاشفة، عبد الرحمان منيف وتعرية واقع الحال الخاص بمدن الملح، والخوف من المستقبل البعيد في الخراب، حتى لا تذوب المدن القابلة للذوبان في كل لحظة من جراء التغير الذي أصاب الصحراء والحياة، واستنبات القيم الدخيلة من دون روح الأمة في الانبعاث من ذاتها، صنع الله إبراهيم والواقع المر من خلال الخوص في التجربة المصرية ، ومحمد شكري وسخطه على الواقع المر الذي لا يرحم ، حكايات من شوارع ودروب طنجة، ماضي الطفولة وعنف المجتمع، كدمات وجروح غائرة في ذاتية الروائي، المرأة العربية كذلك والشعور بالغربة والاغتراب، وعدم استقامة العلاقة بين الأنوثة والذكورة في عالم الهيمنة، همساتها محاولة لإيصال صوتها الخافت، وندائها لأجل المناصفة وهم التنوير، كتابات متباينة الرؤى تطبع المرحلة الجديدة، هناك كما من الانتاجات، عالم اليوم يتغذى على أزمات مختلفة، وعندما يتوارى الواقع ويصبح بلا معنى، يعود الروائي ليلتمس من التاريخ ما يساعده على الفهم والاستيعاب لأزمة العصر، التي تعني أزمة وجود الإنسان، وما يعانيه من استلاب وفقدان للمعنى .                                

العالم العربي يعاني من تصدعات، واحتقان سياسي واجتماعي سيعاني منه لأمد طويل، ولا نعرف إمكانية ولادة وعي جديد ، ما ترصده الرواية المعاصرة في بعض الانتاجات عبارة عن تساؤلات معقولة في مجال الممكن والمستحيل ، الزمن الانسيابي المتصل هو ما يميز العمل الإبداعي اليوم، تقلص الزمن والمكان أضحى فضاء متعدد الحكاية، وأصبحت الشخصيات دينامية في عالم متغير ومتحرك . يرسم الروائي أفقا، وتبقى الأسئلة مفتوحة على المستقبل، والقيم الراسخة تلاشت بفعل اغتراب الإنسان عن ذاته وواقعه، هشاشة الكائن، وسيولة الثقافة تشكل هدفا وموضوعا للنقد الروائي في الشكل والمضمون معا، لكن الناقد المعاصر مطالب كما قال “امبرتو إيكو” أن يكون قارئا جيدا، وناقدا مسلحا بالآليات الجديدة ، في غابة السرد هناك متاهات ومسالك صعبة لا يمكنك العبور منها إلا بامتلاك أدوات مهمة في النبش والحفر وتفكيك الأشياء، والربط المتين بين المتخيل والواقعي . ويبدو أن الرواية العربية المعاصرة انفتحت على تيارات ما بعد الحداثة، تيارات عملت في نقد وخلخلة الثابت في المفاهيم الميتافيزيقية، كما أعادت التفكير في المنسي والهامشي .                                                                                

الهوامش:

 (1)نبيل سليمان “وعي الذات والعالم – دراسات في الرواية العربية ” دار الحوار للنشر والتوزيع ، الطبعة الأولى 1985ص11

(2)صلاح فضل “نظرية البنائية في النقد الأدبي” دعر الشروق ،الطبعة الأولى 1998، ص219

(3)يمنى العيد ” الرواية العربية المتخيل وبنيته الفنية ” دار الفارابي ، بيروت الطبعة الأولى ص258

(4)حسن بحراوي” بنية الشكل الروائي” المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 1990 ص121

(5) يمنى العيد – نفس المرجع – ص266

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. محمد حسين السماعنة : السحر الأسود في قصيدة نزار قباني “يوميات امرأة”.

احتلت المرأة مساحة واسعة من أوراق نزار قباني فقد مدت ظلها على أكثر عمره، وأكثر …

| علم الدين بدرية : رحلة استطلاعيّة على أعتاب الفردوس وقراءة نقديّة في لوحة الأديب والشاعر وهيب وهبة الإبداعيّة (الجنَّة).

كتاب الجنَّة الطبعة الرابعة يقع في مئة صفحة من الحجم المتوسط باللّغتين العربيّة والإنجليزيّة، يضمُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *