| محمد عبد حسن : تحديث تقنية (المخطوط) في السرد الروائي (إشارات قارئ حول رواية (الجبان)(1) لياسين شامل) .

(1)

إذا كان “المؤلف يتخذ له أقنعة مختلفة في الكتابة الروائية تبعًا للتقنيات السردية التي يتبنّاها(2).. فإن تقنية كتابة رواية تنطلق من العثور على (مخطوط) من التقنيات الشائعة والمطروقة بكثرة، وفيها ينسحب السارد الرئيس، أو هكذا يفترض، تاركًا مكانه لساردٍ ثانٍ، هو صاحب المخطوط، متحوّلًا إلى ساردٍ ضمني يبثّ الكثير من أفكاره عبر سارده الثاني المختلق.

وبشكل عام.. نرى أنّ استخدام هذه التقنية، إضافة إلى ما مثّله من مغايرة لشكل السرد الروائي السائد حال ظهورها.. وبما توفّره للمؤلف من بعد افتراضي عن تداعيات عمله وشخوصه، فإنها تُحدث في لاوعي المتلقّي إيهامًا بحقيقة وجود المخطوط / الوثيقة.. وبالتالي استعدادًا لقبول العمل والتفاعل معه.. “إذ على الرغم من كل شيء يريد الروائي أن يصدّقه الناس –على الأقل في حالة كونه جادًا وليس كوميديًا- لأنّ قوّة ذرواته تعتمد على المدى الذي يصدّقه فيه قرّاءه(3). أقول: المتلقّي بشكل عام.. خصوصا وأنّ العمل الإبداعي، ومنه الرواية، موجّه إلى الناس وليس إلى النخب وحدها.

(2)

في رواية (الجبان).. وعلى خلاف ما هو شائع في الروايات التي اعتمدتْ تقنية مماثلة.. فإن السارد الرئيس لم يعثر على مخطوطته في خزانة قديمة مقفلة، ولا وجدها والغبار يغطّيها على رفّ مهجور في مكتبة قديمة، ولا………… ولا، بل هي مخطوطة حديثة سلّمها له كاتبها: “صديقي الخجول منصور الذي لا أعرف عن حياته الشخصية شيئًا”(الرواية ص13).. وهي رواية ينقصها فصلها الأخير.

ما نألفه في الروايات التي اعتمدت هذا النمط من التكنيك الروائي هو أنها عادة ما تخصص مستهلّاتها لطريقة الوصول إلى المخطوط / الوثيقة.. في حين أنّه في رواية (الجبان) يُؤخر إشعار القارئ، أو إعلامه، بوجود المخطوط إلى ص13 من الرواية، (الفصل الأخير 1)، تاركًا الصفحات (7-12) لأحد وحدات المخطوط.. وهي الوحدة السردية المعنونة بـ(البنغلاديشية).. وهو ما لم نألفه في هذا النوع من الروايات.

وهذا الخروج عن التسلسل المتبع للتوظيف روائيًا لا يأتي من باب المغايرة وكسر السياق فقط، وإن كان ذلك يحسب للمؤلف، وإنّما تمّ اللجوء إليه للإمساك بالقارئ وشدّه عبر طرح عدد من الإشارات الدالة: (انتقلت إلى بيتي الواسع في كوت الحجاج، بيت المستقبل، ساعدني ك. على بنائه، وصرف الأموال من أجلي، ولم يطالبني في يوم من الأيام بثمن مقابل كل ذلك. ………………. تم نصب منظومة كاميرات مراقبة، بأمر من ك.، ……………، حادثة مقتل سمر، وغيرها من الحوادث. لا أدري إنْ كان يخشى على مصيري كي لا يكون مثل مصير سمر. …………………… لم أقتنع بالرواية، التي رواها أبوها. ………….. لم يكن أبوها على ما يرام)(الرواية ص8-9).. وهذه الإشارات الدالة وغيرها والتي سيتم كشف تداخلاتها في وحدات المخطوط السردية؛ وبذلك ضمن الكاتب تواجد قارئه معه حتى الصفحة الأخيرة من عمله.

          (3)

إذا كانت الرواية “العالم الذي “يبدع الوهم” والذي نرتضي الضياع فيه بكلّ سرور(4).. فإن ما كتبه الأستاذ ياسين شامل في روايته (الجبان) ليس وهمًا.. هو حقيقة عشناها ونعيشها كلّ يوم.. خصوصًا وأنه يكتب الفصل الأخير من مخطوطته غير المكتملة، وهذا يحسب له أيضًا، راسمًا نهاية ليس لـ(منصور) وحده.. بل لكثيرين مازالوا ينتظرون نهايات مشابهة.

—————————————————————————————————-

(1): الجبان / رواية – ياسين شامل / ط1 / 2021 – دار أمل الجديدة – سورية / دمشق.

(2): في نظرية الرواية / بحث في تقنيات السرد – د.عبد الملك مرتاض

 سلسلة عالم المعرفة – عدد 240 / 1998 / ص207.

(3): فن الرواية / كولن ولسن – ت: محمد درويش / دار المأمون للترجمة والنشر – 1986- ص213.

(4): صنعة الرواية – بيرسي لوبوك / ت: د. عبد الستار جواد / ط2 / 2000

  دار مجدلاوي للنشر والتوزيع – عمّان / الأردن.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| مهند طلال الاخرس : لحن الرجوع الاخير .. لـ صنع الله ابراهيم .

صنع الله ابراهيم 1970، لحن الرجوع الاخير 1970 رواية لصنع الله ابراهيم تقع على متن …

| عباس عجاج : دلالات النص الموازي في رواية (لبابة السر) لشوقي كريم حسن .

من البديهي أن ينطلق التشظي النصي من مفاهيم نظرية قابلة للتأويل, و يحمل دلالات تعبر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *