| عباس محمد عمارة : شفة الأوركيد ديوان هايكو للشاعر علي محمد القيسي .

الشاعر والهايكست علي محمد القيسي في مجموعته الشعرية “شفة الاوركيد” يحرك بركة “باشو” الراكدة ويؤرخ لمرحلة جديدة من تاريخ الشعر العراقي والعربي المعاصر. قصيدة الهايكو -تاريخيا -تتجاوز الظاهرة العروضية التي اشتغل عليها شعراء القصيدة العمودية والتفعيلة وتتخلص من الغموض والرمزية والاطالة والإسهاب الذي أصاب قصيدة النثر. هي لا تلغي بقية الأجناس الشعرية لكنها تعبر عن وجهة نظرها بأسلوب يختلف عن ما هو موجود ولها أدواتها الخاصة في كل ما تقوم به.
هذه المرحلة التي بدأت بعد إحتلال بغداد ٢٠٠٣ وسقوط النظام الدكتاتوري في العراق. رغم ظهور أول هاتف ذكي سنة ١٩٩٢ باسم سايمونsimon إلا أن تأثير الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية والمكتبية الذكية لم يظهر بصورة كبيرة ومتميزة الا في العقد الثاني من القرن 21.وذلك من خلال مجموعة كبيرة من التطبيقات والأدوات المكتبية و البرامج التي توفر تدفق المعلومات والتواصل مع الآخرين بطريقة مذهلة وسريعة. أصبحت الأتمتة سمة هذا العصر لما تقوم به من مهام ووظائف في الاستغناء عن أداء الإنسان ومايقوم به في مجال التدوين والنشر والدعاية والإعلام . كان الشعراء بحاجة إلى اكتشاف نوع شعري جديد يتكيف مع إيقاع العصر السريع والابتعاد عن الغموض والتقليد والكذب (الشعري) الذي أصاب القصيدة العربية. بعدما فشلت الحداثة الشعرية العربية في اكتشاف ذاتها من خلال اطلاعها على الحداثة الأوربية في النصف الثاني من القرن20، كانت الحداثة الغربية تكتشف ذاتها من خلال اطلاعها على الشرق الأقصى وتجربة الهايكو الياباني.قصيدة الهايكو العربية لاقت الإهتمام من الشعراء والشاعرات العرب في السنوات الخمس الأخيرة من العقد الثاني للألفية الثالثة. والقيسي كان من أبرز الشعراء العراقيين الذين خاضوا غمار التجريب بهذا الجنس الأدبي القادم من اليابان كخيار جمالي عالمي جديد يضاف إلى الذائقة الشعرية العربية.سبقتها تجاربه في كتابة قصيدة النثر والتوقيعة والومضة وهي أقرب الأشكال الشعرية إلى قصيدة الهايكو حتى تأسيسه لموقعه الإلكتروني الشهير نبض الهايكو سنة ٢٠١٥.واحتكاكه بالتجارب العربية والعالمية.استمرت تجربة القيسي بالنضوج بعد تأسيسه مختبر الهايكو عام ٢٠١٨.ليّكون مدرسة شعرية ونقدية في مجال الهايكو ومن خلال تفكيك بنية النصوص وتحليلها وتعرية أوجه القوة والضعف فيها وبمشاركة وتفاعل الكثير من الشعراء والنقاد.لذلك يحق لنا أن نطلق عليه لقب المعلم بكل فخر واعتزاز .خبرته السابقة في المجال الثقافي والإعلامي وامتلاكه أدوات الشاعر المتمكن والتجارب الحياتية التي صقلت شخصيته والحرية والالتزام التي يمتلكهما في مجال الكتابة الشعرية جعلت منه شاعرا من الطراز الأول في كتابة قصيدة الهايكو. وهو الأقرب فنيا إلى الهايكو الياباني لكن بروح عراقية وعربية صرفة. كثير من الشعراء والشاعرات تبنوا طريقة القيسي في كتابة الهايكو في جانبها الكلاسيكي والحديث.بعدما وصلوا إلى مرحلة من الوعي أن أغلب مايكتبونه لا علاقة له بالهايكو. عنوان ديوانه الشعري “شفة الاوركيد”عتبة الدخول إلى عوالم القيسي .أطلق عليها الفيلسوف الصيني كونفوشيوس لقب “زهرة عطر الملوك”
العنوان غني بعبق هذه الزهرة كدلالة على المرأة والحب والحياة والطبيعة بشذاها المذهل رغم مآسي الحياة اليومية ومعاناتها الوجودية.سيجد القارئ نصوص رائعة وجميلة لم يألفها من ذي قبل.نصوص موغلة في السهل الممتنع . لن تقرأ قصائد شعرية.سوف تشاهد لوحات فنية عالمية بنكهة عراقية.
 
لستُ متسولًا ،
لكني تعودتُ أن أفتح راحتيّ
لرائحةِ المطرِ
 
 
 
القيسي يلتزم بأبرز خصائص الهايكو العالمية، وهي في مجملها :الإلتزام بثلاث أسطر، المشهدية، استخدام الزمن المضارع، تنحي الذات والابتعاد عن الإنسنة وعدم الإغراق في استخدام المجاز والاستعارة والتشبيه .من أبرز التقنيات التي استخدمها، ترك حيز لمخيال المتلقي في التأويل،أو ما يسمى (الجمال غير المكتمل)
كما في النص التالي :
 
“بحقل القصب الاجرد
على ساق واحدة
يقف الكركي!”
 
 
يكتب الهايكو الكلاسيكي (يتحدث عن الطبيعة)والذي يحتوي على أحد فصول السنة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.كما يكتب الهايكو الحديث الذي لا يتضمن الإشارة إلى الطبيعة . في قصائده استخدم كل التقنيات المتاحة من كيرجي (صمت زمني) ومشهدية تتكون من صورة واحدة أو صورتان . واستخدامه للزمن المضارع، دليل على حدوث الفعل واستمراريته. تقنية الوابي-سابي، حاضرة في قصائده (الوابي سابي :صيانة وترميم فني وشعري كبعد جمالي -في الإنسان والأشياء -يخترق الزمن و يتجاوزه إلى الخلود والابدية). القيسي بارع الرسم بالكلمات وبكافة المواضيع التي يتناولها سوى كانت موضوعية أو ذاتية.استطاع توظيف الهايكو وطنيا وايروتكيا. بمهارة النحات والرسام، كما في النصين التاليين :
 
١-كشك شاي ؛
الاحاديث جلها
عن السياسة !
 
 
٢-هل تعاقدتِ السيقانُ
التي تعصرُ العنبَ
مع الشيطانِ !
 
 
 
السينريو والتانكا والوكا، هي أشكال شعرية قريبة جدا من الهايكو. أجاد القيسي وابدع فيها عبر تجارب شخصية كما في سنريوات “من ذاكرة المشفى” و”المعتقل”
 
مايميز السينريو عن الهايكو طبيعة الموضوع. حيث تكون ذات طبيعة ذاتية بعيدة كل البعد عن الإشارة إلى فصول السنة والطبيعة بصورة عامة :
 
بالحمام
كل الوجوه التي سبقتني
تراقبني!
 
 
 
 
 
 
أهتم القيسي بإستخدام الألوان و هي عناصر جمالية وحسية ونفسية تشير إلى تقلبات الحياة والطبيعة والمزاج الإنساني عند الشاعر . وترتبط بطبيعة الإنسان ومكانه وزمانه الذي وجد فيه.يميل القيسي إلى استخدام اللون الأبيض والأسود والرمادي في قصائده ويفضل هذه الألوان على بقية الألوان . اللون الأبيض يشير عند القيسي إلى فصل الشتاء وعلامة على بداية نهاية الحياة والى النقاوة والطهر . وله أهمية عند رجال الدين وله علاقة بالموت. أما اللون الأسود عند القيسي يشير إلى الموت والفناء والى قدسية الأشياء والى الظلامية.كما استخدم اللون الرمادي للدلالة على الضبابية والإشارة إلى الأشياء غير الجميلة في الحياة. واللون الأصفر علامة على الخريف. أو الإشارة إلى عملية التدخين، كم هي مضرة وتؤدي إلى الخريف، خريف العمر:
 
١-شمعدان ؛
اشد بياضا
وزرة المسيح !
 
 
٢-بالربيع
ادخّن لفافةَ ورقٍ
أصفرَ!
 
 
أما نصوص 25 أكتوبر التي تتحدث عن الحراك الشعبي الذي حصل ضد الحكومة في بغداد/ ساحة التحرير ٢٠١٩. في هذه النصوص تجد القيسي يحب العراق بطريقته الخاصة. وهو يعيش الحدث اليومي بكل قساوته ومعاناته بحكم عمله في وزارة الصحة وتقديم الدعم اللوجستي للمتظاهرين من خلال اللجان الطبية.حيث يرى الموت والدماء والرصاص وقنابل الدخان.مشهدية موضوعية وواقعية وظفها بكل براعة :
 
 
١-هتاف
وكان الجميع اسمه العراق
بساحة التحرير!
 
***
 
 
٢-صباح باااارد
 
بساحة التحرير متظاهر
 
ينتظر دفء رصاصة !
 
 
في الختام لا يمكننا إلا أن نقول إن هذا الديوان الشعري الرائع والذي تضمن مختارات من شعره، جدير بالقراءة والدراسة للقيمة الفنية والجمالية التي اتسمت بها نصوص القيسي . وانت تقرأ هذه القصائد سوف تنتقل إلى عوالم وحيوات حقيقية عبر تجارب شخصية وابداعية صادقة تجاوزت الخطاب الشعري السائد وحلقت في عالم من الإبداع والتاسيس لهايكو عربي عالمي من شاعر كبير و من طراز خاص وقف بكل ثقة فوق قمة جبل الهايكو.
 
 
 
 
مقدمة ديوان شفة الاوركيد
 
تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| إبراهيم مشارة : الإسلام والحداثة – إسلام المؤسسة أم إسلام الرسالة؟.

  كلما هبت  جماعة من رواد التنوير في الفكر الإسلامي يقيضها الله لإحياء رسالته وشرحها …

| مقداد مسعود : مِن خلال زمنين (عند باب الأزج) للروائية : نيران العبيدي .

الأزج :بناء مستطيل مقوس السقف : هذا ما يخبرنا به المعجم الوسيط  ..أما (باب الأزج) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *