|تحسين كرمياني : حين يفضح النقد أسرار السرد..في كتاب ( أحزان صائغ الحكايات ) .

قراءة في كتاب..

    يبدو أن صدور أي كتاب يستغور سيرة إبداع (كاتب) في ظل مرحلة الغليان السياسي فيه شيء من عدم الإيفاء بالدين أو أشبه بلوحة غير مكتملة، طالما تخضع الأقلام لسلطة الرقابة الشخصية من جهة ومن جهة حساسية وجود تابوات ترفض كل كلام غير واضح التفسير، ومن الكتب التي سبقت الموعد المقرر للاعتبارات أعلاه ( أحزان صائغ الحكايات ).. تحرير وتقديم الدكتور فاضل عبود التميمي/ دار الشؤون الثقافية العامة ـ 2002 / وهي وقائع ندوة ( أحمد خلف مبدعاً).. أقامتها كليّة اليرموك الجامعة ـ في محافظة ديالى ـ بمناسبة إقرار مجموعته القصصية ( تيمور الحزين).. مادة دراسية لسنتين .ثمة سؤال يلح، هل أفلح من ساهم في متن الكتاب قول ما رصده خلال تجوالاته التلصصية عبر النصوص؟ ومن خلال القراءة نلتمس الحساسية التي اشتغل في ظلها الدارسون، فهم رغم كل شيء قالوا ما أنقذهم مع إيجاد بدائل تأويليه لتمرير ما ظل مسكوتاً عنه، والقاص (احمد خلف ) يكاد ينفرد بأسلوب متماسك هو مزاوجة الخيال المنحدر من حكايات (ألف ليلة وليلة) مع الواقع المتلون والسوداوية المتأهبة للانقضاض واف

تراس كل حلم إنساني آيل للتحقيق، لقد اشتغل وبدراية على مرجعيات قلقة، بعضها خنقت بغية إقصاءها من الواجهة الحياتية لما فيها من مرموزات ومداليل تحسس الوعي الجمعي وتدلق ما يجري وراء الكواليس، وبعضها تم تقشيرها وتأهيلها لتغازل أصحاب السيادة، هذه المكونات دفعت القاص أن يؤسس فضاءً سردياً فيه كثافة الغموض تساوي كمية الحقيقة الراهنة، وجد الحفر في جسد التاريخ العليل، هي عملية تطهيره من الملابسات والتشوهات المتلاحقة، وتكمن استاذية القاص في ثلاثيته القصصية / صراخ في علبة ـ خريف البلدة ـ تيمور الحزين / تتحد الشخصيات وتتداخل الفضاءات وتتلاقح الأحداث لتشكل معاً منجزاً تضاهي ثلاثية روائية، في معظم قصصه تتوازن شاعرية الماضي رغم التضليل المتواصل مع الواقعية الكافكوية وهذا ناجم بسبب المرحلة المعيشة للكاتب، كونها كانت مرحلة تأسيس ما بعد الريفية وتبدلات في الواقع السياسي وغزو لتيارات فلسفية كـ (الوجودية) والانفتاح الثقافي جراء تنشيط دور النشر وازدهار الترجمة من اللغات العالمية، لم يهمل القاص الجوانب المنمقة في اللغة، وظل يمهد الدرب لتمرير السجع والتورية في أماكنها بقصدية السخرية والتهكمية لحالات الخرق الحاصل على أرض الواقع اليومي للإنسان، تبحث معظم الدراسات في (تيمور الحزين ) القصة، ألاّ دراسة واحدة اقتنصت رواية (الخراب الجميل)، ثمة دراسات جاءت كبانوراما حول سيرة إبداع الكاتب وهذه إشارة لعفوية الندوة وعدم التكليفية أو التوجيهية التي تسود الكثير من الندوات الجامعية، يوجز المحرر التقديم فسحاً للمجال كي يعبّر كل دارس ما وجده في قراءاته لـ (احمد خلف)، يقدم القاص شهادته (رؤيا القص ) يستعرض عذابات الكتابة وأسرارها الساحرة، وتلك المرارة المرافقة للبحث عن شكل يواكب انتقالات الذائقة ويؤطر المضامين، في دراسة (سعد محمد رحيم ) / أفق المعرفة ومأزق الوجود / ينتبه الكاتب لفاصل حيوي ومؤرق يسربل شخصيات القاص، أنه هم ثقيل، هم المعرفة، أنهم يعرفون كل شيء ولديهم الجرأة المناسبة والملائمة ويعرفون أي الطرق يستوعب ما يجهرون القول به أو ما يودون التصريح، وهناك فواصل تعبيرية تدل على حسن إدارة آلية القص ودربته وإيجاد الثغرات لتمرير المسكوت عنه وبطرق ملغزة، أن الهم المعرفي للشخصيّات دليل على وعي الكاتب ونظرته الاحتجاجية وما لجوؤه إلى ( الكلاب ) إلاّ إشارة إلى عيون السلطة الوقحة وهي تتلصص على حملة المعرفة. وهذه الدراسة تحيلنا إلى ما قاله (سقراط) / كل نفس بشرية تكنز معرفة بالأشياء جميعاً وما الأمر إلاّ معرفة كيفية إخراج تلك المعرفة / يرصد محرر الكتاب (الدكتور فاضل عبود التميمي ) في دراسته (بنية الحدث في تيمور الحزين ) إبداعية القاص وبراعته في خلق قصة (تيمور الحزين )، يراها مجموعة قصص تتشكل معاً لبناء نص حداثوي مؤهل للريادة، ومن خلاله تمكن القاص من تمرير ما اراد تمريره من إدانة ووجهات نظره بخصوص ما يجري في الراهن المعيش، ونجح في تضمين القصة بما هو مكمّل أو ما يثريها عبر انساق سردية متنوعة ومتراكبة. وإلى ذات الاتجاه يبحر الناقد والباحث ( قيس كاظم الجنابي ) في بحثه الموسوم / البنية الشذرية في تيمور الحزين / مؤكداً أن القصص تشبه إلى حدٍ ما شذرات تحوم حول بؤرة مركزية بطريقة (صوريّة ) ويرجع هذا الأسلوب إلى الأساليب العربية القديمة ولكن بطريقة عصرية حداثوية متقنة من حيث السرد والتناسق، أما الناقد ( قاسم محمد عباس ) يكتشف عبر بحثه / من التاريخ إلى المخيلة / أن القاص جاوز الواقعية من خلال خياله الثر وتمكن أن  يحوم حول ( ألف ليلة وليلة ) وصهر الحكايات عبر وسيلة تدمير التقنيات السردية وتركيزها نحو بؤرة مقصودة وملغومة لتسهيل آلية تمرير ما يمكن تمريره من أشياء لا يمكن السكوت عنها، ومستوضحاً الصلة الوثيقة للقاص بالزمن، الماضي بالحاضر، والحاضر المدمر، وكان التاريخ حاضنة لإنضاج قصصه، الناقد والروائي (عباس لطيف ) في دراسته / النسق السردي والدلالي في قصص أحمد خلف / يرى أن الواقع له صلة بإنتاج المبدعين، كون الخطاب الجمالي يماشي الواقع، يزاحمه ويتعالى عليه، ويرصد أقوال كثيرة قالها كتّاب وكانت تنبؤية وهي التي ولدت فكرة الحداثة ، وجرّاء الظروف الراهنة اندفع الكاتب لإيجاد خطاباً مؤهلاً لحمل أفكاره، وأن ( تيمور الحزين ) اخترقت الواقع ووصلت إلى بؤرة الأشياء عبر تهديم بنيان النص وإعادة تأهيله أو تشكيله مع خلق مفاصل درامية حيوية مشحونة بتفسيرات تأويليه متواصلة، فيما يرى ( عباس اليوسفي ) في قراءته العميقة لقصص ( أحمد خلف ) / التغرب عن المحيط في تيمور الحزين / أن القصص تشبه إلى حدٍ ما، ما ذهب إليه ( قيس الجنابي ) حبّات مسبحة يربطها خيط واحد، ويقترح قراءة جديدة وضرورة العودة إلى المنجز القصصي للقاص كي تأتي الدراسات وافية، يشير إلى أن القصص تنتمي إلى محيط جغرافي ـ مكاني ـ ومحيط بشري، ويشطر الأول إلى مكاني قلق و مستقر، أمّا البشري يراه، دلالات مباشرة وتبادل دلالات، وهي أسباب تغرّب شخصيّات القاص في منجزه أنف الذكر، في / مستويات السرد بين التراث والمعاصرة، النص في بعديه الأسطوري والواقعي / بحث الناقد ( سليمان البكري ) حالة مكاشفة الشخصيات لأنفسهم وسط الأزمات ،كونهم في حيرة، أنهم يغامرون من أجل الحلول المناسبة للخروج من حيرتهم في واقع يبيح لهم قول ما يسكنهم أو يؤرقهم، ويرصد الباحث ثنائيات متوازنة ما بين فواصل تاريخية تليدة تقابلها فواصل واقعية خانقة، أمّا الدكتور ( حسين سرمك حسن ) يأخذنا صوب الجوانب النفسية لدى شخصيات القاص في دراسته المهمة/ القرين المعادي، معالجة موضوعة القرين في الأدب القصصي للقاص أحمد خلف / يؤكد أن الإنسان محكوم سلفاً ومربوط بقوّة داخلية تسايره أحياناً وتارة تخاصمه، صراع أزلي بين الإنسان و ـ أنا ـ ه ، أنه الهوس والتردد، وهذه الخصلة تتغلغل في بنية القصص وتتلبس الشخصيات لخلق أجواء كابوسبة تتصارع جرائها للخروج من المآزق. ويقترح  الأستاذ ( سعد مطر عبود ) في بحثه الموسوم / قراءة نفسية وفلسفية لمجموعة تيمور الحزين / أن الإنسان محكوم فطرياً بصراعين الوعي ـ اللاوعي، صراع يستغله القاص بحكمة، فالشخصيّات محكومة بالنكوص وتجد أمامها فرص هي من عنديات القاص يمنحها لهم بغية إنقاذ أنفسهم من المزالق، وهي بطبيعة الحال فرص للآخرين يمررها عبر التشفيرات السردية، كون القصة عند ( أحمد خلف ) غاية ووسيلة اتصال غير مباشر ورسالة معرفية / تيمور الحزين والبحث عن جذور الاستلاب / عنوان دراسة (سعدي عوض الزيدي) والتي تؤشر أن الشخصيّات تعاني من استلاب وهذا الاستلاب ليس بالضرورة نتاج البون الشاسع ما بين القوة والضعف، ويرى أن الضعف أحياناً ينتج استلاب جرّاء الآخر ويوعز لخيال القاص البراعة في إعادة رسم التاريخ المشوه، أو الغامض، وبشكل يلائم الواقع ويسايره وأن تيمور الحزين ضحية استلاب لأنه أسير أحلامه، القاص الروائي والناقد (جاسم عاصي ) يشرح وبإسهاب في بحثه / الحكاية في النص، الأنساق والمعاني / كيفية تحريك الماضي بإطار معاصر مع الاحتفاظ بالمدلولات والحرص في تحديث السرد بغية إنتاج نص دائم التأويل، وما تم توظيفه في تيمور الحزين استلهام بارع للماضي من خلال إثارة الحزن كشرارة لخلق الجو القصصي المشحون، كما لا يغفل ما ذهب إليه ( سليمان البكري ) بخصوص الثنائيات ويؤكد دلالية اللغة، التداخل الزمني والشخصيات بآلية محكمة، يركز الباحث في بحثه حول تبئير النص وجعله القاص المركز، بؤرة تهرع إليها الروافد لتكملة البناء الفني للقصص، وخلافاً لمعظم البحوث ومحور الندوة تقدم الدكتورة ( فاطمة عيسى عبود ) / الحوارات في رواية الخراب الجميل بين التنظير والتطبيق / وهو بحث جميل تتناول فيه الباحثة الفقرات المكملة لقيافة النص، وترى الحوار في الرواية، وسيلة تعبير وتحليل ومن خلاله بالإمكان استشراف حدود الشخصيات والتعرف على حدود طبائعها وعواطفها، كما أن الحوار من العناصر المغرية والجاذبة لإشراك القارئ وتفاعله مع الشخصيات، فالقاص كما تشير، تمكن من خلق لغة وسط أثرت ودفعت الرواية إلى الأمام ، تقسم الحوار إلى حوار خارجي ـ حوار داخلي ( باطني أو ذاتي ) ـ لغة حوارات، وللناقدة الدكتورة ( نادية العزاوي ) رؤية منهجية في قصص ( أحمد خلف ) فهي تؤشر في ورقتها النقدية / خمسة مداخل إلى تجربة أحمد خلف / والمداخل الخمسة كما تراها هي؛  ألف ليلة وليلة ( كمرجعيات ) ـ تدريب النفس على صياغة الحكاية والاعتماد على حيل وألاعيب كتاب الليالي ـ اليوميات ـ لصوصيته في مراقبة الواقع ـ ومحاولاته التجريبية في التحديث، يعرج الدكتور ( سعد إبراهيم عبد المجيد ) صوب / الخواتيم القصصية بين الوصف والتأويل / ليبحث في موضوعة الصراع الأزلي بين الشر / الخير ،ويجد أن لغة القاص حاكت الزمن بتفاعلاته وحيويته، وكان القاص يمتلك المؤهلات والرغبة في ( الكتابة الجديدة )، كما يلتقط النهايات المأساوية للشخصيات وان الموت هو الفيصل وأن هذا الموت يراه من منظارين، موت مادي / موت معنوي، ويجد أن القاص يستخدم مفردة ( نصف ) بتكرارٍ مستمر، ولنا وجهة نظر في ذلك، فالقاص وقف بين صراعين، الماضي بترهله والحاضر الضبابي، بين جيلين، جيل متهم بالتقليد والواقعية المترهلة، وجيل يجابه غزو الفكر الوجودي وصراع الأيديولوجيات، هذا الوقوف جعل القاص أن يتمهل ويرسم مساراً كحل وسط ( ليقول ما لا يمكن قوله بطريقة أخرى) كما يذهب ( تودوروف )، يقدم الشاعر ( محمد درويش علي ) / الذاكرة تقترح تحولاتها / عرض بانورامي في سيرة القاص وإنسانيته المكافحة وحرصه لخلق نص جديد يخترق الزمن ويحمل هموم الناس، ونجد أن هناك الجيل الشاب له دور في ملاحقة المنجز الأدبي رغم الواقع المريض والمثقل بالغموض، يقدم ( محمد عبد الله كاظم ) وهو طالب جامعي ،ورقة نقدية / البنية الفنية في مجموعة تيمور الحزين / يرسم فيها الأطر المنهجية لصناعة القصص ،أما الناقد الدكتور فيما بعد ( ماجد القيسي ) يختار قصة واحدة ليبني دراسته النفسية / رجل فوق الاحتمال ـ الدلالات النفسية في البنية الاستهلالية ـ قراءة تأويليه /وهي سياحة فكرية داخل خيال القاص لحظة الكتابة، ويرى أن الدوافع الإنسانية غريزية وهي شهوات تندفع لحظة الإثارة أو الأزمة وهذا ما دفع ( فرويد ) في دراساته التحليلية، أما في / سعة الخيال القصصي في تيمور الحزين / يوضح  الدكتور ( كريم أحمد جواد ) كيفية تطويع الصراعات والمعانات الواقعية لصالح السرد القصصي، وهذا ناجم عن ثقافة موسوعية ومخيال حسّاس يعرف كيف يخترق الواقع ويناقضه عن دراية وقصدية، وتأتي / صدق التجربة فناً ومضموناً في قصة تيمور الحزين / للدكتور ( حسن يحى الخفاجي) خاتمة لرحلة قد لا تكون الحاضنة التي لملمت أشلاء المضامين المتناثرة لـ (أحمد خلف ) في قصصه، جرّاء ملغومية الوضع العام، والبحث الأخير يشير إلى إمكانية القاص في استشفاف دواخل شخصيّاته واستلهام الماضي وصهره لصالح القص، ثمة إشارات لابد منها، فكل ما قيل سابقاً بحق المبدعين من قبل النقاد، لم تنجو من الإغفال المتعمد للجوانب الحساسة والشفرات الاحتجاجية، وأن الأدب العراقي يقترح إعادة النظر فيه لفرزنة ما هو جاد وأصيل وفاعل عمّا هو عابر، وأن ( أحمد خلف ) صاحب القول المشهور ( نبيع الكتب ولا نرحل )، كانت صرخة احتجاج وتحدي وعدم ولاء ورسالة لمن غادر البلاد وراح يرفع عقيرته وينثر اتهاماته على أدب الداخل الأصيل.

***  

* ( أحزان صائغ الحكايات ) ـ دراسات في أدب القاص والروائي ( أحمد خلف ) تقديم .د .فاضل عبود التميمي / دار الشؤون الثقافية العامة ـ ( 2002 )..                                                    

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| إبراهيم مشارة : الإسلام والحداثة – إسلام المؤسسة أم إسلام الرسالة؟.

  كلما هبت  جماعة من رواد التنوير في الفكر الإسلامي يقيضها الله لإحياء رسالته وشرحها …

| مقداد مسعود : مِن خلال زمنين (عند باب الأزج) للروائية : نيران العبيدي .

الأزج :بناء مستطيل مقوس السقف : هذا ما يخبرنا به المعجم الوسيط  ..أما (باب الأزج) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *