| مريم الناصري : اللااحتمالية للنهاية في القص القصير قراءة في قصص ثبات نايف (ناس وحكايات) .

*الكتاب ومؤلفه:

(ناس وحكايات) مجموعة قصصية تكاد تكون أقرب في بنائها السردي وحبك تفاصيل حكايتها, وومضة الحدث فيها ونهايته إلى القص القصير جداً؛ لمؤلفتها الكاتبة العراقية الصحفية (ثبات نايف), يقع الكتاب في (166 صفحة) من القطع المتوسط, صدر عن دار دجلة / عمان-الأردن, في طبعته الأولى عام 2020م. حيث تتكون المجموعة القصصية من (60) ستين قصة, جاءت بعنوانات مختلفة عن عنوان المجموعة (ناس وحكايات) الدّال على ما تتضمنه تلك القصص من مضامين تعبر عن حكايا ناسِها, واستمرارية بقاء حركية الحكي فيها عند تناقلها, وإن كتبت لتكسب سمات القص. فالحكي في إحدى تعريفاته:” هو متوالية الأفعال أو الأحداث التي يستخلصها المؤوِّل من نص سردي”[1]  ؛ ومن القصص هي(إخلاص, هي والزمن, في الحديثة, الأمل دائماً, لقاء, في مكان بين السماء والأرض, شيء في القلب, رجل حماية, احتراق, الباب الآخر, بلا عنوان, ممثلة, الكرة, تشي جيفارا, قبلة على يدها, الصدفة أحياناً, ….وغيرها)ص7؛ وقد سبقت بإهداءٍ شخصي, الذي تنوّه فيه عن حكاياتها  التي تأخرت ولادتها, تقول فيه :

 

 ” إلى بناتي الثلاث

نوار وصبا ويسار سامي مهدي

جئتن إلى الحياة فأهديتكن إلى أب ٍتفخرن بانتمائكن إليه ويفخر هو بهذا الانتماء..

وفي شيخوختي أهديكن متأخرة عصارة روحي وما

جاشت به نفسي في أقاصيص وحكايات تأخرت ولادتها كثيراً..”

 تنماز هذه القصص بلغة رشيقة تميل إلى بساطة اللفظ الذي يكسوه المعنى بمضامين عميقة, وأسلوب سردي مشوق في حوارات تخلو من رتابة الحكي الفاقد لعنصر التشويق السردي, ليدخلك الحدث في توقعّ ٍ إلى احتمالية النهاية ثم ببغتة تفاجأك بنهاية لا تجد لها تعدداً لأكثر من احتمالٍ واحد لنهاية كان القارئ يتوقع من ذهنه اقتناص تلك المعرفة التي وشتْ له بما لم يكن يتوقعه ثم يصمته ما حدث, ليدخله في حالة من الدهشة والمفاجئة والاستغراب وصولاً إلى التأمل. وتلكم إحدى جماليات القص القصير جداً, المعتمد على ” اللقطة الفنية المكثفة لتعبر المسافة بين الخبر الاعتيادي إلى دائرة الإبداع التي تحتاج جهداً فنياً ذا معنى, بهذا فهي تحقق شكلاً أدبياً فنياً مستقلاً؛ لأن حدثها وشخصيتها يتوهجان فنياً وإنسانياً بحساسية بالغة, ويرتبطان بالواقع حيناً وبالتجريد حيناً آخر, وبهذا, فإنّ القصة القصيرة جداً ستكتب دائماً وفق بنى لا تنتمي إلى ما هو سائد أو متصور”[2]. فضلاً عن تناول الكاتبة في قصصها مواضيع محلية, ووطنية, وقومية, وإنسانية لما لها من اتصال وثيق بعلاقة المرأة والرجل, والطفولة وأيام الصبا والشباب وصولاً إلى الكهولة.. وقد تنوّعت أساليب سرد حكاياتها في الانتقال من الألفة والبساطة إلى العمق والغرابة, والميل إلى الايحاء والتكثيف والاقتصاد اللفظي, وغنى الدلالات وخصوبة المعنى, واستعمال تقنية التساؤل والدهشة والحلم. أضف إلى ذلك تركيز عنايتها في صياغة النهاية لتكسر أفق توقع القارئ في التنبؤ لها.

 

*وقفة مع المصطلح (اللااحتمالية InVraisembable):

يتأتّى مصطلح اللااحتمالية من مصطلحات متقاربة هي (المُحتمل Vraisemblent, والاحتمالية Vraisembableإذ تعد روافداً خصبة لتشكّل بينة المصطلح, وآلية اشتغاله الضمنيّة في النصوص المنجزة. فـ(المُحتمل) هو ليس ما حكي أو ما حدث بل ما يمكن أن يحدث, المتمثل في الأحداث المتخيلة ذات المصداقية, فضلاً عن تفوّق هذا المتخيّل على التاريخ وفصاحة الواقع ( أو اللغة), بعيداً عن الحقائق العامة وصولاً إلى مطلقية التوقّع؛ إذ التخيّل الأدبي -شعرياً كان أو قصصيّاً- يمثل شكلاً للكشف عن الحقيقة من جهة داخلية, عبر المحتمل الذي تترك فيه حبكة العمل الأدبي مكاناً للمصادفة, لارتباطه بتنبؤ منطقي للمَحكي[3].

وأما (الاحتمالية) التي تتحدّد علاقتها بالخطاب تشابهاً, هوية, أو انعكاساً كما عند (جوليا كريستيفا), وذلك من منطلق أنّ كل خطاب ما هو إلّا تركيب احتمالي. في حين يرى (تودوروف) أنّ محتمل الاحتمالية هو قواعد النوع, أي العرف التقليدي(الكلاسيكي) في نمطية التأليف, التي تتنكر في احتماليةٍ بالنسبة للقارئ المعاصر للعمل الأدبي[4]. وهناك من ربط مفهوم الاحتمالية بــ(محاكاة الواقع) أي أنّ الاحتمالية مصطلحاً مرادفاً لمحاكاة الواقع حين طبقوها أو شرطوها في شخصيات المأساة وأحداثها بأنْ تكون ” مشابهة لأحداث الحياة الواقعية وشخصياتها, بمعنى أن تكون معقولة وممكنة الوقوع إلى درجةٍ ما في تجاربنا الحيوية”[5].

وتعرّف اللااحتمالية بأنّها ” معارضة احتمالية نوع ما تدرك بوصفها شفرة اعتباطية, إلّا أنّها تؤرّخ تاريخياً وأيديولوجيّاً.. أو حركة بلا حكمة عند جينيت”[6]. واللا احتمالية للنهاية في القص القصير نعني بها ذاك التوقّع المفاجئ الذي ينهي احتمالية تعدّد التأويل لنهاية أخرى كُنت قد توقعتها أثناء القراءة ثم باغتتك نهاية غير متوقعة؛ إمّا أن تفضي بالقارئ إلى احتمالية واحدة أو أكثر من ذلك. وإذا كانت الاحتمالية هي تخصّ النوع الأدبي وطبيعة خصائصه الفنية, وتحدد تشكّل نوعه, فضلاً عن  شعريته التي تبيّن انتماء جنسه الأدبي وتميّزه وتفرّده. فأنّ اللااحتمالية  تُضيف إلى ذلك حركية (التصوّر/التخيّل) للقارئ المعتمدة على احتمالية التوقّع(فرضية محتملة ذهنياً) لما قرأ, من نسقية الحدث في بناء حبكته, ثم يكسر النص أفق التوقع ليدخل في اللااحتمالية التي عارضت عملية القراءة.

 أي أنّ اللااحتمالية هي معارضة التوقّع الذي تمّ التنبؤ له ذهنياً لنهاية القصة أثناء القراءة, وإنْ كان مبنيّاً على رؤية منطقية للحدث من قبل القارئ . وتلكم إحدى تقنيات القص وجمالية بناء النهاية والتكهن لها.

 

*تمثلات اللااحتمالية في نهايات قصص (ناس وحكايات):

عندما تبدأ في قراءة القصص ستلاحظ من أولى قصصها(إخلاص) أنّ الكاتبة توظّف فيها نهاية التساؤل والمباغتة في واقعية الحدث, لامرأة فقدتْ أهلها ولم يبقَ لها سوى صندوق صغير, يبدو كان يضمّ حياة كاملة لم تعشها بعد أو ربما اختصرتْ, رافقها الوفاء والإخلاص الدفين في عينيين دامعتين, تقول لسان حال جارتها: ” كانت تعيش وحيدة في غرفة يطل بابها على سلم دارنا المؤدي إلى السطح, وكنا نمر أمامها في صعودنا ونزولنا فنجدها قد فتحت صندوقاً قديماً وأنزلت رأسها في فضائه وكأنّها تبحث عن شيءٍ….” ص11. إلى أنْ تقول: ” حتى كان فجر يوم سمعنا فيه باب الدار يصطفق بقوة فنهضنا جميعاً فزعين. صاحت أمي بهلع (خرجتْ!) ثم ارتدت عباءتها وخرجتْ في أثرِها لكنها عادت بعد قليل بوجه مصفر وقالت بألم .. رمت نفسها في النهر ولم أدركها! .. صعدنا إلى غرفتها وفتحنا صندوقها فلم نجد سوى صورة شمسية لشابٍ وسيم يرتدي ملابس فاخرة … ويبتسم “. ص11-12 . ووجود الصورة في إحدى مقتنياتها يدل على احتمالين للنهاية, إما أنّها قد فقدته في حرب أو بُعد مفاجئ, أو أنّه كان من عائلة ذات مستوٍ عالٍ, ولم تحظَ به زوجاً وحبيباً قريباً, ويدل على ذلك الصورة التي تحتفظ بها له وهو في قمة وسامته وشبابه الحي, وتبسمه للحياة التي ودّعتها من دونه.

وتتنوّع النهايات في حكايا قصص (ثبات نايف) من حيث حركية الفعل, وبنائية الحدث, وجمالية تركيبه؛ وذلك لما تنماز به النصوص من طواعية الحوار, وسلاسة توالي الأحداث وصولاً لبلوغ نهاية القص. وقد اعتمدت في ذلك على تقنية المفارقة التي تساهم في تعميق فهم الأمور بطريقة إيحائية أكثر منها مباشرة, فهي كما يصفها (دي.سي. ميوبك): “فنُّ قول شيءٍ ما, من دون أنْ يقال بشكلٍ فعلي”. وأيضاً تقنية الانزياح النصّي (فكرياً وموضوعاتياً), لما يحدثه من توتر وصراعٍ دلالياً في توقّع النهاية؛ فضلاً عن دوره في حركة النص وديناميته, وإنْ كان قد يقود بالنص القصصي إلى شيءٍ من الفوضى بداية (أحياناً), لكن مقصده الانتظام في شكله اللغوي قصصيّاً[7]. ومن تلك النهايات التي رصدناها, هي:

1ــ النهاية الحلمية: وظّفت تقنية الحلم لتكون ايهاماً للقارئ في نهاية القص, لتوقعه في فخِّ احتمالية النهاية, ويتجلّى ذلك في قصة (في الحديقة), لشخص يعمل في تنظيم أشجار الورد, ويرى الحب يعاش أمامه بين العشاق, فيطمع بذلك, ويتحقق له لكن في خياله الذي أخذه لحلم جميل استحال صدق واقعيته , يقول: “يثب من مكانه إذ يراها تقبل عليه مبتسمة ترتدي ملابس ملونة بكل الألوان, تمشي بهدوء بينما تتطاير خصلات شعرها في الهواء, يبحث عن كلمات ليقولها لها فيتمتم بكلمات غير مفهومة. يجاهد أن يقول لها اسمه فينساه, بينما تبتسم له مشجعة وتمد يدها لتمسك بيده, لكنه لا يستطيع, لأن يديه كانتا تحت رأسه فيفز من نومه….”.ص14-15

وفي قصة(شيء في القلب) لشابة انقطع عنها فجأة حبيبها, عندما كان يلاقيها في إحدى الحدائق بالقرب من مدرستها, تقول: ” لكنه الآن أمامها يبتسم لها ابتسامة تتسلل إلى أعماق قلبها, فينبثّ فرح هائل في نفسها وتقفز من مكانها وتتقدم نحوه  فيفتح ذراعيه ليحتضنها, لكنها تفز من نومها فلا تجد في الغرفة أحداً سواها”. ص22

 إذ نلاحظ أنّ لتقنية الحلم مفارقة جمالية نصيّة تجلّت في نهاية القصتين, ومفارقة تلقي لاحتمالية معارضة صدق واقعيتها من قبل القارئ إلى اللااحتمالية التي كسرت أفق توقعه. وهذا متأتٍ من حركة أفعال الشخصيات وردّة فعلهم الدّالة على ارتداد الزمن بهم إلى لحظة اقتناص صورة حياتية حُلمية غير مكتملة, وإنما محتمل الوقوع والتمنّي أفضى بهم إلى اللااحتمالية التي تماهت مع صياغة النص, فضلاً عن تأثر القارئ بها في ردة فعل ذهنه وتوقّع نهاية مكتملة تكسر رتابة المحكي, ومع هذا فأنّ للحلم سطوته في إعادة التوازن وخلخلة مضامين المسكوت عنه.

2ــ نهاية ما يشبه الحلم: هي نهاية ترتكز على التساؤل, للبحث عن واقعية الحدث, وإمكانية توقّع حدوثه قبل السير في حكي الحدث. فهي تدخل في احتمالية اللا توقّع. ونجد ذلك في قصة (ما يشبه الحلم), يقول الراوي:” وفي ذلك اليوم أمضى ليله صاحياً يساءل نفسه: لم لم تفتح الباب وهي التي أعطته ورقة كتبت فيها العنوان, في تلك الساعة أخذ الورقة منها ودسّها في جيبه وهو يبتسم,…., وهي تطلب منه ألّا يتأخر,…, حين عاد وطرق الباب في اليوم التالي لم يجبه أحد, ولكن فاجأه وجه امرأة أطل من باب مجاورة قالت له:

لا أحد هنا, وأردفت متسائلة:

-من تكون, أ قريبهم أنت ؟

وبدون تردد قال لها: نعم أنا قريبهم.

قالت: إذن لماذا لم يخبروك بسفرهم وقد غادروا بلا عودة!

لم يجبها بل سأل نفسه: هل كان في حلمٍ؟! ” ص115-116

ومن القصص التي تدخل ضمن ما يشبه الحلم ووهم الحدث/ وواقعية الفعل, هي قصة(امرأة ما) حين تتحدث المرأة الجالسة في باص عن امرأة تجلس قربها, تشبهها كثيراً, فتفتح معها حواراً عميقاً حين تفاجأها الأخرى بقولها: ” تحدثي سيدتي أنا منصتة إليك!/ قلت: لو تحدثت لما انتهيت..!/ لو تعلمين كم تحملت في حياتي, كم رأيت وكم قاسيت… مسراتي قليلة وأوجاعي لا تعد ولا تحصى. حملت هموم الآخرين وفكرتُ بهم ربما أكثر مما كانوا يفكرون بأنفسهم.. نجاحاتي كانت قليلة وخيباتي كثيرة جداً. لا أتذكر أنني حققت شيئاً لنفسي…..) إلى أنْ تقول في النهاية: “و… وقبل أن أنتقل إلى صفحة أخرى من حديثي سمعت صوت السائق ينادي: -لقد وصلنا… هذه نهاية الخط!

وعندما نزلتُ لم ينزل أحد معي , بل لم يكن هناك أحد سواي.” ص63- 64

إنّ عمق جراح هذه المرأة جعلها تجترح من داخلها شخصاً يشبهها كي تفضض له, وتنفض عن كاهلها ثقل الحياة ومرارة الواقع, لتدخل نفسها في توهّم/ تخيّل يعلن خروجها من احتمالية مفرطة إلى اللااحتمالية, التي تفرض تواصلك مع الآخر, وإنّما الذي يفضي بنا جميعاً إلى تدوين تاريخنا الإنساني وترسيخ أيديولوجية العطاء  المفارقة في الحياة بلا مقابل.

3ــ نهاية الحيلة والمكر(نهاية وهم الفعل): يرتكز هذا النوع من النهايات القصصية على حركة المفارقة للسخرية من الواقع ونقده أحياناً لإثارة الضحك والتفكّه, لتقديم رؤية عن العلاقات الإنسانية من زاوية أكثر ضيقاً لكنها أرحب تعبيراً عن مكنونات المشاعر الإنسانية في واقع مفترض. كما في قصة(كلام في فضاء الفيس بوك) التي تتحدث عن زوج يهمل زوجته من أجل صديقة افتراضية, فتقرر الزوجة التخطيط للإيقاع به, وهو ما تظهره نهاية تلك المحادثة, يقول:

 ” -أمي كانت تقول: النساء مثل الأزهار لكل واحدة أوصافها ونوع عطرها.

-ولها أشواكها!

-ههههه

-هل تحبين الغناء؟

-كثيراً..

-أ تحبين أم كلثوم؟

-كثيراً..

-أياً من أغانيها تحبين؟

-كلها وأنتَ ماذا يعجبكَ؟

-تعجبني أغنية حب إيه؟ لأنّي أُحب ؟

علا صوت زوجته فسمعها تغني: حب إيه اللي أنت جاي تقول عليه!”. ص134

إنّ علوَّ صوتها قد كشف حقيقته, وحقيقة مخططها له, ليفيق كليهما من وهم الحب بلذة الدهاء ومكر الإيقاع في فخ المشاعر!, وتلكم هي جمالية المفارقة في الحكي وبساطة الحوار التي أضفت صدقاً واقعياً للحكاية المرّة. ففي جملة ( لأنّي أُحب…) نلاحظ أنّ (كاف المخاطبة) المحذوفة تعطي ملمحاً دلالياً للقارئ, بالاعتراف غير المكتمل صدقاً ولفظاً, لوجود الزوجة التي تقطع خطوط المحتمل إلى اللااحتمالية.

 

4ــ نهاية دهشة الحدث/ الصدمة(عدم التوقّع): لهذه النهاية تقنية جمالية في بنائية النص/ وفعل الحدث أو حركية الحدث في تغيير مسار القص, إذ تعطي للقارئ سعة التنبؤ بأكثر من احتمال للنهاية لكنها تكون عكس ذلك, وذلك بفعل وهم السرد, وشاعرية الخيال الذي يذهب بمنطقية التوقّع. ومن ذلك قصة(القرار) التي تبدأ بحكاية طفلة يتيمة تدخل بيت أحدهم ليربيها عندما حرم هو وزوجه من الإنجاب لتكون عوناً لهما عندما يبلغا من الكبر مقام. يقول الراوي: ” مرت السنين فإذا بها وقد بلغت الخامسة عشر من العمر مثل وردة تفتحت فجأة أمام عينيه. كيف لم ينتبه إليها سابقاً؟ شغلت فكره ليلاً ونهاراً حتى نغصت عليه عيشه وتحوّل يومه إلى عذاب يستمر حتى نهايات الليل. حاول التخلص مما أصابه من هوسِ التفكير بها وصل حد الحمى والمرض دون جدوى. لم تنتبه زوجته إلى حالته فقد كانت مطمئنة إلى سلوكه, كان رجلاً هادئاً متزناً منصرفاً إلى عمله وحياته ولا شائبة عليه…”ص79

إنّ تفاصيل الحكي, ودقة الحوار الذي يصف حالة الرجل, تشي بأنْ الأمر سيؤدي إلى ما هو متوقّع واحتمالية تطور الحدث, وفقاً لما تدخل فيه حركية الحدث من تشويق وتأجج لحبكة الصراع الداخلي (نفسياً/ ونصيّاً) التي قد تؤدي إلى تغيير مسار القصة, فيتم إرباك القارئ ليتخيّل احتمالية واحدة لنهايتها قد تفضي إلى ( تفكك العائلة/ أو تماسك حبكتها نصيّاً), وإنّما يكون للااحتمالية منطق إعادة التوازن للقارئ/ والعائلة, حين يتم اتخاذ القرار!, يكمل الراوي: ” ..حتى كان ذات ليلة لم ينم فيها فاتخذ قراره بمفاتحة زوجته صباحاً عندها شعر بارتياح ونام هادئاً.. في الصباح قال لزوجته:

-انظري يا فلانة البنت هذه كبرتْ وأخشى عليها من أولاد السوء… لذا قررتُ أن أخطب لها ابن أخي وأهيئ لهما بيت الزوجية على نفقتي ..”. ص79-80

 

ومن هذا النوع من النهايات أيضاً تدخل قصة(عناد) تدور أحداثها في مكان العمل(المكتب), حيث يطرأ حوار بين رجل وامرأة عبر الهاتف, وهي تدخل ضمن توهّم واقعية الفعل للشخصية/ بطلة الحكاية(المرأة), والقارئ الذي يقع في ذات الإيهام, ليصلا حد التعجب مما يحدث, يقول الراوي: ” … أنا لم أخطئ, وقد أوضحت لك موقفي منذ أول يوم تعارفنا فيه. أنا رجل أقدر المرأة حق قدرها, ولا أخجل من البوح بذلك, ولكنني أرفض أن تحكمني امرأة أياً كانت.,…, سأضع فكرة الحب على الرف, المهم عندي, المهم عندي أن تفهمني. كانت ملامح المرأة تتغير ويبدو عليها الامتعاض, بينما استمر الرجل في كلامه, والآن أطلب منك الكلام وأجيبي عن سؤالي: هل تتحملينني كما أنا أم نفترق, قولي نعم أو لا. كلمة واحدة لا أريد أن أسمع أكثر….

جفلت المرأة الجالسة أمامه من كلامه وفتحت عيناها على سعتهما ثم انكمشت ملامح وجهها, والتفتت لترد عليه, لكنها وجدته يرسل ببصره خارج السيارة ويتكلم في جهاز الموبايل مع أخرى!”. ص67-68

إنّ لنهايتها ودهشتها تجعل المرء يجفل -مما تخيّله/ أو عايش واقعيته توهّماً منه- حد الضحك ساخراً من مأساة نفسه التي أدرجها في عرضٍ تراجيدي لا يمثل شخصياته وإنما أحد مشاهديه, الذي تمنّى أو تصوّر احتمالية أن يكون أحد شخوصها وإنّما عكس ذلك..!. فنلحظ من ذلك ما قد تنتجه أو تتيحه لنا اللااحتمالية من سعة التخيّل وتصوّر ما يحدث بــ(لنا/ أو نحن فيه) بوساطة احتمالية ما يكون قد يقع صدقاً أو كذباً نتمنّاه. وقد يقع القارئ في فخِ اللااحتمالية بأنّ ما يحدث هو فعل تمويهي على حكاية ( أحكي مع غيرك لكنكَ أنتَ المقصود!), سيّما وأنّ الرجل ذو شخصية معتدّة بنفسها لا ترغب بأنْ يتملّكها أحدهم وإن كان باسم الحب لاسيما (المرأة), ويتضح ذلك من خلال حواره بصوتٍ عالٍ في أمرٍ خاص أمام امرأة تجلس قبالته من دون الاكتراث لذلك..!.

 وأيضاً تدخل قصة(حدث.. يحدث..!) التي تمتزج فيها الحيلة والمكر والخداع, والاندهاش مما حدث باسم الحب. فـبعد أيام من المراقبة عن بعد لها ليوهمها بحبه, ذات يوم قرب موقف الحافلات, يتمارى ويتلوى أمام سيارتها بدعوى المرض من أجل أن تقله إلى المشفى لأنه يعاني من ألمٍ حاد في بطنه, وخلال طريقهما إلى المشفى, تقول راوية بعض ما حدث: “انطفأت إشارة المرور الحمراء واشتعلت الخضراء, تحركت السيارات باتجاه وسط المدينة في اللحظة التي التقطت فيها أذني كلمة “موظفة” إذ فوجئت به يعرف عني هذا, بينما لا أعرف شيئاً عنه حتى اسمه, وفي الحال قال موضحاً وكأنّه قرأ أفكاري.. لا تعجبي.. فأنا أعرف كل شيء عنك, سألته بدهشة.. كيف.. وماذا تعرف..؟ انقبضت تقاطيع وجهه إثر نوبة ألم أخرى وقول وهو ينطوي على نفسه.. لنصل أولاً إلى المستشفى”.ص154

فبعدما تمكن من قلبها, مال إلى تشتيت ذهنها, ليكسب رهان ما كان يصبو إليه من خداعها وسرقتها!, إلى أنْ تصل القصة نهايتها, تقول:”…وما أن خطونا بضع خطوات حتى راح يتحسس جيوبه وقال: لقد سقطت هويتي في سيارتك.. إعطيني المفتاح لأجلبها. كانت سلسلة المفاتيح ما تزال بيدي, وبحركة خاطفة إنتزعها من يدي وأسرع نحو الخارج قائلاً: إنتظريني… سأعود حالاً. بين مصدقة ما حدث ومكذبة, اتّضحت صورته متعافياً أمامي, فهرولت خلفه مسرعة, ولكنه كان أسرع في قيادة السيارة والاختفاء بها, من دون أن يترك وراءه أي أثر”. ص155

 ومن القصص الأخرى التي تدخل ضمن (نهاية الصدمة), موضوعها الحب, هي قصة(حكايته) فهي كبطلها تخرُسك, ثم تنطقك جمال الحكي بصمتٍ إلى احتمالية غير متوقعة, تجمع بين الحلم ومفارقة الحكي, ودهشة الحدث, وغرابة وقوعه, يقول الراوي فيها: ” رن جرس الهاتف القديم في ساعة متأخرة من الليل, فهبّ من نومه مذعوراً, ورفع السماعة فجاءه صوتها الجميل

 -أنا هي … لعلك تريد أن تقول لي شيئاً

ثم صمت برهة بينما هو يستجمع أفكاره, لكنها فاجأته متسائل

-ها.. ألا تريد أن تقول شيئاً؟ إذن لم أعطيتني رقم هاتفك؟

أغمض عينيه ورأى طيفها وهي تبتسم له في محطة وقوف الباصات المتجهة إلى المدينة….”ص146

جاء الصباح وتكرر ما فعله في المرة السابقة, لكن هذه المرة دسّ بيدها قصاصة, التي مثلت نهاية القصة, كتب فيها: ” –أحب سماع صوتك … سامحيني فأنا أخرس!” ص147, وللتشويق فقد ختمت الكاتبة قصتها بعبارته التي احتوت حياته, واختصرت حكايته, لكن القاصة قد سبقتها بجملة ” لم تنتظر طويلاً فقد اتخذت قرارها عندما قرأت …..”. إذ أوحت للقارئ ثنائية الفعل وضده, واحتمالية التوقّع بأنّها قد تلحق به, وتكمل حياتها معه, وذلك من خلال تقنية الكتابة النصّية, وملئ الفراغات بسرعتها. وقد يكون عكس ذلك إلى معارضة المحتمل (اللااحتمالية) من خلال ثنائية صمت الحكي(بسبب إعاقة الخرس)/ وحركية الفعل التي نطقت بحياة قد تعاش بحبٍ يكمل ما قد ينقص, وينطق ما يخرس!.

وكذلك أيضاً تدخل قصة(في الطريق) حيث وقع فعل الإعاقة على الشابة, لخلاف القصة السابقة, لكنّ ردّة فعل الشاب كانت مباشرة وصريحة, وذلك لما يتمتع به الرجل من جرأة في الاعتراف أكثر من المرأة, فيما يريده ويود فعله في الحبِّ, يقول الراوي في نهاية الحكاية: ” ازدادت ابتسامتها إشراقاً وهي تنزل فنزل الشاب وراءها لكنه لم يصدق أذنيه عندما سمع السائق يقول له بصوتٍ عالٍ…

-لا تحاول الكلام معها فهي خرساء!

تباطأ في سيره قليلاً ثم أسرع للحاق بها”. ص108

إنّ تقليل الحركة ردة فعل طبيعية من قبله, فصدمة ما سمعه قد أربكه, لكن لم يزعزع مشاعره وموقفه الصلب من مواصلة السير خلفها واللحاق بها لتكون إلى جانبه في حياة واحدة صوتها الحب. وكان لفعل التباطؤ حلاوته في صياغة الحكاية وحبكها بلغة بسيطة سلسة , تخلو من الحشو المخل ببنيتها. وهذا ما ميّز شعرية التعبير عن المشاعر الإنسانية بصور شتّى من صور الحياة. ذلك أنّ ” العلاقة بين المبدع ولغته وأساليبها علاقة ينبغي أن تكون حميمة وجدلية؛ لأنّ اللغة هي أداة التوصيل, وهي القابلية للتفجير الجمالي عندما تكون لغة في النصوص الإبداعية”[8], وهي الميل إلى اللغة الشعرية مع محافظتها على سردية حوارية تحقق جمالية الحكاية المتداخلة مع أنواع أدبية وفنية مختلفة, فلا تُــشعر نصوص (ناس وحكايات) القارئ ببعده عن واقعية ما يقوله أبطال حكاياتها وما يروينه في قصص حياتهم. ” ولهذا, علينا الاحتفاظ بفكرة المُحتمل بوصفها رهان عقد قراءة يعدّ النصّ مُتلقيّاً وواقعياً وفانتاستيكيّاً. وانطلاقاً من ذلك, يتغذى تاريخ الأدب على تنويعاته, فمعايير المُحتمل هي الرأي المشترك والعرف, فهو مثالية للحقيقي المفيد للأدب”[9]. الذي يدمج بين المتخيّل والواقعي لتحقيق التوازن في لغة مجازية مكثفّة, تميل إلى الاقتصاد في الحكي, تاركة للتأمل تأويل ما أضمرته فوضى المشاعر وصخبها بين السطور.

ولما كانت القصة القصيرة جداً تعتمد على منظومة من المفارقات السردية المتشكلة من خلال السخرية, والترميز, وثنائية الدلالة وتناقضاتها, والحلم والهذيان, .. وما إلى ذلك من تقنيات تشكّل النص أو تساهم في اكتمال دلالة أكثر عمقاً, وجمالية أقرب ما تكون إلى الدهشة في ملامح التصريح والإيحاء للمحكي. ويقصد من ذلك أنّ كتابة القصة القصيرة جداً في سياقها الجمالي الحقيقي لا بد من تحولها إلى عالمٍ سردي مكتنز بالمفارقات التي لا تظهر كلها من منظور المبدع, وإنما ترتكز إلى حدّ كبير على قدرة القارئ أو المتلقي في إنتاج نص قصصي قصير آخر(تصوّراً/ ذهنياً) في سياق مفارقاته[10], وتعدد تأويلاته, وانزياح تأملات قارئه إلى أبعد أو أقرب مما توقع أثناء عملية القراءة, ولربما (إنتاج نص ثانٍ أكثر مفارقة من الذي تم إنجازه من قبل المبدع!).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*روافد البحث:

1ـــ السيمياء والتأويل, روبرت شولز, تر: سعيد الغانمي, المؤسسة العربية للدراسات والنشر, بيروت, ط1, 1994م: 245.

2ـــ القصة القصيرة جداً في العراق, هيثم بهنام بردى, مديرية تربية نينوى, العراق, ط2, 2010م : 16.

3ــــ معجم مصطلحات النقد الأدبي المعاصر(فرنسي-عربي), د. سعيد علوش, مراجعة: د.كيان أحمد حازم, ود.حسن الطالب, دار الكتاب الجديد المتحدة, بيروت, ط1, 2019م: 637.

4ـــ معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة, د. سعيد علوش, دار الكتاب اللبناني, بيروت, ط1, 1985م: 77-78.

5ـــ معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب, مجدي وهبة وكامل المهندس, مكتبة لبنان- بيروت, ط2, 1984م: 340.

6ــ معجم مصطلحات النقد الأدبي المعاصر(فرنسي-عربي): 637.

7ــ ينظر: القصة القصيرة جداً.. مقاربة تحليلية, د. أحمد جاسم الحسين, دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر, سوريا- دمشق, ط1, 2010م: 58-59.

8ــ القصة القصيرة جداً.. رؤى وجماليات, د. حسين مناصرة, عالم الكتب الحديث, إربد- الأردن, ط1, 2015م: 25.

9ــ معجم مصطلحات النقد الأدبي المعاصر(فرنسي-عربي): 636 .

10ــ ينظر: القصة القصيرة جداً.. رؤى وجماليات: 39.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| إبراهيم مشارة : الإسلام والحداثة – إسلام المؤسسة أم إسلام الرسالة؟.

  كلما هبت  جماعة من رواد التنوير في الفكر الإسلامي يقيضها الله لإحياء رسالته وشرحها …

| مقداد مسعود : مِن خلال زمنين (عند باب الأزج) للروائية : نيران العبيدي .

الأزج :بناء مستطيل مقوس السقف : هذا ما يخبرنا به المعجم الوسيط  ..أما (باب الأزج) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *