| ا. د. سهام السامرائي : المحو سيميائية مقروء في السرد الروائي العراقي رواية مقامات إسماعيل الذبيح لعبد الخالق الركابي أنموذجًا .

مدخل

  إن المنعرج الذي أحدثته فلسفات ما بعد الحداثة في  تقويض وهدم المركزيات عمل على أن يتحول النص إلى ارخبيل من الجزر المبعثرة والمفتتة التي لم تستطع أن تحافظ على مركزها في مرجعية ثابتة ومستقرة ، فتحول الهامش إلى مركز ، والمركز إلى هامش ، محاولاً  إعطاء سلطة لحافات النص ، فاصبح الهامش يمارس دورًا في محو المعنى المركزي للنص لصالح الارجاء ، والتعليق المستمر للمعنى ، فالتموج الدائمة ، والهيولية كانت بمثابة تفكيك عمل على تقسيم النص أو المتن الى نصوص متناصة تعمل على وفق برنامج خاص بها ، فاصبح الهامش البروتوكول الإضافي للمعنى والدلالة التي تعمل على وفق عمودي أو أفقي أو بوصفه القاري ، والجدلي ، أو ما يمكن أن نطلق عليه علاقة الرأس بالجسد ، وهو ما يمكن أن نتلمسه في رواية مقامات اسماعيل الذبيح .

الهامش:

   يمثل  الهامش ملفوظ لغوي أو سيميائي ((  قد يكون  كلمة ، أو عبارة ، أو جملة أو مقطعاً أو فقرة ، أو نصًا،  أو علامة ، أو رقمًا أو أيقونًا .. فليس للهامش  حجم نصي محدد ، ويتحدد بكونه مرجعًا جزئيًا مرتبطًا بالنص بشكل من الأشكال )) ([1]) ،  وهو من العتبات الداخل نصية ، التي تأتي  في سياق متن النص ، وتشتغل بشكل موازٍ للنص الذي تتصدره لخصوصية موقعها الذي يجعل منها عتبة تحمل في ذاتها عناصر تميزها وتفردها ، إذ ترتبط بالنص ارتباطًا عضويًا ؛ كونها تخدم النص من الداخل ، وتعدّ جزءًا لا يتجزأ من جسد النص ولحمته ونسيجه ، بحكم أنَّه يستحيل فصل الهامش عن المتن النصي ، على عكس بعض العتبات التي يكون جوهر عملها هو خدمة  النص من الخارج ،  فتمركز هذه العتبة في حاشية النص يسهم في توضيحه وتفسيره وإضاءته لغويًا واصطلاحًيا ودلاليًا … عليه يعد الهامش من عناصر النص المحيط.

ويشكل خطاب الهوامش في الرواية بنية نصية منعزلة مكتفية بذاتها عن البنية الأم ، وفي الوقت ذاته يمكن أن تتحاور وتتفاعل دلاليًا وبنيويًا مع البنية النصية المركزية، ومن النقاد من لا يُجوَّز لمن يريد التعامل مع الرواية على أي صعيد كان فصل الهامش عن متن النص  (( لأنَّه إن تم ذلك ؛ فلسوف تفقد جزءاً منها لا تكتمل من دونه ؛  لا بل ستشوه إن خلت منه ، ليس لأنَّ الايضاح الذي كرس الهامش من أجله أصلاً سوف يغيب وتغيب معه الرؤية المكتملة للعمل الأدبي ؛ بل لأنَّ البنية الفنية ذاتها ستتعرض إلى اهتزاز يؤدي  بالتالي إلى خلخلة المعلم العام في محاولة تميزه الجمالي أيضًا )) ([2]) .  

والروائي الذي يوظف الهوامش في خطابه ، إنما يسعى إلى إضفاء البعد الواقعي على نصه الإبداعي، بوصف أن الرواية هي الايهام بالواقع . 

وظاهرة الهوامش ليست بجديدة أو بالبدعة الحديثة ؛ بل هي ظاهرة قديمة ارتبطت مع الكتاب منذ القدم مخطوطًا ومطبوعًا ، من خلال عمليات التعليق والتأويل والشرح والتفسير ، ولدينا في مدونتنا العربية خير مثال على ذلك .إذ لكل متن في تلك المدونات تحشية ، وهامش ، وملاحظات ، تسهم في إذابة  عثرات وعراقيل ومعوقات وصعوبات المتن ، وكانت الهوامش قديمًا تتموضع في جنبات النص لتتوسط الصفحة لكن بعد الثورة الصناعي

تطورت صناعة الكتاب وتقنياته الطباعية ، فأصبحت تتخذ أماكن مختلفة   منها : ([3]).

         1- أسفل صفحة النص / الكتاب ( وهذا المعمول به غالبا ) .

 2- أن تحشر بين أسطر النص / الكتاب كثيرًا ما نجده في الكتب التعليمية والمدرسية .

3- نجدها في آخر البحوث والمقالات . 

4- في آخر الكتب عامة .

5- يمكن أن تجمع الحواشي والهوامش في مجلد أو كتاب خاص بها

6- يمكن أن تكون في الصفحة المقابلة للنص .

7- يمكن أن نجد ما يعرف بالحاشية عن الحاشية وهذا ما نجده في كتب القدماء أصحاب الحواشي .

8_ يمكن أن نجد في بعض الكتب هوامش الكاتب توضع في أسفل الصفحة وهوامش الناشر توضع في آخر الكتاب .

كان الهامش إحاليًا يهدف إلى إرجاع المعلومة إلى مصدرها ليحتمل دقتها إلا أن الحداثة في الرواية أفرزت وجود الهامش التخييلي الذي ينزلق من المتن ليلتمس له مسربا آخر يقف وراءه أمر من اثنين : الأول : أنه يريد لحمولته الدلالية موقعًا مغايرًا تسترعي الانتباه ، فظهور علامة الهامش تقطع فعل القراءة وتحدث نقلة بصرية إلى أسفل الصفحة ، ومن ثم تقوم بتحفيز ذهني لاستحضار ما يقوله الهامش وإعادة نسجه في سدى المتخيل في الأعلى لتعميق الدلالة . والثاني : إن ظهورها يستدعي التوقع بأنَّ انعطافة أسلوبية لها وظيفتها الجمالية ، علاوة عن منافحتها عن تمسك السرد بإزاحتها ما يمكن أن يصيب جسد المتن بالترهل . وهذا كله يتطلب وعيا قرائيًا قادرًا على انتاج دلالة من خلال تعالق النص مع العتبة([4]) .

وفي الدراسات البحثية تعد الهوامش ضرورة منهجية ، لأنَّها تجرد المتن من الاستطرادات والتوضيحات التي لا تعد جزءاً ( ريسًا ) من البحث مع أهميتها في اعطاء صورة كاملة لجميع جوانب ذلك البحث([5]) .

وقد التفتت السرديات الحديثة إلى العتبات الداخلية المحاذية للنص الروائي والهوامش الملحقة بالمتن المركزي بخاصة ، ومن أبرز الكتاب الذين التفتوا إلى خطاب الهوامش الناقد الفرنسي(  جيرار جينيت ) في كتابه عتبات .،وميشيل بوتر في كتابه صنعة الرواية .

أما في الخطاب الروائي العربي المعاصر الذي نحى منحى التجريب والتجريد فقد أصبحت الهوامش تقنية جمالية، وفنية ، وشكلية، يسعى بعض الروائيين لاستثمار مساحتها لإنارة عتمة المتن  وشرحه وتوضيحه وتفسيره و تفكيكه وإعادة بناءه من جديد  من خلال (( خلخلة الذوق السائد لدى المتلقي وتخييب أفق انتظاره بأنَّه أمام نص حداثي يتطلب منه المساهمة في خلق النص وإعادة إنتاجه من جديد )) ([6]) فهو (( وسيلة من وسائل التجديد والابتكار ، يغذيهما بما يشاء من رؤى تعضد المتن السردي لا بشيء من الايضاح والتفسير فقط ؛ بل يجعلها في بعض الأحيان امتداد للحكاية تنميها وتتفاعل معها بإضاءتها لما خفي على القارئ منها في كتابة مغايرة وبنية مشاكسة تغادر فضاء المتن إلى فضاء آخر )) [7].

ويعد الروائي العراقي عبد الخالق الركابي في روايته مقامات اسماعيل الذبيح من أكثر الروائيين العراقيين استعمالا للهوامش ، لخلق حداثة سردية متميزة ومتفردة  من الاشتغال على العتبات لاسيما عتبة الهوامش .

إلا أنّ الملاحظ على رواية  عبد الخالق الركابي  ( مقامات اسماعيل الذبيح ) أنَّ الهوامش فيها  لم تأتِ لغايات جمالية أو فنية أو شكلية أو شعرية؛  وإنَّما جاءت لغرض الشرح والتوثيق والإحالة ، أي أن الوظيفة الميتا لغوية هي الغالبة على بنية الهوامش فيها ؛ ربما يعود السبب إلى أن موضوع الرواية مستمد من أحداث ووقائع  تاريخية حقيقية  أصابت خارطة الوطن العربي، استعرض فيها الروائي تاريخ أكثر من بلد عربي العراق  والسعودية وفلسطين وسوريا وهو يلاحق ويتابع أبطال الثورة العربية الكبرى ليلة  انهيار الامبراطورية العثمانية وهيمنة الامبراطورية البريطانية والفرنسية على مقدرات العالم العربي تحديدًا،  مرورا بمرحلة الانقلاب على الحكم الملكي في العراق عام 1958 وما تلاه، وانتهاءً بالاحتلال الأمريكي البغيض  السافر للعراق وما أحدثه من كوارث و تشوهات ومآسٍ وفواجع  نخرت في البنية الاجتماعية العراقية .        

فقد تراوح توظيف الهوامش فيها ما بين الوظيفة التفسيرية والتعليقية والتوثيقية .

ويتخذ الروائي من  منطقة الهوامش(( فضاء حرًا لتدخلاته إذ يتخلى عن حياده إما لعرض أفكار ورؤى معينة في قضية ما قد يجد الروائي من هذه العتبة المهمة مجالا ومتنفسًا مفتوحًا لعرضها عند أكبر عدد ممكن من القراء . وإما لتزويد المتلقي الذي قد يكون فقير الثقافة بحصيلة معلوماتية  تسعفه في تكوين ثروة ثقافية معرفية مهمة في الوقت الذي قد يوظف الروائي هذه العتبة لصالحه من خلال محاولة استعراض ثقافته واظهار سعة معلوماته أمام القراء لإضفاء بعدٍ معرفي لذاته )). ([8])  

وهذا ما لاحظناه تحديدًا في رواية مقامات اسماعيل الذبيح لعبد الخالق الركابي عينة الدراسة ،إذ أجاد الروائي في توظيف تقنية الهوامش كقول الراوي :  

(( وفضحت نشرات الأخبار عمليات تأجيل التصويت على ذلك المشروع أكثر من مرة حرصًا من الولايات المتحدة وبريطانيا على الوصول إلى اقناع العدد المطلوب من الدول – ترغيبًا وترهيبًا  للاقتراع في صالح المشروع . حتى إذا ما تحقق ذلك وتم الإعلان عن تقسيم فلسطين إلى دولتين يهودية وعربية بادل زكريا الجالسين في الغرفة نظرة ذهول قبل أن ينسحب إلى غرفته ليلجأ إلى فراشه لا لرغبته في النوم – ذلك لأنه لم يغمض له جفن حتى سماع صوت المؤذن يأتيه من المسجد الأقصى وهو يؤذن للفجر – بل لإمعان الفكر قبل اتخاذ القرار الحاسم الذي بقي يتهرب من اتخاذه حتى الآن مكتفيًا بالاشتراك في المظاهرات فقط .

وعمت التظاهرات القدس ، ومدنًا فلسطينية عديدة، ل غالبية العواصم العربية . حتى إذا ما حل يوم الثامن من كانون أعلن أن اللجنة السياسية في الجامعة العربية بدأت سلسلة اجتماعات في القاهرة وسط هدير أصوات المتظاهرين لتصدر بعد أيام بيانًا لم تكتف بالتنديد فيه بقرار التقسيم ))([9]

فجاء الهامش لا ليوضح قرار التقسيم فقط ؛ بل ليظهر وجهة نظر   الكاتب ورؤيته وموقفه  من القرار ، إذ نلحظ موقفًا معارضًا ومناهضًا ومضادًا للجنة الفنية التي اصدرت القرار، معزيًا أسباب صدوره إلى السياسة البريطانية التي كانت تهدف إلى خلق كيان دخيل وسط الوطن العربي وفق رؤية الكاتب في هامش المتن  .

(( نهض الهامش بوظيفة التعليق ذي الدلالة العميقة التي تستبطن توجهات الكاتب وتشي بمواطن حساسيته القومية )) ([10]) .  فالتوازي النصي الذي يمثل انطباع بأن هناك تدخل مبشرة مؤدلج من قبل الراوي العليم في توضيح لحظة زمنية ومنعرج خطير في التاريخ العربي والذي تجلى في احداث فجوة في الوجداني العربي ، المتمثلة في الإعلان عن سلب جزء عزيز من شرف العربي الا وهي الارض المقدسة ، فاضحًا التعاقد الظاهر بين الاحتلال البريطاني والفرنسي والكيان الصهيوني الذي عمل على تشكيل دافع لتوضيح أن زرع هذا الكيان الغاصب هو في الاصل نية مبيتة لتفتيت اي مشروع وحدوي مستقبلي ، فاغتصاب الارض الفلسطينية وتفتيت جغرافية الوطن العربي هو الهدف الرئيسي من احتلال فلسطيني .

فـ(( قرار التقسيم : هو القرار الذي أصدرته ( اللجنة الفنية ) برغم اعترافها بأن العرب يشكلون الأغلبية الساحقة في فلسطين مقارنة بعدد اليهود ، ولكنها سارت على وفق السياسة البريطانية التي كانت تهدف جاهدة إلى خلق ركيزة استعمارية وسط الوطن العربي ؛ فجاءت توصيات هذه اللجنة داعية إلى تقسيم جديد لا يختلف في جوهره عن التقسيم السابق)) .

يحيلنا هذا النص الى مرجعية تاريخية تم ارشفتها في الذاكرة العربية ، تسلط الضوء على سياسة المؤامرة التي تجلت في لحظة الغبن الذي أصاب العربي معبرًا هذا النص أو العتبة عن هاجس الضعف الذي أصاب العرب ، فهو في الحقيقة تعبير عن ضعف العرب ,كما الروائي سعى لجعل القارئ يقف في زاوية مضيئة تمكنه من متابعة الحدث وفهم دوافعه .

وقد يوظف الهامش للتعريف بشخصية ربما تكون فاعلة ومؤثرة في الحدث السردي كشخصية ( اللنبي  ) يقول الراوي([11]) :

(( وفي تشرين الأول سارت قوة عسكرية إلى الجفر انضم إليها  عوده أبو تايه برجاله الأشداء من عشيرة الحويطات ، فهاجموا  محطة جرف الدراويش  ومن   ثم زحفوا نحو الطفيلة لغرض  احتلالها ومشاغلة الأتراك شرقي الأردن لتخفيف العبء عن الجيش البريطاني الذي كان قد بدأ حملته الكبرى ، تحت قيادة الجنرال اللنبي  نحو فلسطين ليحتل سريعًا غزة والخليل ويافا وبيت لحم ، متوجهًا تلك الانتصارات الكاسحة بدخول القدس في التاسع من كانون الأول)) ([12]) .

التساوق التناصي الذي يمكن أن نكتشفه في دور استثمار النص الهامش في اضفاء لمحة تضاريس لصورة الشخصية المعنوية والمادية ، فكل هامش هو يأخذ دورًا مساعدًا في توضيح موقف أو فعل تقوم به الشخصية فقد يأتي الهامش ايضا  ليعرف بشخصيته ([13]).

(( الجنرال اللنبي : هو السير ( أدموند اللنبي ) أحد  أبرز القادة البريطانيين ، وقد تم تعيينه في عام 1917 قائدا للجيش البريطاني الذي   اجتاز سيناء متجهًا إلى فلسطين حيث تمكن من ايقاع الهزيمة تلو الهزيمة بالجيوش العثمانية محتلا المدن  الفلسطينية الواحدة  عقب الأخرى ليتوجها باحتلال القدس قبل أن يمضي  في مطاردته للجيوش العثمانية حتى دمشق )) .                            

يتجسد في هذا الهامش هاجس من الاكتشاف يمكن عن طريقه  يتعرف المتلقي على شخصية اللنبي ، كي يثبت وجودها الحقيقي على أرض الواقع ، كما أن شخصيته ينبغي أن يطلع عليها الجمهور لما لها من دور فاعل ومؤثر في الحدث السردي؛ إذ أن التعريف لا يكون إلا لشخصية مركزية وهذا ما حصل فعلًا مع اللنبي إذ كان له دور كبير ومهم في مفاصل أحداث الرواية عندما أوكلت إليه القيادة البريطانية مهمة  قيادة الجيش البريطاني ضد الجيوش العثمانية حيث تمكن من التغلب عليها وهزيمتها محتلا المدن الفلسطينية الواحدة عقب الأخرى وربما كانت((  إضاءة هذه الأسماء وتوطين ماهيتها يخل بتماسك السرد ويسبب ترهله ، الأمر الذي دعا إلى أن يكون الهامش خيارًا يتحدد الخطاب من خلاله على مساحة أكبر وعمق أثرى )) ([14]).  ذلك (( أن الهوامش في تنوعاتها ترسم صورة عن طبيعة النص وتجسد النص الثقافي الذي يقدم معرفة متكاملة متضامنة وتشكل نوعًا من الحوار الذي تؤسسه مع نصوص أخرى في شكل أجناس وخطابات تتفاعل فيما بينها تعالقًا وتناصًا )) ([15]).

ويقول الراوي في مكان أخر وهو يعرف بشخصية ( أحمد سعيد ) ([16]) .

(( وجدت مريم الجميع يتبادلون بوجوه مستبشرة التعليقات ، حتى إذا ما ارتفع صوت المذيع المصري أحمد سعيد عمّ الصمت ليتسيّد ذلك الصوت الهادر على كل ما عداه وهو يتدفق متحدثا عن صواريخ الدفاع المصري في تصّديها المستمر للطائرات الاسرائيلية مسقطة أعداداً جديدة من الطائرات))  .

فالانطباع الاولي الذي يمكن أن يتمظهر في هذا النص بان الهامش التعريف يصف حدثًا مهمًا ورئيسيًا يتعلق في لحظة الدفاع عن المبادئ والاندفاع للدفاع عن الوطن ، فالتعليقات اتكأت على حاسة السمع والتي تحمل نوعًا من الاخبار المفرحة لتصدي العرب للعدوان الاسرائيلي .

ويأتي الهامش ليعرف بشخصيته [17]:

(( أحمد سعيد : مذيع مصري اشتهر في الستينات بتعليقاته النارية ضد اسرائيل ولاسيما في أثناء حرب حزيران 1967 إذ إنه كان يذيع البيان تلو البيان عن تساقط الطائرات الإسرائيلية كالذباب وعن سيطرة القوات المصرية على الوضع تمامًا ، وعن كون النصر قد أصبح قاب قوسين أو أدنى ، وأنه أن الوقت لإلقاء إسرائيل في البحر ، وقد تبين فيما بعد أن كل ذلك الهذيان لم يكن سوى ضرب من ادعاءات فارغة)). 

شكل الهامش خطابًا مكملاً لخطاب المتن ، وكأن الكاتب يخشى من أن يُثقل أعلى الصفحة بتفاصيل يستطيع ايجاد فضاء آخر لها ليفتح عالمًا  نصيًا جديدًا متباينًا عن عالم النص الأصل من حيث اللغة ، فهي غالبًا لغة تخلو من الطابع السردي ، ومن حيث الدلالة نجدها تحمل بعدًا ثقافيًا ، فضلًا عن بعدها الجمالي ([18]).

فالمذيع في الأصل قناع يرتدي أفكار إيديولوجية وأصوات الشعوب العربية المغمورة والمغيبة عن الحدث والتي اتخذت جانب المشاهد بعيدًا عن قضية المشاركة الفعلي وهي ما تجسد لحظة ضعف وفي نفس الوقت البحث عن لحظة انتصار تعيد إلى العربي التوزان النفسي الذي استلب منه عندما احتلت فلسطين .

أو قد يأتي لتوضيح مصطلح معين كالنص الآتي : (( والغريب أن بعض رواد زاويتنا تفاءل بما حصل بحجة أن الولايات المتحدة الأمريكية قد قصفت المنشآت المشكوك في أمرها ؛فما مسوغ استمرار الحصار ؟ وجاء الجواب في شهر كانون الأول على  قرار جديد حل مجلس الأمن بموجبه لجنة الـ ( أنسكوم ) السابقة ليستعيض عنها بلجنة جديدة باسم الـ ( أنموفيك ) ))[19].

ويأتي الهامش ليعرف مصطلح الـ ( أنسكوم ) والـ ( أنموفك )

(( الأنسكوم ،والأنموفيك : الأولى هي اللجنة الخاصة التابعة للأمم المتحدة والتي تشكلت بموجب القرار رقم 687 لغرض مراقبة ونزع أسلحة الدمار الشامل العراقية . وبعد مرور سبعة أعوام  أوقفت أعمال التفتيش في نهاية    تشرين الأول   1998 لتسحب اللجنة أعضاءها من العراق في السادس عشر من كانون الأول من السنة نفسها ممهدة بذلك السبيل لتنفيذ عملية ثعلب الصحراء. أما الثانية فقد أنشئت بموجب القرار   1284في كانون الأول عام 2000 لأجل مواصلة عمليات التفتيش والبحث عن الأسلحة العراقية المحظورة ، وانتهت أعمالها باحتلال العراق من طرف الولايات المتحدة الأمريكية في ربيع  2003 دون أن  تعثر على أية أسلحة  محظورة ))                                        

الدرس المصطلحي في هذا الهامش هو في الاصل درس سياسي وتوضيح تاريخي لبداية المؤامرة  والنفاق الاممي الذي ساعد على احتلال العراق وانهائه وتدميره وهو توضيح في الوقت ذاته  يكشف عن معنى المصطلح ، فأغلب القراء قد لا يعرفون معناه ودلالته، إلا أن إشارة الراوي إليه ستحيلنا على هذا الاهتمام وبالتالي سيفهم المتلقي مصطلحًا قد لا يلتفت إليه كما هو الحال مع الكثير من الأحداث التي قد يحيلها على فضاء التخييل .

ويبدو هذا الايضاح خطابًا موجهًا للمتلقي ، وهو خطاب متواشج مع المتن وعلى الرغم من كونه بنية نصية مستقلة ، فإنَّه يتفاعل بنيويًا ودلاليًا مع البنية النصية الكبرى حتى أنه لو امتد لا نتج لنا محكيا فرعيًا داخل المحكي الأصلي  ([20]) .

كما يمكن أن يستثمر الهامش للتعريف بمكان معين  كما ورد في النص الآتي :

(( وكان جامع  مرجان التاريخي آخر ما يطالع عيني قبل أن أصل إلى شارع الرشيد ، فأتخذ سبيلي نحو باب المعظم )) [21]

التنشيط الذاكري بين اشتباك والتداخل بين اللحظة الزمانية والمكاني وما يجسده تأثيث المكان من جغرافية طللية لماضي وحاضر تم انتهاك قداسة المكان عن طريق تفاصيله التي هي في الاصل تضاريس وهوية لبلد تم تغيب معالمه الأصلية في ظل تغيب الشخوص التي تضفي عليه حميمية وحب واستقرار .

ويأتي الهامش ليعرف بباب المعظم .

(( باب المعظم : إحدى محلات بغداد المهمة الواقعة  جانب الرصافة والتي تكثر فيها الدوائر الحكومية الرسمية  والمستشفيات . وكان يقع فيها أحد أبواب بغداد الأربعة المسمى بباب السلطان ، أما تسمية  المعظم                       فقد جاءتها دلالة على الطريق المؤدي إلى مرقد أبي حنيفة النعمان الكائن في محلة ( الأعظمية ) ))  ([22])  

التهميش يشير إلى علامة المكان ورمزيته ، فالتفصيل المكاني يجسد التمسك بالهوية والوقوف على كل ما يمت الى الحضور الماضي من تمسك فإنَّه يمكن أن نقول أن تعريف الروائي بمكان باب المعظم قد أسهم  في تزويد المتلقي  بمعلومة ربما تكون بعيدة وغير حاضرة في ذاكرته عن الأماكن .  

وقد يأتي الهامش لتفسير معنى كلمة غير عربية كقول الراوي : ([23])

(( ومر بالمدرسة المستنصرية ليستريح قليلا في مقهى الشط ، مراقبا باعة     الصحف يتجولون في أرجاء المقهى محملين برزم منها ؛ فابتاع واحدة كيفما اتفق لينصرف إلى قراءة سطر من هنا وآخر من هناك ؛ ساعيًا جهده إلى تحسين مقدرته المحدودة بالقراءة  ، مصغًيا في الوقت نفسه، لهواة ( الجالغي البغدادي) )) [24].

 يقول في  الهامش: ([25]).

(( الجالغي البغدادي: الجالغي لفظة  تركية تعني العزف على آلات موسيقية تتوزع بين الكمان والسنطور والدف . وقد تألف جوق موسيقي بغدادي بهذا الاسم في العقد  الأول من القرن العشرين )) .

الهامش توسع في توضيح معنى كلمة الجالغي إذ لولا هذا التوضيح لما تمكنا من معرفة معناها؛ وأصل مصدرها ؛ لأنَّ هذه اللفظة تقع في دائرة محيط الألفاظ الغير عربية فالمعروف أن لكل بلد معين ألفاظ يستعملها في حديثه إلا أنَّها لا تنتمي لقاموسه اللغوي جاء الهامش ليزيل ذلك الغموض لتلك اللفظة الغير عربية  ويبين مصدرها الأصلي .

ختاماً يتبين لنا :

1-  أنَّ الروائي كان على وعي حاد بالأهمية الاستراتيجية التي تحملها الهوامش، فالكثير من المفردات والعبارات كانت ستبقى غامضة على المتلقي من حيث الدلالة، والمعنى لو لم تقم الهوامش بتفسيرها ،وتوضيحها واستعمالاتها .

2- طغت على أغلب الهوامش؛ بل ربما جميعها  اللغة التقريرية المباشرة الواضحة ذات البعد الثقافي المعرفي في مختلف ألوان الحياة السياسية ،والتاريخية ، والعلمية ، والاقتصادية عن طريق التفسير، ،والشرح حينًا، وعن طريق التحليل ،والتوثيق، والنقد، والتعليق أحايين أخرى ،على حساب  الدلالة التخيلية ذات البعد الفني الشكلي الجمالي.

3 ــ الارشفة التاريخية لحدث تاريخي مهم احتاج من الراوي الى توظيف كل استراتيجيات المعرفة لغرض تكوين ذاكرة للجيل تعمل على الحفاظ على وعي دائم ومستمر .

4 ــ التجانس والتوازن بين حضور الهوامش والمتن السردي كان ينطلق من حاجة البعد الجمالي وديناميكية السرد التي لم تكن الهوامش مفروضة على المتن ، إنَّما مثلت اقتضاء معرفي ساعد المتلقي الى فهم أجواء وفضاء الجغرافي والسياسي والتاريخي .

 

 المصادر والمراجع:

ـــ شعرية الهوامش في السرد القصصي المغربي .. مجموعة ( سكر أحمر ) لنور الدين كرما ط نموذجا ، د. جميل حمداوي ، صحيفة المثقف ، www . almothaqaf .com  

ـــ عتبات ( جيرار جينيت من النص إلى المناص ) ، عبد الحق بلعابد ، ط1، الدار العربية للعلوم ، بيروت ، منشورات الاختلاف ، الجزائر ، 2008م .

ـــ العتبات النصية في رواية الأجيال العربية ، د. سهام  حسن جواد  السامرائي ،دار شرفات الموصل ، ط1، 2013م.وينظر  :  العتبات النصية في رواية الأجيال العربية ، د. سهام  السامرائي ، دار غيداء للنشر والتوزيع ، 2016. ط1، 164

ـــ العتبات النصية المحيطة في أعمال صنع الله إبراهيم ، وداد هاتف وتوت ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، 2015.

ـــ لعبة السرد الخادعة حوارات مع الياس فركوح ، تحرير وتقديم جعفر العقيلي ، ط1، وزارة الثقافة ، دار أزمنة ، عمان ، 2007م.

ـــ مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي ، د. فرانتز روزنتال  ، ترجمة : د. أنيس فريحة ، مراجعة : د. وليد عرفات ، دار الثقافة ، بيروت ، 1961م. 

ــ مقامات اسماعيل الذبيح ، عبد الخالق الركابي ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت – لبنان ، 2016م.

ـــ  الهوامش في الخطاب الروائي العربي ، د. جميل حمداوي ، بحث من شبكة المعلومات .

[1]  شعرية الهوامش في السرد القصصي المغربي .. مجموعة ( سكر أحمر ) لنور الدين كرما ط نموذجا ، د. جميل حمداوي ، صحيفة المثقف ، www . almothaqaf .com

[2] لعبة السرد الخادعة حوارات مع الياس فركوح ، تحرير وتقديم جعفر العقيلي ، ط1، وزارة الثقافة ، دار أزمنة ، عمان ، 2007م ، 122.

[3] ، عتبات ( جيرار جينيت من النص إلى المناص ) ، عبد الحق بلعابد ، ط1، الدار العربية للعلوم ، بيروت ، منشورات الاختلاف ، الجزائر ، 2008م ، 127- 128.

[4]  ينظر:  العتبات النصية المحيطة في أعمال صنع الله إبراهيم ، وداد هاتف وتوت ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، 2015، 131.

[5]  ينظر : مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي ، د. فرانتز روزنتال  ، ترجمة : د. أنيس فريحة ، مراجعة : د. وليد عرفات ، دار الثقافة ، بيروت ، 1961 ، 106.

[6]  الهوامش في الخطاب الروائي العربي ، د. جميل حمداوي ، بحث من شبكة المعلومات .

[7]العتبات النصية المحيطة  ، 126- 127.

[8]  :  العتبات النصية في رواية الأجيال العربية ، د. سهام  السامرائي ، دار غيداء للنشر والتوزيع ، 2016. ط1، 164. وينظر:  العتبات النصية في رواية الأجيال العربية ، د. سهام  حسن جواد  السامرائي ،دار شرفات الموصل ، ط1، 2013م.13.

 

[9]  الرواية 586-587 .   

[10]  العتبات النصية المحيطة ، 134.

[11]  الرواية : 238.

[12]  الرواية : 284.

[13] الرواية ،284.

[14]  العتبات النصية المحيطة ، 134.

[15] الهوامش في الخطاب الروائي العربي ، 134.

[16]  الرواية ، 645.

[17]  الرواية ، 645.

[18]  ينظر:  العتبات النصية المحيطة ، 133.

[19]  الرواية : 464.

[20]  ينظر : الهوامش في الخطاب الروائي العربي .

[21]  الرواية : 182.

[22] الرواية : 182.

[23] الرواية ، 56 .

 

[25] الرواية : 79

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| أسامة غانم : المغامرة السردية في ذاكرة النص .

  يستمد الروائي حامد فاضل في روايته ” لقاء الجمعة ” * عناصر روايته التكوينية …

| جواد الحطاب : …. ينتظرنّك البدريات عبالي : ارتبلك عمر .. وأيّام مفطومات / في رثاء د. حسين سرمك.

…. ينتظرنّك البدريات عبالي : ارتبلك عمر .. وأيّام مفطومات ………………………………………. . يكولون يا سرمك …

تعليق واحد

  1. محمود سعيد

    Mahmoud Saeed
    نادرا ما تكون المقالة موسوعية، لذيذة، متعوب عليها في المقالات النقدية عند العراقيين ، لكنها عندك بلغت الذروة. تحياتي القلبية.
    دمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *