| ليث الصندوق : أغنية فكتور جارا الأبدية .

لا سلطةَ للجنرال على سبابته

هيَ الجنرالُ ، وهو جندي القنصِ المطيع

ما إنْ يسمعُ طنيناً من أذنِهِ

حتى يظنّ الخصومَ تسللوا تحتَ بيريّته

فيُخرجَ مسدسَه

ويطلقَ على رأسِهِ النار

 

**

 

فكتور جارا لا سلطةَ له على حُنجُرتِهِ

ما إن يدنو منها طنينُ النحل

حتى تتركَ له رسالة تطمين

وتهربَ مع الأسراب إلى المروج

لقد منحتِ الألحانُ رِئَتيهِ جَناحين

فاخترقَ السماءَ المفخورةَ بأفرانِ الآجُرّ

ليُعلّمَ براكينَ تشيلي كيف تتفجّرُ عسلاً

 

**

 

غيابُهُ كِذبةٌ

فالزوابعُ لا تُحبَسُ في جِرار

ربما صَمَتَ حتى يمتليءَ فمُهُ ورئتيهِ بالبنزين

لكنهُ ما إنْ يضعُ يدَهُ على المِنضدة

حتى تصبحَ أصابعُهُ جوقةَ راقصين

 

**

 

بثلاثةِ آلآفِ حنجرةٍ

إخترقَ الدباباتِ المُتنكّرةَ بتنوراتٍ مُهَلهلة

وحامَ مغيراً على الثكنات التي أصيبتْ بالدوار

فتقيّأتْ في بيريات الجنود

ثمّ عادَ واستقرّ في بلازما الدم

وفي نخاع العظام

حاولَ الجَنرالاتُ اقتِلاعَهُ

لكنّهم وجدوا أنّ اقتلاعَ أسنانهِم

أهونُ من إقتلاعِ المسيحِ من الصَليب

فقد تسللتِ القصائدُ إلى المياهِ الجَوفيّة

وصارتْ تتدفقُ من حنفياتِ البيوت

 

**

لم يترك حقل أبيه يتيبّس اشتياقاً

أخذَ التراكتوراتِ معَهُ إلى المَعهدِ الفني

ليعلّمَها الرقصَ الشعبيّ

وفتحَ مدارسَ لحقول الذرة

يعلمها كيفَ تُرضع وتفطم العرانيس

منذ ذلك اليوم صارتِ السواقي تستعيرُ صَوتَهُ

لتضربَ مع بعضِها مَوعداً غرامياً

ماذا لو عَبّأ بآهاتِهِ الألغامَ

لسقطتِ الأسنانُ من فَمِ الحَربِ

ونمَتْ مكانَها شَتلاتُ زنابق

**

لن يدومَ مَوتُهُ طويلاً

حتى لو هَدّدَ الجنرالاتُ الملائكةَ بالاغتِصاب

فقد تركَ وراءَهُ جراحَهُ مُعلقةً على سُفوحِ الأنديز

تخيطُ منها الرياحُ ثيابَ زفافٍ للمراعي المقبلة على الزواج

بينما تُجرّدُ ألحانهُ أمواجَ المحيطِ من ملوحتها

وتُخمّرُها

ثمّ تخزنُها للتَعتيقِ في قناني الخمور

منذ تلك الأيامِ وسانتياغو لا تعاني الغربةَ

ما دامتِ الشوارعُ مبلطةً ب ( 44 ) إطلاقة

وما دامتِ الأصابِعُ المكسورة

تسكبُ صوتَهُ للسُكارى في كؤوس

 

فيكتور ليديو جارا ماترينيز (  1932 – 1973)  هو ناشط سياسي واجتماعي و وأكاديمي و مخرج مسرحي و مغن و كاتب أغان وشاعر ومثقف من طراز رفيع من تشيلي ، ساند حكومة الوحدة الشعبية التي فازت بانتخابات عام 1970 برئاسة سلفادور اللندي ، وسخّر مواهبه للدفاع عنها ، ودفع حياته ثمناً لذلك بعد الإنقلاب العسكري الدموي عليها والذي قاده الدكتاتور أوغستو بينوشيه في 11 أيلول 1973 بدعم وتخطيط من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ، حيث ألقي القبض على الفنان بعد يوم واحد من الإنقلاب ، وأودع في الملعب الرياضي في سينتياغو العاصمة الذي حوله الإنقلابيون إلى مركز احتجاز ، وهناك تعرّض الفنان لتعذيب مميت كُسرت على أثره أصابع يديه ثمّ أطلقت عليه من ( 30 – 44 ) إطلاقة بندقية رشاش وألقيت جثته في أحد شوارع العاصمة .

في عام 2003 سمّي الملعب الذي قضى فيه أيامه الأخيرة ( ستاد فكتور جارا ) . وفي عام 2009 استُخرجت جثة الفنان لاستكمال التحقيقات ، ثمّ أعيد دفنها في المقبرة الوطنية في جنازة حاشدة افتقد إلى مثلها القتلة .

بتاريخ 3 من تموز عام 2018 حُكم في تشيلي على ثمانية ضباط متقاعدين بالسجن خمسة عشر عاماً لاشتراكهم في قتله قبل خمسة واربعين عاماً .

(*) عنوان القصيدة تنويع على عنوان المذكرات التي كتبتها جوان ترنر زوج الفنان ونشرتها عام 1984 تحت عنوان ( أغنية لا تنتهي : حياة فكتور جارا )

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| يحيى السماوي : خـمـسُ مسودات لمشروع قصائد .

مـا حـيـلـتـي؟ حُـزنـي وَلـودٌ  .. والـمَـسَـرَّةُ عـاقِـرةْ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) ليلة في صحراء يـقـتـادُنـي نـحـوي سـؤالٌ …

| صفاء ابو خضرة : سيرة الموت .

  قالَ لي: أعرفُ ما لا تعرفُ، وأقفُ بجنبات الحُلْمِ،  أضيءُ ظلكَ يحْبِكُ صورتكَ،  أراكَ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *