زيد الحلي : نبوءة شاعر ؛ حميد سعيد كتب شعراً عن “ساحة التحرير” قبل 37 عاماً

في فتوتي ، كانت ( ساحة التحرير) ببغداد تعني لي اللهو البريء وتناول المرطبات اللبنانية المتمثلة بمحل ( كيت كات ) الشهير والتجول مع الأصدقاء حول  دورالسينما المحيطة بها ، ثم تطورت رؤاي لهذه الساحة ، لأشاهد ( مقصورة) الزعيم عبد الكريم قاسم ويحلو لي الدوران حولها ، حيث تنتابني الدهشة ، فقد كنت آراها صغيرة فيما كنت اشاهدها في أثناء القاء الزعيم خطبة كبيرة !
ورأيت الساحة وقد ملأها الزلط ومكائن الحفر والبناء ، والعمال في رواح ومجيء        و( سكلات) العمل منتشرة على الجانب الشرقي منها .. والكل منهمك في نصب الجدار المعروف الذي احتضن لاحقاً نصب الحرية..
وفي صباي ، كانت الساحة تعني لي المرور اليومي عبر الحدائق المنتشرة على جنباتها لاسيما حديقتها الشهيرة ( حديقة الامة ) والنهر الاصطناعي الذي يخترقها وفوقه الجسر الانيق الذي كان يحلو لنا المرور فوقه ورمي فتات الخبز أو ( حبات الشامية) الى أسراب البط التي تتراقص بأطمئنان في الماء الرقراق .. وكان المرورعلى صالات السينما الراقية المتشرة التي كانت عند محيطها من العادات اليومية  لنا نحن هواة الصحافة والشعر لمتابعة الجديد من الأفلام الاجنبية التي كانت صالتا ( الخيام وغرناطة ) حريصتين على تقديمهما .. ولا زلتُ أتذكرعرض الساعة الواحدة ظهراً حيث كان حضوره متعة لا تضاهيها متعة ، ثم نختتمها على وجبة غداء في مطعم ( كبة فتاح ) لنتجمع من جديد في لقاء نقاش محتدم حول الفلم الذي شاهدناه على آرائك مقهى ” عباس ” مقابل صالة سينما الخيام .. وكل ذلك كان قبل ان يخترق الساحة نفقها الشهير الحالي ..
وفي عهد الشباب والعمل والركض بحثاً عن مكان تحت شمس الحياة ، شكلت الساحة في منظوري ، نقطة ونذير خطر على العراق ، حين مررت حولها وقد حملت أعمدتها جثث عدد من الجواسيس ممن شكلوا منظمة تجسسية يقودها عدد من يهود البصرة ، فلم يرق للدول الكبرى هذا الأجراء…  ومنذ ذلك اليوم  تم الشطب على العراق وأتخذ قرار بأسكات صوته وظلت تلك الدول تعمل بهذا الاتجاه على نار هادئة مرة وبالتهديد مرات حتى كان ما كان !
ثم تحولت ساحة التحرير ونصب الحرية الخالد الى رمز عراقي ، فالساحة والنصب هما العراق ، وكان يكفي ان تنشر احدى المجلات غلافاً يحمل صورة للساحة او النصب ، للدلالة على ان هناك  موضوعاً يخص العراق .
صوت التحرير..
وتمر السنين وعقودها ، لتصبح هذه الساحة الخالدة مكاناً لإنطلاق أصوات الحرية المطالبة بالتغيير والحياة السعيدة للعراق وتوفير الكهرباء والصحة للمواطنين .. الخ
وأصبح اسم ( ساحة التحرير) ملاذاً للعراقيين ، وعنواناً لمئات المقالات والقصائد .. فالرمز يبقى رمزاً مهما طال الزمن ، وأتخذ العراقيون قراراً بأن تصبح ساحة التحرير منبرهم ومنارتهم .. إنها قلب بغداد المظلومة ، لكنه ظلم مؤقت فلابد للضياء ان يمر على هذه الساحة لينير النفوس التي أتعبها الانتظار والبؤس !
وكلما طرق سمعي إسم الساحة المجاهدة ، راح فكري الى نبوءة الشاعر الكبير ( حميد سعيد ) فأستذكرها وقلبي يعتريه نوع من الخشوع .. نعم خشوع رجل ، لنبوءة وطنية بأمتياز أطلقها أحساس شاعر وطني كبير .. وكان غريباُ ان يكتب شاعر معروف قصيدة تحمل إسم ( ساحة التحرير) قبل 37 عاماً ، وكأنه يقول لنا إن هذه الساحة هي النبراس .. وهي البداية !
قصيدة ( ساحة التحرير) عمل شعري ضم رؤيتين شعريتين متداخلتين في قصيدة واحدة ، عبرتا عن حالين مختلفين ، فالولادة  التي أشارت اليها القصيدة في ساحة التحرير كان الشاعر يعني فيها  المتغير الإيجابي بعد تأميم النفط العراقي  ، فيما الولادة الاخرى التي أشارت اليها القصيدة ( في مخدع امرأة العزيز) كانت تعني ( كامب ديفيد) وزيارة السادات الى القدس ، ولم أطلع على قراءة نقدية بمستوى هذه القصيدة  وبقيت بعيدة عن الضوء النقدي فيما حظت قصائد ظهرت في سنة نشر قصيدة حميد سعيد  بأضواء نقدية .. وصح القول ان البعض ممن امتهن ” النقد ” يسعى الى السهل والمعتاد من الأعمال ويهرب من الملمح الجديد ، العميق ، وأدعو من هنا الى دراسة القصيدة من جديد ، فلا تفي أشارة عزيز السيد جاسم الى القصيدة في دراسته الموضوعية لشاعرية حميد سعيد  في كتابه ( إيقاع بابلي ) فهي في رأيي المتواضع لكنه المُبصر لشعر حميد سعيد ، قصيدة جديدة في الشكل ، كما ان تداخل الفكرة ونقيضها ومن ثم إنصهارهما معاً ، أسلوب لم أجد له شبيها عند كل الشعراء .. لكني اؤمن في مقابل ذلك بمقولة ” رب ضارة نافعة ” فأقنع نفسي بالقول بأن ( بعض ) النقاد راحوا يعقّدون الشعر أكثر مما يبسطونه للقراء ، ما أدى الى فقدان العلاقة بين الشاعر والنقاد وبين القارئ والناقد ، فانفض كل عن الآخر!
عن هذا العمل المتفرد ، قال عزيز السيد جاسم في كتابه ” إيقاع بابلي” المكرس لشاعرية حميد سعيد ( كما تصعد صورة الوطن الى الأعالي ، وتدخل في ــ الكليةــ رمزاً عن الصورة العالمية للوطن الكبير ، ارض الله الواسعة ، فان الشاعر يبدع في إستحضار الوطن عن صورة جزء منه ، إنه يبدع في وصف الوطن بالتعبير الوصفي الدقيق عن الجزء ، مثلما أبدع في الوصف العلوي ، الشمول بالأتساع  فاختارــ تعبيراً عن وطنية فائقة وحب عامرــ وردة ، يالله ما أصغرها ، ما أبسطها ، ومكانا عاما هو ساحة التحرير، فيها نخلة ويد كادحة ..)
ثم يذكر السيد جاسم عدة أبيات من قصيدة ” ساحة التحرير” وبعد ذلك يعرج الى الجزء المتداخل ضمن الموضوعة الكلية للقصيدة وهو ”  في مخدع امرأة العزيز” فيقول ( لا أتوقف عند جماليات الأستطراد الشعري في ” موضوع ” أمرأة العزيز و ” يوسف ” لأني أود الحفاظ على الصلة الحية بالقصة القرآنية ، بأخبارها ودلالاتها فقط .. الخ )
مقاطع من القصيدة ..
إن قصيدة حميد سعيد ( ولادة في ساحة التحرير واخرى في مخدع امراة العزيز) في عنوانها الطويل بعض الشئ ، الذي يبدو إنه كان من ضرورات القصيدة ودلالاتها ، ضمت صورتين شعريتين في قصيدة واحدة كما ذكرتُ ، لكنها أعطت لساحة التحرير ثلاثة أجزاء فيما للثانية جزءآن ، وأظن ان الامر كان مقصودا ، فساحة التحرير لها حظوة نفسية عند الشاعر ورمزه فيها ” تأميم النفط” حلم أحلام العراقيين ، والصورة الثانية جاءت بجزأين فقط حددهما الشاعر بمزدوجين وهي تتحدث عن الشرخ العربي المميت وعنىّ الشاعر به زيارة السادات الى القدس .
ومن بعض الصورة الاولى ننقل من قصيدة ” ساحة التحرير” :
( للشارع الضيق .. للساحة .. للراكض في الساحة
للسيدة الضاحكة ..
الأم التي تسكن فجر الوطن الوردة ،
للشيخ الذي يغرق قي قيلولة بيضاء..
للطفل ..
أحتكمت ..
أعطيت سماوات الحبيب .. لغة العشب ،،
كتاب العشق .. والوجد .. وأيام المسرات ..
وغفران الأله النهر .. والحزن…
توقفت على أبوابها في المدن الفقيرة الطيبة ..
انتظرتها..
كان صغار الحي يضحكون والنسوة يضحكن
ضحكتُ .. ونزعت بينهم عباء تي .. رقصتُ
شاهدتُ حبيبي .. وردة في ساحة التحرير
في الرقص يصير المطر الصيفي حكمة )
وفي الجزء المتداخل يقول الشاعر بين مزدوجين :
(( يا امراة العزيز .. ان يوسف الذي ترين قاتل
والزهرة الحمراء في قميصه دم
وهذه الجراح في يديك والجبين…
بعض هداياه ،
أحذري مخرزه المخبوء في فراشك ..
أحذريه
ياامرأة العزيز بين الموت والحدائق الليلية
أستوقفني بعلك .. نثرالحقائب التي معي ..
أأنت في ضيافتي..
وتهربين مني خوف ان أرى نزفك؟
بعلك العزيز مخبر
ويوسف يريد أن يذبحني .. والشاهد القصيدة ))
ثم يعود الشاعر الى الصورة الاولى فيقول :
( لوردة في ساحة التحرير
لنخلة في ساحة التحرير
لعابر في ساحة التحرير
كتبنا صحفاً .. تفهمها الشوارع الفرعية..
البيوت لا تدخلها الشمس
رأينا وطناً مباركاً ..
انشرب الليلة نخب الوطن الذي رأينا ..
نبدأ الرحيل نحوه .. نحمله الى بيوتنا ،
في الليل لم نجد مكاناً..
أيها الضيف البهي خذ مكاني..
في صباح مشرق من ليلة بهية .. تعرت النجوم
أظهرت مفاتن الأسلحة القديمة )
وتستمر القصيدة الى ان يقول في ختامها :
أحتفلت دون شاهد
رأيت جيش الفقراء .. كان جيش الفقراء
شاهدي ..
في ساحة التحرير ..
( ولمن يريد الأطلاع على القصيدة كاملة ، فهي موجودة في ديوان الشاعر ( الأغاني الغجرية ) ..
الوطن عند الشاعر..
وهكذا هو حميد سعيد ، يحس بجراح الوطن ، ويفرح لأفراحه ، وهذا هو نهجه  الوطني منذ بواكيرحياته وقصيدته ( ساحة التحرير) برمزيتها وسهلها الممتنع ، فتحت باباً شعرياً ، ظل مفتاحه بيد شاعرها ، فلم أطلع على قصيدة جمعت فكرتها حدثاً كبيراً في تجذير السيادة الوطنية متمثلاً في تأميم النفط ونقيضه المتمثل بدق مسمار الخيانة القومية جسده فعل ” انور السادات” رئيس أكبر دولة عربية في زيارته الذليلة للقدس .. ما أصعبهما من تضاد في الحالتين ، لكن حميد سعيد ، ركب صهوة الأبداع في القصيدة وصال فيها بملعب الشعر العربي ، ليشكل تجربة لم يستطع غيره أن يحياها ..
وأذكر إن الشاعر المبدع ” سركون بولص ” طيب الله ثراه ، عزم على ترجمة قصيدة حميد سعيد الى الانكليزية بعد ظهورها ، وقطع في هذا المجال شوطاً كبيراً ، لكنه توقف ، وعندما سألته  عن السبب قال إنها قصيدة صعبة جداً ، ففيها الرمز طاغ  ، وفكرتها غير مطروقة فهي رواية في قصيدة ، وقصيدة في حكايتين والحكايتان متضادتان ، وينبفي للمتلقي الغربي أن يكون على علم ودراية في إحداثيات وجدان الشاعر ، فوجدتُ صعوبة في إكمال ترجمتي ، وقد  أراني نص القصيدة وأوراق كتب عليها ترجمته لها ، ولاحظت كثرة التصليحات والإعادات ، فقلتُ للصديق بولص : أنّ الشعر يقتله او يفسده التفسير والشرح ، فوافقني على رأيي ورددتُ في سري : كان الله في عون الصديق الرائع الشاعر الرقيق سركون الذي هوى قبل ان يكمل مشواره ، ولا راد لإرادة الخالق ،
في هذه القصيدة ، لمستُ ان ناظمها ،  أراد أن يخاتلنا لننحاز الى فكرته ، وهو يعرف إنها فكرة ، صعبة الفهم لكنها سهلة الكلمات ، وتلك هي روعة القصيدة .. ان التوحد في المكان ، يعني ألق قرار التاميم ويعني رثاء قرار مصافحة العدو … فالقصيدة إذاً جاءت لتحرك الجماد وأنسنة الطبيعة .
وأجزم إنني قارئ متابع لحميد سعيد ، متابع منذ فترة طويلة  لم يتوقعها  حتى الشاعر رغم إنه أبن مدينتي وشربنا سوية من ماء الفرات وأستنشقنا هواء منطقة ” الوردية ” الساكنة في قلب مدينة ” الحلة الفيحاء” .. لقد قرأت لأبي بادية ، الشاعر الكبير والأنسان الأكبر قصائد عديدة من بواكير شعره ، أوضحت هوية شاعرها ، وظلت هذه الهوية مترسخة فيه ، لم تهزها العواصف ولم تغرها التقلبات ، هويه حقيقية كحقيقة الشاعر حيث همه التعبيرعن الحدث الذي يخرج من ذاته ، لا الحدث الموجود خارجه ، فانتمائه لوطنه أجمل مافيه وهذا الأمر واضح وجلي من خلال أعماله التي تعبر عن ذلك منذ بداية وعيه الأنساني والشعري وحتى الآن ،  وهو يؤمن بالحرية وظيفة طبيعية ، وكافح بالكلمة دون خوف او تملق ، لأنه يستقبل الحياة بالأمل متفتحاً على الفضائل نحو المستقبل بلا توقف  وهو يمقت بشكل كبير الكتاب والشعراء والصحفيين الذين تمثلوا بالزواحف في تخلصهم من جلدهم ومن ما فيهم دون خجل ، وقد تعلمتُ من حميد سعيد دون ان يدري أهمية الهدوء في مواجهة العاصفة ، وأهمية التأمل قبل إعطاء أي رأي ، وأهمية تحديد الموقف قبل الوصول الى قناعة تامة ، تشمل كل الأبعاد .. إنه أخي الكبير ومدرستي الانطباعية الاولى .
النبوءة ..
عندما نأتي على ذكر ساحة التحرير، تأتينا أصوات عديدة تحمل قصائدها ومسرحياتها ومقالاتها … موضوعاتها تركز على رمزية الساحة وقدسية أهداف القائمين بالتظاهر فيها ، وهي حالة تفرح القلوب ، فالساحة إذاً هي بغداد وبغداد هي العراق والعراق هو الوطن العربي .. وحميد سعيد اول من قال ( هل أراك عابراً في ساحة التحرير..
في يدك الوردة الجديدة ) قبل 37 سنة ، فأنثالت بعد ذلك الورود الجديدة ، لتصيح : نحن هنا يا عراق ، ومستعدون للتضحية من أجلك … وصحت نبوءة حميد سعيد !

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.