| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة:

بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال حسن” ، وبعد أكثر من ثلاثين كتابا أصدرها بجهده الخلاق الفذّ ، ها هو يتحفنا بمخطوطة كتاب جديد هو “حكايات للفتيان – حكايات عربية” وهو في مجال أدب الطفل الذي يتقلص كتّأبه –للأسف- يوما بعد آخر ليبقى طلال حسن حامل رايته ومضيء شعلته في هذه المرحلة المدلهمة التي يُخرّب فيها العقل العراقي. باعتزاز كبير تنشر أسرة موقع الناقد العراقي فصول هذه المخطوطة في حلقات مع التمنيات لمبدعنا الكبير بالصحة الدائمة والإبداع المتجدد.
أُسرة موقع الناقد العراقي

 

 

   شخصيات الرواية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

1 ـ خزامى

 

2 ـ قتادة

 

3 ـ مرنان

 

4 ـ انمار

 

5 ـ اصيلة

 

    ” 1 ”

ــــــــــــــــ

   على عادتها ، وحتى عندما كانت أمها على قيد الحياة ، حملت خزامى قربتها ، وخرجت من الخيمة ، ومضت نحو البركة ، التي تقع بعيداً بعض الشيء عن الخيام ، تحيط بها أشجار ناحلة ، كأنها تقاوم هجمات الصحراء برمالها الجافة القاتلة .

البركة خالية ، لا أحد فيها الآن ، رغم أن الوقت تجاوز منتصف النهار ، وخزامى تهرب بسنيها السبعة عشرة تقريباً ، من نفسها المثقلة بالهموم والمصاعب والأحلام ، وهي تهرب أيضاً من خيمتها ، التي غدت باردة موحشة خاوية ، منذ رحلت عنها أمها قبل أشهر .

ملأت خزامى القربة ، وجلست على حافة البركة ، وقد شردت حتى عن تغريد الطيور ، وهي تتناغى لبناء أعشاش جديدة لها ، فالحياة تتجدد ولا تقف عند العواصف ، وما تخلفه من خراب ومآسي .

وأفاقت من شرودها ، حين تراءى لها ، أنها تسمع وقع حوافر جواد ، ربما من بين الأشجار المحيطة ببركة الماء ، وأنصتت ملياً ، لا أثر لوقع حوافر الجواد ، يبدو أنها كانت واهمة ، أو هو صوت جياد الريح ، وهي تركض خفيفة فوق رمال الصحراء .

وأفاقت تماماً ، وانتفض قلبها الصغير المرهف ، ” كعصفور بلله القطر ” ، حين جاءها صوت تعرفه ، يهمس لها : آه أشم شذا خزامى .

والتفتت خزامى إليه مبتسمة ، إنه قتادة ابن أخي الشيخ ، فنهضت واقفة ، وقالت : الخزامى في القبيلة كثير ، ومن يدري أي خزامى تعني .

واقترب قتادة منها ، وقال : لا توجد إلا خزامى واحدة ، إنها .. خزامى الصحراء كلها .

ونظرت خزامى إليه ، وقالت : شاعر ..

تلامعت ابتسامة على شفتي قتادة ، بدت لخزامى سراب واحة وسط صحرائها ، ونظرت إليه ، وقالت : منذ أيام وأنت غائب في الصحراء .

فمال قتادة عليها ، وقال بابتسامته الساحرة : كنت أصطاد الغزلان ، يا خزامى .

وابتسمت خزامى بدورها ، وقالت : ستفرح أمك ، وكذلك ابنة عمكَ ، بما اصطدته .

فاعتدل قتادة ، وقال : لن تفرح أمي ..

وسكت لحظة ، ثم قال : طاردتُ غزالة ، طاردتها طويلاً ، حتى لم تعد تقوى على الهرب ، فأمسكتُ بها ، لكني عندما تأملت عينيها ، أطلقت سراحها .

وحدقت خزامى فيه ، فقال : كان لها عينان سوداوان ، جميلتان ، ساحرتان ، تشبهان عينين ساحرتين أعرفهما جيداً ، لزهرة من الصحراء اسمها .. خزامى .

وأغمضت خزامى عينيها ، وقلبها يخفق فرحاً ، وقالت : حمداً لله أنك لا تكتب الشعر .

ومال قتادة عليها ثانية ، وقال : يبدو أن عينيك ، يا خزامى ، ستجعلان مني شاعراً .

وحدقت خزامى فيه ، ورغم شعورها بالفرح ، قالت له : لا أدري كم غزالة فتية في صحرائنا ، قلت لها هذه الكلمات .

واستدارت خزامى ، متأهبة للعودة ، فلحق قتادة بها ، وقال : قلته وأقولها لغزالة واحدة ، يا خزامى .

ومضت خزامة مبتعدة ، وهي تقول : فلأذهب قبل أن تكتبني قصيدة .

وهمّ قتادة أن يلحق بها ، فقالت له خزامى : لا تأتِ بعدي مباشرة ، لا أريد أن يعرف أحد إننا كنّا معاً .

 

     ” 2 ”

ـــــــــــــــــــ

   قبيل المساء ، كانت خزامى منهمكة في إعداد الطعام داخل الخيمة ، عندما جاءها صوت نسائيّ آمر ، متعال ،  غاضب : يهتف بها : خزامى .

وتوقفت خزامى ، هذه مرنان ، ابنة عمّ قتادة ، ومدعية الحق المطلق فيه ، وتجنّ إذا اقتربت فتاة منه ، مهما كانت مكانة أهل هذه الفتاة في القبيلة .

والتفتت خزامى نحوها ، ووجهتها بوجه متسائل ، وقالت : نعم ، يا مرنان .

واقتربت مرنان منها ، وقالت لها بنبرة وعيد : قلتُ لك مرة ، ولن أعيدها مرة أخرى ، لا تقربي من ابن عمي أبداً ، لا تقربي من قتادة .

ولاذت خزامى بالصمت ، وهي تحدق فيها ، فتابعت مرنان قائلة : لا تكذبي وتقولي ، إنكِ لم تقابليه اليوم ، إن لي عيوني ، ترصدك في كلّ مكان .

وقالت خزامى ، وهي مازالت تحدق في مرنان : أنا لا أكذب ، ولستُ بحاجة إلى الكذب ، وعلى عيونك أن يكونوا صادقين ، لم أقترب من ابن عمك قتادة ، هو الذي اقترب مني ، وأنا أملأ القربة من البركة .

ولاذت مرنان بالصمت لحظة ، ثمّ قالت ، قبل أن تخرج ، وتبتعد عن الخيمة : أنت يتيمة ، وحيدة ، وأنا لا أريد أن أؤذيك ، لكني لن أرحمك إذا تجاوزت حدودك .

وعادت خزامى إلى طعامها ، وواصلت إعداده كما تشتهي ، وجلست تأكل حالمة شاردة ، قتادة ، الشاب العشريني ، ابن أخي الشيخ ، وابنة عمه مرنان ابنة الشيخ نفسه ، صياد الغزلان ، وفارس الكلمات الدافئة العذبة ، حلم معظم فتيات القبيلة ، الكلمة الحاسمة ستكون له ، فلتحلم هي الأخرى .

وحلّ الليل ، وقد انتهت خزامى من طعامها ، ونظفت الأغراض ، ووضعتها في أماكنها ، ثم أوت إلى فراشها ، لا لتنام ، فالوقت مبكر ، وهي ليست متعبة أو ناعسة ، وإنما لتغمض عينيها ، وتحلم .

وفتحت عينيها الحالمتين ، على بطل حلمها قتادة ، يهتف بها من خارج الخيمة : خزامى ..

أهذا حقيقة ، أم أن قتادة يهتف بها في الحلم ، ستجن ، وجاءها الصوت ثانية ، وبنبرة أعلى : خزامى .

يا للفرح ، إنه هو ، ونسيت تحذير مرنان ، وهبت إلى الخارج ، وهي تردّ قائلة : نعم ، إنني قادمة .

وخرجت خزامى من الخيمة ، وإذا قتادة يقف في الظلام ، وقد تمنطق بسيفه ، فقالت خزامى : أهلاً قتادة ، نحن في الليل ، والبعض نيام .

ونظر قتادة إليها ، وقال : هناك خبر غير مؤكد ، لكني أردت أن تكوني على علم به .

وقالت خزامى ، وكل ظنها أن ما قاله قتادة إنما هي حجة ليراها : خيراً .

وتابع قتادة قائلاً : يقال أن أفراداً مسلحين من قبيلة معادية ، يجولون في الجوار ، ونخشى أن يغيروا علينا على حين غرة ، ويغدروا بنا .

وتطلعت خزامى إليه ، وتمتمت : قتادة ..

وابتسم قتادة لها ، وقال : أنت غزالتي ، لا تخافي مادت موجوداً قريباً منك .

وتابعت خزامى قائلة : مرنان كانت هنا .

واتسعت ابتسامة قتادة ، وقال : مرنان ابنة عمي .

وتراجع قتادة في الظلام ، وهو يقول : سنخرج صباح الغد ، إلى حيث شوهد المسلحون ، لن ندعهم يفاجئوننا ، فلي هنا غزالة أحرص عليها .

 

 

    ” 3 ”

ـــــــــــــــــ

   نامت الخيام تلك الليلة ، ولم تنم ، وأرق كبار السن من الرجال والنساء ، رغم حاجتهم الشديدة للراحة والنوم ، فقد أقلقتهم أنباء أولئك المسلحين ، الذين قيل أنهم يتربصون في محيط مضاربهم الآمنة .

إنهم قلقون وخائفون ، قلقون مما قد ينزل بمضاربهم من نهب وحرائق ودمار ، ويخافون على صغارهم ، وخاصة الفتيات ، ولابد أن بعضهم قد خبر مثل هذه الغارات ، ورأوا القتلى والجرحى و .. الفتيات السبايا ، اللاتي اختفين ، ولم يُعرف لهن أثر فيما بعد .

ولعل القلق والخوف الذي اعترى كبار السن ، اعترى الشباب أيضا ، لكنه لم يقعدهم في الخيام ، وإنما جعلهم يحملون ما لديهم من سيوف أو رماح أو خناجر ، ويطوفون طول الليل ، بين الخيام الهاجعة ، يراقبون كلّ شيء ، ويدرؤون الخطر عن النيام .

وعند الفجر ، قبل شروق الشمس ، وقد هجعت الخيام جميعاً ، امتطى بعض الشباب الفرسان خيولهم ، مدججين بالسلاح والعزيمة ، يتقدمهم فارسهم الأول قتادة ، وانطلقوا إلى عمق الصحراء ، حيث قيل أن المسلحين شوهدوا هناك ، يحومون ، وينتظرون فرصتهم للإغارة على مضاربهم ، والنيل منهم .   

واستيقظت الخيام خيمة بعد خيمة ، مع استيقاظ شمس ذلك اليوم ، واستغرق الجميع ، وخاصة النساء والفتيات ، في أعمالهم اليومية ، من حلب الأغنام والنوق ، وإعداد طعام الفطور ، و.. استقبال يوم جديد .

وعند الضحى ، وبعد أن فرغت من تناول فطورها ، أخذت خزامى قربتها ، رغم أن ماءها لم ينفد بعد ، وقد يكفيها ذلك اليوم كله ، ومضت كالعادة نحو البركة ، لعلها ترى قتادة ، أو تحظى بالهدوء بعض الوقت على حافة البركة ومائها المرآة ، و .. وتحلم وهي تنصت شاردة إلى مناغاة الطيور .

وانحدرت خزامى نحو البركة ، وقربة الماء بين يديها ، وبدت لها وكأن مياهها المرآة ، التي تتلامع تحت أشعة الشمس ، تتهلل لها وتناديها ، وتناهى إليها من داخلها ، ما دار البارحة ، وعلى ضفاف هذه البركة نفسها ، من حديث بينها وبين قتادة .

لم يطل الحديث بينها وبين قتادة ، وانقطع قبل نهايته كما ينقطع الحلم فجأة ، وأفاقت وقلبها العصفور الخائف يخفق في صدرها ، على أصوات مختلطة ، وصرخات مذبوحة وعويل ، و .. والتفتت نحو مصدر الأصوات .. إنها من المضارب ، ترى ماذا يجري ؟

واستدارت خزامى ، وهمت أن تقفل بسرعة عائدة إلى الخيام ، حين قطع الطريق عليها ، فارس غريب على حصانه ، لعله أكبر من قتادة بقليل ، فقالت له عابسة : ابتعد عن طريقي .

وترجل الفارس عن حصانه ، واقترب منها ، وقال : أنت محظوظة ، لأنك بعيداً عن خيام قومك .

وحدقت خزامى فيه ، وخمنت من يكون ، وقالت : يبدو أنني لست محظوظة كما تظنّ .

وسكت لحظة ، ثم قالت وهي تهم بمواصلة سيرها : ابتعد عن طريقي .

فردّ الفارس قائلاً : طريقك منذ الساعة طريقي ، ولن يكون لك طريق غيره .

وفوجئت خزامى بالفارس الغريب ، يأخذها بيديه القويتين ، ويلقيها فوق صهوة حصانه ، ثم يقفز خلفها ، وقال : ستكون لك حياة جديدة ، آمل أن تروق لك .

 

 

     ” 4 ”

ــــــــــــــــــ

   طوال ساعات الصباح ، وحتى ارتفاع الشمس في السماء ، ظلّ قتادة ومن معه من الفرسان ، يطوفون على خيولهم ، في محيط المنطقة الصحراوية ، التي قيل لهم يوم أمس ، أن المسلحين يجولون فيها ، لكنهم لم يعثروا لأي فارس منهم على أثر .

وبعد منتصف النهار ، وقد جابوا المنطقة كلها ، شدّ قتادة زمام حصانه ، حتى توقف تماما ، ونظر إلى رفاقه الفرسان ، وقال : أخشى أن ما بلغنا ، عن وجود فرسان يتربصون بنا ، كان كذباً .

ولاذ الجميع بالصمت ، وكأنهم يوافقون جميعاً على ما قاله قتادة ، لكن صوتاً من بين الفرسان ، خرج على الصمت ، وقال : أو خديعة .

والتفت قتادة إلى مصدر الصوت ، وحدق فيه ملياً ، ثم قال متشككاً : ماذا تعني ؟

وتنحى الفرسان بخيولهم ، وبقي الفارس المتكلم في محيط نظر قتادة ، فتقدم قليلاً ، وقال : هذا ما أظنه ، وأرجو أن أكون مخطئاً .

وقال له قتادة : لم تجبني على سؤالي .

فقال الفارس : ما بلغنا عن الفرسان الغرباء ، كان من ضيف عابر ، وقد غادرنا ليلاً .

واستدار قتادة بحصانه ، دون أن يعلق بكلمة واحدة ، على ما قاله الفارس المتكلم ، وانطلق مسرعاً نحو مضارب القبيلة ، وعلى الفور ، استدار الفرسان جميعاً بخيوله ، وانطلقوا في أثر قتادة .

ولاحت المضارب من بعيد ، والدخان يتصاعد من بعض خيامها ، وبدا لقتادة أن ما خمنه رفيقه الفارس ، ربما كان فيه شيء من الصحة ، فصاح وهو يحث حصانه : فلنسرع ، يبدو أننا تعرضنا للغدر .

وانطلق الفرسان في أعقابه ، يتسابقون ويتصايحون غاضبين : الويل للغادرين ..

ـ الموت لهم جميعاً ..

ـ لو مسوا شعرة من أهلنا وذوينا ، لن نُبقي منهم أحداً ..

وما إن وصلوا الخيام ، حتى توجه كلّ واحد منهم إلى خيمة أهله ، وعند خيمتهم التقى قتادة بالمرأة العجوز ، التي تخدم أباه الشيخ المتقدم في العمر ، فقالت تطمئنه : الشيخ بخير ، وقد نام منذ قليل ، ومرنان إلى جانبه ، وأرى أن تدعه يرتاح ، فقد أحزنه ما جرى .

وترجل قتادة عن حصانه ، وتساءل : ماذا جرى ؟

فردت المرأة العجوز : عند ضحى اليوم ، أغار علينا قطاع طرق ملثمون ، ويبدو أن هدفهم الأول كان الغنائم ، فقد ساقوا الجمال أمامهم وهربوا بها ، ولم يستطع رجالنا ، وجلهم من الشيوخ والمرضى أن يمنعوهم ، وقد أصابوا كل من تعرض لهم بجروح بليغة .

ولاذ قتادة بالصمت ، ثم مدّ يده بزمام الحصان ، وقدمه للمرأة العجوز ، وقال : اربطي الحصان في مكان قريب ، سأذهب وأطمئن على الآخرين .

ومضى قتادة مسرعاً ، يضرب بين الخيام ، التي أحرق بعضها ، وخُرب بعضها الآخر ، وإن كان معظم الخيام لم يلحق بها أذى يذكر ، وتوقف أمام خيمة خزامى ، إنها كما هي ، وإن بدا أنها خالية من خزامى .

وهمّ أن يدخل الخيمة ، ويتأكد من مصير خزامى ، لكنه توقف ، حين جاءه صوت يعرفه ، يهتف به : قتادة .

آه إنها ابنة عمه مرنان ، لحقته برنينها إلى هنا ، وقبل أن يلتفت إليها ، قالت مرنان : عرفت أنني سأراك هنا ، عندما قالت لي المرأة العجوز ، أنك تريد أن تطمئن على الآخرين ، خزامى هي الآخرون .

والتفت قتادة إليها ، وقال : إنها فتاة يتيمة .

وقالت مرنان : عمك الشيخ أولى ، لقد أفاق قبل قليل ، وسأل عنك .

واستدار قتادة ، دون أن يتفوه بكلمة ، ومضى نحو خيمتهم ، حيث يقيم عمه الشيخ ، وعلى الفور ، لحقت مرنان به ، وسارت وراءه كظله .

 

    ” 5 ”

ــــــــــــــــ

   طوال الطريق الصحراوي ، كان انمار ـ الفارس الذي اختطف خزامى من قرب البركة ـ رغم انشغاله بمتابعة فرسانه ، الذين كانوا يسوقون الإبل ، التي غنموها من غزوهم لمضارب العشيرة ، كان يحوم حول الهودج ، الذي وضعوا فيه خزامى .

وقد حاول انمار تبادل الحديث معها مرات ، لكنها كانت تشيح عنه ، ولا تجيبه حتى على أسئلته بكلمة واحدة ، بل إنها وطوال الطريق ، الذي استغرق أكثر من يومين ، رفضت أن تتناول الطعام أو الشراب حتى وحدها .

وقبيل منتصف نهار اليوم الثالث ، لاحت خيام مرابع قبيلة انمار ، فتهلل الفرسان فرحين ، وراحوا يحثون  الإبل ، التي غنموها في غزوتهم ، على الإسراع ، وهم يتصايحون : تلك مرابعنا ، هيا فلنسرع  .

واستدار انمار بحصانه ، واقترب من الهودج ، وقال لخزامى : لقد وصلنا .

لم ترد خزامى ، فقال انمار : سألتك أكثر من مرة عن اسمك ..

وسكت لحظة ، ثم قال : اسمي انمار ، ما اسمك ؟

ونظرت خزامى إليه ، وقالت : أنا سبية .

وشعر انمار بمرارة كلماتها ، فاستدار بحصانه ، ومضى مبتعداً عنها وعن الهودج الذي هي فيه .

وصل الفرسان مشارف المرابع ، وهم يسوقون قطيع الإبل ، الذي غنموه في غزوتهم ، فخرج الأهالي من خيامهم ، نساء ورجالاً وأطفالاً متهللين فرحين بعودة فرسانهم سالمين غانمين .

وفيما انشغل الفرسان بأهاليهم ، وبما غنموه من ابل في غزوتهم ، انصرف انمار إلى الاهتمام بغنيمته ، التي لا تقدر بثمن في رأيه ، فقاد جملها ، وهو على حصانه ، إلى خيمة منعزلة عن الخيام ، اتخذها سكناً له بعيدا عن خيمة أهله الكبيرة .   

وحين وصل الخيمة ، ترجل عن حصانه ، وأمسك بمقود الجمل ، وأناخه برفق ، ثم اقترب من الهودج ، وخاطب خزامى قائلاً : ترجلي ، لقد وصلنا .     

وترجلت خزامى عن هودجها ، دون أن تخاطب انمار بكلمة واحدة ، أو تنظر إليه  ، فأشار انمار إلى الخيمة ، وقال : ادخلي الخيمة ، إنها مستقرك حتى النهاية .

ودخلت خزامى الخيمة بخطوات بطيئة مهتزة ، وهي مازالت صامتة ، ودون أن ترفع عينيها إلى انمار ، ودخل انمار في أثرها ، وهنا ارتفع من مدخل الخيمة صوت مرتعش تخنقه الدموع : بنيّ انمار ..

وأشرق وجه انمار ، انها المرأة التي ربته ، أصيلة ، والتفت إليها متمتماً بفرح : أصيلة !

وفتحت أصيلة بأعوامها ، التي تجاوزت الستين ، ذراعيها المحبين ، وعانقت انمار بقوة ، وهي تقول : كم خفت عليك ، آه منكم أنتم الشباب .

ولمحت أصيلة خزامى ، فرفعت ذراعيها عن انمار ، وراحت تتأملها ، وقال : هكذا الأزهار ..

ومالت عليها ، وقالت : ما اسمها .

لم تتكلم خزامى ، فقال انمار : هذا ما لم تقله لي حتى الآن ، اسأليها .

ونظرت أصيلة إلى خزامى ، لكنها ظلت صامتة ، فقال انمار : لم تأكل منذ يومين ..

وقالت أصيلة ، وهي مازالت تنظر إليها : سأعد لها ألذّ طعام ، وستأكل اليوم حتى تشبع .

 

 

     ” 6 ”

ــــــــــــــــــ

   حوالي عصر ذلك اليوم ، جاءت أصيلة بوجهها البشوش ، تحمل قدراً فيه طعام ساخن ، وقالت : جئت بطعام ستأكلين أصابعك معه .

وأفرغت أصيلة الطعام في طبق واسع ، فاحت منه رائحة البهارات والدهن الحر ، وقالت لخزامى : تعالي تذوقيه ، وادعي لي .

ونظرت خزامى إلى الطعام ، ثم إلى أصيلة ، وقالت : لا أكتمك ، أكاد أموت من الجوع .

فمدت أصالة يدها ، وأمسكت يد خزامى ، وأجلستها أمام طبق الطعام ، وقالت : تعالي كلي حتى تشبعي ، وسأطبخ لك هنا كلّ يوم ما يعجبك .

وجلست خزامى أمام ، طبق الطعام ، وقالت لأصيلة : كلي معي . 

ومدت أصيلة يدها ، وراحت تأكل ، وهي تقول : سآكل وإن كنت أعددت الطعام لك .

وقالت خزامى ، وهي تأكل : الطعام كثير .

ودفعت أصيلة لقمة في فمها ، ثم نظرت إلى خزامى ، وقالت بنبرة حنونة : لم تقولي لأنمار اسمك ، وأنا أتفهم موقفك ، وغضبك ، لكني أنا سأكون بمثابة أمك ..

وتمتمت خزامى : أمي ماتت ..

وقالت أصيلة بنبرة متعاطفة : أنا أمكِ ..

ثم نظرت إليها ، وقالت : ما اسمكِ ؟

وتوقفت خزامى عن تناول الطعام ، ونظرت إلى أصيلة ، وقالت : اسمي خزامى ..

وتأملتها أصيلة ملياً ، وقالت : حقاً .. أنتِ خزامى هذه الصحراء .

وتناهى من الخارج ، وقع أقدام خفيفة ، فتوقفت خزامى عن تناول الطعام ، ونظرت أصيلة إليها ، وقالت : واصلي تناول طعامك ، إنه انمار .

وتراجعت خزامى عن سفرة الطعام ، دون أن تردّ على أصيلة ، وتنحنح انمار وهو يدخل الخيمة ، ورمق خزامى بنظرة سريعة ، وقال : طاب مساءكم .

لم تردّ خزامى ، ونهضت أصيلة ، وقالت مبتسمة فرحة : أهلاً بني ، طاب مساءك .

ونظر انمار إلى أصيلة ، وقال لها بصوت هادئ : دعينا وحدنا الآن .

وخرجت أصيلة من الخيمة ، وهمست لخزامى : سأعود بعد قليل .

وألقى انمار نظرة على سفرة الطعام ، ثم قال لخزامى : أنتِ لم تأكلي شيئاً يذكر من الطعام .

وردت خزامى ، دون أن تنظر إليه : أكلتُ ما يكفي ليبقيني سبية حية في خيمتك .

ونظر انمار إليها ، وقال بصوته الهادئ : أنتِ لست سبية عندي ، وإنما ضيفة .

ورمقته خزامى بنظرة سريعة ، وقالت : ما أعرفه أن الضيف يأتي بإرادته ، ويغادر بإرادته .

ورفع انمار عينيه إليها ، وحدق فيها ملياً ، ثم قال : عندما رأيتك قرب البركة ، ملكتِ قلبي ، فأخذتك لتكوني ضيفة دائمة معززة عندي .

وردت خزامى ، وهي تحدق فيه : بل أخذتني سبية ، وهذا ما أنا عليه .

واستدار انمار ، وغادر الخيمة ، دون أن يردّ على خزامى بكلمة واحدة .

  

 

     ” 7 ”

ـــــــــــــــــــ

   مرت الأيام سريعة على خزامى ، وفي نفس الوقت ، كانت بطيئة جداً وثقيلة ، أين عالمها الذي ولدت وعاشت فيه ؟ أين خيام أهلها ؟ أين البركة ، والأشجار التي تحفّ به ؟ وأين .. قتادة ؟

كلّ هذا صار على ما يبدو من الماضي ، حلماً مرّ في ليلة قائظه ، لكنها مليئة بالنجوم والأقمار والأحلام ، وأفاقت فجأة ، وإذا هي .. سبية .

ولولا أصيلة بدفئها الأمومي ، لكانت حياتها لا تحتمل ، رغم أن انمار لم يكن يضايقها ، ويحاول جهدها التقرب إليها ، لكن دون جدوى .

وقد اعتادت أصيلة ، وبطلب من انمار ، أن تقضي النهار كله ، وسحابة من الليل ، في خيمة خزامى ، ترعاها ، وتعد طعامها ، وتخفف عنها وطأة الحياة ، ثم تغادرها ليلاً ، وتمضي إلى خيمتها .

وكصباح كل يوم ، عند شروق الشمس ، أقبلت أصيلة ، على خيمة خزامى ، تحمل صينية الطعام ، وقالت محيية : طاب صباحك ، يا خزامى .

ونظرت خزامى إليها ، وقالت بصوت هادئ : أهلاً أصيلة ، طاب صباحك .   

ووضعت أصيلة الطعام أمام خزامى ، وقالت : هذا الطعام يعجبك ، وأريدك أن تأكليه كله .

وجلست خزامى أمام صينية الطعام ، وقالت مبتسمة : هذا ما كانت تقوله لي أمي دائماً .

وابتسمت أصيلة ، وقالت : أنا الآن أمكِ .

فقالت خزامى بنبرة ارتياح : أشكرك .

ثم رفعت عينيها إليها ، وأضافت قائلة : اجلسي ، وشاركيني تناول الطعام .

وجلست أصيلة قبالة خزامى ، وقالت : بالعافية ، أكلت قبل أن أعد طعامك .

وران الصمت بينهما ، كانت خزامى خلاله منهمكة في تناول الطعام ، وأصيلة تتابعيها بعينيها المحبتين ، وتحينت فرصة ، وقالت : خزامى ..

وشعرت خزامى من نبرة كلامها ، أنها تريد أن تقول شيئاً ، ليس مما تقوله عادة ، فقالت دون أن تتوقف عن تناول الطعام : نعم .

وتابعت أصيلة قائلة : قد لا يكون قدرنا ، ما كنا نحلم به ونتمناه ، وقد يكون محبطاً وقاسياً ، لكنه قدرنا ، وعلينا أن نتكيف معه .

لم ترتح خزامى لما قالته أصيلة ، لكنها لم تتكلم ، فنظرت إليها أصيلة ، وقالت : أنت محظوظة .

وحدقت خزامى فيها ، وقالت محتجة : أنا سبية .

وتابعت أصيلة قائلة : محظوظة لأنك عند انمار ، وليس عند رجل آخر من رجال القبيلة .

وهزت خزامى رأسها ، وقالت : كلا ، السبية سبية ، يا أصيلة ، حيثما كانت .

وتنهدت أصيلة ، وقد غامت عيناها ، وقالت : بنيتي ، أنا سبقتكِ إلى هنا ، بأكثر من عشر سنوات ، وكان من سباني رجل غليظ القلب ، فظ ، عدواني ، شرس ، وقد أوشكت على الهلاك ، لولا انمار ، الذي أنقذني منه ، ومنذ ذلك الوقت ، وأنا إنسانة .

ولاذت خزامى بالصمت ، فمالت أصيلة عليها ، وقالت : انمار إنسان ، وستعرفين أنه إنسان مع الزمن .        

 

 

   ” 8 ”

ــــــــــــــ

   جاءت أصيلة إلى خيمة خزامى ، على عادتها كلّ يوم ، عند شروق الشمس ، وتناولت الفطور مع خزامى ، وكذلك تغدت معها ، وتبادلتا أحاديث شتى ، لكنهما لم تتطرقا بالحديث إلى انمار ، وعند حوالي العصر ، استأذنت أصيلة ، وخرجت في شأن لها .

وعادت بعد قليل ، ومعها طعام قالت أنه من عند انمار ، وتناولتاه معاً ، وأصيلة تتحدث عن أم انمار ، ودماثة خلقها ، وتعاملها الطيب مع الجميع .

وتثاءبت أصيلة ، قبل الموعد الذي تعودت أن تغادر فيه ، وقالت : عفواً ، يبدو أنني تعبانة هذا اليوم .

ونهضت من مكانها ، وقالت : أرجو أن تأذني لي .

واعتدلت خزامى في مكانها ، وقالت : الوقت مبكرة ، يا أصيلة ، هذه ليست عادتك .

واتجهت أصيلة إلى الخارج ، وهي تقول : إنني متعبة بعض الشيء الآن ، تصبحين على خير .

وردت خزامى قائلة : تصبحين على خير .

وبقيت خزامى وحدها في الخيمة ، وليس معها غير قنديلها الخافت ، وعلى عادتها في مثل هذه الحالة ، أغمضت عينيها ، وهربت إلى أحلامها ، خيام قومها .. والبركة .. والأشجار المحيطة بها .. وأمها الراحلة .. و .. وقتادة .. آه .. أين قتادة ؟

وتراءى لها قتادة ، على حصانه المتوثب الفتي ، يشق الصحراء إليها ، وينتزعها من خيمة سبيها ، ويطير بها عائداً إلى عالمها ، الذي لم يفارقها لحظة .

وأفاقت خزامى على صوت أحدهم ، يهتف بها من خارج الخيمة : خزامى .

واختفت أحلامها فجأة ، وأفاقت على واقعها ، إنها هنا سبية في خيمة غريبة ، وارتفع الصوت ثانية من الخارج : خزامى .. خزامى .

إنه انمار ، وفكرت أن خروج أصيلة في وقت مبكر ، ربما كان متعمداً ، لكنها نهضت واقفة ، وردت بصوت محتج  : نعم ، انمار !

وجاءها الرد : نعم ، أنا انمار .

فقالت خزامى : عفواً إنني أتهيأ للنوم .

وقال انمار : الوقت مبكر ، يا خزامى ، تعالي هنا ، القمر بدر هذه الليلة ، وأريد أن أتحدث إليك .

وردت خزامى قائلة : إنني لم أخرج من هذه الخيمة ، منذ أن جئت بي إلى هنا ، ولن أخرج منها الآن .

ولاذ انمار بالصمت لحظة ، ثم قال بصوته الهادئ : لا بأس ، سأدخل أنا الخيمة ، وسأبقى عندك قليلاً .

وقبل أن تردّ خزامى بشيء ، دخل انمار الخيمة ، وخاطب خزامى قائلاً : طاب مساءك .

وردت خزامى على مضض : طاب مساءكَ .

ونظر انمار إليها ، وقال : هذه الخيمة ليست سجناً لك ، وأنا لم أسجنكِ فيها .

فردت خزامى قائلة : أنا سجنت نفسي .

وقال انمار : العالم في الخارج فسيح ، وجميل ، ولكِ أن تخرجي ، وتتجولي حيثما تشائين .

وأشاحت خزامى بوجهها عنه ، وقالت بمرارة : حيثما أكون هنا ، فأنا سبية .

وحدق انمار فيها ، وقال : السبية تكون عادة ، ملكاً لمن سباها ، فيفعل بها ما يشاء ، وكيف يشاء ، أنتِ هنا منذ حوالي ستة أشهر ، ولم أسمح لأحد أن يضايقكِ .

وبقيت خزامى صامتة لا تريم ، فنظر انمار إليها ، وقال بصوته الهادئ  : خزامى .. إنني أريدكِ ..

ورفعت خزامى إليه عينين مندهشتين متسائلتين ، فتابع قائلاً : أريدك زوجة .

وردت خزامى قائلة : هناك من يريدني .

تساءل انما : من أبناء قبيلتك ؟

هزت خزامى رأسها ، فتساءل انما : وأنت ، أتريدينه ؟

ومرة ثانية هزت خزامى رأسها ، فأطرق انمار رأسه ، ثم استدار ، وغادر الخيمة .

 

     ” 9 ”

ـــــــــــــــــــ

   مرت أيام ، وانمار لا يزور خزامى ، ولا يقترب من خيمتها ، وواصلت أصيلة الحضور كلّ صباح ، وقضاء النهار كله عند خزامى ، دون أن تتحدث عن انمار ، وإحجامه عن التردد على خيمة خزامى ، كما كان يفعل طول الأيام الماضية .

وثقل على أصيلة ، وأحزنها حزناً شديداً ، وهي تعرف انمار ، وما يجول في أعماقه ، انقطاعه عن زيارة خزامى ، وربما قدرت السبب ، رغم أنها لا تعرف ، لا من خزامى ، ولا من انمار ، ما دار بينهما في الخيمة ، حين التقيا فيها لآخر مرة .  

وذات أمسية ، وهما على سفرة العشاء ، لاحظت خزامى بعض الشرود على أصيلة ، ولمحتها أكثر من مرة ، ترمقها بنظرة خاطفة ، وتتوقف عن تناول الطعام ، وتهمّ بقول شيء لها ، لكنها سرعان ما تحجم عن ذلك ، وتستأنف تناول الطعام .

وحين فرغتا من تناول طعام العشاء ، وجلست خزامى في مكانها المعتاد ، نظرت أصيلة إليها ، وقد صممت أخيراً على قول ما تريد قوله : بنيتي ..

ورفعت خزامى عينيها إلى أصيلة ، ونظرت إليها منصتة ، وكأنها كانت تنتظر هذا الكلام ، وقالت : نعم .

وتابعت أصيلة قائلة : أريد أن أتكلم معكِ .

قالت خزامى : أعرف أن لديكِ ما تريدين قوله ، قوليه ، إنني أنصت إليكِ .

قالت أصيلة : انمار ..

وصمتت أصيلة ، فحدقت خزامى فيها ، ثم قالت : أهو كلامك ما تريدين قوله ، أم كلام انمار ؟

فردت أصيلة قائلة بنبرة أمومية : بل كلامي ، وهو نابع من حبي لكِ ، كحب الأم لابنتها ، وكذلك حبي وتقديري لانمار ، وثقتي بنبل أهدافه .

وأطرقت خزامى ، ثم قالت كأنما تحدث نفسها : انمار إنسان نبيل وطيب ، ولابدّ أن الكثيرات من فتيات قبيلته ، وممن يعرفنه ، يحلمن بالاقتران به .

وتشجعت أصيلة ، وقالت : وبين هؤلاء الفتيات الكثير من الجميلات ، لكنه يريدك أنت ، يا خزامى .

ورفعت خزامى عينيها الغارقتين بالحزن إليها ، وقالت : لكني ، يا أصيلة ، خلقتُ لغيره .

ومالت أصيلة عليها ، وقالت : خزامى ، بنيتي ، أنتِ هنا ، وستبقين هنا كما بقيتُ ، فابقي أميرة .

ولاذت خزامى بالصمت ، ولبثت أصيلة تتأملها ، وتنتظر ردها ، وقلبها يخفق أملاً ، لكن لا ردّ ، وظلت خزامى صامتة ، فقلت أصيلة : خزامى ..

ونهضت خزامى ، وقالت بصوت حزين : لا فائدة ، يا أصيلة ، لا فائدة .

وانحنت أصيلة صامتة مقهورة ، ولملمت بقايا سفرة الطعام ، وقبل أن تخرج من الخيمة ، قالت لها خزامى : أشكركِ ، يا أصيلة ، وأقدر عواطفكِ ، لكن لي حلمي ، ولا أستطيع أن أتخلى عنه .

وعادت أصيلة بعد قليل ، وقالت لخزامى : سيدتي ، سيأتي سيدي انمار ، بعد قليل ، ويتحدث إليك .

ولاذت خزامى بالصمت ، فغادرت أصيلة الخيمة ، وجاء انمار ، وبادر خزامى قائلاً : طاب مساؤكِ .

وردت خزامى قائلة : طاب مساءك .

ونظر انمار إليها ، وقال : أعددت لك الناقة ، وسآخذك غداً إلى مضارب أهلك .

وردت خزامى ، وقد فوجئت بكلامه : انمار ..

وقاطعها انمار قائلاً : غدا صباحاً ، سآخذك على الناقة ، وأرافقك إلى أقرب مكان من مضارب أهلك .

ثم استدار ، وغادر الخيمة ، وهو يقول : تصبحين على خير .

 

 

     ” 10 ”

ــــــــــــــــــــــ

   قبل أن تشرق الشمس ، صباح اليوم التالي ، فتحت خزامى عينيها مستيقظة ، رغم أنها لم تستطع أن تنام ، إلا في ساعة متأخرة من الليلة الماضية  .

لقد أوت إلى فراشها مبكرة ، لأنها تريد أن تمرّ الساعات سريعة ، ويأتي اليوم التالي ، يوم نهاية سبيها ، وعودتها إلى مضاربها .. والبركة .. والأشجار المحيطة بها و .. وقتادة .. آه من قتادة .. و .. و ها هي تفتح عينيها ، وقد جاء الغد الموعود .

ونهضت من فراشها بسرعة ، حين تناهى إليها وقع أقدام أصيلة ، إنها ستأتيها بطعام الفطور كالعادة ، ومن يدري ، قد تتحدث إليها بأمر أنمار ، وقد تحثها على التراجع ، لا .. لا تراجع .. ولا مراجعة ، سترجع إلى ماضيها .. إلى أحلامها و .. هذا .. وهذا فقط .

ودخلت أصيلة حاملة صينية الطعام ، وقالت بصوت أردته أن يكون هادئاً : طاب صباحكِ ، يا سيدتي .

سيدتي ! لقد عادت إلى مناداتها بيا سيدتي ، والسبب واضح ، مهما يكن ، لا بأس ، إنها ستغادر بعد قليل ، فردت قائلة : طاب صباحكِ .

ووضعت أصيلة صينية الطعام على الأرض ، وجلست خزامى أمام الطعام ، وقالت بصوت هادئ : أصيلة ، تعالي وكلي معي .

فردت أصيلة قائلة ، وهي تحاول جهدها أن تتماسك ، وترد بصوت هادئ : لا يا سيدتي ، كلي أنتِ ، قد آكل أنا ، فيما بعد .

ورفعت خزامى عينيها إليها ، وقالت معاتبة : ما الأمر ، يا أصيلة ؟

ومسحت أصيلة دمعتين فرتا من عينيها ، وقالت : رأيتُ سيدي انمار ، يعدُ الناقة .

فردت خزامى قائلة : أصيلة ، لن أكون سبية بعد اليوم ، أنا فرحة ، وكنت أظن أنكِ ستفرحين لفرحي .

ويبدو أن أصيلة ، لم تعد تستطيع أن تتماسك ، فأجهشت بالبكاء ، وقالت ، وهي تغادر الخيمة : إنني فرحة .. فرحة لك .. رافقتكِ السلامة .

ونهضت خزامى ، دون أن تتناول لقمة واحدة من الطعام ، وبعد قليل دخل انمار ، ونظر إلى خزامى ، وقال : طاب صباحكِ .

وردت خزامى قائلة : طاب صباحك .

وألقى انمار نظرة إلى صينية الطعام ، وقال : يبدو أنكِ لم تأكلي شيئاً من طعام الفطور .

لم تنظر خزامى إليه ، وردت قائلة : سآكل فيما بعد ، لا أشتهي الآن أي شيء .

وقال أنمار : رأيتُ أصيلة تخرج من الخيمة ..

ورفعت خزامى عينيها إليه ، فتابع قائلاً : كانت تجهش بالبكاء .

فقالت خزامى بشيء من المرارة : قالت لي ، إنها تبكي من الفرح .

ونظر انمار إليها ، وقال : من يدري ، إنها تحبك ، وتريد الخير والسعادة لك .

ولاذت خزامى بالصمت ، فقال انمار : مهما يكن ، لقد أعددت الناقة ، وهي تنتظرك بالخارج .

ونظرت خزامى إليه ، ونظر هو الآخر إليها ، وطال الصمت بينهما ، ولعل انمار كان ينتظر منها كلمة في اللحظة الأخيرة ، تعدل بها عن موقفها ، لكنها قالت أخيراً ، وهي تتجه إلى الخارج ، حيث تقف الناقة : لنذهب الآن ، قبل أن ترتفع الشمس في السماء .

 

 

      ” 11 ”

ــــــــــــــــــــــ

   سارت الناقة مبتعدة عن مضارب القبيلة ، وخزامى في هودجها ، صامتة تحلم بالعبور من الماضي القريب ، إلى الماضي الآتي ، الذي تغربت عنه هذه الأشهر العديدة ، منذ بداية سبيها حتى الآن .

وعلى حصانه ، سار انمار صامتاً ، مقطباً ، مبتعداً بحلمه ، عن الواحة التي أراده أن يزهر فيها ، بعد كلّ خطوة يخطوها إلى الأمام على رمال الصحراء ، التي بدا وكأنها تمتد أمامه إلى ما لا نهاية .

وغابت بعد ساعات ، معالم محيط المضارب ، وأحاطت بهم الرمال من الجهات الأربع ، وفي هذا الخلاء الشبه ميت ، لم يعد يُسمع غير أنين الريح ، وهي تركض خفيفة فوق الرمال ، ووقع حوافر الحصان ، متناغماً مع وقع أخفاف الناقة ، التي تحمل هودج خزامى .

وحوالي منتصف النهار ، استدار انمار بحصانه ، واقترب به من الناقة ، وخاطب خزامى قائلاً : لنتوقف هنا بعض الوقت ، إذا كنتِ قد تعبتِ .

ورمقته خزامى بنظرة سريعة ، وردت قائلة : أشكرك ، لم أتعب ، لنتوقف إذا أردت أنت .

وقال انمار : لنواصل سيرنا ، ما دمتِ لم تتعبي .

فقالت خزامى : كما تشاء .

واستدار انمار بحصانه ، وعاد إلى مكانه أمام الناقة ، وقد بدا عليه بعض التعب ، لكنه واصل السير ، والآفاق الجرداء تمتد أمامه حتى الأفق .

وتوقف انمار قبيل غروب الشمس ، قرب كثيب ضخم من الرمال أشبه بالتل ، ثم اقترب بحصانه من خزامى ،    وقال لها : الشمس تكاد تغرب ، لنتوقف هنا ، ونقضي ليلتنا في هذا المكان .

وردت خزامى قائلة : كما تشاء .

وترجل انمار عن حصانه ، وربطه في مكان قريب ، ثم أناخ الناقة ، وخاطب خزامى قائلاً : هل أساعدكِ على النزول من الهودج ؟

فردت خزامى قائلة : أشكرك ، سأنزل وحدي .

ونزلت خزامى من الهودج ، وتلفتت حولها ، ثم قالت : يبدو أننا قطعنا مسافة طويلة هذا اليوم .

وقال انمار ، وهو يوثق الناقة : سنصل مرابع أهلكِ بعد غد ، إذا لم تمت الناقة من التعب .

فردت خزامة قائلة : لن تموت هذه الناقة ، فهي مثلي عائدة إلى أهلها .

وانصرف انمار إلى تقديم العلف والماء للحصان والناقة  ، اللذين بدا عليهما التعب ، بينما انهمكت خزامى بإعداد سفرة الطعام ، وحالما انتهت من ذلك ، التفتت إلى انمار ، وخاطبته قائلة : الطعام جاهز .

وأقبل انمار ، بعد أن غسل يديه ، ونفض عنه الغبار ، ونظر إلى سفرة الطعام ، ثم رمق خزامى بنظرة خاطفة ، وقال : سآكل وحدي إذا أردت .

وردت خزامى بصوت هادئ ، دون أن تنظر إليه : لا الأفضل أن نأكل معاً  .

وجلست خزامى ، فجلس انمار قبالتها ، وقال : كما تريدين ..

وتناول انمار لقمة من الطعام ، ودسها في فمه ، ثم قال : هذه أول مرة نأكل معاً .

لم تردّ خزامى ، وانهمكت في تناول الطعام ، فنظر انمار إليها ، وقال : هذا طعام لذيذ بحق .

وردت خزامى ، وهي مازالت تأكل : للحقيقة ، هذا الطعام أعدته أصيلة .

وابتسم انمار ، وقال ، وهو يدس لقمة طعام أخرى في فمه : أصيلة امرأة طيبة ، وهي طباخة ماهرة .

فقالت خزامى : إنها اسم على مسمى ، هي أصيلة حقاً ، و بارعة ومتميزة في كلّ شيء .

ورمقها انمار بنظرة خاطفة ، وقال : كنتُ أتمنى لو أنكِ أنتِ من أعدّ هذا الطعام .

ونظرت إليه خزامى ، دون أن تتفوه بكلمة ، فتابع انمار قائلاً بصوته الهادئ : كنت على الأقل ، تذكرت في الأيام التالية ، طعاماً أعددته بنفسكِ .

وأطرقت خزامى ، ثم قالت : في حياة أمي ، حتى وأنا فتية ، طالما ساعدتها في إعداد الطعام ، وكانت تقول لي ، خزامى ستكونين طباخة ماهرة .

ونهض انمار ، وهو يقول : هذا ما تمنيت أن ألمسه يوماً ، ولم يتسنّ لي أن ذلك .

وغابت الشمس وراء الأفق ، وأخذت معها أشعتها المنيرة ، وخيم الظلام على الصحراء ، وجلس أنمار في طرف الناقة ، وجلست خزامى في الطرف الآخر منها ، وساد الصمت بينهما ، حتى لم يعد يُسمع غير أنين الريح ، وهي تركض خفيفة عبر الصحراء .

ونظر انمار إلى خزامى ، ثم قال : تبدين متعبة .

وردت خزامى : وأنت لا تقل تعباً عني ، لقد قطعنا مسافة طويلة ، الأفضل أن نخلد إلى النوم ، لعلنا نرتاح ، فأمامنا غداً مسافات ومسافات .

فتمدد انمار في مكانه ، وهو يقول بصوت ناعس : تصبحين على خير .

فردت خزامى قائلة : تصبح على خير .

 

     12

ـــــــــــــــ

    في اليوم التالي ، قبل شروق الشمس ، وحتى قبل أن يفتح انمار عينيه ، أفاقت خزامى من النوم ، وأرهفتْ سمعها لعلها تسمع أنمار ، وقد أفاق من النوم هو الآخر ، لم تسمع صوت غطيطه ، فخمنت أنه مازال راقداً في مضجعه ، هذا إن لم يكن نائماً بالفعل .

واعتدلت خزامى في مضجعها ، وعلى الفور سمعت انمار يقف من وراء الناقة ، ويهتف بها : خزامى .

ونهضت خزامى ، وقالت دون أن تلتفت إليه : إنني مستيقظة ، طاب صباحكَ .

وأطل عليها انمار ، من وراء الناقة ، وردّ عليها قائلاً : طاب صباحك ..

وانهمكت خزامى بجمع فرشها ، فقال انمار : من الأفضل أن نواصل السير الآن ، قبل شروق الشمس ، فالطريق أمامنا مازال طويلاً .

ورفعت خزامى رأسها إليه ، وقالت : نعم هذا أفضل ، إلا إذا أردت أن نتناول طعام الإفطار هنا .

فقال انمار ، وهو يضع الهودج فوق الجمل استعداداً للمسير : لنسر الآن ، ونقطع بعض الطريق ، ثم نتوقف للاستراحة ، وتناول الطعام .

وقبل شروق الشمس ، كانت الناقة تسير بإيقاعها المعهود ، تمخر عباب الرمال ، التي موّجتها الريح ، وخزامى في هودجها ، وانمار على حصانه ، يتقدم الناقة ، وقد لفه صمت الصحراء .

وأشرقت الشمس ، وأطلت بأشعتها الدافئة على القافلة الصغيرة ، وهي تسير في محيط الرمال ، دون أن يلوح في أفقها جزيرة واحدة ، تنبض فيها الحياة .

وتناهى إلى خزامى ، وهي في هودجها ، وقع حوافر جياد ، تلطم في عدوها صمت الصحراء ، واعتدلت قليلاً وقد انتابها القلق ، ونظرت إلى انمار ، الذي توقف بحصانه ، وراح يتلفت حوله .

وأطلت خزامى من الهودج ، وخاطبت انمار خائفة : ما الأمر ، يا أنمار ؟

واستدار انمار بحصانه بسرعة ، واقترب من الناقة ، وقال لخزامى بصوت حاول أن يكون هادئاً : ادخلي الهودج ، واطمئني ، كل شيء على ما يرام .

واقتربت الجياد من القافلة الصغيرة ، وإذا أربعة رجال ملثمين ، والسيوف مشرعة في أيديهم ، وعلى الفور أحاطوا بأنمار والناقة ، وأوقفوهما عن السير ، وصاح أحدهم بانمار : ترجل عن حصانك .

وترجل انمار عن حصانه ببطء وعلى مضض ، فخاطبه الرجل نفسه قائلاً بلهجة آمرة : انزع سيفك ، وارمه على الرمال ، وإلا قتلناك .

ونزع انمار سيفه مقطباً ، وألقاه على الرمال ، دون أن يتفوه بكلمة ، فترجل واحد من الرجال الثلاثة ، بإشارة من الرجل الأول ، وتناول السيف عن الأرض ، وعاد إلى حصانه ، وأمسك زمامه .

وتقدم الرجل الأول من الهودج ، وهو على حصانه ، وحدق في خزامى ، ثم خاطبها قائلاً بلهجة جافة آمرة : انزلي من الهودج .

وهمّ انمار أن يتقدم منه ، وهو يقول : دعها في الهودج ، إنها امرأة .

ونظر الرجل الأول إليه ، وقال : لكنها ليست امرأتك ، فلا داعي لأن تعرض نفسك للخطر من أجلها .

وهمّ أنمار ثانية ، أن يتقدم منه ، فقال الرجل الأول : مرْها أن تنزل من الهودج .

وحدق انمار فيه غاضباً ، وقال : ماذا تريدون ؟

وتقدم منه الرجل الأول على حصانه ، وتوقف أمامه والسيف في يده ، وقال : لن نقتلك ، اترك المرأة لنا ، وسندعك تواصل طريقك حيث تشاء .

ولاذ انمار بالصمت ، وهو ما زال يحدق فيه ، فاستطرد الرجل الأول قائلاً : نحن نعرف عنها كلّ شيء ، أنت لا علاقة لك بها ، إنها سبية ، وأنا أريدها ، وسآخذها مهما كلف الأمر .

وعلى حين غرة ، وثب انمار على الرجل الأول ، وأسقطه عن الحصان ،  وانتزع السيف منه ، ووضعه على رقبته ، وهو يقول : لن أدع أحداً منكم ، يمدّ يده عليها ، حتى لو دفعتُ حياتي ثمناً لذلك .

وهمّ الرجال الثلاثة الانقضاض على انمار ، وهم يلوحون بسيوفهم ، فصاح انمار بهم : تراجعوا وإلا حززت عنقه ، وليكن ما يكون .

وتوقف الرجال الثلاثة مترددين ، والسيوف في أيديهم ، فقال انمار للرجل الأول : مرهم أن يلقوا سيفي وسيوفهم على الرمال ، ويمضوا بعيداً وإلا قتلتك .

وضغط انمار بحد السيف على عنقه ، فصاح الرجل الأول بصوت مخنوق : القوا سيفه وسيوفكم ، وامضوا بعيداً ، هيا بسرعة .

ورمى الرجال الثلاثة سيف انمار وسيوفهم على الرمال ، واستداروا بخيولهم ، ومضوا مبتعدين ، تاركين قائدهم تحت رحمة انمار .

ورفع الرجل الأول عينيه إلى انمار ، وقال : لقد نفذنا ما تريده ، اطلق سراحي .

ورفع انمار السيف عن عنقه ، ودفعه بشدة ، وقال له : خذ حصانك واذهب ، لا أريد أن أراكم ثانية .

 

     13

ــــــــــــــ

   استأنفا رحلتهما ، التي قطعها عليهما قطاع الطرق الأربعة ، أنمار على حصانه ، وخزامى في هودجها ، لكن انمار لم يكن يسير هذه المرة أمام الناقة ، وإنما إلى جانبها ، ليس بعيداً عن خزامى .

ونظرت خزامى إلى انمار ، وقالت بصوت مازال فيه شيء من الخوف : ليتنا نسرع قليلاً .

والتفت انمار إليها ، وقال : الناقة والحصان متعبان ، وعلينا أن لا نثقل عليهما بالإسراع في السير ، خاصة وأنّ الجو حار بعض الشيء .

وألقت خزامى نظرة وراءها ، وقالت : إنني أخشى أن يلحق بنا قطاع الطرق .

وردّ انمار قائلاً : لا عليك ، قطاع الطرق أولئك ، لم يستطيعوا أن يفعلوا شيئاً ، وهم مدججون بالسلاح ، فكيف وسيوفهم معنا .

ولاذت خزامى بالصمت لحظة ، ثم قالت : عندما أحاط بك قطاع الطرق الأربعة ، والسيوف في أيديهم ، انتابني شعور ..

وقاطعها انمار قائلاً : خزامى ، لقد انتهى الأمر الآن ، وولى أولئك الجبناء ..

وتابعت خزامى كلامها قائلة : شعور بالخوف من أن يلحق بك أذى ، وسيكون هذا بسببي ..

وصمتت خزامى ، ونظر انمار إليها ، فتابعت خزامى قائلة بصوت تغرقه الدموع : تمنيت أن يأخذوني على أن يلحق بك أي أذى . 

وابتسم انمار أمام دموعها ، التي أغرقت عينيها ، وبللت قلبه بالندى ، وقال : لم أفكر لحظة واحدة ، بإمكانية أن يأخذك قطاع الطرق أولئك ، وأنا على قيد الحياة .

وأبطأت الناقة ، وقد اقترب الوقت من العصر ، حتى توقفت ، وتوقف انمار بحصانه هو الآخر ، والتفت إلى خزامى ، وقال : يبدو أنكِ نعبت .

ونظرت خزامى حولها ، وقالت : هذا مكان مريح ، لنتوقف هنا ، ونأخذ قسطاً من الراحة .

ونظر انمار إلى الشمس ، وقال : الوقت مبكر ، وقد نصل محيط مضاربكم في أول الليل .

وقالت خزامى : ولمَ العجلة ؟ ثم لا تنس ، إننا لم نأكل شيئاً حتى الآن .

وترجل انمار عن حصانه ، وهو يقول : كما تشائين ، لنتوقف هنا .

وربط انمار حصانه ، وأناخ الناقة ، ونظر إلى خزامى ، ومدّ يده إليها ،  وقال : أنت متعبة ، دعيني أساعدكِ على النزول من الهودج .

وبدون تردد ، وضعت خزامى يدها في يد انمار ، وقالت : أتعبتني محنتنا مع قطاع الطريق الأربعة .

وساعدها على النزول من الهودج ، وقد بدا عليها التعب فعلاً ، وقال لها : هذه كانت محنتي أكثر مما كانت محنتك ، وقد انتهت الآن .

وأعدت خزامى السفرة  ، وجلست هي وانمار متقابلين ، وراحا يتناولان الطعام بشهية مفتوحة ، دون أن يتفوه أحدهما بكلمة واحدة .

وبعد أن انتهيا من تناول الطعم ، نظر انمار إلى خزامى ، وقال : يبدو أن النهار يوشك أن يرحل .

وابتسمت خزامى ، وقالت بصوت واهن : إنني متعبة ، وأنت أيضاً متعب ، الأفضل أن نقضي الليلة هنا ، وغداً مع الفجر ، نواصل رحلتنا .

وابتسم انمار لها ، وقال : كما تشائين .

وبعد أن لملمت خزامى بقايا الطعام ، واغتسلت من وعثاء الرحلة ، التي لم تنتهِ بعد ، أقبلت على انمار ، وجلست إلى جانبه ، وتنفست ملء صدرها ، وقالت : يبدو أن النسيم  سيكون الليلة عذباً .

وهزّ انمار رأسه ، وقال بصوت هادئ : هذه مزية من مزايا الليل في الصحراء .

وصمت انمار ، وساد الصمت بينهما لفترة ، لم يكن يُسمع خلاله غير أنين الريح ، وهي تسري بهدوء فوق رمال الصحراء المترامية .

وتنهدت خزامى ، فرمقها انمار بنظرة خاطفة ، وقال : غداً ، ربما عند منتصف النهار ، نصل أطراف البركة ، التي رأيتك على مقربة منها .

ولاذت خزامى بالصمت ، فقال انمار بصوت موحي : بدا لي وكأنكِ تنتظرين أحداً .

والتفتت خزامى إليه ، وحدقت فيه ، وقالت : انمار ..

ردّ انمار قائلاً : نعم .

فقالت خزامى  : لو أتى إليّ ، وأنا عندك ، هل كنتَ تتركني له بطيب خاطر ؟

فالتفت انمار إليها ، وحدق فيها ، وقال : لم يأتِ إليكِ .

وشعرت بطعنة في قلبها ، هذا ما لم يعنّ لها من قبل ، فنهضت واقفة ، وقالت : إنني متعبة جداً ، لابدّ لي أن أرتاح ، سأذهب إلى فراشي .

 

     ” 14 ”

ـــــــــــــــــــــــ

   أفاقت خزامى ، صباح اليوم التالي ، وفتحت عينيها الناعستين ، لكنها لم تتحرك من مكانها ، وأنصتت ملياً ، وخمنت أن انمار قد أفاق أيضاً ، ولعله لا يريد أن يتحرك في مكانه ويوقظها ، حتى تستيقظ هي بنفسها .

لم تنمْ خزامى ليلة البارحة ، كما تنام عادة كلّ ليلة ، لقد أرقتْ ، وكانت كلمات انمار وراء أرقها ، وتردد في أعماقها مرات ومرات قوله  ” لم يأتِ إليكِ ” ، حقاً إن قتادة لم يأتِ إليها ، بل ولم يرسل لها كلمة واحدة يعبر لها عن اهتمامه بها ، وموقفه منها وهي في السبي .

ونفضت خزامى هموم الليل عنها ، وتطلعت إلى ما حولها ، الحصان مربوط بعيداً ، والناقة تبرك بينها وبين انمار ، والصحراء تمتد حولها على امتداد البصر ، رمال ميتة ، لا حياة فيها ، غير الريح التي تئن من وجع الخواء وغياب نفس واحد للحياة .

وطال سكون خزامى في مضجعها ، ولعل انمار ظنّ أنها مازالت نائمة ، وقد أطلت الشمس من وراء الأفق ، وأرسلت أشعتها الدافئة لتوقظ الحياة ، في الأحياء الذين رقدوا طوال غيابها ساعات الليل المظلمة .

وهمت خزامى أن تنهض ، حين جاءها صوت انمار يناديها : خزامى ..

ونهضت خزامى ، وهي تقول : إنني مستيقظة .

وحيّاها انمار قائلاً : طاب صباحكِ .

وردت خزامى ، وهي تلملم فرشها : طاب صباحك ، سأعد طعام الفطور .

ونهض انمار بدوره ، وقال بنبرة مزاح : أنت لا تفطرين عادة في مثل هذا الوقت .

وقالت خزامى : يعجبني أن آكل هذا الصباح .

وانصرف انمار إلى الناقة ، وقال : سأعد لك الهودج ، ريثما تفرغين من إعداد السفرة .

وانهمك كلّ منهما في عمله ، وما أن فرغ أنمار من وضع الهودج على الناقة ، حتى جاءه صوت خزامى تقول له : الفطور جاهز .

واتجه انمار إليها ، وقال : وهودجك جاهز أيضاً .

وجلسا متقابلين ، وبينهما سفرة طعام الفطور ، وراحا يتناولان ما فيها من طعام ، وقد ران عليهما صمت ثقيل ، ورمقت خزامى انمار بنظرة خاطفة ، وهو يتناول الطعام ، وبدا لها أنه مستغرق ، لا في الطعام ، وإنما في أمر آخر ، ترى فيمَ يفكر ؟

وتململت خزامى في مكانها ، وقالت ، وهي تأكل : هذه آخر مرة نتناول فيها الطعام معاً .

وهزّ انمار رأسه ، وقال دون أن ينظر إليها : من يدري ، ربما آخر مرة كما تقولين ..

وصمت لحظة ، ثم رفع عينيه ، ونظر إليها ، وقال : لم أتذوق طعاماً من صنع يديكِ .

وتوقفت خزامى عن تناول الطعام ، ونظرت إلى انمار ، وقالت : هذا أمر مؤسف حقاً .

ونهض انمار عن السفرة ، وقال بصوت مشوب بالحزن : هذه أمنية لم تتحقق .

وصمت لحظة ، ثم قال : لنترك هذا للأيام ، يا خزامى ، هيا الشمس ترتفع في السماء ، ومن الأفضل أن نبدأ السير الآن .

ونهضت خزامى بدورها ، وقالت : هذا أفضل ، وقد نصل أطراف البركة بعد العصر .

وصمت انمار ، محدقاً في خزامى ، ثم قال بصوت حاول أن يكون هادئاً : وهناك سنفترق ، تذهبين أنتِ إلى حياتك ، وأعود أنا إلى حياتي .

وهربت خزامى بعينيها من عيني انمار ، خشية أن يرى فيهما ، بوادر دمعتين انبثقتا من أعماقهما ، وأرادتا أن تقفزان إلى وجنتيها السمراوين ، وسرعان ما استدارت ، ولاذت بالهودج ، دون أن تتفوه بكلمة واحدة .

وامتطى انمار حصانه ، وسار والناقة تسير وراءه ، وفي هودجها خزامى ، وقد غرقت عيناها بالدموع ، والشمس تصعد في مدارج السماء شيئاً فشيئاً ، وحوالي العصر ،  استدار انمار بحصانه ، واقترب به من الناقة ، وحين حاذى الهودج ، خاطب خزامى قائلاً : خزامى ..  

ونظرت خزامى إليه ، وقالت : نعم .

فأشار انمار إلى ما حوله ، وقال : انظري ، يا خزامى ، أظنّ أننا اقتربنا من أطراف البركة .

وأطلت خزامى من الهودج ، وتطلعت إلى ما يشير إليه انمار ، وتأملته جيداً ، لكنها لم تقل شيئاً ، فأشار انمار إلى مرتفع يقع في البعيد ، وقال : انظري إلى ذلك المرتفع ، إنني أتذكره جيدا ، والبركة تقع بعده ، على مسافة  ليست بعيدة  .

ونظرت خزامى إلى المرتفع ، الذي يقع في البعيد ، وقالت : نعم ، إنني أتذكر هذا المرتفع ، وكنت أراه دائماً ، عندما ارتاد البركة .

وصمتت خزامى ، ثم قالت : انمار ..

فاستدار انمار بحصانه ، وعاد إلى مكانه أمام الناقة ، وهو يقول : سأوصلك إلى ذلك المرتفع ، الذي يطل على البركة ، وأودعكِ هناك .

     ” 15 ”

ـــــــــــــــــــــ

   توقف انمار بحصانه ، عند مشارف المرتفع الرمليّ ، الذي يطل على البركة ، وتلفت بحذر حوله ، خشية أن يكون هناك أحد من قبيلة خزامى ، ولما اطمأن إلى خلو المكان ، ترجل عن حصانه ، وصعد إلى أعلى المرتفع ، ونظر إلى البعيد .

ورأته خزامى من هودجها ، وهو يتوقف قليلاً في أعلى المرتفع ، وخمنت ما يريده ، وسرعان ما لاحظت أنه تراجع إلى مكانه ، ثم اتجه إليها ، وقال : هذا هو المكان كما توقعته ، إن البركة ، التي تحيط بها الأشجار ، تقع على مسافة ليست بعيدة وراء هذا المرتفع .

والتمعت عينا خزامى ببريق غريب ، فسكت انمار ، وقال وهو يبتعد عن الناقة : انزلي من الهودج ، وارتاحي قليلاً ، ثمّ .. اذهبي حيث تريدين .

ونزلت خزامى من الهودج بلهفة شديدة ، ونظرت فيما حولها ، وتنفست ملء صدرها ، ثم قالت : هذه أنسام دياري حقاً ، أنسام طفولتي ، وشبابي ، وأمي و .. آه كم اشتقتُ إليها ، وأنا بعيدة عنها في الغربة .

ونظر انمار إليها ، وقال : إنني آسف ، يا خزامى ، لأنني حرمتك هذه الفترة مما تحبين .

وتطلعت خزامى إليه ، وقالت بصوت هادئ : لا يا انمار ، أنت إنسان طيب ، وتعاملك الرقيق الحنون معي ، خفف عني الغربة كثيراً .

وسكتت لحظة ، ثم قالت : ولا أنسى أصيلة ، كانت أصيلة معي بحق ، و ..

وابتسمت خزامى ، وكأنما تتراءى لها أصيلة ، وقالت : إنها تحبك كثيراً ، وقد أحبتني كثيراً أيضاً ، حتى أنها حاولت مرات أن تقنعني بالبقاء عندك ، و ..

ونظر انمار إليها ملياً ، ثم قال : لكنك لم تقتنعي ، وها أنت تعودين إلى ديارك .

وحدقت خزامى فيه طويلاً ، ثم أطرقت رأسها ، دون أن تتفوه بكلمة واحدة ، فقال لها انمار مازحاً : حذار يا خزامى ، سأخطفكِ إذا رأيتك ثانية عند البركة ، وسأبقيكِ عندي هذه المرة ، مهما كلف الأمر  .

وابتسمت له خزامى ، والدموع تلامع في عينيها ، وقالت : لكن ها أنت تعيدني .

فقال انمار : رغم إرادتي ، فأنا لا أريد أن أكرهكِ على البقاء معي .

ولاذت خزامى بالصمت لحظات ، ثم نظرت إلى الشمس ، وهي تنحدر نحو الأفق ، وقالت بصوت متحشرج : ستغرب الشمس بعد قليل .   

فقال انمار ، وهو يحدق في عينيها المبللتين بالدموع : أنت في دياركَ ، وإذا ركبت ناقتكَ ، وأسرعت بها قليلاً ، فستكونين عند أهلك قبل حلول الظلام  .

وتساءلت خزامى بصوت تخنقه الدموع : وأنت ؟

فردّ انمار قائلاً بصوت حاول جهده أن يكون هادئاً : المكان هنا آمن ، وسيبزغ القمر بدراً هذه الليلة ، سأبقى هنا ، ثم أعود فجر الغد إلى دياري .

واستدارت خزامى ببطء ، وسارت نحو الناقة بخطى مترددة ، ثم ركبت هودجها ، وأنهض انمار الناقة ، ثم ربت عليها ، فسارت متهادية ، وأطلت خزامى من الهودج ، وقبل أن تتفوه بكامة واحدة ، قال لها انمار : رافقتك السلامة .

وظل انمار في مكانه ، يتابع الناقة ، وهي تبتعد بخزامى ، حتى غابت تماماً ، وقد بلغت الشمس حافة الأفق ، وراحت تتوارى خلفه بستار شفاف من الظلام .

وهبط الليل ، ومعه هبطت مشاعر انمار ، لقد ذهبت خزامى ، ووضع فرشه على مسافة من الحصان ، الذي هدأ شيئاً فشيئاً ، وقد آن له أن يرتاح .

وتمدد انمار على فرشه ، دون أن يفكر في تناول شيء من الطعام ، وأغمض عينيه ، وحاول أن ينام ، لكن خزامى لم تدعه ينام ، حضورها .. عيناها .. وأحاديثها .. وتعاطفها معه خلال الطريق .. وخاصة بعد أن هاجمهما قطاع الطرق .. حالت بينه وبين النوم .. وزاد القمر الطين بلة .. حين بزغ بدراً .. وراح يتسلق السماء .. ويطل عليه و .. أهو خزامى ؟ .. آه يا لخزامى .

وانتبه انمار إلى وقع أقدام خفيفة ، تتناهى إليه من بعيد ، أهم قطاع الطرق ؟ أم واحد من قبيلة خزامى ، جاء ليثأر لها ، لأنه اختطفها قبل أشهر ؟ أم ..

واعتدل انمار ، وقلبه يخفق بشدة ، هذه ناقة ، الناقة التي يعرفها ، واتسعت عيناه ، حين رأى الناقة تتوقف ، وتبرك بهدوء ، و .. أهو حلم .. ونزلت خزامى من الهودج ، وراحت تقترب من أنمار ، وضوء القمر هالة حول وجهها .

وهبّ انمار من مكانه ، وهتف مذهولاً : خزامى !

فاقتربت خزامى منه ، وتوقفت أمامه ، وقالت : اخترت أن تأكل الطعام من يديّ ، إذا أردت .

مدّ انمار يديه ، وأطبق على يديها ، وقال : مدى العمر ؟

فردّت خزامى قائلة : مدى العمر .

                             

                                 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| نبيل عودة : الشاعرة عايدة خطيب تتألق بشعرها للأطفال .

في السنوات الأخيرة ألاحظ أن المرأة تأخذ حيزا يتزايد باستمرار في المشهد الأدبي العربي داخل …

| د. سناء الشعلان : الكوفحيّ يصدر كتابه “تحدّي الإعاقة الجسديّة في نماذج من قصص الأطفال” .

صَدَرَ حديثاً في العاصمة الأردنيّة كتاب “تحدّي الإعاقة الجسديّة في نماذج من قصص الأطفال” للأستاذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *