ناطق خلوصي : عشاق الشمس (3)

فردّ عليّ بصرها الزائغ وكأنها اصيبت بلوثة من الجنون.  ” لماذا تحجمين عن فتح الباب؟ ”  وحين رد علي بصرها الزائغ هذه المرّة ايضاً، دفعت ظلفة الباب بيد استعارت  قوة مضافة فوجدت نفسها مضطرة الى التراجع المضطرب حتى كادت تنكفئ الى الوراء. اندفعت داخلاً وانا في حالة هياج وقد تنمّر الآخر الذي في داخلي، رأيتها تقف على ساقين خائرتين وبدا لي كأن كل جزء من جسدها يرتعش. امسكت بيدها محاولاً ان اجعلها تتماسك بعض الشيء لأتبين جلية الأمر، وحين استدار جسدها انتبهت الى انها ربما ارتدت ثوبها على عجل لحظة ضغطتُ على زر جرس الباب، فما زالت أطراف الجزء الخلفي منه لم تنسدل تماماً، كاشفةً عن رقعة من قميصها الداخلي وتفاصيل من سروالها وهو مالم يحدث من قبل طوال بضع سنوات . قلت وانا مسكون بالدهشة: ” ما الذي يحدث يا زوجة عمي؟ “انتزعت الكلمات من حنجرة متيبسة فخرج الصوت متحشرجاً: ” لماذا عدت مبكراً على غير عادتك؟ ” ” ان استاذنا غائب هذا اليوم. ” كانت تتحاشى النظر في وجهي وهي تحاول الهرب مني. قلت وانا اقترب منها وهي تبتعد عني: ” وانت يا زوجة عمي، ما الذي دهاك هذا اليوم؟ ”  لهوج لسان ارتباكها على عجل: ” لا شيء.. لا شيء..” ” لماذا رتجت الباب من الداخل على غير عادتك اذاً؟ ”  ” خشيت ان يكون أحد قد زيّف مفتاح الباب فيقتحم عليّ البيت وانا وحدي. ” رد مقنع ولكن ” لماذا تبدين مرتبكة اذاً؟ ” ” من قال اني مرتبكة؟ ”  ” أنزلي أذيال ثوبك من الخلف اذاً! ”  صعقها ما قلت فلوت عنقها ومدّت بصرها الى ظهرها وتحركت أصابع مرتعشة وانزلت اذيال ثوبها وهي تكاد تنكفئ على وجهها.
اتجهت صوب أريكة قريبة والقيت جسدي عليها متهالكا. انفلت من بين شفتيها صوت جاء ذليلا ً  ”  لماذا لا تصعد الى غرفتك؟ ”  رددت وما زلت اتأملها بعين الحيرة ” أريد أن أسترد أنفاسي . لقد انتابني القلق عليك حين وجدت باب الغرفة مغلقا ً من الداخل ! ”  ازداد وجهها شحوباً وبصرها زوغاناً، وكنت في قرارة نفسي قد عقدت العزم على ان لا اصعد الى غرفتي قبل ان أتبين حقيقة هذه الرائحة الغريبة التي تنتشر في البيت. رأيتها تتشبث ببصرها الزائغ ولكنه يخذلها ويهرب منها ليسقط على باب غرفة نومهما المشتركة هي وعمي. وتلك اللحظة شعرت بالإشفاق على هذه المرأة الممتلئة والتي مازالت تحتفظ بشيء من النضارة والوسامة، وانا اراها تستحيل الى كائن ممسوخ بوجه بدا لي كأنه يقطر بشاعةً تلك اللحظة. ما الذي أثار ذعرها الى هذا الحد وما زالت تتكتم عليه؟ لماذا تريد مني ان اصعد الى غرفتي؟ قلت في نفسي لألعب لعبتي معها . نهضت وانا اقول:” حسناً يا زوجة عمي . لقد اطمأننت الآن وسأصعد الى غرفتي. “فرأيت بعض شحوبها يزايلها ويعود الى وجهها من جديد بعض دمه الهارب، بدأت ارتقي درجات السلم بأناة وكأنني اريد ان اغيظها ولم اتخل عن حذري وارتيابي وكنت رأيتها تركض صوب باب غرفة النوم، صرت تلك اللحظة في الممر المفضي الى غرفتي وهو ممر يتيح لي فرصة الإطلال على الباب الرئيس لسوء حظ زوجة عمي. ووسط تشبثها بخيط يستلّها من مأزقٍَ ما، لم تنتبه الى ذلك. لمحت طيف رجل ينسل خارجاً من غرفة النوم انسلال لص خائبِ، حذر، وزوجة عمي تخرج من الغرفة هادئة مطمئنة وقد تنفست الصعداء، وكأنها تظن انني مغفل الى الحد الذي يجعلني لا أعرف ماذا حدث من حولي. داهمها صوتي على حين غرّة فشقّ ستار هدوئها الزائف: ” من هذا الرجل يا زوجة عمي؟ ” ولو كنت قريباً منها فلربما رأيت جسدها ينتفض انتفاضة طائر ذبيح وهي ترفع اليّ بصراً مستنكراً وصوتاً مرتعشاً وقحا ً: ” أي رجل؟ ”  ” الرجل الذي خرج من غرفتك قبل قليل.!” تصاعد صوت احتجاجها: ” انك واهم يا سامي، ومن العيب عليك ان تفتري عليّ وتتهمني بما يشين وانا زوجة عمك وفي مقام امك.. ” قلت بهدوء قاتل : ” انني لا اتهمك يا زوجة عمي لقد رأيته بعيني هاتين! ” ردت محاججة: ” لعلك توهمت ذلك. ” وصمتت لحظة ثم قالت:” ما الذي دهاك هذا اليوم؟ لاتبدو طبيعياً على الإطلاق! ” قلت وانا ما ازال احتفظ بنبرة هدوئي القاتل:  ” بل انني رأيته ينسل انسلال اللصوص. ” ادارت لي ظهرها متجهة صوب غرفتها وجاءني صوتها مشوبا بنبرة تهديد: “أرجو ان لا تكرر اتهامك لي وإلاّ اخبرت عمك . ”
انها تهددني بعمي! وأين هو عمي الذي تركها مثل قطعة أثاث مهملة فائضة عن الحاجة ونسي انها بشر من لحم ودم واعصاب ومشاعر؟ وكان الآخر الذي في داخلي بدأ يتمرد فأخرج لسانه ليحاججها: ” الرجل صاحب السيارة السوداء التي كانت تجثم في مكان قريب. لقد التقطت رقم السيارة وسأخبر عمي لكي يتحرى عن صاحبها! ” خيّل اليّ كأن كل سموم حقدها عليّ تتجمع في عينيها فتقذفني بها نظرةً من نار يتطاير شررها في اكثر من اتجاه. لقد تآكلت حججها وهاهي تتضاءل في عيني وهي تلج غرفتها بخطى متعثرة، وتناهى الى سمعي صوت نشيجها قادماً اليّ من وراء الباب.
يالها من مفارقة! عمي يطالبني ان اكون كاتم اسراره كما قال لي عصر هذا اليوم، وانه سوف يخضعني الى امتحان. هل من دليل على قدرتي على الكتمان من كتماني لما اقترفته زوجته لسنتين كاملتين؟
ما برحت تفاصيل ذلك المشهد الرهيب تنفتح في ذاكرتي مثل جرح ينز ألماً حتى الآن. وها ان ذاكرتي تعود بي الى ذلك اليوم المشؤوم: حين نزعت ملابسي وارتديت منامتي القيت جسداً متهالكاً على هذا السرير الذي يشهد أرقي الآن، واغمضت عينيّ وحاولت ان اوهم نفسي بأن ما حدث كان محض تخيلات ولا يمت الى الواقع بشيء. لكن الذي حدث كان اقوى من قدرتي على النسيان او ايهام النفس. لكأنه استحال الى مطرقة تهوي على جمجمتي، وقد بدأ يسري في بدني كله. حاولت ان اتشبث بأعضاء جسدي التي اشعر بانها تفكك وان ألملمها من جديد وهي توشك ان تغادرني. كنت على وشك ان احاور الآخر الذي في داخلي: ابوح لعمي ام لا ابوح، ووسط حيرتي وصراعي مع الآخر تراءى لي وجه هالة التي تنام الآن على سريرها هانئة من دون ان تصلها على امتداد سنتين حتى ولو ايماءة عما حدث.
اعرف اي حزن سيأكل روحها لو ان تفصيلاً صغيراً مما حدث كان قد بلغها. همست لنفسي وكأنني اهمس لهالة:  ” لن ابوح بشيء .”
وأنا مغمض العينين،غائب عما حولي، احسست على حين غرّة بجسم ثقيل يهبط على جسدي مثل كتلة من طين، ويكاد يكتم انفاسي. فتحت عيني مذعوراً واذا بي أرى زوجة عمي فوقي! لماذا جاءت؟ كيف دخلت من دون ان احس بوقع قدميها؟ اسئلة تدور في رأسي ولابد من ان اجاباتها تكمن في رأسها هي. ساورني خوف من ان تكون قد جاءت لتكتم انفاسي فعلاً وتتخلص مني. استيقظ في داخلي نزوع الدفاع الغريزي عن النفس فتشبثت بفرصتي في الحياة وكافحت من اجل ان أبعد جسدها عن جسدي قبل ان تفلح في خنقي فتتخلص مني وتدفن الى الأبد سر فعلتها الشنعاء، وانتبهت وانا احاول ان افعل ذلك انها في زينة وعري امرأة وهي في لحظة شبق تستبد بها وتنتظر من يطفئ غليلها فاقشعر  بدني وتراءى لي وجه أمي في تلك اللحظة.
كررت محاولة التخلص منها ولكنني لم افلح كثيراً. كانت تتشبث بي وكأن جنون الشبق الحيواني يتلبسها. هل افقدتها الصدمة عقلها او ان رنين جرس الباب افزعها قبل ان تبلغ الذروة وهي ترقد تحت ذلك الرجل؟ ما الذي تريده مني؟ شعرت بخدها يلامس خدي أولاً ثم احسست بشفتيها تدبان دبيباً محموماً على خدي فشعرت بأن لهما طعماً مغايراً لطعم تلكما الشفتين الأموميتين اللتين كانت تقبلني بهما. ما لبثت الشفتان المحمومتان ان بدتا كأنهما في حالة بحث مخبول عن شفتيّ.
ما هذا الذي تفعله هذه المرأة المجنونة يالهي؟! احسست بشفتيّ تكادان تنسحقان تحت وطأة شفتيها الساخنتين وما لبثت ان احسست بأسنانها تكاد تقضمهما وقد ركبها جنون حقا ً. واذ كان جسدي ينوء تحت وطأة جسدها الثقيل، تراءى لي وجه عمي وكأنه يقتحم علينا الغرفة فتملكني مسّ من الرعب. يا الهي! اي مأزق وجدت نفسي فيه. الآن فقط لعنت الساعة التي جاء بي عمي فيها الى هذا البيت. من فرط هلعي من عمي كدت اسألها: ” هل رتجت الباب الرئيس؟ ” لكنني تراجعت عن أية فكرة من هذا النوع مخافة ان يراودها شعور بأنني استجيب لها. منحني الآخر الذي في داخلي قوة مضافة وفتح أمامي سبيل النجاة من هذا المأزق. كنت احس بثدييها العاريين يضغطان على صدري. حررت يدي~ ومددت أصابعي حتى لامست لحم ثدييها، فشعرت بها ترتخي وكأنها توهمت انني بدأت الين او انها كانت تتمنى لو ان أصابعي تتمادى فتبدأ بالعبث بثدييها. رفعت صدرها عني قليلاً لكأنها تريد ان تتيح ليديّ الأثنتين فرصة احتواء ثدييها بشكل افضل. ابتهلت الفرصة فامسكت حلمتي ثدييها بأصابعي واخذت اضغط عليهما بكل القوة التي تخزنها أصابعي الفتية وبكل القوة المضافة التي منحني الآخر الذي في داخلي اياها. وساورتني الخشية من ان انتزع الحلمتين من مكانهما وسمعتها تتأوه قليلاً بادئ الأمر وتضغط باسنانها على شفتها السفلى، وما لبثت ان صرخت وهي تنظر اليّ بانكسار ذليل وكأنها تستجديني ان اترفق بها، لكن عناداّ ركبني تلك اللحظة فصرت ازيد من درجة ضغط اصابعي على ثدييها وكأنني اريد فرمهما. رأيتها تبعد جسدها عني في محاولة للتخلص من زخم ألمها وما لبثت ان بدأت تنهض وما زالت يداي تتشبثان بثدييها. انهضت نصف جسدي العلوي وقد تراجعت هي وهبطت بعجيزتها على مؤخرة السرير وهي تلهث لهاثاً محموماً. حررت ثدييها فقفزت من السرير ووقفت منحنية على ارض الغرفة مثل جذع شجرة كسرته ريح هوجاء. توحّد لساني مع لسان الآخر الذي في داخلي وصرخت بها عن لسان واحد:  “ما هذا الذي تفعلينه؟ ” تهدج صوتها بانكسار ذليل:  “اريد ان امتعك بجسدي! ” صرخت وانا اغلي غضباً:  “ومن قال انني اسعى الى متعة محرّمة مثل هذه؟ انسيت انك زوجة عمي؟ ”  ” لا ” “وانك مثل امي؟ ”  ” لا ”  ” وانني سوف اكون صهرك؟ ”   ” لا ايضاً “.  ” لماذا فعلت ذلك اذاً؟ ” اطرقت برأسها الى الارض وخيّل اليّ انها تفكر في ان تهبط برأسها على قدمي وتقبلها وهذا ما لا اسمح به بأي شكلٍ من الأشكال. نهضت على عجل ووقفت قبالتها وقلت:  ” انك تريدين ان تعالجي الخطأ بخطأ اكبر منه. لعلك كنت تظنين انني اطالب بثمن سكوتي! ”  ” ولن تطالب به؟ ”  ” ابدا ”  “ستخبر عمك اذا ً! ” لبثت صامتا هنيهة لكي اثير فيها مزيداً من المخاوف لعلّي اجد ما يردعها من ان تعاود فعلتها الشنيعة، وكانت تنظر اليّ بعينين ذليلتين منتظرةً انفراج شفتيّ، وقد انفرجتا بعد قليل:  ” لن اخبره بشرط واحد! ”   ” اي شرط؟! ؟   ” ان تكوني صريحة معي. ”  ” سأكون . ”  “وعد؟ ”  ” وعد. ” لبثت صامتًا قليلاً قبل ان اقول:  ” من ذلك الرجل الذي كنت تختلين به؟ ” ترددت قليلاً قبل ان تتذكر الوعد الذي قطعته على نفسها قبل قليل. قالت عن شفتين مرتعشتين وبما يقرب من الهمس:  ” انه احد قدامى معارفنا يسكن قريباً من بيت اختي. التقيته اكثر من مرة لقاءات عابرة املته عليّ المصادفة، كنت اشعر انه يتشهاني وينظر اليّ بشبق محموم وقد دسّ في يدي رقم هاتفه قبل ايام وهذه هي المرة الاولى التي يأتي فيها الى بيتنا هذا. ” قلت وانا اغرز سهام نظراتي المعاتبة في عينيها:  ” لقد هاتفته اذاً! ”  ردّت بصوت خفيض:  ” لا انكر ذلك. هل تصدق ان اصابعي لم تطاوعني بأن اضغط على أزرار الهاتف بادئ الامر. لقد كانت ترتعش، بل ان كل جزء من جسدي كان يرتعش. لكنني لا ادري كيف تغلبت على الصراع الذي كان يمور في داخلي وكأن اصابع غير اصابعي هي التي ضغطت على ازرار الهاتف. ” “وجاء على عجل بالتأكيد! ” هزت رأسها بحزن. عاجلتها بالقول:  ” لعله كان ينتظر نداء منك يدعوه لزيارة جسدك! ”  ” ربما . ”  ” ومتى جاء؟ ”  “قبل ان تأتي بدقائق.. لم نكن قد فعلنا شيئا بعد.  ”
وجدتها استردت بعض هدوئها فأمسكت بيدها واجلستها على السرير وجلست الى جوارها تاركاً مسافة فاصلة بين جسدينا. قلت وانا احاول استدراجها وقد سمحت لنفسي ان اتقمص دور القاضي:  “وكيف كان شعورك حين رن جرس الباب؟ ”   “عليك ان تتصور ذلك بنفسك . ” تخيلتها تنفلت مذعورة وتدور حول نفسها في الغرفة كأنها تبحث عن جسدها، ثم تخيلت وجهين متحجرين واربع عيون يسكنها الذعر، ورأيتها في عين خيالي تمد يداً مرتبكة وتلتقط ثوبها على عجل ولاتدري كيف ترتديه. قلت بنبرة لا تخلو من تهديد:  ” ما الذي يكون عليه موقفك لو ان عمي كان قد جاء بدلاً عني؟ ”  ” أعرف انه لايأتي.. انه لم يفعلها في يوم من الأيام . ”  ” اتعنين ان الشك لا يساوره من بقائك لوحدك في البيت؟ ” ” أبدا! ”  ” ولماذا تعتقدين ذلك؟ ” ” انه مشغول عني. ” زفرت بعمق واردفت تقول:  ” انه وراء ما حدث هذا اليوم وقبل ان تسألني اقول لك انه يهملني وينسى انني امرأة لها جسد ما زالت حاجته تلح عليها. اريد ان اعترف لك بشيء الآن يا سامي.  ” وسكتت لكأنها تنتظر ردّة فعلي وقد جاءتها عبر شفتي:  ” لنسمع هذا الاعتراف! ” قالت وهي لاتجرؤ على ان تنظر في عيني:  ” هل تصدق ان الرغبة ساورتني اكثر من مرة في ان آتيك الى غرفتك؟! ” هززت رأسي موحياً اليها بأنني أصغي اليها فواصلت الكلام متشجعةً:  ” في المرات التي يغيب فيها عمك عن البيت وتخلد هالة وغادة الى النوم تستبد بي رغبة جامحة لا أجد من يلجمها، كنت اجلس أمام مرآة الزينة واتزين مثلما كنت اتزين لعمك في سنوات زواجنا الاولى، وارتدي قميص نوم مثير يكشف مفاتن جسدي واوشك ان اخرج من الغرفة واصعد اليك لكن شيئاً ما في داخلي يوقفني. استبد بي الأرق وجمحت بي الرغبة في ليلة ما فتزينت وارتديت اكثر قمصان نومي إثارة مثلما جئتك اليوم وخرجت محمولة على قدمين حذرتين وبدأت ارتقي السلم في آخر الليل حتى صرت امام باب غرفتك هذه وهو موصد. حرّكت أكرة الباب بهدوء ودفعت الظلفة ومددت رأسي. وتحت الضوء الواهن الذي يسفحه المصباح رأيتك تستلقي على جنبك وظهرك باتجاه الباب وكأنك تريد ان تفصح عن صدودك عما يمور في رأسي حتى وانت نائم، فتراجعت ورددت الباب ونزلت وانا الوم نفسي.  ” احتد صوتها فجأة: ” لماذا الوم نفسي او يلومني غيري من دون ان يشير اصبع اتهام واحد الى عمك؟! ” وجدت ما تقوله منطقياً ومقنعاً وبدأت الوم عمي في قرارة نفسي من دون ان تهتز صورته في عيني. ان اعجابي به لا يعرف حداً. انتزعني صوتها من حالة وجومي:  ” والآن ماذا ستفعل؟ ” قلت بعد لحظات استغراق في التفكير:  ” سأسكت. ” طارت الكلمة من بين شفتيها  على عجل: ” وعد؟! ”  قلت وانا اتأملها وهي تنظر الي بانكسار: ” وعد.. ولكن.. ” وربما حملها الوهم من جديد الى انني اريد ان اساومها. قالت من دون ان تخفي مخاوفها:  ” ما هي شروطك؟ ” قلت وانا انزع قناع المحقق عن وجهي وانهض كأنني اريد ان اضع حداً لهذا التحقيق الذي وجدت نفسي منساقاً اليه:  ” ليس من شرط سوى ان لايتكرر ما حدث هذا اليوم. ” هزت رأسها وهي تنهض من كرسي الاعتراف وكأنها تعدني، ولا أدري إن كانت صادقة او انها تريد خداعي، وفرصة خداعي كبيرة فمن يضمن انها لن تعاود فعلتها خلال ساعات غيابي من البيت انا الذي منحَته وعدها وكانت تخطط ان تمنحه جسدها لتشتري سكوته؟ رأيتها تقف ورأسها يتدلى على صدرها وكأنها تشعر بأنها سقطت في هوة وربما تتمنى لو انها لا تراني بعد الآن. مكثت ساكنة في مكانها هنيهة وما لبثت ان سحبت عريها الداخلي وغادرت الغرفة لتنزل الى الاسفل    يا لها من ليلة كانت تلك! اتكون هي التي أوغرت صدر عمي بعد مرور سنتين على ما كان قد حدث؟ ليس يسيراً ان اجزم بذلك. كنت اراها تغالي في رعايتي اثر ما حدث وتبدي لي ما يشعرني بأنها مدينة لي، بل انها كانت تعمد الي الغياب عن البيت وتحرص على ان ترافقها غادة، ليس سوى لكي توفر لي فرصة خلوتي الذهبية بهالة. من الذي اوحى لك بهذه الفكرة الجهنمية اذن يا  عمي.. من؟
* * *
استيقظ. رأس يثقله الصداع وعينان يسكنهما النعاس إذ لم يكن قد نام من الليل إلاّ بعضه، نزل واغتسل وتوجه الى مائدة الإفطار كعادته كل صباح، ووجد شمل العائلة ملتماً وعمه يتصدر المائدة. حاول ان يزيل آثار الوجوم عن وجهه وابتسم لنكتة اطلقها عمه الذي انفجر ضاحكاً بعد ان اطلقها، لم يتناول افطاره بشهية مثلما كان يحدث في الأيام السابقة على الرغم من ان هالة كانت تجلس قبالته تماماً وتحاول ان تحاوره بابتساماتها الخفية. صارت زوجة عمه تراقبه من طرف خفي وكأنها هجست بأنه هذا اليوم ليس على سابق عهدها به. بل انها كانت قد انتبهت الى ذلك من لحظة دخوله البيت عائداً من المزرعة مع عمه يوم امس. نهض فنهضت وهي تحمل بعض الصحون الفارغة وحين كان واقفاً وراء المغسلة مرت من ورائه حتى حاذته تماماًً وسمعها تهمس:
– ما الذي يشغلك يا سامي هذا اليوم؟!
ولبثت واقفةً قليلاً وكأنها تنتظر رده وقد جاءها مهموساً هو الآخر:
– لاشيء يا زوجة عمي.. لاشيء.
والتقطت اذناه صوتها وهي تبتعد:
– لااصدّق!
من حقها ان لاتصدق، فما يشغل باله أكبر من قدرته على اخفاء انعكاساته. والآن عاودته بعض شكوكه في ان زوجة عمه تقف وراء خطة عمه اللئيمة. نظر الى وجهه في المرآة المعلقة فوق المغسلة وتحسس شعر ذقته النابت ولم تساوره الرغبة في ان يحلقه. ربما سيترك شعر ذقنه ينمو لحية سوداء على الرغم من إدراكه ان هالة لاتحبذ ذلك ولا هو يميل اليه في قرارة نفسه. صعد الى غرفته وحين بدأ باستبدال ثيابه جاءه صوت عمه يستعجله. هبط متأبطاً حقيبة كتبه ووجد عمه وهالة في انتظاره. التفت ورأى غادة في ثياب النوم فتساءل:
– وغادة؟!
ردّت هالة وكأنها تستعير لسان اختها:
– ليست على عجلة من أمرها مثلنا. محاضرتها الاولى لهذا اليوم تبدأ عند الظهر.
وابتسمت ابتسامةً ماكرة ذات مغزى ربما ادركته غادة فقرصت كتف اختها من وراء ظهر ابيها.
بدأ عمه يقود السيارة. هو الى جواره وهالة في المقعد الخلفي وكانت تتمنى لو انه يجلس الى جوارها الآن ولولا حياؤها وربما خوفها من ابيها لأفصحت عن هذه الرغبة. انتبه الى ان عمه بدا مرحاً، منبسطاً، يدندن باغنية بصوت مهموس وهو يقود السيارة، انتبه ايضاً الى انه عمد الى ايصال هالة أولاً على خلاف ما كان يفعل في المرات السابقة، فصار في يقينه انه يريد ان يختلي به ليؤكد ما اوصاه به أمس.
توقفت السيارة في الساحة التي يتجه احد اطرافها الى حيث تقع كلية هالة فنزلت وظلا يراقبانها حتى عبرت الشارع الاول ثم الجزرة الوسطية فالشارع الثاني الموازي له واطمأنا الى انها صارت في امان، فتحركت السيارة من جديد.
قال عمه وسط ضجيج حركة السيارات وزعيق منبهاتها:
– هل أنا في حاجة لأن اكرر ما سبق لي ان قلته لك ونحن في السيارة عصر أمس؟
– كلا يا عمي!
– انت على استعداد اذا ً؟
– نعم يا عمي…
رنت ضحكة عمه وقد تخللها صوته:
– ألم تبح لأحد بشيء؟
– كلا يا عمي.
– حتى لهالة؟
– حتى لهالة.
– احسنت صنيعاً يا ابن اخي!
– هل ستكون حاضراً في البيت عندما أعود؟
– بالتأكيد يا سامي. سأذهب الى مقر عملي لبعض الوقت ثم اعود، ولكن حاول ان تتأخر قليلاً.
– حسناً يا عمي.
بدأ مبنى الكلية يلوح وصارت السيارة تقترب. ضغط عمه على الكابح والتفت اليه وهو يقول:
– هل ثمة حاجة لأن اوصيك مرة اخرى يا سامي؟
رد بابتسار وقد تلبّسته نوبة انزعاج من إلحاح عمه:
– كلا يا عمي.
وشعر باصابع يد عمه القريبة منه تقرصه من خده.
زايله هذا اليوم حماسه الذي كان قد اعتاد عليه وبدا ضجراً من حضوره الى الكلية شاعراً بلا جدوى ذلك، بل بلا جدوى حياته كلها. فها هو يستحيل الى دمية آلية موقوتة يلهو بها عمه.
وقف في فناء الكلية واجماً وهو يفكر: هل يذهب الى هالة في كليتها ويبوح لها بكل ما طلب عمه منه ان يتكتم عليه؟ هالة لوحدها هي التي تهمه الآن. هالة  ولا أحد سواها في طول الدنيا وعرضها. سار الى مصطبة والقى جسده عليها ما لبث ان جاوره زميل له اقترب منه حتى كاد يلتصق به وهمس له:
– عشّاق الشمس في وضع حرج هذه الأيام!
ليس هو في مزاج رائق يسمح له ان يسمع او يتحدث عن عشّاق الشمس او غير عشّاق الشمس. ان عشه الصغير سوف ينهدم فما جدوى تفكيره بالعش الكبير؟ بدا يائساً من كل شيء. الان يشعر انه يمنح الاولوية للخاص قبل العام. في لحظات معينة قد يكفر المرء بكل شيء. ترى هل لعشّاق الشمس القدرة على اعادته الى عشه القديم؟ تمتم الى زميله الذي مازال يجاوره:
– لا يهمني الأمر الآن.
ونهض.
في ذهنه ما يكفي لأن ينشغل به وليس هناك متسع لاستيعاب (اقتصاديات السوق) لن يذهب الى قاعة المحاضرات إذاً. وجد قدميه تقودانه الى نادي الكلية على غير رغبة منه. يريد تزجية الوقت حسب. استقبله خليط الثرثرة الهجين ورائحة الدخان مع ان الدوام لايزال في ساعته الاولى. انتحى  ركناً قصياً في النادي وادار ظهره نحو الباب. لا يريد لأحد من معارفه ان يقع بصره عليه ويأتي اليه ويفسد عليه عزلته ويزيد من تعكر مزاجه . قفزت صورة هالة الى ذهنه، صورتها وهي تبتسم ابتسامة ذات مغزى لغادة قفزت صورة غادة الى جوارها وما لبثت ان انفردت بذهنه، لماذا ابتسمت هالة تلك الابتسامة؟ هل كانت تعني ان غادة لم تكن صادقة فيما ادّعته؟ هل كانت تعني ان غادة انما افتعلت ذلك العذر لتوفر لنفسها خلوة مع ابن خالتها زياد؟ لقد رآها تهاتف أحداً ما عندما نزل من غرفته هذا الصباح وانتبه الى انها انهت المكالمة على عجل واعادت السماعة الى مكانها حين سمعت وقع قدميه. بدأ الاخر الذي داخله يتململ: هل يعود الى بيت عمه الآن لعله يرى غادة وزياد في خلوة توفرها لهما زوجة عمه؟ لو ذهب ووجد ان هذا حاصل فعلاً فسيسائل زوجة عمه.. يعاتبها ويلومها ويقرعها: لماذا تسمحين لزياد ان يختلي بغادة؟ ربما سيرتفع صوت احتجاجها: ولماذا تسمح لنفسك ان تختلي بهالة؟
لكن خلوته بهالة هي غير خلوة زياد بغادة. هالة ستصبح زوجته. هذه هي كلمة عمه التي لا كلمة فوقها، وزوجة عمه تعلم بذلك ولا تستطيع ان تفعل شيئاٍ. عمه لم يمنح زياد كلمة مماثلة، ولعله ليس على علم بما يربط غادة بابن خالتها حتى الآن، فكل شيء يجري من وراء ظهره وزياد هو غير سامي . انه ليس موضع اطمئنان. لا يدري لماذا يساوره شعور بانه يقف امام ثعلب ماكر حين يلتقيه او يقع بصره عليه. غادة هي غير هالة. في مستوى وعي هالة ونضجها ما يلجم أي احتمال لارتكاب الحماقات بخلاف غادة التي يشوب سلوكها التهور احياناً. انها ارض بكر لارتكاب الحماقات. لو انه كان قد استجاب لاغرائها لكانت قد أغوته منذ زمن. انها تحتمي بكونها آخر العنقود وقد جعل هذا الاعتبار امها تمنحها من رعايتها ما يفوق كل حد. في روح غادة ميل للمشاكسة مع ميل مواز للمرح، وقد تتداخل عندها حدود الممنوع مع حدود المباح من دون ان تشعر بحرج . يذكر كيف كانت يدها تمتد اليه وتداعبه في غفلة منه ويحمل هو ذلك على محمل البراءة والإحساس بروح الاخوّة، وقد يردعها حين تتمادى في ذلك، وقد يكون قاسياً معها مثلما حدث في تلك المرة التي تسللت الى غرفته  وليس في البيت من أحد سوى امها ووجدها أمامه وقد ادارت ظهرها اليه ورفعت ثوبها عن مؤخرتها وجلست في حضنه كأنها تعرض جسدها عليه. وتلك اللحظة استشرس الآخر الذي في داخله وامتدت يده – يد الآخر- اليها وصفعها فقفزت من مكانها وولت هاربة.
لو عاد الى البيت الآن لخرج على الوعد الذي قطعه على نفسه أمام عمه يوم امس واكده هذا اليوم . لن يذهب اذاً . اغمض عينيه وحلّق به طائر الخيال الى مدينته الصغيرة وفغمت انفه رائحة البساتين وشم رائحة أهله مختلطة برائحة التراب الندي، تراب الأزقة حين يبلله المطر. انها المرة الاولى منذ سبع سنوات التي يدهمه الحنين فيها الى هناك بمثل هذا الشكل الجارف. تراءت له وجوه احبته: وجه نجيب الكهلاني، ابيه الذي علّمه كيف يكون صادقاً مع نفسه ومع الآخرين. انه هو الذي أوحى له بان في داخل كل انسان ثمة (آخر) يعمل كرقيب، وها ان صوته يرن في اذنيه الان: (ان هذا الرقيب الداخلي مثل كابح السيارة الذي ينبغي الرجوع اليه في لحظات الخطر، وعلى كل واحد منا ان يحترم الآخر الذي في داخله). ودّ لو ان اباه يمد ذراعيه اليه الآن ويضمه الى صدره الحنون ليشم رائحة العرق الرجولي التي كان يشمها وهو صغير. وهذا هو وجه أمه التي عركها الزمن واحتلبت منه الصبر وارضعته له ولأخويه واخواته الثلاث. لو ان أمه هنا الآن لتمنى عليها ان تضعه في حضنها وتهدهده وتغني له بصوتها الحنون تلكم الاغنيات اللاتي كان يغفو على ايقاعها العذب عندما كان صغيراً، انه يحن الآن الى صدر امه حنين رضيع جائع، انه حنين الى زمن ضاع. ما الذي يعيده الى ذلك الزمن؟
يالها من مصادفة مدهشة! ان وجوه أهله تحضر كلها أمامه الآن: سلسلة من الوجوه التي تومض عيونها ببريق ابتسامات آسرة. هذا وجه أخيه علي الذي يكبره بعام.حين زار مدينته قبل اشهر رآه رجلاً بحق، وحين تحدث له عن عشّاق الشمس وجده قد تعرف عليهم قبل ان يتعرف هو عليهم، وان صلته بهم أمتن من صلته او صلة هالة بهم، وهذا هو وجه وليد: آخر العنقود. فتى يملأ العين وقد غادر طفولته في وقت مبكر. في زيارته الأخيرة لأهله ذكّر وليد كيف كان يحمله على صدره، فتعلق برقبته وهو يضحك والحّ عليه ان يحمله على صدره مثلما كان يفعل، فحاول لكنه لم يقدر. ومرت وجوه اخواته الثلاث مثل ثلاثة اقمار مضيئة. كلهن يكبرن وليد ولكن لوليد الفتي مهابة عندهن. رنّ في اذنيه صوت صغرى اخواته الثلاث(لماذا ذهبت بعيدا عنا يا سامي؟) هل من يد تستلّه من مكانه الآن وتقذف به الى هناك؟!
فتح عينيه وأحس بهما نديتين بالدموع. يالها من ايام تلك التي عاشها هناك. لأيامه تلك نكهة هي غير نكهة الأيام التي يعيشها في بيت عمه. ثمة مسافة شاسعة بين مدينة طفولته ومدينة شبابه . بيتهم هناك مفتوح للشمس والهواء وبراءة الطبيعة البكر، أما بيت عمه فمنغلق على نفسه: غابة من الحجر والاسمنت .  نهر مدينته ضيق لكنه آمن وكان يجرؤ على السباحة فيه، ونهر هذه المدينة واسع، مخيف، تنتابه رعشة غامضة حين يطل عليه من سياج الجسر من موضع تحدّبه.ان مدينته ووجوه احبته تجد لها حضوراً متدفقاً في ذاكرته الآن، وترن اصوات حبيبة في اذنيه فتجد لها صدىً في قلبه. يخيل اليه انه يشم رائحة اليفة فيسحب نفساً عميقاً كأنه يريد ان يملأ رئتيه بهذه الرائحة فيتسلل اليهما الدخان ويملأهما بالنيكوتين . لينهض اذاً.
نهض. الى اين يذهب الآن؟ الطريق الى مدينته مفتوح والوصول اليها يسير، والرائحة الحبيبة تشدّه اليها، ونداء خفي يهتف في اذنيه: تعال يا سامي.. تعال يا سامي.. فهل يذهب الى عالم مفعم بالبراءة يفتح ذراعيه ويضمه اليه؟
سار وكأن خطاه مشدودة في الاتجاه الذي يقود الى الطريق الذي يفضي الى مدينته. فجأة استفز روحه الحائرة رنين ضحكة هالة بجرسها العذب من اين جاءته هذه الضحكة التي بدت كأنها تدعوه اليها؟ تحسس خده في المكان الذي قرصته أصابع عمه وتذكر ما كان عمه قد قاله قبل ذلك. اين يذهب ويقضي ما تبقى من ساعات تفصله عن الموعد الحاسم؟ هل يرتاد مقهى؟ داراً للسينما؟ هل يتسكع في الشوارع الى أن تحل ساعة الصفر؟ في لجّة حيرته ومضت في رأسه فكرة: لماذا لا يذهب الى المكتبة العامة لعله يجد عزاءه هناك؟
* * *
ما إن وصلت حتى استقبلني صوت مساعدي:
– طلبك السيد المدير قبل قليل ياسيدي.
القيت حقيبة  أوراقي على المنضدة واسرعت الخطى الى مكتب السيد المدير، ما إن رآني حتى هتف بقلق:
– إجلس يا نسيم.
جلست وفي اعتقادي ان ثمة ما استجد من امور تطلبت حضوري امامه، كان يقلب اوراقاً بين يديه وسأل:
– ما الذي تم بشأن قضية (ع.ش) ؟
قلت إثر لحظة وجوم:
– ما زالت في طور التحقيق يا سيدي.
ـ  وهل توصلتم الى ما يجدي؟
– أمسكنا بطرف للخيط يا سيدي .
– وماذا عن مسؤولة الخط الثاني؟
– مازالت في حوزتنا .
– كن حذرا يا نسيم.  لا اريد ان يفتح باب للتقول علينا.
– اطمئن يا سيدي. لن اسمح بان يحدث هذا.
– ثمة من ينتظر فرصة مواتية للتشهير بنا.
– لينطحوا رؤوسهم بالحائط، اننا لا نفعل شيئاً مخالفاً للقانون!
قال المدير وكأنه يريد ان ينهي اللقاء:
– على اية حال، اذا ما بلغت نقطة حرجة بخصوص مسؤولة الخط الثاني، فيمكنك التصرف معها بالشكل الذي ترتأيه.
خرجت بقلب عامر بالامتنان من موقف السيد المدير . لقد اشعرني بأنه يمنحني حرية التصرف بها ، بمعنى ان افعل ما اشاء من دون ان اجد من يعترض طريقي.
دخلت مكتبي . اخرجت ملف قضية (ع.ش)  . تصفحت اوراقه وتوقفت عند اقوال عبلة منصور مسؤولة الخط الثاني. اعدت قراءة اقوالها ووجدت انها لم تبح بشيء يمكن ان يشفي الغليل حتى الآن على الرغم من كل ما فعلته بها. قلت لنفسي: (لأجرب مرة اخرى) وضعت الملف في حقيبة اوراقي وخرجت. كانت صورة عبلة منصور لا تفارقني وانا اقود السيارة في طريقي اليها، لكأنني وقعت تحت سحر خفي منذ رأيتها لأول مرة.
ها هنا اودعت عبلة منصور قبل ثلاثة ايام. اوقفت السيارة والتقطت حقيبة اوراقي وكأنني التقط شهادة ميلاد انسان وشهادة موته في آنٍ واحد.
هذه الضاحية لم يكتمل بناؤها بعد. بيوت متناثرة لايكاد المرء يجد بينها بيتين متلاصقين. انه مكان مثالي للعزلة، بغرفه التي اعدت بطريقة لا يتسرب الصوت فيها من جدرانها.
ارتفعت ايدي رجال الحرس بالتحية وهم بملابسهم المدنية. اخترقت الصالة الواسعة واجتزت ممراً معتما اوصلني الى الغرفة التي اودعتها فيها. باب موصد ومقفل من الخارج ومفتاحه في جيبي . هي في عهدتي ويفترض انني انا المسؤول المباشر عنها، وها انني احمل تفويضاً بالتصرف بها. اعرف انها لن تحتاج شيئاً حتى لو لم يفتح باب الغرفة لشهر كامل. طعامها يقدم اليها خلل كوة في الجدار، وثمة حمّام ملحق بالغرفة يلبي حاجاتها، فما الذي تريده اكثر من ذلك؟
ادرت المفتاح في القفل، دفعت ظلفة الباب الحديدي فصرّ صريراً مبحوحاً بدا مثل انين متوجع. رددت الظلفة واغلقت الباب من الداخل ولم يثر كل ذلك اهتمامها او لعلها كانت تتعمد ان تتجاهلني . كانت تستلقي على السرير وقد انحسر ثوبها وكشف جزءا من ساقيها ولم تكلف نفسها عناء ان تمد يداً وتغطي ذلك الجزء المكشوف من ساقيها، وربما شعرت  بلا معنى ان تفعل ذلك مادام بصري كان قد ترك بصمته الوقحة على كل جزء من جسدها من قبل، لوحت لها بالملف الذي اخرجته من حقيبة اوراقي فنظرت اليّ والى الملف بازدداء. قلت وانا اهز يدي بالملف:
– هذا هو ملف قضية (ع.ش) الذي يتوقف عليه مصيرك!
اشاحت بوجهها عني وهي تغمغم:
– لماذا جئت؟
– لأطمئن عليك، مع انني اعلم بانك لست في حاجة الى شيء!
قذفت في وجهي ضحكة ساخرة اثارت استفزازي فصحت بها:
– هل ينقصك شيء؟
ظلت صامتة، تنظر الي بعينين بدتا كأنهما تريدان التهامي فواصلت القول:
– طعام يقدم في اوقات محددة.. سرير وثير.. حمام تحت الطلب.. فما الذي ينقصك ؟
ضحكت وقد تطاير شرر سخرية مريرة خلل ضحكتها. صمتت قليلا وما لبثت ان خرجت من قشرة صمتها:
– اما الطعام فانه يرمى الي مثلما يرمى عظم الى كلب مهجور، واما السرير فهو لراحتك فانت لم تكن تريد ان تحتك ركبتاك بخشونة ارض الغرفة الصلبة وانت تقوم بزيارتك الوضيعة الى جسدي.. الحمام لخدمتك هو الآخر فانت تريد ان تزيل اثار وقاحتك فيه.
حاولت ان اكبح جماح غضبي:
– لا تكوني قاسية الى هذا الحد، لقد جئت لمساعدتك.
انتفضت صارخة:
– ما الذي جئت تساومني عليه هذه المرة؟ لم يعد ثمة ما اخاف منه او عليه، اذا كنت قد جئت لتكرر فعلتك فلا حاجة للالتواء.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هاني متي  : إلى أين أمضي بنفسي ؟ .

وقالت لي نجوم الليالي التي ترقبني ، وتحرسني ، وتحدثني من العلى : -هل جاءك …

| د. عاطف الدرابسة : قلتُ لها .

قلتُ لها :   أنثرُ رؤايَ وأفكاري بين الكلماتِ ، كأنَّني أبحثُ عن الخلودِ في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *