صالح الرزوق: المغامرة الروائية لعالية ممدوح: قراءة في كتاب للدكتور حسين سرمك حسن

صالح الرزوق

يبدأ الدكتور حسين سرمك حسن مع عالية ممدوح من نقطة المكاشفة مع ذاتها الابداعية المتخيلة. ولمزيد من التحديد من صدوع ذات الشخصيات الفنية في روايتها “الولع”. وربما كان يحدوه لهذا الاختيار سببان:
الأول أن الرواية سبقت حصول الكاتبة على جائزة نجيب محفوظ، وهي جائزة لكل الناطقين بالعربية. وإذا كشفت على سجلاتها تلاحظ أنها ليست منوعة وإنما متخصصة. وتمنح أوسمتها لأدباء ينتمون عيانا وجهارا للمرحلة للثالثة من حياة محفوظ وهي مرحلة النوفيلا الحديثة. وهذا أحد المعايير التي تنطبق على كل مؤلفات الكاتبة. فهي تباشر من نقطة القطيعة مع الذاكرة الفنية،وتدخل إلينا من باب ما بعد الحداثة.
فالشخصيات مكسورة. والمحتويات غير متطابقة مع المضمون. والفكرة المركزية (الرغبة المقيدة) بلا محور عضوي. و النموات الجانبية الخبيثة تخنق نقطة المركز أو النواة.
السبب الثاني أن الرواية أرست ملامح مشروع الكاتبة. فهي ثالث عمل لها. وتبعها مجموعة أعمال متميزة لا تختلف عنها بشيء. ولا أستثني من هذه النقطة غير “حبات النفتالين”، فقد سبقت “لولع” بالصدور، وتبدو لي وكأنها رواية عائلية. البطل فيها هو المدينة. وأحوال المجتمع سباقة على الحالة الوجودية للأفراد. بتعبير آخر: المكان يعلو على شخصياته. والتفسير التاريخي للظواهر الاجتماعية يسبق الاهتمام بالدوافع.
وغني عن القول أن الحركة الروائية في كل أعمال عالية ممدوح انطباعية، تتطور في نفق معتم، ودون توفر أي شاهد على ما يجري. ولذلك أنت مضطر للتسليم باعترافات ومكاشفات الأشخاص. وهو أسلوبها أيضا في روايتها “المحبوبات” التي حصدت الجائزة وجاءت بعد “الولع” بـ 10 سنوات. إلا “حبات النفتالين” فأنت تعاين الأحداث والتطورات ولا تسلم بها. ويكون لديك ملء الحرية للتكهن والتدخل أيضا بتفسير مصير الأفراد. وقد برر تخطيط الروايات بشكلها العام للدكتور سرمك أن يضع عالية ممدوح في زمرة أدباء اللاشعور. ويقول عن ذلك: إن إنسانها يرى الأشياء بعين لا شعوره.
ويضيف: وهو كائن تبريري وليس منطقيا كما تدعي الفذلكات الفلسفية.
و بودي أن أتوقف عند هذه النقطة قليلا.

متى كان الإنسان بسيطا ومسطحا لهذه الدرجة، ويقبل التلخيص بمحور واحد من محاور بنيته المتشابكة التي تلعب بها مجموعة من الظروف، حتى أن مراحل نمو الطفل تختلف بين بياجيه وفرويد. وهناك من يضيف لذلك فترة الحياة في رحم الأم. وإن فكرنا بطريقة سليمة أجد أن الفلاسفة أخطأوا وأصابوا بنفس الوقت. فحقيقة الإنسان متعدية، وهي في ما لا يريد أن يقر به، وهو لا شعوره، وما تبقى ماكياجات وتحوير وتصعيد وسلوك يتبدل حسب القانون المتبع، أو ما يسميه أحد أعمدة التجديد في الفكر الوجودي الإسلامي المعاصر، وهو ماجد الغرباوي، فعلية الموقف. بمعنى ضرورته الوظيفية. وعلى هذا الأساس يمكن اعتبار روايات عالية ممدوح، كما تفضل الدكتور سرمك، شهادة عن الحالة المهينة للمرأة والتي تتدخل بتشكيلها النزوعات السادو/ مازوشية. فهي لا تكتفي بالتشهير بأسباب الاستسلام لطغيان مبدأ الذكورة فقط، وإنما أيضا تكتب مرثية لإفلاس العقل الكلاسيكي في توثيق وتصوير التطورات الأخلاقية للأساليب. ومع أن هذه النقطة لها علاقة بخيارات الكاتبة الفنية فهي أيضا تعكس مأساة النافذة المسدودة على عالم الداخل والتي تعاني منها بدايات الفن الروائي سواء ذات الاتجاه التاريخي أو ذات الاتجاه الواقعي. وكلا الشكلين في الحقيقة ينتمي لوضعية فنية واحدة يغلب عليها الانتقاء والتستر. وهذه الحالة تشبه الخدعة التي يرتكبها بطل “الولع” حين يمارس الحب مع زوجته، فهو يغمض عينيه أثناء ذلك أو أنه يقوم بواجبه الزوجي في الظلام.

وأعتقد أن هذه العبارة تضع المرأة بين المطرقة والسندان، تواطؤ الرجل مع عالم الظلمات من ناحية، والاكتفاء بالضرورة من ناحية. وأرى أن الدكتور سرمك برأ هذا الرجل البطريركي (فهو زوج لأربع نساء) من حيث لا يدري. لقد جعله مكشوفا وضعيفا أمام نفسه، وخاضعا لدوافع لا يمكن أن يفهمها إنسان عاقل كما ورد على لسان الدكتور سرمك نفسه. إنه مضطر لهذه العلاقة، وهو لا يشبع من خلالها كل حواسه، وبينها حاسة البصر. وأن يفقد الإنسان بصره يعني، بلغة فرويد، أنه تحت تأثير مدمر لرهاب الخصاء. وهكذا يتحول هذا الغول المفترس إلى انسان مسكين فقد عضوه أو رجولته.
والحقيقة أن الأب / البطريرك يسلم صولجانه في كل عالم عالية ممدوح أو يتخلى عنه طوعا أو كرها. ويكفي أن الشخصية الأولى مصعب في رواية “الولع” مثلي، ويبرر ذلك أن حب الغلمان يحرره من غشاوة الماضي. ويمكن قراءة ذلك أنه يريد أن يتحرر من المعنى الأسير للرجولة، وإيداع القضيب في فرج أول امرأة تصادفه، ولكن هل فعلا نجح في ذلك؟.

عالية ممدوح

طبعا فشل بهذه النزوة التحريرية (إن شئنا أن ننظر إليها بهذا المعنى)، وبقي أسير جسد المؤسسة، وعاد بعد أن غادر السرير ليتكلم عن القومية العربية وبعث الأمة. و يبدو لي هذا الهذيان أقرب لمنطق الدوران حول الذات، كلما حاولت أن تكسر القشرة تسقط في حفرة الأب أو في قبره مجددا لتعيد الكرة مع عالم السأم الوجودي الذي يختبئ وراء ذاكرة وتاريخ الأموات. وهو ما تكشف عنه عالية ممدوح في روايتها “غرام براغماتي”. وهي رواية تدعو أبطالها لارتداء تفكير شخصية واحدة بضمير المتكلم، وهو ضمير افتراضي لا يحيل لأحد ولكن يخترع نمطه.
وهنا أرى نفسي مضطرا للوقوف مع فكرة ثانية للدكتور سرمك. أن بطلات “الولع” تبني للأب تمثالا أو صنما تستعير كل مادته الأولية من اللاشعور. والحقيقة أنهن تمتنعن عن اقتراف أي نشاط تجميلي، وتساعدن القارئ على اكتشاف مكامن الضعف في الوضعية الرمزية للأب، وفي نفس الوقت على اكتشاف مصادر البطولة والجرأة المدفونة في خبايا اللاشعور. واختيار أسلوب المونولوجات والاعتراف هو أبسط مبدأ من مبادئ فتح النار على تصعيد الأنا أو تصنيم الأب. يبدو الأنا الأعلى في “غرام براغماتي” بموضع الأنا الأدنى لأنه دون هوية موحدة. وبطلا العمل (المذكر والمؤنث) بنصف ذاكرة. أحدهما نصف فرنسي والآخر نصف بريطاني. ومثل هذه الهجونة لا تساعد على ترسيم الحدود بل على تبرير الشخصية الكوزموبوليتانية أو على تطوير ما يسمى بالحدود السائلة. وهذا ينسجم تماما مع فكرة الدكتور سرمك أن بعض الشخصيات تساعد على تكثير الولاءات. وهو ما يساعد على تخفيف الرقابة المعاقبة (والمصطلح للدكتور سرمك) وتمرير لعبة (الإنقاذ) بتعبيره أيضا. وهنا لا بد للإنسان من أن ينتبه لهذا التقابل الطباقي، استعمال سلطة الرقابة مقابل لعبة الإنقاذ. ألا تفهم من ذلك أنه يقدم العقوبة على المكافأة والتورط على البراءة؟؟. وألا يعني ذلك أن القراءة كلها تفترض باللاشعور وجود ذنب يستحق الجزاء؟. مثلا تمزيق صورة الأب الإله والهجوم عليه بأدوات ومطارق الكتابة الحديثة التي تنتمي لجيل الأحفاد وليس فقط الأبناء. ويعبر مصعب (زوج الأربعة) عن ذلك بقوله: أنا لا أعرف إلا… الشجار والموت والخبال. ثم يقول عن زوجته التي تتكافأ معه بهذه الروح القتالية: وندري أننا يطرد أحدنا الآخر من روحه.
وهذه صيحة إنسان مظلوم يريد لنفسه أن يتحرر من عبودية الغريم أو الآخر. وأقرأ في مثل هذه الخصلة نوعا من تجريد الرجل من سلطاته مع تبرئته من كل ما يترتب عليها. ولا أنسى هنا اتهام مصعب لزوجته الثالثة هدى أنها ربما خلقت رجلا، وكأنها تحمل رشاشا خلال الجماع وتريد إطلاق الرصاص على رأسه وكل أرجاء جسمه. وبلغة فصيحة هي من تخترقه وليس هو.
وهنا نعود للعبة تبادل المواضع. إذا كان مصعب يغلق عينيه وهو يهم بالتقبيل والولوج، هي تفتح عينيها على آخرهما لتشاهد تخبطه فوقها. إنها غير هيابة من هذا الولوج الناقص. وبالعكس فهي من تخترقه بأشعة عينيها وتفضح أسراره وعريه الكامل والنهائي. ويتوافق هذا الكلام مع اتهام عمتها لها أنها مثل الرجال.
ويدفعها ذلك في النهاية لتسأل نفسها: هل أنا رجل حقا؟.
ولا داعي لاستكمال بقية الكلام. أنها ربما مثلية، وأنها تريد أن تكون على ما هي عليه. وهذا اجتراء على فكرة حدود الصور والواقع وترقية لمفهوم الأنوثة لمرتبة الجندر (الجنوسة). أوبتعبير جوديت بطلر: صعوبة فصل المعايير عن طريق توظيفها. وبعبارة أوضح: تمثيل الواقع بنتيجة الخطاب الذي نفرضه على الموجودات.
وبودي أن أستفيد من إشارة الدكتور سرمك للمثلث الغرامي في حالة هدى ومصعب وصبيحة. فهدى تعتقد أنها حين تطبع قبلة على شفتي زوجها مصعب إنما تقبل في حقيقة الأمر شفتي صبيحة ضرتها. وهذا لا يعني أن المرأتين تتشاركان هذا الرجل، ولكن هما تفترسانه، وتنظران له كقيمة غائبة أو في أفضل الأحوال كوسيط لممارسة الحب المثلي. وهذه نقلة نوعية بالمثلث الغرامي الذي وضعت أسسه الرواية الفرنسية من خلال سلسلة أعمال قصيرة لكوليت ودوبوفوار وساغان. إن وجود عشيق أو عشيقة يؤدي دورا متبدلا يؤثر بالواقع النفسي للثوابت الاجتماعية، وإن أخذ على سبيل المثال شكل غرام بين الحضارات في أعمال دوبوفوار، فنساؤها تعبرن المحيط من القارة الهرمة إلى العالم الجديد لاكتشاف فرص ومنافذ إضافية للحياة، فهو عند عالية ممدوح محاولة لتدمير الواقع بمذبحة مخطط لها ترتكبها ضد االذكور. ولا أرى نتيجة لهذا السيناريو غير الطموح باستعادة المرأة المقدسة لعرشها. ولا أعتقد أن وراء مثل هذه الاستيهامات والتخيلات أي رغبة بالخيانة كما هو حال الرواية الفرنسية الوجودية التي ظهرت في الخمسينات. وإنما هي رغبة بالاستيلاء على ممتلكات الزوج أو رغبة واضحة بنحره. وتستطيع أن تجد هذه الظاهرة في رواية “نزيلان بالأجرة” للبريطانية سارة ووترز. فالحبكة تقوم على حب بين ابنة سيدة البيت وزوجة جارها، وخلال هذه العلاقة السرية التي يحيطانها بالكتمان (لأسباب تاريخية واجتماعية أو ما يسمى علميا قانون الأب) تقتل المرأة زوجها. وتبدأ مرحلة النزاع بين العشيقتين على تصور مستقبل هذه العلاقة، وما يتخللها من شك وتجريم للذات. ولكن مشكلة ووترز أن حربها ليست ضد مطلق معنى الأب، فهي رواية كلاسيكية تتكون من مقدمة وحبكة تتصاعد وتيرتها بشكل دراماتيكي حتى تصل لنهايتها السعيدة. ويمكن تلخيص ذلك بافتراض تجريم الرجل لأنه استحوذاي، وتبييض صفحة المرأة لأنها مانحة. بينما في حالة عالية ممدوح يصل تكسير الأصنام لكل شيء، وضمنا صورة التقاليد الأبوية وهي بنية الرواية. وعلى هذا الأساس لا يمكنني أن أذهب مع الكاتبة: أن سلوك شخصياتها يدل على ولع مستميت بالرجل وعالم الرجولة، ولا مع ناقدها أن هذا التفكير هو ولع قاتل وفتاك. وإنما برأيي هو نتيجة تداخل ميول غير طبيعية ضد الطبيعة. إنها من جهة تعمل على التكاتف ضد الزوج وتطهير العالم من صوره بكل أشكالها: العاشق وعميد الأسرة ومخصب النساء. ومن جهة مقابلة تضع حدا لمشكلة زنى المحارم أو عقدتها الأوديبية. فهي تتخلى عن فكرة عشق الأم لابنها والدخول معه بعلاقة غير شرعية هي الجنس الفموي (حتى أن مبدأ رعاية الأم لأبنائها هو ترميز وحجاب يستر الميل الغريزي). وأخيرا هي محاولة لتشيء الرجل وتحويله لمرآة ترى بها نفسها أو ضرتها المشابهة المختبئة داخله سواء من الناحية المادية أو الخيالية.
ولا يوجد هنا ضحية غير الأب وقانونه المسؤول عن مشروع الزواج الداخلي أو زواج المحارم. فعلاقة الضرتين تعيد تركيب العلاقات على أساس الزواج الخارجي ولكن بين المثيلات. ولهذه اللحظة لم أقرأ لكاتبة عربية تغدر بالرجل مثل عالية ممدوح. حتى أن رائدات الحداثة (ذوات الأظافر الطويلة: الثلاثي غادة السمان وليلى البعلبكي وكوليت خوري) لم تحتكرن العالم من أجل جنس وجندر المرأة. كانت أعمالهن المبكرة حافلة بالميول الانتحارية والطيش وتجاوز الحدود. وبلغة أبسط هن إصلاحيات وليبراليات. لديهن اهتمام معرفي بمشكلة الجسم الناقص أو الجسم الحاضن بقوة الطبيعة لعضو التذكير (الإيلاج والحمل). فالابن والابنة كلاهما عضو ستدخل به المرأة هذا العالم، وتملأ فراغاته بإضافاتها. وفي “بيروت 75” لغادة السمان تغزل بصري بالرجال المثليين. ربما على افتراض أن الرواية كفيلة باستيعاب كل التناقضات وكل النمط. أما في حالة عالية ممدوح فالمشكلة هي في إلغاء المحرم وإباحة الطوطمية المثلية. وفي أعمالها إلهات تحتكرن كل أدوات الخصوبة، ومن بينها الرجل الذي يؤدي دوره بعملية إزاحة رمزية.
وهنا أنا مضطر مجددا لاستعارة اقتباسات الدكتور سرمك والتي كلها تؤكد على حقيقة واحدة: أن “الولع” رواية تدميرية موجهة لإبادة الرجل من وجه الأرض مثلما فعل الفيلم المشهور “كوكب القردة” الذي أباد البشر أو وضعهم عبيدا في مملكة يحكمها قرد.
من ذلك قول الأب لابنه زياد: أمك أنجبتك لأنها أرادت تحقيق أنوثتها.
وقوال وداد، وهو أشبه باعتراف: إن هدى من ربتت بيدها على كتفي وشعري وليس مصعب.
واستعمال رمزية اليد، في هذا السياق، لا يخلو من اندفاعة لاشعورية للتنويه بالاحتلام يدويا أو اكتفاء المرأة بنفسها وبصورها لتبلغ منتهى اللذة. في حين أن الرجل هو الحاضنة لأدوات الإنجاب فقط. حتى فعلية الإنجاب، وقبله الحمل، كان من خصوصيات المرأة، ودور الرجل يقف عند مستوى لمسة الدبوس أو التلقيح. وهل هناك ما هو أبلغ من هذه الإهانة؟..
وينقل الدكتور سرمك أكثر من 10 سطور من ص 31 من الرواية وفيها تغزل قل مثيله بيد المرأة وإمكانياتها المدهشة: كاللذة والرشاقة والجمال. وفوق ذلك كله الحقيقة. وتغتنم هذه الفرصة لتقول: هناك ممر سري بينك وبين جسمك. ادخليه وحدك.
وهذه الفيتشية تتكرر كثيرا في كتابات النساء. ومن الأمثلة الحديثة على ذلك قصة “الأيدي” لريبيكا غولد. وهي هجاء لأنظمة المشرق الدكتاتورية. فاليد أحيانا أفصح من اللسان كما تقول هدى لبثينة في “الولع”. ثم هي أداة الكتابة، أول تعبير عن القانون الأوديبي المعكوس لأن النص موجه من امرأة لامرأة، وليس لكل القراء.
***
ويتابع الدكتور سرمك قراءته الفرويدية مع “حبات النفتالين”. ويتوقف عند الأسلوب وسلوك الشخصيات (أو المضمون النفسي لكل شخصية). ويصل للنتيجة التالية: أن الروايتين من بنية واحدة، وبطلة “الولع” امرأة راشدة لكن بطلة “حبات النفتالين” طفلة. وفي الحالة الأولى تحضر الشخصية ذاتها لكن في الحالة الثانية يجب أن نتوقع حضور المؤلفة التي تقوم بترميم الفراغات والفجوات الموجودة في وعي الأطفال. ومع ذلك هذا لا يحجب عنا حقيقة الاختلاف الفعلي والملموس بين وعي المؤلفة لشخصياتها في العملين. كانت سياسة عالية ممدوح في ”الولع” فينومينولوجية، وقد تركت لبطلتها حرية التعبير عن مكنونات ذاتها، كلما انتهت من تعرية طبقة تعمل على الحفر عما يأتي بعدها. لكن في “حبات النفتالين” سمحت للواقع الاجتماعي أن يعتني بنفسه. وهذا برأيي يدل أن يديها كانتا مقيدتين لكن عيناها مفتوحتان. وحتى الدكتور سرمك أبدى عدة ملاحظات ذكية عن اهتمام عالية ممدوح باليد في “الولع” وبالبصر في “حبات النفتالين”.
ولذلك الأولى ذات نشاط نفسي، والثانية ذات نشاط بصري. وكان الرادار هو الذي يسجل على شاشة المعايشة نشاط الشخصيات دون أي تدخل من صوت الكاتبة الخاص. اللهم إلا إذا استثنينا الانتقاء. فترتيب الأحداث له دلالة أو معنى أيضا.
وبطريقة غير مباشرة استطاع الدكتور سرمك أن يكشف عن بنيتين متكاملتين في “حبات النفتالين”.
الأولى سياسية. وتلعب على نغمة الخلاف االتقليدي بين العراق وسوريا. ويكفي أن الرواية اختارت أن يكون الأب من العراق والأم سورية. وحسب الحبكة تتعرض في بيتها الزوجي على مرأى ومسمع من أبنائها للعذاب والمرض ثم الطرد حيث تهلك ثم تموت في بلدها سوريا. السؤال الآن: هل هذا مفتاح لا شعوري أصيل يعبر عن رواسب نائمة في القاع النفسي لعالية ممدوح، أم أنها زلة قلم غير ذات أهمية؟؟.
لا أستطيع أن أبت بذلك. بالعادة كانت الرواية تختار للذكور عروسا أوروبية أو من بلد له مدلول سياحي مثل لبنان أو مدلول فني وثقل تاريخي مثل مصر. ولكن هذا غالبا في أدب الرحلات، وليس في رواية تدور حبكتها في الشوارع والأزقة الشعبية.
البنية الثانية اجتماعية. وتعزو للأب دورا مهينا وذليلا حتى أنه يتعرض لعقوبة الطرد من البيت بعد أن تزوج من امرأة ثانية. (بالمناسبة هي أم قضيبية أيضا / لأنها ممرضة عوراء ولها دور رعاية ووحيد الجانب بسبب هذه العاهة الفاضحة). وتوجد عدة قرائن على تذكير المؤنث. فالبنت تقول: كان أبي على قياس بدني تماما. ويقابلها عدة مؤشرات على تأنيث المذكر. فالأب يقول لابنه وهو مخمور: لما أضرب أختك أبكي وأنا بالقطار.
ولا يغيب على ذكاء أحد هذه المفارقة. أن الدموع سلاح المرأة، وأن الندم ليس من أخلاق الرجل / الرجل (التعبير يستعمله كاتب ذكوري هو حنا مينة. وربما كان متأثرا بشخصية زوربا اليوناني لكازانتزاكيس، والتأكيد يفيد تخصيص التخصيص أو معنى الفحولة – بمعنى قوة الأخلاق والبنية النفسية أو العنتريات). وتقول الجدة عن الأب: إنه تحول بعد حادث مؤسف من شجاع مثل السبع إلى إنسان يخاف من خياله. والخوف هو أقسى عقوبة يمكن أن تلحقها برجل بعد الطرد. وهذا يعني أن الأب المتسلط كان في حقيقة الأمر يحمل عارين: فقدانه لشرفه (أرضه – بيته) وفقدانه لمضمونه (شجاعته).
ثم تقول البنت عن أخيها: إنه بوال. وهذه إهانة ما بعدها إهانة للمذكر. أو بتعبير آخر هو مسخ لعضو الذكورة وإهانة له.. وفي النهاية تجد نفسها هي من يجلس على العرش، وتقول بصراحة ودون خجل: أنا أيضا ولد.
وقد حالف الحظ الدكتور سرمك حين وضع الروايتين بمرتبة واحدة. فكلتاهما تسلطان عقابا من الإلهة الأم على الأب المتكبر. وكلتاهما تبشران بما لا يترك مجالا للارتياب بمجتمع أمومي، وحيد الجنس، يشغف بنفسه. (ودليله على ذلك في “حبات النفتالين” مشهد الخالتين وهما في أحضان بعضهما بعضا وراء باب مغلق).
وتأخذ هذه الملاحظة بيد الدكتور سرمك ليرفع ستارة أخيرة عن الواقع المؤسف لبلاد الحضارات الميتة. فهي حضارة أبوية من أب غائب وغير موجود، أو ميت، تغطيه طبقات من الظلام والتراب. ومثل هذا الأب المدفون في أعماق الإهمال سوف يترك الباب مفتوحا لمزيد من العبث والقلق والعلاقات المريبة أو غير الموثوقة، وفي مقدمتها إقدام الأم على نحر الأب واحتلال مكانته، ومباشرة علاقة تواطؤ مع الابن. والحقيقة أن هذه هي مهمة أو فلسفة الحداثة المتخلفة في بلادنا. فهي حداثة لا تخلو من رومنسيات متدهورة أفل وقتها غير أنها تقدم لنا الوقود اللازم لمتابعة نمط حياة قديمة بمكياجات معاصرة. ويمكن أن تلاحظ مثل هذه الظاهرة في آداب العالم الثالث، وبالأخص إذا كانت في موضع مجاور للحضارة الصناعية. بهذه الطريقة تتجاور الحقيقة الحضارية مع تزييف وعينا بالتحضر. ولذلك تتبدل العلاقات الاجتماعية من تحرير للروح وطاقاتها المستلبة بسبب ضغط دورة رأس المال وابتزاز العمالة العاطفية (بمعنى الجهد الاكتنازي للروح) إلى خيال أوديبي عن مرحلة قبل أوديبية. وبهذه الطريقة يمكن تبرير الدعارة والمهدئات كما لو أنها ضرورة وجدانية أو ردة عاطفية. ويصبح البغاء مشروعا لأنه يأخذ شكلا أسريا أو نفعيا مثل تعلق الولد بثدي أمه. حتى أن الاغتصاب هنا يكون بمثابة إرضاع أو افتراس مباح. ويبدو لي أن نموذج “ذاكرة غانياتي الحزينات” لماركيز و”شيطنات الطفلة الخبيثة” لفارغاس يوسا هما الأقرب جوهريا لكل مبررات عالية ممدوح لهذا اللون من العائلة غير المقدسة (ومثالها مجموعتها القصصية “هوامش إلى السيدة ب”) حيث تأخذ البغي صورة أم واهبة ومانحة أو أرملة ترعى ابنها الناضج بعد رحيل والده الضعيف والمنكسر). وكذلك حالة هدى ووالدها في “حبات النفتالين” حيث أن الصورة لا تبدو أصلية ولكنها منحولة من عقدة جوكستا. فالأب يكون هو الابن الراشد والأم هي زوجة الأب الميت. وتأخذ العلاقة بين الطرفين ما يشبه حالة “لوليتا”. وأعتقد أن الحكمة المرجوة من مثل هذه التمثيلات (بالمعنى البلاغي لمصطلح إدوار سعيد بعد تشذيبه من خلفياته الاستشراقية) تدل على الانحرافات المؤسفة في سلوك الروح نتيجة لظرف استثنائي وهو الخروج من حرب والدخول في حرب بعدها. فالابن في حالة الطوارئ لا يحتل مكانة الأب ولا ينوب عنه، ولكن يبدل من طريقة دورانه حول المعنى البيولوجي للمرأة الأم، وتكون هي الأرض، وهي المستقبل، وكل الاحتمالات الممكنة بالحنان والرعاية والإشباع وتعويض النقصان. ولذلك تكون صورة المومس في كتابات عالية ممدوح مثل صورة الأم. يرتسم التعب على وجهها، لا تعرف الفرح، ودائما تسبح بالصمت والوساوس (كما نقل الدكتور سرمك عن قصتها “عدن الجحيم”). وكيف لا تكون كذلك؟. حتى وإن كان الموضوع لا يتعلق بحساسيتها الميتة تجاه الشرف، فالمشكلة هي بجثمان زوجها المدفون في حياته ومماته، وبتبعات وجود ابنها واحتياجاته العاطفية والمادية. ويمكنني القول إن الأحزان والكد هما زوادة المرأة – الإلهة – الأم في كل كتابات عالية ممدوح.
وتبقى نقطة إضافية عن ضمور عضو الذكورة في رواية “التشهي”. وقد نظر الدكتور سرمك للمسألة على أنها تعبير عن فلسفة ثابتة عند عالية ممدوح في الطرح والطرح المضاد. فالمشكلة كانت تستدعي من المريض أن يبحث عن علاج. وهذا يضعه قبالة طبيب معالج له مهام أو وظيفة مختلفة. و أنا مع الدكتور سرمك في هذا التفسير. لكن أسلوب الطبيب المعالج (حسب الرواية) قدم برأيي للمريض عينا ساحرة لينظر بها إلى طبيبه. كان الاثنان مثل غريمين، يتبادلان استراق النظر لمكوناتهما، المريض ليعري طبيبه من حمولة أسراره. والطبيب لينبش في مخزون مريضه عن السبب. وربما هذا هو ما يميز عالية ممدوح عن غيرها. فالمشكلة سبق أن عالجها شكيب الجابري مؤسس الرواية السورية الفنية في “نهم”. وبعده نجيب محفوظ في “السراب”. غير أن الاثنين استسلما لعجزهما دون قيد ولا شرط، وربما قبلا به دون أي دراما، بلا ممانعة. لم يكن هناك ثقب وجودي لنسترق منه النظر للآخر والمعاكس. وهذا يضع الروايتين في علبة ورواية عالية ممدوح في علبة غيرها.
و لمزيد من الإيضاح. كان بطلا الجابري ومحفوظ عرضة لعقاب على خطأ أساسي، ولم تكن لديهما أية نية بالتبرير ولا المقاومة. وربما لهذا السبب كان البطل رجلا مغرورا بنفسه، ولديه حياته الخاصة التي سيثبت له عقمها أمام حركة المجتمع السريعة. في حين كان بطل التشهي (وهو سرمد) إنسانا بعزيمة، استغل فرصة ضعفه ليكتشف نقاط الضعف عند الآخرين. وهذا وحده يفسر لماذا استعمل محفوظ والجابري ضمير المتكلم (أنا) بمعنى هو. فقد كانا يعبران بمنتهى العقلانية عن جنون وعربدة الوعي الباطن الذي يصعب التحكم به أو حتى مهاجمته وتقييده. بينما كانت عالية ممدوح تضع الطرفين الواحد أمام الآخر مع إمكانية بالتحويل (اختار الدكتور سرمك مصطلح الأطروحة أو الطرح). لقد كان هو ينظر لنفسه من خلال صورة أناه المنفصلة عنه، وهذا ليس سلوكا غريبا إن اعتمدنا فكرة هيدغر عن الموجود والوجود هناك. ويمكن بكل سهولة أن تبرر بهذه الطريقة فنية رواية “التشهي”. فقد كانت تلجأ للحوار بلغة شعرية وكأن المتحاورين من بين الشعراء وليس مجرد أشخاص وظيفيين، لكل منهم مصطلحاته وقاموسه. وبتعبير آخر: لا يمكن أن تعزل جماعات خطاب في “التشهي”، وإنما يمكنك أن تتابع أثر سقوط الحجرة في الماء. إن ما نراه ونسمعه في “التشهي” هو غير ما يعتمل في داخل صندوق الشخصيات الأسود.
هل يمكننا القول إن عالية ممدوح قدمت مثالا عن رواية سوداء تزيد من حيرتك بعد أن تنتهي منها، بينما التزم الجابري ومحفوظ بنمط الرواية البيضاء؟؟. تقريبا أريد أن أصل لهذه النتيجة.
إن في روايتي الجابري ومحفوظ عظة أو تلميحا بعقوبة مقررة سلفا، وتستهدف الرجل دون المرأة لأنه رب الأسرة أو صاحب اليد العليا أو زعيم القطيع. في حين لا يوجد أي درس أو حكمة في رواية “التشهي”. وكانت وظيفتها مختصرة (مثل بقية أعمال الكاتبة) في متابعة أحوال الشخصيات، وهي غالبا عشوائية، لا يمكن التكهن بها، ومحرومة من إمكانيات عقد هدنة. وكما يقول الدكتور سرمك: اختفاء عضو سرمد هو خلاصة سلسة عمليات اختفاء سابقة عاشها في حياته، وقادته لإنكار نفسه أو لملاحظة كيف أن حركة هذا العالم الجائر تقوده لإخفاء الأفراد وإلغاء خصوصية أي إنسان. بينما ينظر الطبيب (الشخصية الروائية) للمشكلة على أنها مسألة عضوية وفنية، فالعضو المصاب تخلص من صاحبه، وهذا يعزز مشاعرنا بالخوف من الموت وخصاء الحضارة.
وبهذه المناسبة لا يسعني أن أغض الطرف عن الحقيقة التالية: أن الشخصية رقم 1 في “التشهي” ليس البطل المتخيل، ولكن الروائية المختبئة. إنها تحقق للدكتور سرمك رغبته وتحليله الثاقب وتختفي عن الأنظار ولكن تسمح للبديل المأزوم والمأسوف على فحولته وشبابه أن يحتل خشبة المسرح. بمعنى أنه لا يوجد تطابق بين الصورة والمعاناة. بالضد من حالة الجابري ونجيب محفوظ. الأول يضع بطله بمواجهة مع الحضارة الغربية وأخلاقها. والثاني بمواجهة مع ماضيه وذاكرته.
وحتى تكون الفكرة أوضح. كان بطل “نهم” نموذجا لصدام الأخلاق مع دورة المعرفة والحضارة. ولذلك هو كائن ذهني، من بنات ذهن الكاتب، أو بالأحرى من نتاج نمط ابن المدينة الذي له مكان في شجرة عائلته. بالمقابل كان بطل “السراب” رمزا لعدم التأقلم مع مستجدات الواقع، وعدم القدرة على تحمل المسؤولية، واختيار الماضي وفردوسه الشخصي، أو ملاذه المتخيل بكل ما يتضمنه من توهمات ورغبات يصعب تحقيقها. لا يمكن أن تقول عن “السراب” إلا أنها رواية الجيل الضائع والخائب. وهي أيضا حكاية الأغصان المسلوخة من شجرة العائلة. بمعنى من المعاني هي رواية عائلية لكن تتابع أخبار فرد واحد منها، أو أخ واحد من الأبناء العاقين الذين فقدوا مكانتهم بالتبادل. والابن هنا ليس له مكان لا في أحضان الأم ولا في بيت الأب. وهو متردد بين الشعائر والطقوس، وبين الحرية المزيفة والمزعومة التي يستمدها من الانطواء على ذاته وتخيلاته. في حين يستمر سرمد بطل “التشهي” بنزاع مع حقائق من الدرجة الثانية. وحقيقة أنه مترجم تعني بالضرورة أنه مرآة لغيره، وأن الأصل مختبئ وغير واضح. ويمكن أن نفهم من هذا الاختباء أن الموضوع الأساسي للرواية هو عورة البطل. فالعورة شيء مفروض عليه الاحتجاب. وإن أضفت لذلك إقباله على الطعام يمكن أن تفهم السياق الأساسي للسيناريو ككل، وأن الحبكة تتابع تعقيدات آدم، بعد أن وقع تحت دولاب الغواية وأكل من الثمرة. وبهذا المنطق يكون سرمد هدفا لعقوبة ميتافيزيقية يصعب تفسير أسبابها، لكن يسهل ملاحظتها. فالأحداث لا تخلو من الندم والتألم والإحساس بالعار الذي ترافقه رغبات تتضاعف ولا يمكن أن ترتوي.
يقول سرمد بهذا المعنى (وأنا أنقل عن الدكتور سرمك): دائما هناك ذلك الأمر المثقل بالغم.
ثم يذهب لما هو أبعد من ذلك ويقول: إنه الفشل الذي يفاقم عيوبي.
قبل أن يقول بكل صراحة: يا لهذا التعلق برائحة الضحك الخافت والحمى والشهوة.
وتتلخص أزمة شخصيات عالية ممدوح بالسقوط في الدائرة الرمادية. فلا هي من الشرق الأوسط ولا هي من بلاد الشمال. وتتلاعب بالأحداث أهواء الشخصيات. بتعبير آخر الواقع لعبة بيد الشخصيات النسائية المختلفة. فهي التي تخلق واقعها عن طريق التوهم وتنشيط أو تعطيل الذاكرة. ويمكن أن تلاحظ هذه المشكلة في روايتها “التانكي” التي يقال إنها رواية النخبة العراقية في الخمسينات. ولكن برأيي هي سحابة من الأفكار والصور المتفتتة والتي تعيد عالية ممدوح ابتكارها بنسق مرضي ومتعارض. مثلا بطلتها عفاف تدخل بعلاقتين: مع نحات عراقي ثم فنان فرنسي. وفي الحالتين تنكر نفسها، وتجد أنها تعوم وسط تيار الأحداث المضطربة دون موقف جازم. وقد ساعدت هذه الرؤية على تخليص الرواية من الرتابة، ولكن على حساب الوضوح. فقد تداخلت الأصوات مع الصور بشكل سحابة من الأفكار. إنما على الأقل التقت عفاف مع سرمد بمشكلة الإنكار. كلاهما كان ينكر معناه. سرمد لن يكرر نفسه في المستقبل من خلال ابن ينجبه بعضوه المريض. وعفاف إنسانة مستهترة تخرج من علاقة وتدخل بغيرها، ودون أي حساب لمعايير الحشمة والأخلاق الحميدة. ولذلك لم يكن من المستغرب أن تطبق عليهما الكاتبة أقصى عقوبة. فتضع سرمد في مشهد متكرر داخل عيادة نفسية. وتقود عفاف لمصحة عقلية. وهنا يكون كلاهما ضحية لتدهور المضمون أو القدرات التي تؤهله بالتحكم بمشاعره وسلوكه.
وعلى هذا الأساس تتعرض الرواية لمزيد من خلط الأوراق. الماضي يسيل على الحاضر وكأنه لوحة سيلفادور دالي “إصرار الذاكرة” حيث يغطي الوقت أجزاء الصورة بشكل أوراق من شجرة الأزمنة المتداخلة والمتجاورة. غير أن عالية ممدوح منضبطة بأوهامها، وتترك للغرائز والمكبوتات أن تأخذ حقها فقط ولو بقوة التمني والتوهم. وهو ما يقول عنه الناقد العراقي عدنان حسين أحمد: القراءة التي تؤيد الرؤية الفنية للعالم (1). وما يقول عنه الناقد العراقي الآخر حمزة

د.حسين سرمك

عليوي: عدم مطابقة الأحداث والشخصيات لمسار الواقع الفعلي ومحاولة التنصل والتنكر للمصدر (2).
إن إنكار الجوهر الذي يسكننا دون أن يكون لنا الحق باختياره، يتحول لما يشبه منة أو هبة إلهية. وهو موضوع متكرر يظهر في شريحة خاصة من الروايات العربية، وفي مقدمتها أدب ما يسمى بالحروب البينية (أفضل هذه العبارة على مصطلح حرب أهلية. فالخلافات دائما تذكيها دول الجوار أو من هو وراءها – المقصود الميتا – قوى. وأضرب مثالا على ذلك بـ “أهل الهوى” لهدى بركات. و“يالو” لإلياس خوري. فمساحة الأحداث محدودة، ولكن ذاكرة الشخصيات ومعاناتها تأخذ شكل نشاط عابر للخطوط العازلة، سواء ما نراه بشكل حواجز ومتاريس، أو الخطوط الوهمية ذات الأثر المتافيزيقي والملحمي. وهو ما تدفعه لنهاية الشوط وتحوله من تصورات إلى تكهنات يسعك رؤيتها البريطانية دوريس ليسنغ في أهم رواياتها الصغيرة “ذكريات من نجا”). ويمكن أن أفهم من ذلك أن الفلسفة الفنية والموقف الاجتماعي لهذه الأعمال، ومنها مجمل كتابات عالية ممدوح إنكاري، وينبني على النفي والإلغاء. وباعتقادي إن البنية الموزعة على وحدات سردية غير متوازية يفيد إنكار منطق الواقع والانحياز لمنطق الذاكرة أو ميول الذاكرة وتعلقها بطور وإلغاء طور آخر.
بشكل عام تبني عالية ممدوح استراتيجيتها في الرواية على ركيزتين:
الأولى هي الاستهانة بعلم الجمال الكلاسيكي، و الانتروبيا أو تفتيت الوحدة العضوية إلى لحظات متفرقة.
الثانية هي الإكثار من الشخصيات التي تدور حول محور أفضلياتها.
وهذا بقناعتي تعبير عن صراع حضارات يحتل الكاتبة من الداخل، حيث لكل حضارة صوت. أو بتعبير الدكتور سرمك هو تعبير عن خصلة شمولية. ويمكنك تمييز شموليتين: رأسمالية غربية أوصلت الإنسان لنفس الإذلال الذي يعاني منه في الشمولية الثانية (الشرقية)، لتفسح المجال أمام سلوك يأخذ طابعا ثأريا من العاطفة (الحب) ويحولها إلى استراحة سادو مازوشية (اللذة من خلال عدوانية يطبقها على الجسد)، أو ما يدعوه الدكتور سرمك بالحرف الواحد (لقية الجسد).
***
تبقى لدينا عدة نقاط من مجال المعرفة العلمية (أو ما يعرف باسم النضال السياسي تارة والانتماء الحزبي تارة، أو باختصار الإيديولوجيا العملية). ويقتبس الدكتور سرمك عبارة وردت على لسان كيتا في “التشهي” تقول فيها إن النضال صار وصيا على الإبداع والنبوغ. بمعنى أن البنية الفوقية أصبح هناك بنية أعلى منها، وتتكون من توجيهات نظرية دون أي قيمة في التطبيق. ويبدو لي أن نظرية الطرح والطرح المضاد لا تصدق إلا في هذا المجال بالتحديد. فعالية ممدوح (مثل كل نساء جيلها من الكاتبات) تعاكس أطروحة الحداثة بإضفاء هم إيديولوجي (وحزبي أيضا) على الشخصيات. وللمرأة حظ في النشاط مثل الذكور. ويتساوى الطرفان من ناحية وعي المعرفة. فالذاكرة سياسية وبقية الجسد استطراد على تلك الذاكرة. لماذا لا نقول تشريح لها أو انتقاد وإعادة معايرة؟؟.
لا تنفرد عالية ممدوح بهذا الاتجاه. وكل الكاتبات من بنات جيلها سياسيات (أول مثال يرد في الذهن فاتن المر وإنعام كجه جي) أو أنصاف سياسيات (ويأتي في الذهن علوية صبح وهدى بركات). ولا توجد كاتبة لا تضع السياسة في أعلى السلم بعكس رائدات الحداثة (جيل 1960 وما قبل)، فقد غلب على ذلك الجيل واحد من اثنين.
– الخروج على كل المعايير أو رفض كل شيء بروح عدمية متهورة وعصابية وتدميرية. وكان نزوع التخريب يلحق بكل شيء من نظام الأفكار وحتى أسلوب الكتابة.
– أو رثاء نتيجة جهود النهضة والتنوير. وبتعبير أدق رفع راية التمرد على ألعاب الحداثة المقيدة، والدعوة لإصلاح الحداثة والحد من الانجراف مع كل شيء وافد وغريب.
وإذا كانت البدايات ذات طابع شكلاني وذاتي أو تكتفي بالدعوة للإصلاح، فإن جيل عالية ممدوح تدميري، وحتى لو أنها أنكرت هذه التهمة، أو غطت على النضال العملي بالنقاشات النضالية، أو أنها أنكرت النضال الوظيفي بتهويمات عنه حيث يتحول النقد لشكل من اشكال التجريح أو الانتقام، و يتخلله الندم الذي يسبب لهذه الشخصيات الشعور بالعجز والسقوط. لقد كانت الشخصيات بكلا الحالتين مثل المناورات العسكرية، تستهلك الذخائر القديمة والمشرفة على الفساد فقط. ويسمي نسيم ذلك: بالنوم والمضاجعة خارج جميع النصوص.
ثم يقول عنه بلغة فصيحة لا تحتاج لتفسير: إنه موت باللذة وأفضل بما لا يقاس من الموت بالسياسة.
وهكذا يتساوى الماضي بلا معقوليته مع الحاضر. كلاهما شجرة لا تطرح الثمار. ومثلما كانت نتيجة النضال هي التخريب وهدر الطاقات، كذلك هي الانتقادات الموجهة لتلك الفترة، فقد كانت تجري بشكل معارك على السرير. وطبعا نحن لا نتوقع أن تنتهي بالحمل والولادة. وبهذا المعنى تقول عالية ممدوح نفسها في حوار مع منى شوليه: أنا كاتبة حسية. أدرك شعرية الوجود بالأحاسيس. وأولي التخلص من التضمينات الإيديولوجية أهمية فائقة (3).
وينظر الدكتور سرمك لهذه الحقيقة على أنها محاولة لستر مشاعر الشخصيات المؤرقة برهاب الخصاء. فتتحول الإيديولوجيا إلى سبيل دفاعي بشكل قضيب يعزز الذكورة المهددة. والعكس بالعكس. يتحول الأسلوب لقضيب تدافع به الشخصيات عن فشل جهودها في النضال. وأود أن أضيف إن الرهابين يتعايشان عند عالية ممدوح. وهي تهرب من ألعاب النضال إلى ألعاب الحب، مثلما فعل كثيرون قبلها بعد أن فتحوا أعينهم على الواقع المؤلم، ومن بينهم رموز روايات الدايستوبيا أمثال الروسي فلاديمير سوروكين في “يوم من أوبريشنيك” وغيره، وغيره.
هذا التعايش لا يعطي للواقع وجها وقناعا، أو لا يحوله لسيف له حدان، إنما يعبر عن حالة الشك واللاأدرية التي يعاني منها المثقف العربي، وبالأخص الشك بالأرض. هل هي قيمة مرادفة للذات، أم أنها جزء من عالم يختفي ولا يمكن إدراكه؟؟. وتقول عالية ممدوح عن ذلك في لقاء آخر مع هديل عبدالرزاق أحمد: لا يمكن تعريف الهوية بمعنى ثابت. وقراراتي موزعة بين الشرق والغرب. ونحن لا نستر عوراتنا بثيابنا وإنما نرتدي أقنعة (4).
ويقدم الدكتور سرمك لحالة الاهتياج والقلق (العصاب العصابي) هذه تفسيرا لطيفا ويربطها بدراما غريزة الموت والحياة والتي تودي بالوحدة العضوية إلى تهديم ذاتها. لقد ورطت عالية ممدوح كل شخصياتها بالهجوم على نظام الأفكار المعمول به، وبنفس الوقت ألقت بأسلوبها في تيار ليس له اتجاه واحد، أسلوب يدور حول محوره ويبحث عن هويته الضائعة أو وجهه المختبئ. وأقرأ هذا السلوك بالشكل التالي: حينما تموت غريزة حياة الأفكار تحيا غريزة موت الأسلوب. وهكذا تتحول الرواية لمجموعة تناقضات كل منها تثبت وتلغي. وربما كانت “التشهي” أوضح من غيرها في هذا المضمار لأنها تتبنى بنية الأخوة الأعداء. فمهند ينفي أخاه سرمد، ويستولي على حبيبته، وهذه الدورة الميتافيزيقية لمضمون الطبيعة يعيد للأذهان موقف قابيل الإجرامي من أخيه هابيل للتقرب من الإله. وكأن الرواية تريد أن تؤكد أن العدالة ليست حقا طبيعيا بل هي شيء مكتسب، مثل موضع البنية من النوع الفني، أو الكلمة من اللغة. إنها مفتوحة من طرف على تعالي الطبيعة، ومن طرف على رغبات الأنا. وتلتقي بهذا لإجراء مع فوكو الذي يعتقد أن اللغة وأشكال الكتابة تنمو وتصحح نفسها. ولذلك ترتهن الحقيقة على الدوام بخطاب قادم. فالحقيقة مفتوحة، وكذلك النص، وهو نتاج ما فوقه من شروحات، وما تحته من ترسبات لإشارات لامرئية تدل على الخبرات والتجارب القديمة (والكلام لفوكو أيضا) (5).
***
كانت قراءة الدكتور سرمك لعوالم وشخصيات عالية ممدوح لاكانية بامتياز. ليس لأنه تبع منهج جاك لاكان خطوة بخطوة، بل العكس هو الصحيح. لقد فعل مثله فقط بإعادة استنتاج فرويد من خلال مجموعة من النصوص الفنية الأدبية. ومجازيا أيضا يمكن القول إنه أعاد إحياء الأرشيف الفرويدي بأسلوب حكائي. ولكنه يمكنك في نهاية الرحلة التي كانت بالطول وبالعرض (تنظر لما هو مرئي وتستبطن ما خلفه) أن تستخلص ثلاث نقاط منهجية هي بمثابة ركائز في منهج الدكتور سرمك.
الأولى أن الحكاية ليست هي الحبكة. والفرق بينهما ليس بترتيب الأحداث ولكن بعلاقة الواضح مع الغامض. فالحبكة تفترض وجود ألغاز فلسفية أو تكهنات أو فراغات لا بد لنا من استنتاجها. وهي سبب أساسي لتحويل النص من تدوين لفن أدبي متطور.
الثانية أنه لا يوجد رواية غير تاريخية. ودائما يقدم لنا التاريخ مجموعة من الرموز تحتاج لمن يشرحها. والروايات أساسا تفضح ما يحجبه التاريخ على حد قول كارلوس فوينتس.
النقطة الأخيرة أن الأدب كله اجتماعي وهادف، ولا يمكن أن تتوقع عملا دون غاية. ومن ينكر هذا الجاني هو واهم. حتى أنصار الفن للفن لديهم موقف تاريخي واجتماعي، ويمكن تفسيره سياسيا.
هوامش:
1- التانكي رواية تنحاز للشكل ولا تضحي بالمضمون – منشورة في الشرق الأوسط: الأحد 22 آذار 2020.
2- كتابة شهادة عن تاريخ ما جرى نسيانه – منشورة فغي الشرق الأوسط: الثلاثاء – 29 أيلول 2020.
3- إذا كانت ثمة سلطة أطمح إليها فهي سلطة الفن وسلطة الحرية. حوار منشور في موقع عالية ممدوح.
4- من حوار منشور في قاب قوسين بتاريخ 7-16-2013 . نقلا عن جريدة دجلة.
5- الكلمات والأشياء – ص 58.
*هذه قراءة في كتاب “الولع المميت: دراسات في الأدب الروائي للمبدعة عالية ممدوح”. مخطوط محفوظ في موقع الكاتبة عالية ممدوح.
تشرين الثاني 2020

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| أسامة غانم : المغامرة السردية في ذاكرة النص .

  يستمد الروائي حامد فاضل في روايته ” لقاء الجمعة ” * عناصر روايته التكوينية …

| جواد الحطاب : …. ينتظرنّك البدريات عبالي : ارتبلك عمر .. وأيّام مفطومات / في رثاء د. حسين سرمك.

…. ينتظرنّك البدريات عبالي : ارتبلك عمر .. وأيّام مفطومات ………………………………………. . يكولون يا سرمك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *