حسين سرمك حسن : تحليل رواية الحفيدة الأميركية لإنعام كجه جي (5)

# نصائح زينة :
—————–
وزينة – إخلاصا لمهمتها الإنسانية- لا تكتفي بالدور “الرسمي” المحدد لها وهو الترجمة بين لغتين، لكنها تقدّم خبرتها الإجتماعية للجنود الغزاة كمستشار ثقافي :
(أقول لهم، مثلا، إن الدخول إلى أماكن الصلاة لا يكون بالأحذية. إن عليهم التمهل لكي تغطي النساء رؤوسهن قبل اقتحام البيوت . إن الناس ينفرون من كلاب التفتيش ويعتبرونها نجسة (في الولايات المتحدة وطن زينة، يتمتع الكلب بكل حقوق الإنسان عدا حق الإنتخاب والترشيح) أشرح ذلك للضباط والجنود وقد يأخذون بما أقول أو يتركونه يدخل من الأذن اليمنى ليخرج من اليسرى – ص 95) .
ولا نعلم من هم الذين “أخذوا” بنصائح الأخت زينة عبر سنوات خدمتها الخمس (من 2003 وحتى 2008) ؟! هل هم الجنود الغزاة الذين كانوا يدوسون المصحف ببساطيلهم ؟ هل هم الجنود الذين قتلوا الشيخ الأعزل في ساحة مكان الصلاة (المسجد) ونقلت الجريمة على شاشات الفضائيات؟ هل هي المجنّدة التي اغتصبت رجل الدين العراقي أمام السجناء العراقيين والعسكريين الأميركيين بكل وقاحة وعدم حياء؟ وإذا كانت واحدة من توجيهاتها الوطنية التي تريد رشوة مشاعرنا بها هي أن يتمهل الجنود قبل اقتحام البيوت كي تغطي النساء العراقيات رؤوسهن (يا عيني !) ، فأود أن أقدم للست زينة سلوك مجموعة “أخذت” بنصيحتها، ولم تدخلها من الأذن اليمنى لتخرجها من الأذن اليسرى ، نها فاجعة “عبير قاسم حمزة” :
# وقفة على فاجعة “عبير قاسم حمزة” :
صبيّة عراقية في الرابعة عشر من عمرها ، من أهالي مدينة المحمودية جنوب بغداد. كانت عائدة من مدرستها فرآها جنود أميركان، فتبعوها واقتحموا بيتها، فقتلوا أمها وأباها وبقية أفراد عائلتها، وتناوبوا عليها اغتصابا ، ثم قتلوها وأحرقوا جثتها لإخفاء جريمتهم . وقد أثارت هذه الجريمة موجة استنكار عالمية ، (وشجبتها الحكومة العراقية بتصريح خجول) .
# عودة : مسيرة الرشا الزائفة تتراكم :
—————————————-
وكلما أوغلت زينة في سرد وقائع حكايتها الخيانية “التحريرية” ، كلما ازداد تراكم الرشا الاجتماعية والنفسية التي تنثرها على طريق المتلقي كما ونوعا . في الفصل الحادي والعشرين- ولا أعلم لماذا رقّمت الكاتبة فصول روايتها بالأرقام اللاتينية (xx1 ) ؟! – تصوّر لنا الكيفية المذلّة والمهينة التي يقتحم بها جنود الإحتلال الكلاب منزل أحد الأشخاص بحثا عن مسؤول أمني من النظام السابق، ويعاملون هذا الإنسان أسوأ معاملة ويدوسون كرامته أمام زوجته المرعوبة وأطفاله المذعورين ، ثم يظهر أخيرا أنه ليس الشخص المطلوب . وهنا تقول زينة :
(تقدّم السرجنت وانحنى أمام الرجل وصافحه قائلا بنبرة مسرحية :
-سيّدي ، أرجو أن تقبل اعتذاري.
(…) خرجنا من الباب المكسور بعد أن أعطينا الرجل ورقة لكي يراجع دائرة الشؤون الاجتماعية لتعويض الباب ( يا عيني على التهذيب الأميركي الرفيع !) – ص 109) .
وأنا أتساءل هنا كعراقي عاش محنة الإحتلال بكل تفاصيلها : من أين أتت زينة –ومن ورائها إنعام- بهذه المعلومات التي تعكس شرف وأخلاق جنود الإحتلال الخنازير الذين هم بلا  شرف ولا أخلاق ، ولم يكونوا ينحنون ويعتذرون ، بل يضعون بسطالهم على رأس المشبوه ظلما ويحتجزون الزوجة وأطفالها في الحمام ، ليسرقوا الأموال والمصوغات ؟ هؤلاء مثل زينة عاشوا حرمانا طويلا ومتطاولا ، وهم كلاب جائعة لا تصدق سنوح فرصة تعيد إليهم سلطة الكاوبوي الذي يقتل ويسلب بلا تردد ثم يتسلم المكافأة ! . (وصف السيّد “أبو ريشة” مسؤول الصحوات، وبأسلوب بسيط، الجوع القديم المتأصل لدى الكثير من السياسيين الذين عادوا مع الاحتلال وخرّبوا البلاد بالقول” كل واحد منهم كان يعيش في المنافي في غرفة مساحتها (مترين X مترين ).. وحسره عليه لفّة الفلافل .. والآن يلعب بالمليارات ).
# ما هي مصلحة الكاتبة في لي عنق الحقائق ؟ :
—————————————————–
وكلما مضينا قدما ، مع وقائع الرواية الخضراء هذه ، يثور تساؤل أعمق هو : ما هي مصلحة إنعام كجه جي في تجميل صورة الإحتلال الوحشي لبلادنا وفي تزوير الحقائق المعروفة والموّثقة ؟ والمشكلة أنها صحفية ، وتعيش في الغرب الديمقراطي منذ عقود ، أي أنها تتمتع بالحرية الكاملة في الوصول للحقائق . هناك إصرار غريب ومتحمس منها على تلميع صورة المحتل المتوحش . تواصل زينة – أو إنعام ، لا فرق – شرح تفصيلات مهمتها الليلية “التحريرية” تلك :
( ذهبنا تلك الليلة وكسرنا الباب الخارجي للبيت المجاور . ثم طرقنا على الباب الداخلي وخرج لنا رجل عجوز محدودب الظهر يرتدي دشداشة بيضاء ، أيضا ، ويحمل بخّاخة من تلك التي يستعملها مرضى الربو ، ووقفت وراءه امرأة تماثله في السن. ولم يكن في البيت غيرهما . وبعد التدقيق في الهوية تأكدنا أنه ليس “الهدف” ، فاعتذرنا ومنحناه ورقة لمراجعة بخصوص ثمن الباب وذهبنا لنكسر بابا آخر – ص 109 ) .
هكذا يعوّضون – وهذه كذبة عميلة – الأبواب المكسورة ويهملون كرامة الإنسان العراقي التي تسفح بلا رحمة . حسب زينة الحزينة فهم –  المحتلون الإنسانيون – مهمومون لباب بيت يكسرونه .. لتنسينا أعظم باب تم تحطيمه شرّ تحطيم في التاريخ .. وهو باب حاضر العراق ومستقبله .
وإمعانا في رشوتنا ووضع غشاوة إنفعالية على عين بصيرتنا المنجرحة والمشوشة أصلا، تلقي أمامنا بورقة التألم على المدرّس المتهم ظلما ذي الكرامة التي سحقتها الأحذية الثقيلة :
(عدنا إلى القاعدة قبل الفجر بقليل ، ولم أنم تلك الليلة. نهضت إلى عملي في السادسة صباحا وفي عينيّ صورة المدرس الذي يلصق خدّه بالأرض ، يداري كرامته الجريحة في بيته وأمام امرأته وأطفاله .. وفوق هذا يطلب المعذرة منّا . صورة كانت سببا لليالٍ طويلة من الإحتصار – ص 110 ) .
وقد صدّق بعض النقّاد والصحفيين العراقيين السذّج من ذوي النوايا الطيبة بهذه المزاعم التأثّرية التي تستعرضها زينة . لكنها لا يمكن أن “تعبر” على الناقد المحلل اليقظ . إن هناك نوعا من “العزل – isolation ” والإنفصال بين الفكرة والعاطفة . فمن المعروف أنك حين تتحدث عن وفاة شخص عزيز عليك تشترك مشاعرك في التعبير ايضا فتظهر معالم التأثر في صوتك وتعبيرات وجهك وحركات جسمك .. إلخ . الإنسان الصادق يكون “موحّدا” يتطابق مبناه ومعناه ، شكله ومضمونه ، فكره وعواطفه ، في التعبير عن تأثّره البالغ . أمّا الكذأبون المصطنعون فإن كل حديث مفعم بالمزاعم الإنفعالية الصادقة ، والمشاعر الحزينة التلقائية ، استجابة لموقف ما ، سرعان ما يُجهض لاشعوريا بالحفزة الأصلية “الكاذبة” المختزنة والتي تلوب في أعماقهم بفعل صراعاتهم المختزنة طويلا، والتي تتمظهر في السلوك العملي . ولإثبات هذه الفرضية التي هي حقيقة نفسية سلوكية من مكتشفات التحليل النفسي العظيمة ، أتساءل هنا : ما علاقة حزن زينة واكتئابها لصورة المدرس العراقي المذل المهان بـ “الخراء” ؟ ما علاقة عواطفها بـ “طيزها” ؟ وعذرا أيها القاريء الكريم المهذّب فأنا أستخدم أسلوب زينة نفسه ، ومفرداتها نفسها . وأسأل الآن : ما الذي كان يهم زينة بعد الإهانات المريرة المتلاحقة للمواطنين العراقيين الأبرياء .. وبعد كسر ابواب بيوتهم بصورة مفاجئة وإثارة الفزع في نفوس زوجاتهم وأطفالهم المساكين ؟ إن الذي يهمها هو “خراؤها” .. صدّقوني .. ودعونا نستمع إليها بصبر نقدي طويل . فبعد أن تحدثت عن “الإحتصار” الذي عانت منه – ولاحظ أن الدافع اللاشعوري جعلها مرغمة على أن تستخدم مفردة لغوية هي “الإحتصار” التي تصلح لوصف الحزن ولتعطل تصريف البراز في الوقت نفسه – لمرأى كرامة المدرس المهدورة ، قالت فورا وبلا تردّد :
( بقيت في تكريت ثلاثة اشهر أصابتني بالكآبة. كانت سخونة الصيف لا تُطاق. والبقّ ينهشني ليلا وأنا نائمة في الشرفة بسبب عطل أجهزة التبريد. الدبابات تمر قرب رأسي في طريقها إلى المداهمات الكبرى . وفوق هذا لا يوجد حمّام ولا ماء حار ولا بارد. ما أتعس عيشة القصور.
حتى حاجتي كنت أحبسها ولا أعرف كيف أقضيها ، مثل الخلق ، ولا مرحاض في المكان الذي أنام فيه .
-إستعملي كيسا من البلاستك.
هكذا نصحني أحد العاملين في المطبخ . وكنت ألتزم النصيحة وقت الشدّة. وفي غيرها من أوقات أمشي في القصر الجانبي وأزاحم الجنود على بيوت راحتهم . إنها مثل مراحيض المدارس الثانوية . قذرة وعلى جدرانها كتابات ورسوم بذيئة. وهناك دائما من يقف لك في الخارج . ويتلصص عليك من الشقوق أو يتطفّل بسؤال خبيث أو يحتج إذا تأخر خراؤك في النزول – ص 110 ) .
ثم يأتي “فرج” جديد غير ذاك الذي أنعمت به الحياة عليها بجدر البرياني على يدي “نهرين” ، تصفه كالتالي :
( لكل تلك المنغّصات ، خرجت من حنجرتي صرخات فرح بدائية يوم تبلّغت بقرار نقلي من تكريت إلى المنطقة الخضراء في بغداد – ص 110 ) .
# وقفة نظرية أولى :
———————-  
( لقد أصبح عالم الحياة عالم ” اللاحياة ” ، وصار الأشخاص ” اللاأشخاص ” ، إنه عالم الموت . ولم يعد الموت يعبّر عنه رمزيّاً بالروائح الكريهة للبراز أو الجثث ، فرموزه الآن هي الآلات النظيفة المتألقة ، ولم يعد الناس ينجذبون إلى المراحيض ذات الروائح الكريهة ، بل إلى بنيات الألمنيوم والزجاج . ولكن الواقع خلف هذا العالم المضاد للتفسخ يصبح مرئياً بازدياد . فالإنسان ، باسم التقدم ، يحوّل العالم إلى مكان سائخ وسام ( وليس هذا بالكلام الرمزي ) . إنه يلوّث الهواء والماء والتراب والحيوانات – ويلوّث نفسه . إنه يقوم بذلك إلى درجة جعلت من المشكوك فيه بقاء الأرض صالحة للحياة في غضون السنوات المائة اعتباراً من الآن . وهو يعرف الحقائق ، ولكن على الرغم من المحتجين ، فإن الذين هم في موقع المسؤولية يستمرون في متابعة ” التقدم ” التقني وهم مستعدون في عبادتهم لوثنهم ، للتضحية بالحياة كلها . وفي الأزمان القديمة كان الناس كذلك يضحّون بالأطفال أو باسرى الحرب ، ولكن لم يسبق في التاريخ أن كان الإنسان راغباً في التضحية بالحياة كلها – حياته وحياة كل المتحدرين منه . ولن يحدث سوى اختلاف ضئيل في حالة أنه يفعل ذلك قاصداً أم لا . فإذا لم تكن لديه معرفة بالخطر الممكن ، فيمكن أن يُعفى من المسؤولية . ولكن العنصر النكروفيلي في طبعه هو الذي يمنعه من استخدام المعرفة التي لديه ….
والظواهر التي يوجد سخط شديد عليها – كالإدمان على المخدرات ، والجريمة ، والانحطاط الثقافي والروحي ، واحتقار القيم الأخلاقية الحقيقية – مرتبطة كلها بتنامي الانجذاب إلى الموت والقذَر . كيف يمكن للمرء أن يتوقع ألا يكون الشبان والفقراء ، والذين لا أمل لهم منجذبين إلى التفسخ عندما يروّج له الذين يوجهون سير المجتمع الحديث ؟
وعلينا أن نستنتج أن عالم الخضوع الكلي للتكنولوجيا التي لا حياة فيها هو شكل آخر لعالم الموت والتفسّخ . وليست هذه الحقيقة شعورية عند معظم الناس ، ولكنها باستخدام تعبيرات فرويد ، عودات مكبوتة في أكثر الأحيان ، ويصبح الافتتان بالموت والتفسّخ محسوسين في الطبع الشرجي الخبيث ) (13)

# عقدة المال :
—————
تظهر الدلائل التحليلية التي تشي بعقد المال – وبالمناسبة هي من سمات طبع الفرد الذي يثبت على المرحلة الشرجية : anal fixation – في الموقف الذي دعا فيه الكولونيل بيترسون – والذي وصفته بانه يشبه الممثل بيرت لانكستر – زينة إلى مقره لتقرأ له وثائق حصلوا عليها بعد مداهمة قصر يعود لزوجة صدام . أدخلها الكولونيا إلى غرفة مجاورة ، فرأت في وسطها طاولتين مغطاتين بالمجوهرات والحلي البراقة .. قرأت وثيقة وترجمتها للكولونيل الذي قادها إلى جانب آخر من المنضدة وأشار إلى الأرض .. لنتابع استجابة زينة “الشرهة” وهي تصفها بنفسها :
(واو ..
رأت عيناي أكداسا من أوراق المئة دولار . ضبّات كثيرة جديدة ومرزومة وكأنها خرجت لتو من بانك أوف أميركا . كانت الرزم مصفوفة بانتظام وبارتفاع قدمين . صحت رغما عني :
-oh my god
وانحنيت عليها وأنا أهمّ بتناول إحداها، لكنني سحبت يدي قبل أن ألمسها ونظرت إلى الكولونيل أستأذنه إن كان في إمكاني تفحّصها فهزّ رأسه مشجعا :
-sure go ahead
لعل الضبّة التي حملتها في يدي كانت عشرة آلاف دولار . لا أدري لأنني لم أر في حياتي مبالغ بتلك الكمّية ، ولا في أكبر كازينو في لاس فيغاس . هذه دولارات وليست فيشا – ص 67 ) .
إن الإحالات التشبيهية تعكس عادة ما هو مختزن من دوافع لائبة في لاشعور الفرد .. وقد جاءت الإحالة إلى مركز المقامرة العالمي الأول ، لاس فيغاس، لتشي بجانب من النظرة إلى “المهمة” كنوع من المقامرة التي يبغي منها الفرد المعني الحصول على أكبر قدر من المال، لقد تجاوزت زينة في لهفتها كل الضوابط العملية .. فقد جرفتها لهفتها الماحقة للدولارات إلى استئذان الكولونيل بلمس “جلد” الدولارات المعشوقة التي حلمت بها طويلا . تعزز ذلك صيحتها اللامنضبطة والملتهبة : يا إلهي ، وهي ترى رزم الدولارات . وكذلك حركتها المنفلتة وهي تهم بحمل إحدى الرزم و “إحتضانها” ويجوز “شمّها” . ثم تأتي “زلّات” اللسان أو فلتاته – tongue slips ” لتكشف ما ينطوي عليه اللاشعور من نوايا دفينة ، فقد “سبق” زينة لسانها بسؤال غريب لا تسنده اي حيثية راهنة- ودائما نأخذ الأدلة من فمها – :
(-ألا تخافون أن تُسرق ؟
شعرت بسخف سؤالي حالما غادر لساني وما عاد يمكن تداركه. لا ، لم أقصد ولم يدر في بالي مطلقا أن يد أحد جنودنا يمكن أن تمتد إلى هذه الأموال – ص 68 ) .
ودائما تسبق النوايا المبيّتة اللاشعورية لسان صاحبها الشعوري. إذ من يسرق المال في قاعدة أمريكية محصّنة ويُحفظ فيها المال في غرفة قائد القاعدة. إن هذا الإفتراض هو “إسقاط- projection ” لحفزات مكبوتة وجدت محفزا قويا لها في المشهد الدولاري الصادم . ويمكن للفرد الذي يعيش تحت ضغط هذه الحفزات أن يقع في مصيدة آلية “التكوين العكسي- reaction formation ” حيث يبدأ بتشكيل استجابات واعية مضخمة تعاكس تماما ما يختزنه من رغبات وتطلعات . فالذي تمور في أعماقه دوافع للكذب يتحدث طويلا عن صدقه ومحبته للصادقين .. ومنْ يقضي عمره جاهدا – حتى لو كان رجل دين – في معاناة لجم ميوله اللاأخلاقية ، قد يصبح داعية همّه الأول والأخير تصفية مهنة البغاء وتفجير دورها وذبح من يتعاطينها . وبعد فعلة مدّ اليد اللامنضبطة ، والسؤال اللامتوازن عن احتمال سرقة الرزم الدولارية وهي في غرفة الكولونيل .. تحاول زينة العثور على معاذير تبرر بها تلك التوقعات اللامنطقية المحرجة التي “انفلتت” منها من دون سيطرتها الواعية ، لكن الإفراط في شرح الأمثلة الشخصية يضمر عكس الهدف التطهيري الذي ترجوه :
( أنا مثلا ، لو حدث وعثرت على ثروة في إحدى خزانات المطبخ الذي أنام فيه فإنني لن آخذ لنفسي منها فلسا – ص 68) .
ثم تعقد مقارنة مفارقة على المستوى العقلي والنفسي تكشف إرتباكها وتشوشها في تبرير سلوكها .. فهي من خلال إعلانها السابق غير مستعدة لأخذ فلس واحد من أي “ثروة” تعثر عليها مصادفة في إحدى خزانات المطبخ الذي خصصه المسؤول الأمريكي لنومها فلم يختلف شيء عن واقعها المزري السابق في الـ “سفن مايل” ، حيث نامت على الأرض في مطبخ عملت على تنظيفه بمشقة .. وهذه المقارنة التي عقدتها لتزكية سلوكها :
(وسبق لي أن مررت بتجربة في متجر ماكس في ميامي كانت إختبارا لي . كنت يومها أتفرج على الحقائب الثمينة ووجدت على الرف محفظة نقود نسائية سمينة. تصوّرتها، في البداية، من البضائع المعروضة للبيع . ثم أدركت أنها مستعملة ولابدّ أن أحدا نسيها هناك ، وفتحت المحفظة ووجدت فيها ألفا وخمسمئة دولار من فئة المئات والعشرينات . لم أحاول أن أتستر عليها أو أدسّها في حقيبتي وأخرج مسرعة من المكان. أخذتها، بشكل طبيعي، إلى حراس المتجر وأخرجت الهوية الموجودة في داخلها وطلبت إليهم أن يتصلوا بصاحبتها أمامي . كنت أريد أن أتأكد من إعادة محفظتها إليها – ص 68 ) .
وهو موقف يعبّر عن الأمانة والصدق ، ولكنه لا يرتبط “كمّيا” بالحدث الأصل الذي استفز مخزون ذاكرتها ، إنها تحاول تبرير فعل متصوّر ليس له أساس ، وقد قادتنا إلى مسارات عملية التبرير الشائكة لمجرد أن زلة سؤال قد أفلتت من لسانها . إن الوجدان الآثم يبني عادة قبّة من التبريرات والذرائع على حبّة من الزلات اللاواعية المورّطة .
ثم يأتي الدليل الأكثر إختلاطا على السطح ، والأشد تعبيرا عن الدوافع الصافية في العمق ، حيث تُجهض زينة بفعل “خفتها التعبيرية” ما حاولت مستميتة عقلنته وتبريره من خلال إشارة بسيطة متهكمة :
(لست ُ نزيهة إلى حدّ البلاهة . فلو كنت سائرة في الشارع وعثرت ُ على مئة دولار ، فلن أقف وأصيح : هذا مال من ْ ؟ . كنت سأضع الورقة في جيبي وأنا مسرورة بالهديّة غير المنتظرة . لكن رؤية ستة ملايين دولار مكدّسة تحت قدمي في غرفة مغلقة ، وأين ؟ في تكريت ، ذلك ما يُسمّى ، بتواضع ، تجربة جديدة في الحياة – ص 68 ) .
ودائما ، وهذه سمة أسلوبية في هذه الرواية ، تأتي الرشى النفسية سريعة ومباشرة بعد إنفضاح الدوافع الفردية . لقد تكشّفت الشهوة الدولارية العارمة لدى زينة بصورة صارخة مرة ، وحيية مرة ثانية ، وهذا أمر أحس به حتى قائدها العسكري الأميركي الذي سمح لها بأن تلمس رزم الدولارات (go ahead ) ، لشعوره بلهفتها الحارقة إلى احتضانها ، وهو موقف يرعب المتلقي العراقي لحكايتها ، متلق يُقطّع جسد وطنه كالمسيح ، كل يوم وكل لحظة، بفعل جهد “أهلها” الجدد، الأمريكان الغزاة . تقول بانتهازية مكشوفة :
(كان أحد العساكر الذين يتولون عملية الجرد يحمل سلسلة يتدلى منها قلب ذهبي كبير . تناولته وفتحته فوجدت على فلقته اليمنى صورة صدام ، وعلى اليسرى صورة زوجته . ولم يكن الجرد قد انتهى . ولم تكن أخبار تلك المضبوطات قد وصلت ، بعد ، إلى الصحافة .
كنّا في آيار 2003 – ص 69) .
# أخيرا وصلت زينة المنطقة الخضراء/ الفردوس الموعود :
———————————————————–
ولا يظن القاريء العراقي الكريم ذو النوايا البيضاء- حاله في ذلك حال بعض النقّاد المتعاطفين المساكين – أن صرخة الفرح التي أطلقتها زينة لنقلها من القصر الرئاسي في تكريت إلى المنطقة الخضراء جاءت لأن فرصة أكبر سوف تفتح أمامها لتقديم خدمة أوسع للشعب “المحرر” المقهور ، إنها فرصة لسد “جوع قديم” شره ونهم ومخيف . وقد أشارت إليه بعظمة لسانها كما يقال تقليديا في بداية الفصل التاسع عشر الذي استهلته بالإعلان المستخف “صرت تكريتية” . فهي كانت منبهرة بوصف مقر عملها في أحد القصور الرئاسية . من منزل خشبي متآكل أحبط الصورة الهوليودية التي رسمتها عن أميركا الفردوس وفيه أصيب الأب بنوبة قلبية في الشهر الخامس للهجرة لأنه لم يحتمل أن يعمل حمّالا لصناديق البيرة في مخزن لأقرباء. زعاطيط لم يكملوا الدراسة لكنهم مليونيرية (ص 157)… وأم تحولت في أول الهجرة من موظفة في الجامعة إلى عاملة في فندق تقوم بتقصير أذيال سراويل الزبائن مقابل دولارين عن كل بنطلون . وعملت مساعدة طباخ لثلاث سنوات كانت تندب حظها كل يوم إلى أن رأت رئيس قسم الفلسفة السابق في جامعة بغداد يعمل مسؤولا عن أرفف الخضار في أحد المخازن (ص 157).
أما هي فلا نعلم ماذا كانت تعمل فهي لم تخبرنا عن تاريخها العملي قبل التطوع، سوى أن لديها عصبة ، وأنها المسؤولة عن تهيئة أماكن تجمع وسهر ورقص عصبتها، والعناية بحبيبها المدمن “كالفن” وهي مهمة تعكس البنية الشخصية المخربة الكامنة والصالحة للتصدي لمهمة العمالة من خلال مازوخية التعامل مع حبيب / إبن ، معاكس لخذلان الأب / الإبن بالنسبة للأم المضحية الجبارة المنقذة- أقول وصفت لنا زينة بانبهار فائض كيف تجلس على كرسي وثير مغلّف بالجلد الزيتوني وتكتب على طاولة من طراز أحد النابوليونات في القصر الرئاسي في تكريت (ص 95 و96) . لكن روحها الجائعة المخيفة تتلمظ وتلوب لأن هناك من هو مستمتع بامتيازات مكان “تحريري” أكثر ثراء وأبهة- وهذا حال جميع الأميركان في صراعهم من أجل الذهب قديما (حمّى البحث عن الذهب) .. والدولار إله الفلسفة الذرائعية المادية حديثا – . تقول زينة :
(في الأيام الأولى كنا نقف ونشهق أمام الأرائك المذهّبة والسجاد الصيني، وندوخ ونحن نرفع أعيننا إلى السقوف المقرنصة وفق الطراز الأندلسي تتدلى منها ثريّات بوهيميا. وبعد أقل من أسبوع تعوّدنا على القصر وموجوداته وكأننا ولدنا في أحضان هذه الفخفخة . وأحيانا، كنا نشعر بالحيف عندما يرسل لنا مجندون في المنطقة الخضراء إيميلات لصور التقطوها في قصور أكثر فخامة . إنهم أبناء العاصمة ونحن أبناء الريف. لكن “التكارتة” لم يكونوا ريفيين سُذّجا في تعاملهم معنا بل مجموعة ألغاز – ص 96 ) .
والآن ، وبعد أن انتقلت زينة من قصر تكريت إلى المنطقة الخضراء سوف نبدأ مسارات حكاية تغييبية جديدة ومضافة لكنها في غاية الخطورة . فالفرد الملوّث يُصاب بشراهة عجيبة لإسقاط وتلويث الرموز النقية المتعالية على إغراءات الحياة المادية . لقد شوّهت بفعلتها المشبوهة هذه كل تأريخ عائلتها المشرّف . هذا التأريخ الناصع وطنيا وسلوكيا والذي كانت الجدّة تعتقد – من خلال المؤلفة الإفتراضية القرينة – أنه سبيل شفاء ناجع للخراب النفسي الذي أصاب زينة . كانت الجدة تبحث عن ممر مباشر بين ذاكرتها الحافلة بالمآثر والتضحيات وبين ضمير زينة المشوّه والذي لم ينمو بصورة سليمة عبر التماهيات الحقيقية مع نواهي السلطة الأبوية وضمن إطار بيئتها الثقافية الأصلية. وضمن سلسلة طويلة من الأجداد والأقارب الذين أفنوا أعمارهم في خدمة وطنهم في نزاهة سلوكية مشهودة ، تأتي الحفيدة الأميركية لتشوّه كل هذا الميراث العظيم وتمسخه :
(لا أدري كيف دخل في روع العجوز أن تأريخ عائلتي هو حبل نجاتي. سيعيدني إلى الدرب ويصحّح بوصلتي. حكايات تتشابك مع تاريخ الوطن. شخصيات تتعطر بفوح  العراق. تربية لا تقبل الشطط . موظفون مسلكيّون وحرفيّون مخلصون ومعلمات أفنين العمر وراء غبار الطباشير. والنزاهة هي العنوان الشامل الكبير. أليس في العائلة خامل ولا سرسري ولا لصّ؟ وكيف يقوم فيلم ( عدنا إلى خفة الأفلام!!) مشوّق بدون هؤلاء ؟
أنا شريرة الفيلم. عنصر التشويق. أساس الصراع لكي تستقيم الدراما. الطُعم الذي أغرى المؤلفة فدخلت على الخط. لا أدري أين وصلت في روايتها المسروقة مني. هل مازالت تكرهني وتنحاز إلى رحمة ضدّي؟ تفرزني خائنة وتفرزها أصيلة ؟ ومن يضمن لها أن جدّتي لن تتنصل من أناملها الضاربة على حروف الكومبيوتر وتذهب لملاقاة ربّها، في غفلة منها ؟ -ص 104) .
إن حرب زينة قد تحولت الآن – بل منذ أن فكرت في التطوّع في جيش الإحتلال – من حرب من أجل التحرير الزائف أو الإسهام في مكافحة الإرهاب .. وإلى آخره من هذه الفذلكات الدعائية إلى حرب بين أنموذجين أخلاقيين؛ بين بنيتين نفسيتين : بينها كأنموذج ذي أخلاق ذرائعية تربت في حضن فلسفة مادية هائلة تسيطر على المجتمع وتنتهي بتفكيك الإنسان والقيم والمعايير، وبين جدّتها كأنموذج ثابت القيم والمعايير الأخلاقية تربى في حضن فلسفة روحية تسمو بالإنسان وتعدّه خليفة للإله على أرضه. بينها كبنية نفسية متخلخلة هي النتاج الطبيعي لعمل المهيمنات المعرفية والتربوية الحاكمة في المجتمع الأميركي ، وبين بنية نفسية راكزة ومتماسكة هي نتاج طبيعي ايضا لثوابت معرفية حاكمة في المجتمع العراقي. تقول زينة :
(أضع رأسي في حجرها وأتركها تلقي عليّ دروسها المضمّخة برائحة العراق. تحفر في ذاكرتها لكي تعثر على كل الأمثلة ووسائل الإيضاح . تقول لي إن تاريخ عائلتي ماثل هنا . بصمة دمّي وعظام أجدادي. وأنا أشرب حكاياتها ولا أرتوي. هناك حلقة مفقودة في الرواية. وليس من واجب جدّتي رحمة البحث عنها بل هو دوري .
-أحالوا جدّك على التقاعد بعد ثورة 58 بأشهر قلائل . لم يكن معارضا ولا من المتآمرين. لكن محاولة انقلابية قامت في الموصل فأعدموا القائمين بها وأبعدوا الضباط القوميين.
-كيف كان جدّي قوميّا وهو المسيحي الكلداني ؟
-ولم لا ؟ هل تمنع الأديان حبّ الوطن ؟ – ص 90) .
إنها خلطة عجيبة تلك التي عاشتها هذه العائلة .. خلطة تعبّر عن تلك الفسيفساء المذهلة التي زينت جسد المجتمع العراقي وكانت الجدّة رحمة شاهدا رحيما عليها. والمخطط الرهيب هو أن جيل رحمة آخذ في الزوال ، وجيل جديد (جيل زينة) تتشكل عقليته وأخلاقياته وسلوكه وفق منظومة الفلسفة المادية الغربية التي لا ثوابت لديها من ناحية القيم رغم الإدعاءات الظاهرة والسطحية . إن “التشيّؤ” هو المآل النهائي للإنسان في ظل هذه الفلسفة الغربية عموما والأميركية خصوصا. وقيم “اللاقيم” هي المصير الأخير للمنظومة الأخلاقية الغربية. وهي منظومة “خفّة” معرفية يصبح فيها الإنسان مادة قابلة للإستعمال مثل أي مكون من مكونات الطبيعة.
ولعل هذه النتيجة هي من اخطر نتائج منح اللجوء والهجرة تحت مزاعم حقوق الإنسان التي يشكل الغرب ألدّ أعدائها رغم كل المظاهر السطحية المعاكسة ، فقد تشكلت نماذج هجينة لا هي عراقية ولا هي أميركية ، ناقمة على الرحم الأم النابذ التي ترتبط بها شرعيا ، نقمة تتراكم بمرور السنوات ، ومدينة بصورة مبررة قانونيا وتشريعيا – راجع موقف الإبنة والأم في حادثة ترديد قسم الولاء لأميركا – لرحم جديد لأم تتبنى ولا يمكن أن تكون أمّا أصلية أو أن تشعر بمشاعرها، مثلما لا يمكن أن يشعر الإبن المتبنى بمشاعر الولاء الحقيقية ، فيعوّض عن ذلك بالمغالاة في إظهار مشاعر الولاء للرحم المتبني من جانب، والنقمة الغير واعية على الرحم النابذ من جانب ثان مكمّل، والتي يمكن أن “تتشكل ضدّيا- reaction formation ” في صورة حرص مستعر على نماء الرحم القديم . وما عملية “الفرهود” الرهيبة التي تجري على أيدي الذين تسلّموا مقاليد التسلّط من “العائدين” من المنافي إلا مثل حقيقي على الفرضية التي طرحناها. وزينة من هذا الجيل الخطير المدمّر ، جيل يتعامل مع كل شيء وفق منطق “هوليودي” خفيف لا يقر بمبدأ “الثبات” لأي شيء، قيمة أو فكرة أو مبدأ، لأن الثبات ضد فلسفتها المادية الذرائعية الحاكمة . وها هو الصراع المستتر يتأجج بين زينة رمزا لهذه “الخفّة” القيمية البنيوية ، وبين الجدّة رمزا لهذا”الثبات” القيمي الناجز. وفي صراعها ضد الجدّة، وبفعل محدودية أدواتها ، فإن زينة تحاول بلوغ هدفها النهائي في “تلويث” الجدة رحمة عن أية طريق :
(ما رأيك بأن نداهم بيتها ؟
ظننت دونوفان، نقيبي الجديد في المنطقة الخضراء ، يمزح وهو يقترح علي الذهاب لمداهمة بيت جدّتي في ذلك اليوم الساخن من تموز – ص 111 ) .
هكذا ببساطة تصوغ لنا زينة فيلما هوليوديا لا مبرر له . تداهم قوة أميركية بيت جدّتها لغرض عدم تعريضها للشبهة والخطر الذي قد يجعلها هدفا للإرهابيين إذا عرفوا أن لديها حفيدة تعمل مع الأميركان !! . طيّب .. كيف ذهبت الحفيدة الأميركية إلى جدتها من تكريت إلى بغداد . هل عزّت الأكاذيب والحيل بحيث يلجأ الضابط الأميركي إلى مقترح المداهمة. وقد تم تنفيذ هذه اللعبة الخطيرة وتم دهم بيت الجدة العجوز تحت كذبة فادحة من زينة (يبدو ان الكذب متشرب في دمها) وهي أن مراقبة المداهمات جزء من عملها . وإذا بالجدة المسكينة تفاجأ بحفيدتها وهي ترتدي الزي العسكري للجيش الأميركي .. لا أمم متحدة ولا رقابة ولا هم يحزنون . هنا تهتف الجدة بحرقة وحزم :
-لا وفّقك الله يا زينة بنت بتول .. ليتني متّ قبل دخولك عليّ بهذه الدخلة السودة – ص 113 .
ثم تأتي البلاغة التعبيرية والفنية العالية- بتصميم الكاتبة طبعا- في المشهد الذي تلاحق فيه زينة جدّتها الناقمة التي تدخل غرفتها وزينة تبكي أمامها وتقول لها إنهم [= الأميركان] يقومون بعمل جيّد في هذا البلد ، والجدة تأمرها بسخط أن لا تتفوّه بمثل هذا الكلام في الغرفة التي أسلم فيها جدّها العقيد العصامي الروح احتراما لذكراه على الاقل ..”كانت نعمة ربّانية أن يموت [= الجد] قبل ن يرى الإحتلال ويرى زينة” :
(لم ترَ زينة دمعة العجوز في العتمة ، لكنها شمّت رائحتها . شاهدت صوت جدّتها شاحبا ومتهدّجاً :
-وهنا، فوق هذا السرير نفسه، كنت تسرحين وأنت طفلة.. فلمّا أخذوك منّا مرضنا وعجّزنا وصرنا أنا وجدّك يتيمين.
-لماذا البكاء الآن وأنا بقربك؟
-ليتهم أخذوك وأحسنوا تربيتك يا بنت بنتي.
-أنا على حطّة يدك … لم أتغير
-تغيّرت ِ وصرت ِ خضراء، من أهل تلك المنطقة – ص 115 ) .
وهذه خضراء دمن مميتة هي من أخطر نماذج خضراء الدمن في التاريخ لم يتوقعها محمد (ص) نفسه ..
وخلال هذه “الزيارة”، المداهمة العسكرية المفبركة، أطلعت زينة ايضا على جانب من الحقائق المريرة لحياة العراقيين في ظل الحصار الجائر الذي فرضه الأميركان لقتل شعب كامل تجويعا ومرضا من أجل إسقاط ديكتاتور ، وفعلا فقد تم قتل مليون مواطن عراقي خلال سنوات الحصار الوحشي. ألم تقرأ زينة أو تسمع عن مشروع وزيرة خارجيتها السيدة “مادلين أولبرايت” عن قتل كل العراقيين؟ إلى الآن يبدو ان زنزن لم تكن تتابع اي شيء .. منشغلة بحبيبها كالفن وتنظيم ليالي الرقص وتدخين الأركيلة ، وإلا لو كانت تسمع غذاعة بلدها القديم وتتواصل مع جدتها على الأقل لانفتحت عيناها على حقائق تعصمها من هذه الخطيئة الجسيمة:
في صالة الأمم المتحدة وقفت السيدة “مادلين أولبرايت” لترد على الصحفي الذي سألها : مات مليون مواطن عراقي حتى ولم يسقط النظام ، فهل ستستمرون في هذا الحصار ؟ .. فأجابت ببرود :
“سنقتلهم كلهم”
ألم تسمع زينة بتصريح مسؤولة بلدها هذه ؟ زينة مواطنة أميركية ومن المفروض أن تتابع أخطر المشكلات السياسية التي كان بلدها الأميركي يواجهها آنذاك وهي مشكلة صدام حسين وتبعاتها على الشعب العراقي ، أم أن ناقدا أشوس سيطلع علينا بالقول إنها مسكينة وتعيش “صراع هويّات” ؟ .
في غرفة جدّتها  شاهدت زنزن إختفاء النذور الذهبية التي كانت مصبوبة على يدي العذراء وتاجها واعتقدت أنها سرقت .. لكن الجدة أخبرتها بأنها باعتها خلال ضائقة الحصار . هنا تتذكر زنزن كأي مستشرقة :
(تذكرت الحفيدة العائدة أن سموات سودا مرّت من هنا. كانت تعرف إن العائلات باعت أثاث بيوتها، وأبواب حجراتها وحديد الشبابيك وقعدت على الارض – ص 116) .
إذن هي تعرف ما الذي فعله حصار حكومتها بشعب جدتها المظلوم ، ألم يستفزها هذا الظلم لكي تبادر كأميركية متحضرة مثلما بادرت تلك الأم الأميركية التي ستحاول رشوتنا عقليا وعاطفيا بمأساتها بعد قليل ، وترفع صوتها – صوتها فقط – محتجة ؟ أم أن “صراع الهويّات ” قد دوّخ المسكينة وجعلها لا تعرف سوى الإندفاع بحماسة للتطوّع في الجيش والتدريب على السلاح وتحمل خطر القتل والموت في سبيل إدارة تعلم زينة قطعا أنها معتدية وأنها آخر من يتحدث عن التحرير والسلم ومصلحة الشعوب؟ .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حسن ملواني : تصالح الألوان في رواية ” قهوة بالحليب على شاطئ الأسود المتوسط “.

رمزية العنوان يعتبر عنوان الرواية بصيغته مزدوج الوظيفة، فهو إذ يشير إلى ما يعتبر عاديا …

| خليل مزهر الغالبي : مجموعة “ممتلكاتٌ لا تخصَّني” وخاصية البناء الشعري لآمنة محمود .

في مجموعتها الشعرية “ممتلكاتٌ لا تخصّني” راهنت الشاعرة “آمنة محمود” على تأكيد بصمتها الشعرية بمثولها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *