يحيى السماوي : وإفِلتْ شمسُ سادن الإبداع العراقي د. حسين سرمك

نـقـيٌّ كالشرف .. رقيقٌ كدمعة عشق ..  وديعٌ كعصفور .. شرسٌ كصقر .. شفيفٌ كالماس .. صلبٌ كالماس .. ونادرٌ مثلُ الماس .. يدعوه الناس حسين سرمك ، وأدعوه سادن الإبداع العراقي في محراب الأبجدية  ، وشقيق قلبي .  *  صرختُ مثلَ طفلٍ ملدوغ  قبل أن أجهش بالبكاء ، حين فاجأني  ابنه علي بقوله ” الوالد في ذمة الله ، إنا لله وأنا إليه راجعون ” ، وهو الذي كتب لي قبل يوم واحد حرفياً : ” تقول الطبيبة إن الوضع حرج ولكن التحليلات  جيدة ولعلّ برحمةٍ من الله أن تكون الأيام القادمة أفضل ” ..  شهقة نحيب وأخرى ، وإذا برسالة من شقيقه كامل نصّها ” الدكتور حسين في ذمة الله ” ..  إذن : الأمر لم يكن كابوسا ، ولا هذيانَ محمومٍ من أثر ارتفاع نسبة السكّر في دمي .. قلت لأهل بيتي ـ حين أفزعهم  نحيب قلبي الطفل : ” الان سقطَ  نصفُ ما تبقّى في بستان عمري من شجر ” ..  * هو لي أكثر من أخ وأكثر من صديق فبأيّ آلاءِ منزلته في قلبي أُمجّد ! * عام 1968 حين حططتُ كتبي ودفاتري في مدينة الديوانية طالبا في ثانوية الجمهورية ،  كان الشاعر كامل سرمك من بين أقرب زملاء الصفّ الى نفسي ، وكانت فسيلة  حسين وقتذاك باثنتي  عشرة سعفة .. حتى إذا مرّت الأعوام ، وعثرتُ عليه بعد طول منفىً وفراق ، كانت الفسيلة قد غدت بمفردها بستانا على سعة الأبجدية .. * قبل عثوري عليه ، كانت زيارتي الى دمشق ـ مرة كل عام ـ بمثابة فرض استحباب .. أمّا وقد أقام حسين فيها ، فقد غدت تلك الزيارة فرض وُجوب أؤدّيها مرتين كل عام ، قبل أن يطوي خيمته لينصبها في بيته الجميل ـ في حي الأمين في بغداد على بُعد هديل حمامة من بيت شقيقي محمد  ـ فغدت بغداد أجملَ في عينيّ مما كانت عليه ، وما كنت سأشيح بحقيبتي عن بغداد لو لم يغادرها حسين ليقيم في الناصرية فيغدو حجّي الى الناصرية شعيرةً من شعائر تأديتي فريضة الحج الى العراق كلما ضرّجني حنيني الوحشي للسماوة .  * من إحدى رسائلي إليه : ” أنا لستُ كلكامش .. لكنك أنكيدو ” .  * وفاة أصغر أشقائه ” أحمد ”  نتيجة الجائحة قد تسببت له بألم روحيٍّ ثقيل وزحزحت جبل صبره ، فقرر مغادرة العراق ، لا بمفرده هذه المرة على غرار مغادرته الأولى نحو دمشق ، إنما بمعية عائلته  نحو تركيا .. اشترى شقة جميلة في مدينة  ” يلوا ” الساحلية ، وانتقى لها  أثاثا جميلا ، فقد قرر الإقامة بصحبة حبيبته / زوجه التربوية الجليلة أم علي ، وابنه علي وزوجه وأحفاده حيدر وزهراء وجمانة ، على أن يلحق بهم بعد حين ابنه عمر الذي يعمل صيدلانيا في إحدى مستشفيات الناصرية ، وكانت ابنتاه ـ الطبيبة مها وشقيقتها الصيدلانية ـ قد انتقلتا منذ بضع سنين الى لندن بعد زواجهما .. منذ شهر تشرين الثاني من عام 2019 وحسين سرمك ـ بصحبة عائلته ـ لم يغادر يلوا  ، ولم يعُد الى العراق إلآ وهو داخل تابوت مساء يوم الثلاثاء قبل الماضي ومن ثم ليوارى الثرى في النجف الأشرف ليل ذلك اليوم .. ما أصدق قول شاعر العرب الأكبر الجواهري :  لغزُ الحياةِ وحيرةُ الألبابِ أن يستحيل الفكرُ محضَ ترابِ  * وحده فأس الموت : يحتطب الشجرة الباسقة بضربة واحدة ! * غادر العراق بتمام الصحة والعافية ، حتى إذا مرت الشهور وأصبحنا على أعتاب عام ميلادي جديد ، أصابه فايروس الجائحة ، فأُدخل المشفى ، وشُفيَ أو كاد  .. حسين لم يمتْ بسبب فايروس الجائحة.. لقد مات بسبب العجز الكلوي ، ففي الأسبوع الأخير من حياته خضع لأكثر من عملية غسيل كلوي . *    لن أكون مجانبا للحقيقة في قولي إنّ حسين سرمك كان عراقاً يمشي على قدمين ! * خصّ الأدباء العراقيين بأكثر من أربعين  كتاباً نقدياً عنهم ـ والمؤسف أنَّ أحداً منهم لم يحضر التشييع المهيب الذي أُجريَ لنعشه في مطار بغداد ـ فالتشييع قامت به جمعية الشعراء الشعبيين تكريما له ولشقيقه الشاعر كامل لكونه أحد أعضائها ! * في أحد لقاءاتي معه عام 2017 في بيته العامر في الناصرية أكّد رغبته في  مغادرة العراق .. يومذاك كان يفيض حزناً جرّاء الموت المجانيّ والإنفلات الأمني  وقمع ” الطرف الثالث ” للثورة الشبابية السلمية ، وأتذكّر أنني كتبت يومها قصيدة نشرتها في صحيفة المثقف في عددها المرقم3872 الصادر بتاريخ 12/4/2017  أعيد الان نشرها : 

أطـلِـقْ سِـراحَـكَ مـنـك

  إلى أخي وصديقي سادن الإبداع العراقي  الناقد المدرسة: الدكتور حسين سرمك

__________________  

طـحَـنـتْ رَحـى الآهـاتِ صـدرَكَ ؟

أنـتَ كـنـتَ رُحـاكَ .. إنّ الـذنـبَ ذنـبُـكَ ..

كـنـتَ تـعـرفُ أنَّ عـصـرَكَ مـارق ٌ

فـلِـمَ اتَّـخـذتَ إلـى أمـانـيـكَ الـصِّـراط َ الـمـسـتـقـيـمْ ؟

*

الـنـارُ جـائـعـة ٌ

أتـقْـحَـمُـهـا بـعـشـبِـكَ ؟

لـسـتَ ” إبـراهـيـمَ ” ..

كـيـف  إذنْ نـشـرتَ شِـراعَ عُـشـبـِكَ

فـي بـحـار ٍ مـوجُـهـا  الـنـيـرانُ ؟

أنـتَ  إذنْ

لـنـفـسِـكَ  كـنـتَ سـوطـكَ والـخـصـيـمْ

أطـلِـقْ سِـراحَـكَ مـنـكَ

أنـتَ سـجـيـنُ قـيـدِكَ والـشـهـيـدُ الـحـيُّ

يا ذا الـخـافـقِ الـطـفـلِ الـمُـوَزَّع ِ

بـيـن فـردوسِ الـخـيـالِ وبـيـن  واقِـعِـكَ الـجـحـيـمْ

*

هـا أنـتَ مـذبـوحٌ بـعِـشـقِـكَ ..

لـسـتَ بـالـجـانـي  ولا جـنـتِ الـحـبـيـبـة ُ ..

إنـهُ   الـزَّمـنُ الـعـقـيـمْ

 *

مـهـمـا غـرَسْـتَ فـلـنْ يـكـونَ حـصـادُ غـرسِـكَ

غـيـرَ مِـنـجَـلِـكَ الـهـشـيـمْ

 *

الـدُّرُّ .. والـدّيـبـاجُ .. والـجـاهُ .. الـوجـاهـةُ

حَـصْـدُ مـنْ  صـلّـوا عـلـى سِـجّـادةِ  “الـعـاصـي الـرَّجـيـمْ”

 *

طـوَتِ الـحـدائـقُ صُـبـحَـهـا ..

وتـدثّـرَتْ بـمـلاءةِ الـلـيـلِ الـبـهـيـمْ

*

  فـاقـنـعْ بـحـظِّـكَ يا ابـنَ سـرمـكَ

مـا الـذي أبـقـتْ لـكَ الأيـامُ

غـيـرَ  حُـثـالـةٍ  فـي كـأسِ عُـمـرِكَ؟

فـاغْـتـبِـقْ ..

قـد لا يُـتـيـحُ لـك  الـدُّجـى شـمـسـا ً

إلـى  واحـاتِ مُـصْـطـبَـح ِ الـنـعـيـمْ

 *

دعْ لـلـدُّخـان ِ يـخـط ُّ سِـفـرَكَ

فـاسْـتـحِـمْ بـالـجـمـر ِ

واشـربْ نـخْـبَ جـرحِـكَ بـاسـمِ مـطـمـحِـكَ الـيـتـيـمْ

 *

لا فـرقَ  فـي عـصـر الـنّـعـيـمِ الـسّـحْـتِ

بـيـن  جـديـدِ يـومِـكَ  والـقـديـمْ   !

***

  برأيي الشخصي ، إنّ الفقيد الكبير ، الغائب الحاضر د . حسين سرمك يمثل الإمتداد الإبداعي النقدي لرائد مدرسة التفسير النفسي في الأدب المرحوم أ . د . مصطفى سويف .  قد لا يعرف كثيرون أن د . حسين سرمك كان يتمتع بصوت طربيّ حميم وأنه ملحّن أيضا ـ وقد غنى أحد ألحانه الفنان المعروف المطرب سعدون جابر . * لقد ترك كتابات نقدية كثيرة لم تُطبع بعد ، منها مثلا كتاب عن المفكر العراقي الصديق د . عبد الحسين شعبان ، وكتاب نقدي عن الصديق الشاعر الكبير جاسم الصحيح وغيرهما .. أتمنى أن يُصار الى نشرهما في غد قريب .  طيّب الله ثرى سادن الإبداع العراقي د . حسين سرمك وأكرم وفادته عليه وأسكنه المقام المحمود في فردوسه الأعلى بإذنه تعالى . 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طالب عمران المعموري : سحر الأمكنة وجمالية الابداع في (أنامل الأمكنة ) للشاعر عادل الياسري / مقاربة قرائية .

أسعى في هذه القراءة الوقوف على التشظي الساحر في اللغة  الشعرية لشاعر يبحث عن الجمال …

رفيف الشيخلي : متواليات يوسف زيدان

متواليات يوسف زيدان   لم أكن قد قرأت للدكتور يوسف زيدان سوى رواية “عزازيل”، وشاهدت …

2 تعليقان

  1. صالح الرزوق

    شيء مستغرب ان اكتب في هذا المربع الضيق الذي يشبه القبر تعليقا لا يمكن ان امنع نفسي عنه حول شخصين تآزرا ليخففا من غلواء غربتي و ما يتخللها من احساس دائم بالسقوط و ليس الاغتراب.
    فالخروج من المكان المناسب سقوط كالموت حتى لو انك حي ترزق و في بلدك.
    و الدكتور سرمك رحمه الله عبر اكثر من مرة عن هذه المشكلة المؤلمة التي سبقه لها صديقه الشاعر المجدد و المقاتل يحيى السماوي.
    غريب ان يموت العربي المؤمن بعروبته على ارض لا تتكلم لغته.
    كلنا سواسية في هذه المشكلة. نود ان نكون نجوما يهتدي بها الضائعون في سواد الليالي. و لكن نجومنا اشبه بشموع محترقة.
    لا يمكن ان تنير دروبنا المتعرجة فما بالك بدروب غيرنا.
    ماذا يسعني ان اضيف.
    هل ألقي من نافذة بيت الضياع و العدم حفنة من تراب على روح شاردة لا اعرف مكانها.
    ليكن.
    سأتخيل ان يدي ليست في قبض الريح و لكنها تغرف من تراب الأرض. و سأمدها من النافذة و افتحها.
    ان لم يخرج منها تراب موتي على الأقل ستبقى خطوط الحظ واضحة كقنوات صنعها محراث آلامنا المشتركة.
    فكرت عدة مرات بتنسيق مراسلاتنا عن الأدب و الأوضاع العامة. لكن خانتني العبارة.
    من يعلم.
    ربما في الصمت بلاغة افصح.

  2. عاصم الجابري

    قرأت سيرة حياته بقلمه، أدهشني بكثرة نشاطه وانتاجه، وبدى لي انه عاش أكثر بكثير من متوسط عمر الانسان الحالي! فهنيئا له هذه الحياة المشرفة والرائعة، كما انه سيبقى حي في نتاجه الرائع.
    انه من نفس طينتك سيدي شاعر الخبز والتنور، أنا أحس بالوجع الذي سببه لك رحيله، وأدعو الله ان يعينك على فقد الاحبة الذين قاسموك حياتهم من خلال القلم، خاصة وهم كثر.
    قرأت مقالك، أبكتني أحاسيسك التي تشع بها حروفك البديعة، انها نابعة من أعماق وجدانك، أسأل الله ان يمنحك الصبر والسلوان، ورحم الله سادن الابداع العراقي د. حسين سرمك وأسكنه فسيح جناته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *