محمد شاكر السبع : أبو علي الغالب (9و10 الأخيرة)

– 9 –
طوال ذلك العام الذي ظل فيه مركونا في مكتبه الصغيرمثل شىء لايصلح للأستعمال
كان يراقب أجيالا جديدة مـــــن الحزبيين الشباب الذين يتعلمون بسرعة أصول العمل فـي الدائرة العملاقة ، ويتسلقون السلم الوظيفي بذات السرعة التــي تعلموا فيها . تلك كانت تفاقم شعوره بالسخط الذي لم يفارقه ولو للحظة ، من دونأن يتبادر الى ذهنه أنه
هـومن أوصل نفسه الى حالة الأهمال التي يعيشها منذ عام . لم يدرك أبو علي الغالب
أن أخفاقاته نجمت عن عدم قدرته علــــى تبادل الحب والمودة مـــــــع الآخرين الذين يعملون في طوابق المبنى الأربعة ، فهو ينظر اليهــم بعين يملأها الحقــد والكراهية ،
وكان يجهد في الأساءة اليهــــم وحبك الدسائس لهــم . عندئذ بادلوه كراهيـة بكراهية،
وتداولوا ما حدث له في شجاراته بكثير من الفرح والحب . كانوا يأملون أن يبقى مذلا
ومهانا مدى الحياة .
ثم حل صباح ذلك اليوم الذي تغيرت فيـه أمور عديدة من دون أن يستوعبها أو يفهمها
بسرعة . بهرته الأخبار التي تواترت عليه فـي ذلك الصباح . قالوا لـــه أن الوزارة لم
توافق علـــى جعل أبا صالح رئيسا للقسم الثاني ، وأنهـــا عوضته بنقله الـــــى خارج الوطـن ليرأس أحدى دوائرها في دولة عربية . هذا الخبر أزاح الجبل الرابض علــى
صدره منذ أكثرمن عام ، لكن الأكثر أهميـــــة هو مــن سيحل محله ؟. غير أنه وطن النفس على أن مهمته الجديدة هل التي ستحسم مستقبله . أكد لنفسه علـى أن لا يرتكب
الهفوات فــــي خططه القادمة ، فهيـــأ سمومه مقدما . فجــــأة تحركت حاسته المنذرة
بالمصائب ، فتساءل : مـــاذا يعني هذا؟. ألا أنه لم يعثر علــــــى جواب يطفىء السنة
النيران في قلبه . خرج مـن مكتبه تابعا أنف الكلب الذي يحمله عسى أن يقوده الـى ما
يتحرق الــــــى معرفته . أطل علــى كل مكاتب الطابق الرابع ، وحيا جميع الموظفين
الموجودين فـــي ذلك الصباح ، وسألهـــم عمن يكون الرئيس الجديد . كانـــــــوا مثله
يجهلون من سيقدم ليرأسهم .
في الساعة الواحدة من بعد الظهر أطل عليه سميع المحمود ، فعاجله قبل أن يجلس :
– هل سمعت بالخبر ؟
– أي خبر ؟
– خبر نقل أبي صالح ؟
– نعم .
– هل سمعت من سيكون رئيسنا الجديد ؟
– لا .
– ألا ترى شيئا غريبا في أمر النقل هذا؟
– ما هو هذا الشىء الغريب ؟
– لماذا الوزارة متعجلة على تركه القسم الثاني والألتحاق فورا بوظيفته في الخارج ؟
– أين الغرابة في هذا ؟
– هذه العجلة .
– مضى أكثر من عام علـى أبي صالح وهو يدير القسم أما أن الوزارة تعجلت علــــى
التحاقه بوظيفته في الخارج فمن غير شك أن تلك الدائرة لا يمكن أن تبقى مــن دون
موظف مسؤول يدير واجباتها .
رفض العقل الشكاك لأبي علي الغالب ما قاله سميع المحمود ، وبدأت ظنونـــه السيئة
تدفعه الى طرق ملتوية في التفكير. خطر فــي ذهنه أول ما خطر أن أبا صالح أرتكب
أحدى الخطيئتين : الأختلاس أو مطارحة الهوى مع النساء ،أو ربما الأثنتين معا .أنـه
يعرف أن أبا صالح زير نساء لا يجيد التستر مثل علي الحسيني ، عندئذ بدأ في الحفر
بأبرة حول هذا الموضوع الذي حرك شهيته لأثارة الفضائح . الآن هذا هــو وقت مـن
الأوقات الملائمة للأنتقام من أبي صالح ، لكنه بحاجة الى طرف الخيط الــذي سيقوده
الى كشف المستور. تساءل: من أين يبدأ ؟. أخفق في العثور على نقطة البداية ألا أنــه لم ييأس أو يحبط لأنه على قناعة أنه سيعثرعلى هذه النقطة مهما طال الوقت . بدأت
السموم تنز من تلافيف دماغه جراء هاجس الأنتقام الذي طغى على مشاعره .
ظهر فراش الطابق الثاني في باب مكتب سميع المحمود وأبي علي الراغب . قال :
– المدير العام يرغب برؤيتك يا سميع .
ترك سميع المحمود المكتب مسرعا فأثار دهشة وأستغراب أبي علي الغالب .رأى أن
أمورا كثيرة تجري مـن حوله مــــن دون أن يعرفها أو حتى يشعر بها . أدرك أن عام
الأهمال الذي مر عليه أضعف الكثيرمن قدراته في الكشف عن المخفي الذي كثيرا ما
يثير الزوابع التي تنتهي في كثير من الأحيان الـى حكايات وأشاعات فضائح تعصف
في الطوابق الأربعة لمبنى الدائرة العملاقة . رأى أن تستعيد تلك القدرات كل ما فقدته
من حيوية أذ بدونها سيفقد هو أبو علي الغالب قيمته في الحياة .
أنتظر عودة سميع المحمود لكن مــن غير طائل ، فقـــد أنتهت ساعات الدوام وسميع لم يعد.هبط السلالم الى مكتب المدير العام فوجده مغلقا . تطلع الى مكاتب قسم الأدارة
فوجدها مغلقة كلها . تساءل : أين ذهب سميع المحمود؟. تذكر أن حاجاته مازالت فـي
المكتب ، فتساءل بصوت عال : ما معنى هـــذا الذي يحدث؟. ألا أن هــذا المعنى ظل
غامضا على أدراكه . في بهو الأستعلامات وجد فراش الطابق الثاني ، سأله :
– أين ذهب سميع المحمود ؟
– لا أدري .
أطبق الغموض على عقل أبي علي الغالب ،ووجد أنه كمن يسير في طريق يخيم عليه
ضباب كثيـــــــف يعيق الرؤية ،أحس أن حاسته المنذرة بالمصائب أنبأته أن أحداثا لا
يفهمها أو يدركها في سبيلها الى الحدوث . لـــم يعد يتذرع بالصبر كما كان يفعل فيما
مضى حين تنذره حاسته بأمور تجلب الغم والهم فأمضى ليلة مـن الليالي الطوال التي
عاشها سابقا ، ليلة أكتظت بالكوابيس المفزعة التـي أرغمته علــى أن يهب مــن النوم مذعورا أكثر من مرة .
في الصباح داهمه أحساس بالخوف يجهل سببه ، وظل هذا الأحساس ملازما لـه حتى
الضحى حيث تناهى الـى أسماعه أن سميع المحمود هو المسؤول الجديد لأدارة القسم
الثاني . أنقلب هاجس الخوف الـى مشاعر فرح غامر لهذا الخبر . خطر فــي ذهنه أن
زمن العز قد قدم اليه وأن طائر السعد حط على رأسه أخيرا أذ أن أعز صديق لديه قد
نال الرفعة والسمو ، وأنه سيشاركه فيهما . طار الــى صديقه لا ليقدم له التهاني وأنما
ليتقبل تهاني الآخرين مع هذا الصديق أختلط مع الموظفين الذين هنأوا سميع المحمود
على منصبه الجديد . أخذ أبو علي الغالب يرد على تهانيهم بكلمات ود رقيق مـن أجل
أن يشعرهم أنه شريك المسؤول . توقع الموظفون أنهــم سيواجهون زمنا عصيبـا فـي
القريب العاجل .
لأول مرة يستغرب أبوعلي الغالب من أنذارات حاسة المصائب التي ظهرأن لا صحة
لتلك الأنذارات وتساءل : هل كل أنذاراتها السابقة كاذبة أيضا ؟.. قرر أن يؤجل هـذه
المحاكمة لحاسته المنذرة الى وقت آخر وأن عليه ألا يفسد هذه المناسبة السعيدة .طال
زمن التهاني وتحول مكتب سميع المحمود الـى مـا يشبه ديوانية ثقافة وأدب ، كان أبو
علي الغالب قد تحول الى سكرتير سميع المحمود الذي يرد على كل الأسئلة .
حين غادر آخر المهنئين قال أبو علي الغالب لشريك مكتبه القديم :
– الآن تحققت كل الأماني .
سأله سميع المحمود :
-أماني أم أمانيك ؟
فوجىء أبو علي الغالب بهذا السؤال ، فنظر بأرتياب الى صديقه الذي واصل كلامه :
– هل بدأت في جعلي خاتما في أصبعك ؟
علا الأصفرار وجه أبي علي الغالب وأخذت عينــــه الحولاء تتحرك بسرعة . لـــــم
يصدق ما سمعه فقال :
– ماذا تعني ؟
– أن التمرات اللواتي في عبك نواهن في جيبي .. ماذا ستجر علي من مشاكل ؟
– عن أي مشاكل تتحدث ؟
– من هو المسؤول الذي سلم من مشاكلك ؟ .. من هـو الـذي لم تعض يده ؟. قبل قليل
تصرفت وكأنك أنت المسؤول ولست أنا ، فأجبت علــى كل الأسئلة التي وجهها لي
الموظفون فأوحيت لهم أنك أنت من يجب أن يتوجهوا اليه فـي المستقبل . يعنـــــــي جعلتني خاتما في أصبعك .
أعترض أبو علي الغالب :
– أنا لم أتصرف ألا كصديق .
قال سميع المحمود بحزم :
– أسمعني جيدا يا أبا علي الغالب .فيما مضى طرقت رأسك بحذائي وبوسعي أن أقوم
بذلك مرة ثانية ، ومن أجل ألا تضع المصاعب والعراقيل أمامي فأننـــي قمت بنقلك
الى القسم الأول .
سحب المجر الكبير لمنضدته وأخرج ورقة ناولها الى أبي علي الغالب قائلا :
– هذا أمر نقلك .
شعر بالتقوض في داخله وجالت دمعتان في عينيه . قال بصوت منكسر :
– لماذا فعلت ذلك ؟
– دفاعا عن نفسي .. كيف يمكن أن أعمل وأنت تقف خلف ظهري ؟
تناول أمر نقله وخرج من مكتب سميع المحمود بساقين أستحالتا الــى ما يشبه القطن.
فكر وهو في الطريق الى مكتبه الصغيرأن حاسته المنذرة لـم تكذب عليه لكنه هو من
خالف وصايا أبيه السيد حين أكد له أن الصديق الوفي مـــن المستحيلات الثلاثة . لحد
الآن والأمر الأداري بنقله في يده وهو غير مصدق ما حدث . تساءل : كيف يمكن أن
تفلت مثل هذه الفرصة التي لا يمكن تعويضها من يده ؟ كان ينظر الى ما حدث وكأنه
من أضغاث الأحلام .مع ذلك تماسك حين دخل مكتب المدير العام .لم يرحب به وأنما
رد تحيته ببرود ، ولم يدعه الى الجلوس . لكن أبا علي الغالب شكا :
– هل رأيت أستاذ ما فعل بي سميع المحمود ؟
– كان نقلك شرطه لقبول مسؤولية القسم الثاني .
قال أبو علي الغالب بأسى :
– أذن أصبحت أنا الشيطان الرجيم .
لم يعلق المدير العام على جملته الأخيرة ألا أنه قال :
– سأسند اليك مهمة العلاقات الخارجية وهذه مهمة جديدة حيث ستكون مسؤولا عـن
العلاقات التي تربطنا مع المراكز العربية وكذلك مع المتخصصين فـــــــي ما يشابه أعمالنا ، كمـــا ستكون مسؤولا عـــــن أستقبال الشخصيات التـــي تزور وطننا. هل
أستوعبت ما ستقوم به ؟
– نعم أستاذ .
– هل لديك أسئلة أو استفسارات ؟
– من هو مسؤولي ؟
– أنا . يعني أنك لن تحتك بأحد غيري .
– أين مكتبي ؟
– هو مكتبك ذاته في الطابق الرابع ولن يشاركك فيه أحد لكي تحافظ على خصوصيات
عملك .
– وأذا أعترضتني قضية في العمل لا أستطيع حلها ؟
– تأتي الي ، ولا تقم بأي عمل مـن دون أخذ موافقتي . والآن الـــى مكتبك وسأرسل
لك كل الأوراق التي تحتاجها في أداء عملك .
تخيل عمله الجديد ذا أهمية مادامت لــه صلات خارجية ، لكنه أكتشف عقــم عملـه خلال الأسبوع الآول ، أذ أن أي شخصية عربية لــم يستقبلها ، وأن دائرته العملاقة لا تمتلك أية علاقات أو صلات مــع أي مؤسسات خارجية. عندئذ وجد نفسه سجينا
فـــــي مكتب صغير مواجه لمكتب سميع المحمود فــي الممر المقابل . خطر فــــي ذهنه أن المدير العام أفلح فـــي ركنه بعيدا عـــــن الأيقاع العام لعمل الدائرة ، تخيل
صورة قاتمة لنفسه ووضعه بيـــــن طوائف الموظفين في الطوابق الأربعة . شعر
بوحدة تشق علـــي روحه فـــــي هــذا الحال المجدب لشغله وظيفة وهمية ، ألا أنه لم يكن يمتلك الجرأة التي تجعله يواجه سامر سعيد مثلما فعل مـــــع علي الحسيني،
فهذا الرجل لديه صلاحيات واسعة كفيلة أن لا ترميـــــه بعيدا عــن الدائرة العملاقة
فقط ، وأنما تزجه فــي السجن أيضا أعتمادا على تهمة أعاقة أعمال الحزب.
كان أبو علي الغالب يبدو أعزل وضعيفا أمام سامر سعيد ، لا لأن هــذا الرجل كمــا
يعرفه الجميع قوي الشكيمة ولا يهاب أحدا ، بل لأنــه نزيه وطاهر الذيل ، وعندئــذ
فقد أبو علي الغالب كل قدراته على الدس والتآمر على الرغم من عقله الذي ينز من
دون أنقطاع السم الذي يملأ تجاويفه . كان يتساءل وهو مرمي فــــي مكتبه الصغير
البائس : ماذا ينبغي عليه أن يفعل ؟ . لكنه كان يصطدم بجدار أصم مــــن المستحيل
عليه أختراقه أو القفز من فوقه . فكر أن يستعيد ثقة شريك مكتبه القديم عله يشفع له
عند المدير العام ليعيده الى جانبه في القسم الثاني .
لم يرد سميع المحمود تحيته ولم يطلب منه الجلوس ، وسأله بجفاء :
– ماذا تريد ؟
أجابه بلهجة متخاذلة :
– هل نسيت صديقك القديم ؟
– أنت لست صديق أحد .
– هل نسيت أنك كنت تقول دائما أنني لن أخذلك ؟
– أنا أبعدتك عني دفاعا عن نفسي .. والآن عد الى مكتبك وأياك والمجيىء الي مرة
أخرى .
لم يجد أبو علي الغالب نفسه وحيدا فقط ، وأنمـا منبوذ مـــن الجميع . فكــر أن يقابل المديرالعام لكنه كان يحجم عن الأقدام علــى ذلك ، أذ أنه لا يمتلك سببا وجيها لتلك
المقابلة . خلال أكثر مـــن شهرين أنقلب أبو علي الغالب الــى مايشبه خنزيرا هائجا
لايقر له قرار ، وكان قد أشبع أمه ضربا وركلا ورميا الى الشارع ، ولم يكن فــــي
الدائرة أفضل حالا ، فقد كشر عن أسنانه في وجوه الكثيرين مــن الموظفين الذين لم
يكونوا على أستعداد لتوجيه اللطمات اليـــه . أحس بأعصابه تتهتك بسرعة أزاء هذا
الأهمال الذي مارسه معه المدير العام . كانت سمومه قد أنتهت مــــن أغراق دماغه
المشتعل أصلا بلهيب الحقد والكراهية . ود أن يطلق عواء طويلا مثل عواء الذئاب
ليزيح عن قلبه ذلك الركام الهائل من الغم والأسى .
في الفترة القصيرة التـــي تقع بين وقتي الدوامين الصباحي والمسائي تسلل أبو علي
الغالب الى مبنى الدائرة ودس أوراقا عدة من تحت الباب الثاني لمكتب المدير العام.
لم ير نفسه نقيا وبريئا وصافيا فيما مضى مثلما يرى الآن بعد أن دس أوراق النميمة
من تحت باب المدير العام . نام تلك الليلة حالما وضع رأسه علـى الوسادة ، وأستمر
في نومه من دون مضايقات ، يعني أنه لم يركوابيس مفزعة مثل كل ليلة . غيرأن تلك
الكوابيس الخانقة للروح سارت على ساقين في ضحى اليوم التالي حين أرسل فــــي
طلبه المدير العام .
قال له مشيرا الى أوراقه التي دسها من تحت الباب والمرمية الآن فوق المنضدة :
– ما هذه ؟
– أنها أوراق ؟
– أنا أعرف أنها أوراق فلا تتذاكى علي .. لماذا لا تترك هذه العادة .
تظاهر أبو علي الغالب بعدم الفهم قائلا :
– أي عادة ؟ .. تسألني أسئلة لا أفهمها أستاذ ..
– هل تنكر أن هذا خطك ؟.. كم مارست معي سابقا مثل هذه الطريقة في تأليبي على
الموظفين ؟.. يجب علي أن أقتلعك من هذه الدائرة لكي ينعم الجميع بالراحة منك .
علا الأصفرار وجهه وأدرك أن أوراق شره أنقلبت عليه ، وأن السم الذي نفثه علـى
الآخرين أرتد اليه ليملأ عينيه وأنفه وفمه . قال متوسلا :
– ظننت أن هذه خدمة أقدمها لك ، فأرجوك ..
قاطعه المدير العام :
– من طلب منك أن تقدم لي هذه الخدمة ؟
– ضميري .
– هل لديك ضمير ؟
ثم من دون أن يترك له مجالا للأجابة واصل بصوت هادىء وحازم :
– أخرج وغدا ستتسلم أمر نقلك .. أخرج .
رآى الظلام يسقط علـــى النهار ذي الشمس الساطعة . خرج متعثرا بخطواته مــــن مكتب المدير العام . قال لنفسه وهو يصعد السلالم الى مكتبه : هذه هي النهاية أذن؟.
وكعادته لم يصدق أن الأحداث التي جرت في مكتب المدير العام حقيقية ، لا لأن ما
جرى قد أصابه بالهلع ، بل لأن حاسته المنذرة لم تعطيه أي أشارة عن الخطر القادم
الذي وقع عليه . ألا أنه أفاق من تخريفه عندما دخل في مكتبه . أفاق على ما سيجره
عليه نقله من هذه الدائرة من مصائب جديدة . لم يتوقع فـــي أي وقت مـــن الأوقات
التي مرت به سابقا أن سامر سعيد سينتقم منه بهذه الطريقة الفجة التـــي يمكن نعتها
بنكران الجميل ، هذا الجميل الذي أنهك نفسه من أجل أن يوصله اليه . بدا له خلال
لحظات قليلة أن العالم قام بتغيير قيمه ومفاهيمه ، وأنه الآن هو أبو علي الغالب بات
الغريب الوحيد فيه الذي يتوجب عليه دفع ثمن أخطاء الآخرين .
نظر من خلال زجاج النافدة الى المدينة الممتدة أمامه ، وعجب لكثرة الأشجار فــي
هذه المساحة الواسعة ، كما عجب ان تلك الأشجار أنبثقت عاليا نحو السماء من كل
البيوت تقريبا .تساءل مدهوشا : هل بغداد تمتلك كل هذه الأخضرار اليانع مـن دون
أن أنتبه له . نظر الى أكتشافه هذا بحيرة فترة من الوقت ثم نسى كل ما يتعلق به ..
أدرك الآن أن الآمال التي ولدت وترعرعت وعاشت فــي صدره وأسعدته بوعودها
فـي نيل مباهج السلطة والتربع علــى كرسي العالم المضىء لـم تكن سوى أوهام أو
أحلام يقظة فاسدة .ماذا عليه أن يفعل لكي يخرج من هذا القمقم الذي أدخله فيه سامر
سعيد ؟ .. أيقن أن الرجل قد أنتهى من تحقيق أنتقامه منه لما فعله به أيام كان رئيس
القسم الثاني . رأى الآن بوضوح سلسلة الأنتقامات التـــــي قام بها الآخرون ببراعة
ضده ، أما هو أبو علي الغالب فقد كان يكتفي في كل مرة يقع فيها أنتقام عليه بوعيد
لم يتحقق ألا مرة واحدة ، ولكنهم حولوا نجاحه في ذلك الأنتقام الـــى دوس بالأحذية
ورمي في المرافق الصحية وبول عليه .
سامر سعيد لن يرميه في مرافق صحية ، أنما سيطوح به بعيدا جـدا عن هذه الدائرة
التي يعتبرها موطنه الذي لا يستطيع أن يتنفس خارجه ، وسيزود عالمـه الجديد بكل
ما يلوث سمعته مــن سوء سيرة وسلوك . هل تخيل أبو علي الغالب مثل هذه النهاية
في أي يوم مــن الأيام ؟ . مـــن المحال أنه فعل ذلك ، على العكس أذ أنه كان يحلم
بتحويل المسؤولين الأوائل فـــي هــــذه الدائرة العملاقة الى خواتيم فــي أصبعه.بدا
له الآن كل شىء مزيف وقاتم أو بلا لون ، وأخذ يغطس في آلامه وأحلامه الممزقة
وآماله الضائعة . رأى نفسه فريسة تتقلب بين قطيع من الذئاب البشرية التــي شكلت
حوله حلقة محكمة لا يمكن النفاذ منها .حاول أن يطمئن نفسه من المخاوف التي بدأت
تتحرك في مخيلته ساحبة وراءها عددا كبيرا مـــن الوساوس التي جعلت العالم مــن حوله أشد قتامة وبؤسا .
لم يستطع النوم في تلك الليلة التي تحولت الى منغص أمسك بخناق روحه . مـع ذلك
لم يشعر بالندم لما فعله بالدس على الآخرين فــي أوراق النميمة تلك التي دسها مــن
تحت باب المدير العام ، أذ أعتبرها الحاجة الطبيعية التي يغذي بهــا نفسه المتعطشة
لأذى الآخرين . غير أنه كان يمر كثيرا بحقيقة مـــن دون أن يراها أو يتنبه لها وهي أن الكثير مـــن أنداده السيئين يملأون العالم مـــن حوله ، وأنهم مثله أو ربما يفوقونه
براعة في الدس والنميمة وحياكة المؤآمرات ، لكنهم يختلفون عنه أنهم يمتلكون أنيابا
ومخالب كفيلة بالعض والتمزيق ، يعني أنهم شجعان وليسوا جبناء مثله .الحقيقة التي
كان يعرفها عن نفسه هي جبنه ، وكان أبوه قد أكتشف ذلك في وقت مبكر جدا مــــن
طفولته ، ولم يستطع علاجها لأنـه يعلم أن الشجاعة لا يمكن خلقها بالمران والدراسة
لأنها تولد مع الأنسان من بطن أمه . أضطر أمام هذه الحقيقة أن يعوض أبنه بتعليمـه
كيف يتآمر وكيف يدس ، وملأ عقله وقلبه بالكراهيــة والحقد تجــاه الآخرين الذيــــن
سيرافقونه في سبل الحياة ويزاحمونه على خيراتها وملذاتها .
لم يندم على كل ما سببه من أذى للآخرين ، على العكس كان يشعر بالزهو والسعادة
حين يفعل ذلك ، وحذره أبوه السيد من الندم الذي هـــو سبب أندحار وأنكسار الرجال
الأقوياء . في تلك الليلة واجه أبو علي الغالب هزيمته الأخيرة ، هزيمته التــي سيكون
لها غدا رنين ودوي يملآن عالمه البائس في الطوابق الأربعة ، وستجعل هذه الهزيمة
ألسنة الموظفات والموظفين تلهج بالقيل والقــــال ، وسيختلقــون الشائعات والروايات
الساخرة عنه مثل المرات السابقة حين كان يضرب ويهان .
قرر في الصباح أن لا يذهب الــى الدائرة ليتلقى ذبحه بسكين غدر المدير العام . قرر
أن يتسلم أمرنقله من أحد الفراشين أو أحد الموظفين وهو قابع في البيت ، لكـن النهار
أنتصف ولم يدق باب بيته أحد . كما أن حاسته المنذرة لم تشر لــه بأي مصيبة وقعت
أو ستقع له في القريب . أرتدى ملابسه وهرول الى الدائرة التي بدت لــــه مضطربة
أو على غير عهدها . سأل أحد موظفي الأستعلامات :
– ماذا حدث؟
أجابه الموظف بعدم مبالاة :
– لا شىء سوى أن المدير العام قد نقل من دائرتنا الى دائرة أخرى .
سأله مندهشا :
– هل هذا خبر صحيح ؟
– نعم .
– متى يغادر الى تلك الدائرة ؟
– غادرنا في وقت مبكر من هذا الصباح .
عرف مــن مدير الأدارة أن المدير العام لــم يصدر أي أمر أداري يخصه أو يخص
أي موظف آخر . آمن أن العناية الآلهية أنقذته مـــن مصير مجهول ، وأن حظه ليس
سيئا دائما . عاد الى بيته من دون أن ينتظر نهاية الدوام الرسمي ، لكـــي يتمتع لأول
مرة بسعادة لا يعرف من أين قدمت .

-10 –

بمجيىء مهدي عباس مديرا عاما للدائرة العملاقة حلت بركة ولعنة تواترت أحداهما
وراء الأخرى على رأس أبي علي الغالب .بركة تمثلت بلجان تطوير العمل التــي لم
تستمر طويلا ، لتحل محلها حسرة رافقته طويلا جدا أعتبرها لعنة مزقت قلبه وأدمت
أعماقه . ثم جاءت اللعنة التــي أدمت أنفه وفمه وأسقطت أسنانه وملأت وجهه بكــــل
أنواع الكدمات في ذلك المساء المشؤوم .
في اليوم الرابع الذي تلا تلك المشاجرة العنيفة ،أجبرته زوجته علــى الذهاب الــــــى
صديقه طبيب صحة الطلاب ليعالج أسنانه . قال لــــه صديقــــه الطبيب بعـــد أن قام
بفحص فمه :
– ما هذا يارجل ؟ .. هل صدمك قطار ؟
– ما يشبه ذلك .
– سأعالج لثتك الممزقة أما تعويض الأسنان المفقودة فسأرسلك الــــى عيادة كلية طب
الأسنان ، لكي لا تدفع النقود للأسنان الصناعية التي سيضعونها لك .
بعد أسبوع تألقت الأسنان الجديدة في فمه ، لكنها لم تزل الدماء التي تخثرت فــي قلبه
جراء لكمات الرفيق علاء ، غير أن الأشد أيلاما من تلك اللكمات التـــي تشبه صدمة
قطار مثلمــا قـــال صديقه طبيب صحة الطلاب هـــو مشاهدة مهدي عباس مدير عام
الدائرة العملاقة لذلك الشجار مــن بدايته الى نهايته . خلال ذلك الأسبوع الذي أمضاه
في مراجعة العيادة الخارجية لكلية طب الأسنان ، لم يتوقف تفكيره عما حدث لــه في
مركزالشرطة ، وكيف هجم تلاثة من الرفاق على غرفة المفوض وأحزمة مسدساتهم معلقة الى أكتافهم ، وكيف أجبروا ذلك المفوض على غلق التحقيق، أو فـــــي الحقيقة
تمزيق أوراق الدعوى وكأن أحدا لم يقم أي دعوى ، فأحتج المفوض :
– وكيف سأرسله للمستشفى لمعالجته مـــن دون دعوى ؟. أنه مايزال ينزف الدم مــن
أنفه وفمه .. يعني أن لديه نزيفا .
قال الرفيق علاء :
– صدق أنه من أعز أصدقائي .
قال المفوض ساخرا :
– أذا كان من أعز أصدقائك وفعلت به كل هـــذا الخراب ، فماذا ستفعل به لو كان من
أعدائك ؟
قال أحد الرفاق الثلاثة الذين قدموا وأحزمة مسدساتهم معلقة الى أكتافهم :
– يا جناب المفوض أنه من أصدقائنا .
أصر المفوض على موقفه قائلا :
– يجب أن يذهب الى المستشفى للعلاج .
رد عليه احد الرفاق الثلاثة بحزم :
– نحن سنأخذه للعلاج في مستشفى مدينة الطب فأخي يعمل طبيبا هناك .
سحب أبا علي الغالب من يده خارجا به من غرفة المفوض ، فيمـــا سحب رفيق آخـر
أوراق التحقيق من تحت يد المفوض . هكذا أختطفوه من مركز شرطة الفضل لكــــي
يعالجوه في مستشفى مدينة الطب ، ثم أرضوه عنوة بنقود وضعوها في جيبه لم يمرفي خاطره أنه سيبيع أسنانه ودمه ويعقد الصلج مع من تسبب في كل ذلك،أيقن أنهم أهانوه

ومرغوا كرامته وشرفه في الوحل أمام أهـــــم وأكبر رجل فـــي الدائرة العملاقة . بم
يتعلل بعد أن قبل النقود التــــــي وضعوها فــــي جيبه كما لـــــو تلك النقود هـــــــــي
القضاء ةالقدر الذي لا يمكن رده . قال له الكثيرون أن قبوله تلك النقود هــــي الأهانة
الأشد مضاضة من أسقاط أسنانه وأسالة دمه . لكنه نظرالى الأمر مــــن زاوية أخرى
تختلف تماما عما نظر اليه الآخرون ، أذ أعتبر تلك الأهانات التي ترادفت عليه فـــي
ذلك المساء هو الأنتقام الذي نفذه الحزب جزاء ما فعله ضده في عام 1963.
غير أنه فـي أوقات أكثر صفاء لفكره كان ينكر ويرفض هذا الرأي ، لأنه يعرف جيدا
أن الحزب لو أراد الأنتقام منه عما فعله فـــي الماضي لأنتقم بطريقة أخرى ، وأتضح
له أنه فكر بعقل طفل وليس بعقل أبي علي الغالب المترع بالسم .أحس أنه يقف وحيدا
أمام عالم ينظر اليــه بعدوانية وأحتقار بسبب تمتعه بذكاء خارق يفتقده ذلك العالم . ثم
بدأ يضفي على نفسه أهمية جعلت الكثيرين من حوله يضجون بالغيرة والحسد، وهـذا
ما حفزه للأعتزاز بنفسه . كانت قناعته بأهميته تكبر كل يوم على الرغم مـــن أن تلك
الكدمات لم تختف مــــن وجهه بعد . ذات يوم سمع أحدهـم يحدث صديقه فــــي حافلة نقل الركاب قائلا :
– الناس ترمي الأشجار المثمرة بالحجارة .
نال هذا القول أعجاب أبي علي الغالب لا لأنه مغرم بالأقوال التي ترشح منها الحكمة
وأنما وجد أنه هو مـــن الأشجار المثمرة التــــي رماها الآخرون الحاقدون الحاسدون
بالحجارة لأسقاط ثمارها . ألا أنه تذكر أنهم لـــــم يضربوه بالحجارة وأنما بالأحذية ،
وكعادته دائما برر ذلك بــأن لا فرق بين حجارة وحذاء عندمــــا يلجأ الــى أستخدامه
أحد كارهيه أو حساده . غير أن مثل هذه الحالة يمكن أعتبارها مـــــن النوادر ، أذ أن
سوداويته هي الطاغية عليه في أغلب الأحيان ، وكانت تملأ روحه بالمرارة التي يجد
أن عليه أن يسمم بها حياة الآخرين القريبين منـــه ، لأن لديه الأيمان بأن لا يدع أحدا
منهم يعيش مرتاحا وسعيدا ، وأنه يرى أن من واجبه أن يجعله يتجرع الغصص .هذا
الأيمان هو الذي دفعه فــي ذلك المساء الدامي الى الأنتقاص مـــن الرفيق علاء تحت
غطاء المزاح .
وعلى الرغم من كونه يشقى في كثير من الأحيان مــن حرمانه مما يتمتع به المنتمون
الى الحزب فأنه كان يمني النفس بمتع ومكاسب قادمة عمـــا قريب ، كان بذلك التمني
يحاول وقف الأنهيار الـــذي يوشك أن يحدث في داخله . غير أنـــه كان يدرك في كل
وقت أن ما يجري لاهثا لنيله قد أصبح وراءه . يئس مـن كل المسؤولين الذين ضحى
بكرامته وسمعته مـــــــن أجلهم ، أذ أنهم يمتلكون كلابهم الخاصة المدربة تدريبا جيدا
على الدس والكذب والتآمر والنميمة ، وهكذا ما عاد أحد مــــن رجال الطليعة بحاجة
اليه ، بل كانوا يبعدونه عنهم خشية من أن يعض أيديهم مثلما فعل بعلي الحسني .
كل يوم كان ينظر فـــي المرايا التـــي في بيته ، وتلك التي في المرافق الصحية فـــي
الدائرة العملاقة ، وقد راعه منظر وجهه المليىء بالكدمات والهالات حول عينيه التي
تحول لونها من الأزرق الى أحمرارممزوج بلون بنفسجي . وكل يوم أيضا يشعربأنـه
وحيد في هذا العالم الذي يحاصره من كل الجهات . في لحظة قهر وحزن عميق تذكر
أن أباه السيد قال له يوما :
– لا تحزن أبدا أذا شعرت بأنك وحيد في هذا العالم وتذكرأن الله وحيد في هذا الكون .
وأننا من سلالة تعودت على العيش في الوحدة لأننا لا نتبع عواطفنا أبدا بل نتصرف
ما تقوله عقولنا . هذا ما يجعلنا غرباء عن هذا العالم ، وربما نحن جئنا مـــــن عالم آخر، من كوكب آخر .
بهت من قول أبيه هذا الذي غاب عنه طويلا . تساءل : هل شعوري بأنني وحيد يعود
الى كوني غريبا عن هذا العالم ؟.. هل قدمت من كوكب أخر الى هذا المكان ؟. آمـــن بهذا الذي توصل اليه .. آمن أنه من جنس آخر من المخلوقات .

– أنتهت –

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. م. عبد يونس لافي : رجلٌ كبيرُ السِّنِّ، خلفَ منضدةٍ كبيرة ـ اللقاءُ الأول .

مخزنٌ كبيرٌ يقفُ عندَ مدخَلِهِ، رجلٌ كبيرُ السِّنِّ خلفَ مِنْضَدَةٍ كبيرةٍ، يُنجِزُ إجراءاتِ الْبيعِ للزبائنِ، …

| عبداللطيف الحسيني : نخلة الله حسب الشيخ جعفر .

إلى الشاعرين محمد نور الحسيني و محمد عفيف الحسيني. الشعراءُ فقط جعلوا الحياةَ بهيةً لتُعاش …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.