مهدي شاكر العبيدي : محمد فريد وجدي الكاتب الإسلامي والمفكر الموسوعي

سمعْتُ باسم محمد فريد وجدي قبل سنواتٍ بعيدة ترقى إلى متابعتي وقائع ثورة العشرين العراقية على المحتلينَ الطامعينَ في موارد هذه البلاد ، في أيِّ مرجع ثقافي يحيط بها ويشتمل عليها ، ومن هذه المظان المدوِّنة لها بعض دواوين الشعر الاستنهاضي لغير نفر أو رعيل من الناس تأثر بها واهتزَّ لها وريع بمصائبها وجرائرها وأهوالها ، فكانتْ قصيدة الجواهري المعنونة ( الثورة العراقية ) من أبين الشواهد والنماذج البيانية التي يصحُّ النظر لها كوثيقة مصوِّرةٍ لأحداثها وملمَّة بكوارثها ، وتقف من فجائعها ومآسيها ذات الأثر البيِّن والوقع الأليم في الحياة العراقية لحدِّ زماننا الراهن ، على مسافةٍ وشوطٍ ، لا سِيَّما أنَّ ناسجها والماسك بما أنجدته وألهمته به من معان ٍ وخواطر نافذة هي فوق مكنته ومؤهَّله الشخصي ، وهو بعدُ لم يستوفِ تحصيله اللغوي كليا ً ، أو قدرا ً منه مناسبا ً يُجيز له أنْ يزاحِم نظراءه من الشاعرينَ ويبزُّهم في إبداعه وتحليقه فنيا ً ، خاصة عبر هذه القصيدة وهو في حداثة عهده وطراوة عوده ودون أنْ يفيد من تجربةٍ ويعصف بحياته هولٌ ، فكان لها هذا الدَويُّ والصدى والرَجعُ البعيد في الأوساط السياسية والصحفية والمحافل الاجتماعية كذلك ، بحيث امتلأتْ نفوس الملأ إعجابا ً وتهليلا ً ، وطفحَتْ سرائرهم بالتأميل أنْ يجوزها إلى هو ما أدلُّ وأحفل بالنضج والسموِّ الفني من قصائد الشعر ولقياته الرصينة والمتينة :

لـَعـَلَّ الذي ولـَّى مِن الدَهـر رَاجـِعُ        فـلا عَيْشَ إنْ لمْ تبقَ إلا المَطامِعُ
غـُرُوْرٌ يُمَنـِّيْنا الحَيَاة ، وَصَـفـْوُهـا        سَـرَابٌ وَجَـنـَّاتُ الأمـَانِي بَـلاقعُ
نـُـسَـرُّ بـِزَهـو ٍ مِـن حَـيَـاةٍ كـَذوبـَةٍ        كما افترَّ عن ثغر المحبِّ مخادِعُ
هو الدَهرُ قارعْهُ يُصَاحِبْكَ صَفـوُهُ        فـَمـَا صَـاحِـبُ الأيَّام إلا المُقارعُ
…………….
فلا غرو أنْ اعتزم الشيخ مهدي الخالصي أحد قادتها المخلصينَ والمُكتوينَ المتسجِّرينَ بما أسفرَتْ عنه من نتائج وإخفاقات ، تطويق هام الشاعر النابه الفتي بذخيرةٍ نفيسة تبقى مع العمر ، ويعوَّل عليها في رياضة سليقته ، وشحذ عاطفته ، وإرهاف وجدانه ، هي : ( دائرة معارف القرن العشرين ) ، بمجلداتها العشرة ، لمنسِّقها وجامع أشتاتها ومبوِّبها الفهَّامة محمد فريد وجدي ، والذي أتمَّها وفرغ منها واستنفدَتْ السنوات المديدة من حياته بين 1910ــ 1918م ، فكانتْ من أوَّليَّات ثمار المطابع الحديثة ، وفي مقدِّمة ما تداولته أيدي القرَّاء المعنيينَ بزيادة معارفهم وتوسعة مداركهم ، من كتبٍ وحوليات ومصنفات وردَتْ توا ً إلى السوق العراقية من مصر ، وللمجتلي أنْ يعاينَ مدى التواصل الثقافي بين البلدين ِ المتنائيين ِ في موقعيهما من خارطة الوطن العربي والعالم ، على الرغم من اكتظاظ الساحة بالمتغيِّرات والحوادث ، وامتحانها بالنوازل والكوارث ، فضلا ً عن صعوبة المواصلات بينهما ، ممَّا يجعل بحكم الغرائب والمستحيلات أنْ يقع في اليد مطبوع انتـُهيَ منه عام 1918م ، من بلدٍ يُماثلنا في مشكلاته المتفاقمة وأهواله الجسام ، ونحنُ في عام 1921م ، وقد تولينا من انتفاضنا بوجه المحتل بما يزري ويُخجل ويفتُّ بالأعضاد من الاخفاق والانكسار ، بعد شهودنا الضحايا الصرعى والدماء النازفة في غير مكان ، حتى ليُعَدَّ مجرَّد تصفحنا وتفليتنا لدورية ضخمة قوامها تسعة آلاف صفحة من قبيل البطر الذي ينظر الآخرونَ حِيال أربابه نظرة مجرَّدة من الإكبار والتوقير ، وأنـَّنا نقف خارج السرب ، ولم نكترث لما يحلُّ بإخوتنا من رزايا وفجائع ، وينزل بساحهم من صنوف الذلِّ والضيم ، وبالتالي نغدو فرائس هيِّنةٍ للصروف والدواهي كلَّ آن ٍ .

ويبقى اسم محمد فريد وجدي موضع المهابة والإجلال ، لأنـَّه زهِد في التحصيل المدرسي في كنف المؤسَّسات والمدارس التي تشيِّدها الحكومات المصرية المتعاقبة ، وتكِلُ العمل بها وإنجاز مهمَّاتها إلى نفر تلزمهم بإعداد فتية يهيمنون على الوظائف والشؤون المتصلة بها في ظلِّ ارتباطها وتبعيَّتها للنفوذ البريطاني بعد هزيمة العرابيينَ ، وغدا صاحب السلطة مدينا ً له بإنجاده وإعادته لعرشه ، إثر تخييب مطامح الثائرينَ والمحتجِّينَ على البغي والتسلط ، وللمطالبة بحقوق البلاد وإعلان غضبتهم على شيوع الفوارق والامتيازات بين مراتب الجيش وصنوفه ، فوُوجهوا بالتنكيل والقمع ، وانتهوا إلى الحبُوس والمنافي بعد محاكمات تخلو من الإنصاف والعدالة ، ولا تراعي أيَّة حُرمَةٍ وذِمام في الاقتصاص منهم وتجريمهم ؛ كلُّ هذه الضروب من العنف والمضايقة والإرهاق والخسف ما كانتْ لتطبق على البلاد المصرية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر ، لولا تخاذل الرؤساء أمام سطوة الأجنبي وإدلاله عليهم بتنصيبهم في مواقعهم ، وكان بوسع هذا الغاشم أنْ يكسِب رضا الأهالي ويُساير أهواءهم ، غير أنـَّه لا يأتمنُ مجاهرتهم بتحديد أمدٍ يتقلص فيه تحكمه وينقشع سلطانه ، وفي ذلك ما فيه من الإضرار بمصلحته والحيلولة دون إتمام مشروعاته التي مهَّد لها وجاء لأجلها .

وشَهدَتْ هذه السنوات المتأخِّرة ولادات معظم رجالات مصر ممَّن غدوا منذ إطلالة القرن العشرين على رأس حركة التنوير والتطوير والنهضة ، فظهر من بينهم مؤسِّسو الأحزاب ومشاهير الصحفيين وكبار الأدباء ودعاة التجديد في مضامير الحياة المتنوِّعة ، وكأنَّ السنوات تلك التي أذعَنتْ فيها مصر لإمرة الغاصبينَ وخنعَتْ لمشيئتهم ، كانتْ فترة تنشِئة وإعدادٍ وتهيئة وتمهيد لظهورهم ومثولهم في ساحة العمل السياسي بكلا نوعيه : الثوري والإصلاحي ، أو المبتغي الوصول لهدفه ومتمنـَّاه بالطفرة المُباغِتة أو بالتوءدة والتدرُّج ، وكذلك في مجال تفشِّي الآراء والأفكار التجديدية المستهدفة اجتثاث ما يرسب في الأفهام والعقول من أضاليل وأوهام واعتقاداتٍ بالية بالخرافات والخوارق ، ونجم عن هذا التشاحن والتباعُد ــ بل التصارع والتطاحن ــ بين عقليتين ِ تنزع أولاهما للرقيِّ والتقدُّم ، وتخال الثانية أنَّ من الخير للناس بقاء مألوفات عيشهم على ما درَجَتْ عليه واعتادته منذ سنين ، متحاشية في ذلك ابتلاءها بما لا يُحمَد من جسيم المتاعب ، لكنَّ عجيبة العجائب أنْ تسفر هذه الفترة المنتهية بخواتيم القرن التاسع عشر وانطوائه عن ظهور كـُتـَّاب طاوعهم البيان العربي الفصيح المُبَرَّأ والخالي من السجع والزخرف وسائر الرقاعات والمحسِّنات من تعمُّل وتنميق وانتحال وحذلقةٍ وحمل النفس على صياغة ما لا يجيش بوجدانها ولا يخامر إحساسها من البواعث والشجون ، والأغرب أنْ يتباين أولاء الرهط من المنشئينَ والمتمرِّسينَ بالأساليب الكتابية في الوسائل والسبل التي انتهجوها ، منهم مَن ساعفته ظروفه المعيشية ومحيطه العائلي الذي لا يعدم متنوِّرا ً متفتح الذهن ومستبقا ً لما ينجم عنه الآتي من الأيَّام ، فلم يحجم عن السماح بانتظام فتيته في المعاهد الحكومية من أدنى درجاتها ومستوياتها ومراحلها إلى أعلى هذه الدرجات والمستويات والمراحل ، وقد آبوا منها مصقولي العقول ، مشحوذي الأفكار والفهوم ، ومتشرِّبي أنصع الميول والعواطف الإنسانية في الاستمساك بالنبل والتضحية والإيثار ، ومجافاة الزيف والاختلاق والكذب على طول الخط ، ولو أنَّ معاهدهم التدريسية تلك كانتْ مماشية ومجارية لسياسة الحُكم ، ونازلة على ما يفرضه المتعسِّفونَ من تدابيرَ وإجراءات لتصفية ما تبقى متعاليا ً بين آن ٍ وآخر من أصداء حركة عرابي وأنفاسها التي شاءَتْ استحقاقات الكفاح الشعبي المخفق أنْ لا تخمد بالمرَّة ؛ ورعيلٌ منهم جمٌّ وكاثر لم تيسِّر أحواله البيئيَّة والنفسية أنْ يتردَّد على تلك المؤسَّسات والمعاهد وينخرط فيها ، أو أنـَّه لبث بين أروقتها وانقطع عنها ربَّما لفشله ومقته لِمَا تلزم به متعلميها كلَّ مرَّة من اختبارات وامتحانات ومذاكرات لِما استوعبوه من تعليمات ودروس ، فآثر الاعتماد على نفسه ، وفضَّل اكتساب المعرفة الحقة وتذوُّق نماذج وشواهد رائقة من الأدب الأصيل ، بالتعويل على مطاولته وصبره واحتماله ما يشقُّ ، أو تذليله لما يعرض من العوارض والموئسات ، واللافت للنظر أنَّ كلتا الفئتين ِ من محترفي العملين ِ : الفكري والأدبي ، متماثلة في قوَّة أدائها لأغراضها ومقاصدها الـ شتى ، ومتناظرة في ابتداع عيِّنات ونصوص راقية من الأدب المطبوع والصياغة المترسِّلة والمجانبة لأيِّ لون من إعضال وتوعُّر ، على ما يبين من نزوع لفيف من متخرِّجة المدارس للجديد ، وتوجُّه رهط من مروِّضي سلائقهم بمجهودهم الفردي نحو القديم على وفق ما أسرف فيه بعض الكتبة والنقدة من إيماء وتحديد لمواصفات ذينك الصنفين ِ من القديم والجديد ، متناسين أنَّ الكتب المنزَّلة والقرآن الكريم بوجه خاص ، كانتْ جميعا ً من مصادر استزادتهم معرفتهم اللغوية وخبرتهم بأساليب البيان وصور التعبير ، ممَّا لا يماري فيه اثنان .

كذا أطلَّ ما أسماه الدكتور محمد رجب البيومي في خاتمة كتابه ( محمد فريد وجدي الكاتب الإسلامي والمفكر الموسوعي ) ، والصادر عن دار القلم بدمشق ، ضمن سلسلة ( أعلام المسلمينَ ) بالتسلسل ( 86 ) ، قلتُ أطلَّ ما أسماه الدكتور المحترم بعهد الكتابة الزاهرة في المنتصف الأوَّل في القرن العشرين ، حينَ كان البلغاء من أمثال : مصطفى صادق الرافعي ، وأحمد حسن الزيَّات ، وعبد العزيز البشري ، وعباس محمود العقاد ، وأحمد أمين ، وطه حسين ، ومحمد حسين هيكل ؛ يسيطرونَ على الحياة الأدبية سيطرة قوية ، وهؤلاء جميعا ً يعدُّونَ كـتلاميذ للأستاذ محمد فريد وجدي ، إذ سبقهم في ميدان البحث الأدبي ، وقد اعترف الأستاذ عباس محمود العقاد بأستاذيَّته القادرة .

ولا محيص ولا مِراء أنْ يعترف العقاد لمحمد فريد وجدي بهذه الأستاذية القادرة ، فقد كان قريبا ً منه وفي معيَّته حين قاسمه في تحرير جريدة ( الدستور ) التي صدر منها أوَّل عدد 16 / تشرين الثاني / عام 1907م ، بعد هجران الأستاذ وجدي مزاولة العمل الصحفي ، نظرا ً للخسارة المالية التي تكبَّدها في مجلته السابقة ( الحياة ) ، لأسباب أبينها امتناع مشتركيها عن تسديد ما بذمَّتهم من مبالغ تافهةٍ ومتدنيةٍ ، رغم موافاته المستمرَّة لهم بها ، ويتمادونَ في الامتناع عن الدفع مقابل ذلك التصرُّف من إنسان يُحسِن الظنَّ بالآخرينَ ، ويخالهم يتحلونَ بمثل أمانته وحرصه والتزامه ووفائه بعهده ، وقد تعجب لكاتبٍ ألـَّف المداومة والطـَرْقَ في موضوع واحد عبر مقالاته وأدبيَّاته ، وهو المنافحة عن عقيدة الإسلام ، ومصاولة غلاة المستشرقينَ المتغرِّضينَ في وصمه بالتخلف وعدم مسايرة التطور الحضاري ، دون أنْ يُحدِث فيها تنوعا ً وتجديدا ً ، تحـاشيا ً واجـتنابا ً لـسأم قـرَّائه وملـلهم ، أمـَّا أنْ يتخـيَّـر اسـم ( الدستور ) وهو المعروف عنه أنـَّه لا يتسمَّح في قبول بعض المسالك في استجابات الأفراد ، كظهور الفتيات على مسرح التمثيل ، فيعيبُ عليه المرجفونَ وذوو الأغراض جموده وانغلاقه ، والأدهى من ذلك أنْ يوقفها على الدعوة لمبادئ الحزب الوطني إلى جانب الصحيفة الرسمية الناطقة بلسانه ، ويعدو الأمر إلى الانضمام لركبه ، ومشايعته في طِلاب الجلاء والحرية ، وتبلغ به سعة الأفق والرحابة الفكرية حدا ً أنْ يختلف مع مصطفى كامل زعيمه ، ويعترض على ما جاء في خطبة مأثورةٍ له في مناسبةٍ من المناسبات ، وأزمع من يومها بعض منتسبيه على مقاطعته بالامتناع والإحجام عن شراء الصحيفة وقراءتها ، لأنَّ نحائزهم لا تحتمل صبرا ً على التبايُن في المواقف ، ولا هم من جانبهم يعتدُّون الاختلاف في الرأي أمرا ً اعتياديا ً وطبيعيا ً لا يستدعي تشنجا ً وانكماشا ً ، فمني بخسارات متوالية بتوالي المقاطعة ، فلم يمض ِ في إصدارها وفضَّل إغلاقها ووجد أنْ لا بُدَّ له من استدعاء صاحب المطبعة الذي يتعامل معه ، بغية تصريف كتبه بشرائها بأقلِّ من أثمانها الأصلية لتسديد ما بذمَّته للمستخدمينَ والأجراء من مرتبات ، أمَّا التحرير فكان يضطلع به اثنان ، هما : العقاد وصاحب الصحيفة نفسه ، على ما ذكره وفصَّله الكاتب الألمعيُّ سليل ( الدستور ) ، في كتابيهِ المنشورين ِ إثر غيابه : ( حياة قلم ) ، و ( رجالٌ عرفتهم ) ؛ مسجِّلا ً فيهما رفضه لكلِّ المعاونات والتعهُّدات والدعم المالي لبقائها لقاء تنازل يتقدَّم بها للجهة صاحبة الدعم ويقبل اشتراطاتها .

لم يمارس هذا الجهبذ العمل السياسيَّ وما يعنيه من معارضةٍ للساسة ورجال الحكم وتعرية تصرُّفاتهم ، سوى مرَّة واحدة وبصورةٍ مباشرة حين فنـَّد تخرُّصات اللورد ( كرومر ) ، ودحض افتراءاته بخصوص ماجريات حياة المسلمينَ في أوطانهم ، بعد مغادرته مصر التي آوته في جنباتِها ردحا ً من الزمن ، وأبى أدباؤها إلا توديعه في حفل ٍ أقاموه ألقِيَتْ فيه خطب وقصائد لا تخلو من تذكير بعضهم له بما شاب حكمه من جرائر أفظعها مأساة ( دنشواي ) ، على أيَّة حال أودع تلفيقاته تلك صحيفة إنجليزية في بلاده ، وما أنْ اطلع عليها الكاتب الإسلامي حتى تصدَّى له مسفـِّها ً تطاوله واجتراءه ، ومبيِّنا ً : (( إنَّ الإسلام أقوى عامل ٍ عرفته البشرية للاستنهاض والتجديد ، وقد دلل على ذلك بالعمل ، فأخرج أمة من العدم ، وأمتعها بكلِّ الوسائل التي جعلتها في مقدِّمة الأمم )) .

توفي المغفور له العلامة محمد فريد وجدي أوَّل مَن شرع بإعداد الحوليَّات ودوائر المعارف في القرن العشرين بمجلداتها الضِخام ، في العام 1954م ، وكان آخر أعماله هو الإشراف على مجلة ( الأزهر ) والقيام برسالتها في ردِّ الشبهات والشكوك المساورة لبعض الأدمغة والعقول ، بحقيقة الإسلام وتصحيح مسار أولاء بحملهم من طريق المساجلة والإقناع ، على اتـِّباع السنن المهيع المستقيم ، من غير زراية بأدبهم ونيل ٍ منهم وخدش ٍ لشعورهم ، كما حصل من نعيه رحيل شاعر العراق جميل صدقي الزهاوي ، فكتب كلمة بالمناسبة شرح فيها فـكر الشاعر وفلسفته ، وبيَّن تردُّده وعدم تمسُّكه بها إلى ما لا نهاية ، فيَحَار بين الإيمان واليقين وبين مشاكلة المجدِّفينَ في إلحادهم وازورارهم عن الدين ، وهذه السليقة عنده ليسَتْ من صلب المنطق الفكري والفلسفي المسؤول ، ولا من سجية مَن يعهدونَ الثبات في مواقفهم المحدَّدة ، ومع ذلك فقد استنكر بعض مشايخ الأزهر نشر الأستاذ وجدي لمقالته هاته في مجلتهم ، والتي اقتضتها مناسبة وفاة الزهاوي مرتجيا ً له الرحمة على كلِّ ما بدر منه ووقع فيه من هِنات وزلات .

وقبلها اندلعـَتْ خصـومة عنيفة بينه وبين الشـيخ محـمـد رشـيـد رضـا صاحب ( المنار ) ، يوم أفتى بترجمة معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية ، فآلى الشيخ على نفسه إلا أنْ يخطـِّئه ويُضَادِد أدلته وبراهينه العلمية في هذا السِياق ، ممَّا ذكره وأشار إليه الراحل عبد الحميد العلوجي في كتابه ( عطر وحبر ) .

قلتُ : اسـتـأنـف الرجل الأعـمال والمهمَّـات الصحفـية بالإشـراف على مجـلـة ( الأزهر ) منذ عام 1933م ، لغاية وفاته ، وبذل مجهودا ً طائلا ً في تطويرها ورفدها بموضوعاتٍ ومقالات تغري غير المشغوفينَ بمطالعة الدراسات والفصول المكرَّسة للثقافة الإسلامية الفلسفية كما يبتغيها طلابها ، ومصاولة الكتبة الغربيينَ في إنكارهم لحقوق المسلمينَ وفضائل الإسلام ، بأنْ استدرج جماعة من المفكرينَ والفلاسفة للنشر فيها ، بدءا ً : من الدكتور محمد البهي ، والمتصوِّف العملي الشيخ عبد الحليم محمود مترجم كتاب ( محمد رسول الله ) عن الفرنسية ، لمؤلفيه آتيين دينية   ، وسليمان بن إبراهيم الجزائري ؛ والفرنسية هي اللغة التي يجيدها الشيخ الأزهري لمكثه في فرنسا آونة ؛ وانتهاءً بالأساتذة الأكاديميينَ العصريينَ كـ : أمين عثمان ، وأحمد فؤاد الأهواني ، وعلي سامي النشار ؛ هو الذي أسبق منهم عمرا ً ، وجنف عن سبقهم إلى الانخراط في الجامعات الحديثة ونيل شهادتها على ألمعيَّته ورجحانه ، فقد اعتمد على ذاته في تربية ملكاته وصقل مواهبه ، فتعلم الفرنسية وحاور كتبتها وفلاسفتها بشأن دسائسهم وأباطيلهم وفبركاتهم اللائي ينسجونها ويروِّجونها للطعن بتعاليم دينه وشرائعه ، أمَّا ما جرى عليه في ما أنشأه من مقالات ومباحث ، من بيان فصيح ولغةٍ موسومةٍ بالجزالة وبلوغ غاية الرصانة والاستواء ومجانبة الحوشي من الألفاظ ، مقترنا ً كلُّ ذلك بتهيئة الحُجج والأدلة الكافية لإفحام المتطاولينَ والمتغرِّضينَ لما يعتنقه من نوازع فكرية ورؤىً فلسفية وتوجُّهاتٍ إسلامية محضة ، منطلقا ً في هذا من شعور بالحفاظ والغيرة والحميَّة ، فلك أنْ تراع إنْ لم تستغرب من وفرة مطالعاته في ذخائر الأدب العربي التي أمدَّته بحصيلة من المعارف مفرغةٍ في أنصع الأساليب وفنون التعبير ، تقوَّتْ بها لغته واستقام أداؤه النثري ، ومع ذلك فقد جوزي بالإهمال والكنود ، ومن أمثلته ما جاد به عليه السوري ( فردينان توتل ) في تحريره منجد الأعلام المُلحق بالمنجد اللغوي المتضخِّم بعض الشيء ، بتنويهٍ يسير على أنـَّه من معدِّي الدوريات ، دون تخصيص بضعة أسطار للتعريف بدوره وسابقته في الميادين والحقول الأدبية والصحفية كعلم من الأعلام .

لكن حمدا ً أنْ لم تـُغض ِ وتستثنهِ موسوعة أعلام العرب الصادرة ببغداد عن بيت الحكمة في العام 2000م ، فقد انبرى الدكتور عبد الستار الراوي ، مدرِّس الفلسفة بكلية الآداب ــ جامعة بغداد ، وهو فوق ذلك فنان تشكيلي معروف ، كما أنـَّه أخِذ من بين طلبته في طور متأخِّر ليشغل وظيفة سفير عن العراق في طهران ! ، والخاتمة معروفة ! ، قلتُ : انبرى الدكتور عبد الستار الراوي للكتابة عنه والتعريف بأوجه نشاطه في الميدان الثقافي ، وترجم له مفسِّرا ً قرآنيا ً وصحفيا ً لامعا ً وكاتبا ً موسوعيا ً ، مضفيا ً على شخصه تلك الأوصاف المأثورة ، وذاكرا ً بعض مؤلفاته ، مثل : ( المدنيَّة والإسلام ) ، ( المرأة المسلمة ) ، ( الفلسفة الحقة في بدائع الكون ) ، و ( على أطلال المذهب المادِّي ) لأنـَّه متمسِّك بالروحانيات ؛ وأتى على تنقلاته من مدينة السويس إلى القاهرة التي عُرف في أوساطها ومنتدياتها الثقافية والأدبية ، وحققتْ بعض مناه ورغابه .

والعجيب أنْ يتلخـَّص كتاب الدكتور محمد رجب البيومي المطنب في سيرة محمد فريد وجدي كاتبا ً وصحفيا ً ومفسِّرا ً ، وأوَّل منسِّق ومبوِّب لـ ( دائرة معارف القرن العشرين ) ، دون أنْ يسهو عن نقاشاته ومجادلاته والصحف والمجلات التي أصدرها في حياته ، وينسكب في أقلِّ من صفحةٍ من كتاب مطبوع عريض الشكل ، وما استتمَّ هذا بطبيعة الحال إلا من وراء استثناء بعض التفاصيل من النقل والمراجعة .
وبعد كلِّ هذه الإضافات والتعقيبات والشروح بتأثير الوقوع بما يشبه السحر والانخطاف بالروعة الأدائية لكتاب الدكتور البيومي عن الرجل الأعجوبة الذي تتلمذ على ما أسلفه من مأثورات فلسفية ومعطيات أدبية وفكرية خيرة الفهماء والحكماء والأساطينَ المنجبينَ في وادي النيل ، يروق لي أنْ أحدِّد أمرين ِ قد يكون المؤلف ناقض نفسه فيهما ، أو يُرمَى بالتفريط في النظر لهما من جميع الوجوه ، علـَّه يهاود في تشدُّده وغلوِّه :

1.    ألفيت الكتاب ممتلئا ً بالثناء والإعجاب والإكبار لجهاد العقاد في الأدب والتأليف والصحافة ، وهو أمر لا غبار عليه ، ولا مؤاخذة لنا عليه ، غير أنـَّني استأني في استكثاره على أحمد لطفي السيد حظوته بتقدير الأجيال المتعاقبة ، بينا يخاله عاريا ً من الفضل والدالة على الشبيبة المصرية ، ولا تأثير له في النهضة الفكرية والأدبية ، مغضِيا ً عن أنَّ العقاد نفسه خرج من معطف لطفي السيد كما خرج الروائيونَ الروس من معطف ( غوغول ) ، فقد كان حميم الصلة به على امتداد حياته أيَّا ً كانت المواقع التي شغلها في الجامعة أو الوزارة ، ومثلما أسهم العقاد في تحرير جريدة ( الدستور ) ، فقد احتفتْ جريدة ( الجريدة ) بالكم الوافر من مقالاته وكتاباته ، ودام ارتباطهما لغاية رحيل السيد بداية ستينيات القرن المنصرم ، وعبَّر العقاد عن فجيعته بموته بالخوض بشأن ترجمته لأرسطو ، وتعديد خدماته للجامعة ، وأشاد بنزاهته وتجرُّده في الوزارة ، وبالتالي إخلاصه في تأدية مهمَّاته ووجائبه في أدوار حياته عموما ً ، ولعلـَّك تجـد كتابته عـنه في فاتحة كتابه ( رجالٌ عرفتهم ) ، نفس الكتاب الذي اعتمد عليه الدكتور البيومي مرجعا ً من مراجعه الوثيقة المؤتمنة ؛ أنا أبعد عن تنزيه الرجل ، وأحجم عن تبرئته من الوقوع في الهِنات والأخطاء ، وأضيف أنَّ الراحل رجاء النقاش كتب مقالة في مجلة ( المصوِّر ) المصرية ، بمناسبة غياب لطفي السيد : إنـَّه حضر بقامته المديدة حفل افتتاح الجامعة العبرية في تل أبيب ، ولبَّى دعوة مؤسِّسيها له قبل قيام دولة إسرائيل في العام 1948م ، لكن ما نعمل للشَّائع في أخلاد بعض المؤرخينَ والمدوِّنينَ للوقائع التي شهدها المجتمع المصري إبَّان العقود المتأخِّرة من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين أنَّ حزب الأمة الذي ينتمي إليه أحمد لطفي السَّيد يضمُّ صفوة الملاكينَ والأعيان والوجوه وذوي النفوذ بين رهطهم وجماعتهم ، ومن ديدن هؤلاء أنْ يؤثروا الجمود وكراهة التغيير ، ويقفوا حجر عثرة دون تطلع الجـمهـور الغالب نحـو التحول والتجديد ، وإذا كانتْ أمارات وشعائر يتظاهرون بها دلالة على مرونتهم وتمويها ً على الناس بما تنطوي عليه السَّرائر من نيات ونوازع ، فحسبهم أنْ يتصدَّر مجالسهم ومحافلهم فئة مستنيرة تتخذ من تقديس حرية الفكر والرَّأي شعارا ً لها في الوسط الاجتماعي العام ، وتحسن التسويغ واصطناع التعلات والذرائع لجميع ما يتجهزون به في مواجهة الناس من عُدَّةٍ ومواقف ، فلا مراء أنْ سالموا الاحتلال ، وتوانوا في قراعه ومغالبته ، وارتضوا التعايش في ظله ومعه ، متخوِّفينَ من النتائج الوخيمة التي تعقب أو تستتبع الأحداث والوقائع الكبرى في حياة شعبهم ، يشومونَ ذلك بداعي الحكمة وعامل الفراسة ، لا سِيَّما أنَّ ما مُنيَتْ به ثورة عرابي من تراجع ونكوص أو نجم عنها من مآس ٍ ومضار للقائمينَ بها ، ما تزال ماثلة في ذاكرة الجيل الذي عاصرها وتلوه الذي يجوز طور الحبوِّ والنشأة ثمَّ وعى الواقع الأليم الذي اكتوى بجمرته ؛ وهاته الأقوال لا تعدم الغلو والتجني والإيغال في طمس الحقائق وتشويهها ، وبالنسبة لأستاذ الجيل ــ على أقلِّ تقدير ــ وما يعترف له به عموم الناس من تهيئتهم وإعدادهم لحياة أفضل وأرغد ، تستوي عندها المقاييس والموازين في تقدير كفاياتهم ومؤهلاتهم ، وتصان الحقوق والاعتبارات من العبث والمصادرة ، وشأنُ الإنسان أنْ يُنظر له على وفق ما ينبس به من قول ويلهج به من كـَلِـم يحتوي رأيا ً أو ينطوي على وجهة نظر بشأن طبيعة الاجتماع وحركته الفاعلة .

2.    ألفيْتُ المؤلف مجافيا ً لسابقة علي عبد الرازق في تأليف كتاب ( الإسلام وأصول الحكم ) ، وعيبه على بعض الجهات الرسمية في هذا البلد المسلم أو ذاك اعتزامها وشروعها بطباعته ثانية ، ويمتدح سيرة شقيقه الشيخ مصطفى عبد الرازق خاصة أنـَّه مُمَتـَّع بمزايا وخصائص حَريَّة بالإعجاب والقبول ، هي التي أوصلته إلى مشيخة الأزهر بعد عمله أستاذا ً جامعيا ً في الفلسفة ، وتبوَّأ مناصب وزارية في فترة الحرب ا لعالمية الثانية ، لكنـَّه غفل عن أنَّ له كتابا ً ضخما ً بعنوان ( من آثار مصطفى عبد الرازق ) جمعه شقيقه عينه من مقالاته الثرَّة ، وقدَّم له الدكتور طه حسين ، بعد غيابه بسنوات ، وصدر عن دار المعارف بمصر ، ومفارقة أنْ تعهد مشيخة الأزهر في أواخر عام 1945م ، إلى الخصم الألد لمعظم مَنْ كانتْ لهم الصَّولة والهيمنة على شؤونه ومرافقه في العشرينيات ، أمثال :ـ الشَّيخ محمد أحمد الظواهري ، والشَّيخ محمد بخيت المطيعي ؛ فقد سخر منهما ورماهما بالقصور عن مواكبة العصر ومعاداة الفكرة المنطلقة والنظر العقلي الصَّحيح فيما كتب من مقالات نشرها بجريدة ( السِّياسة ) الناطقة بلسان الأحرار الدُّستوريين ، ويشرف على تحريرها صفوة المثقفينَ المستنيرينَ ودعاة الحرية الفكرية غير المتهيبينَ من مراجعة القيم والمُسَلـَّمات السَّابقة وإخضاعها للمناقشة والتثبُّت من صحَّتها وجدارتها بالدَّوام  والبقاء ، مـستـنـكـرا ً بالنسبة للأوَّل موقفه من قضية كتاب ( في الشعر الجاهلي ) لطه حسين ، ومستهجنا ً من الثاني تشنيعه على مؤلف كتاب ( الإسلام وأصول  الحكم ) ، وإساءة فهم مراده من ورائه ، حيث تناول معهما بالتقريع والاستنكار رئيس الوزراء لذلك العهد ( زيور ) باشا ومعه علي ماهر باشا وزير العدلية  ، بالإضافة إلى إشغاله منصب وزارة المعارف بالأساس في أعقاب إقصاء رئيس الأحرار الدُّستوريين الفقيه الكبير عبد العزيز فهمي عن هذه الوزارة ، وتقديم بقية الوزراء من أعضاء حزبه استقالاتهم ، وإعلان انسحابهم عن مزاولة الحكم مع ( زيور ) باشا ، لتأمينه على قرار هيئة كبار العلماء في مصادرة كتاب ( الإسلام وأصول الحكم ) ، ونزع صفة العالميَّة عن مؤلفه وتسريحه من وظيفته قاضيا ً شرعيا ً في المنصورة ، ذلك هو الشَّيخ مصطفى عبد الرَّازق في حياته العملية أستاذا ً وكاتبا ً ومربيا ً وساعيا ً في خدمة الناس من خلال المناصب التي تقلدها في الجامعة والوزارة ، إلى أنْ انتهَتْ إليه مشيخة الأزهر الذي كان ينتظر الإصلاح الجذري على يديه ، من ناحية إدخال التجديد على مناهج الدِّراسة وتأمين مستقبل المتخرجينَ فيه وضمان مستوى من العيش الكريم لهم ، والأهم من ذلك اجتثاث التفكير القديم المسيطر على ذهنيات شيوخه ، بكلِّ ما يحمله ويشي بهِ من تخلفٍ وعجز وتهيُّب من استقبال مآتي الواقع الجديد ، أو التكيُّف والتوافق معه عند الحد الأدنى من لوازم التحرُّر الفكري والانسلاخ من تقديس الرَّواسم البالية .
هامش :
. آتيين دينية : أديب فرنسي ومستشرق منصف ورسَّام عالمي مشهور ، شغف بتصوير المشاهد الصحراوية المترامية في الجزائر ، حين قطنها في طور من حياته ، وأخيرا ً اعتنق الإسلام ، وتوفي بباريس عام 1928م ، موصيا ً بنقل جثمانه إلى الجزائر ليوارى الثرى في المقبرة التي شيَّدها بنفسه ، وكان يوم تشييعه يوما ً مشهودا ً بباريس ، وسار وراء نعشه سائر أقطاب الحكومة الفرنسية .

MahdiShakerAlobadi@Yahoo.Com

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فراس حج محمد : علامات الترقيم وفوضى الاستخدام.

علمتنا المدرسة، في زمن ما، الأمور ببساطة ودون تعقيد، وتخرجنا ونحن نفهم ما علمنا إياه …

| زيد شحاثة : قواعد الإشتباك في الزمن الأغبر .

يقصد بمفهوم ” قواعد الإشتباك” بأنها النظم أو الأطر أو المبادئ التوجيهية, التي يجب أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.