فاروق مصطفى: من يشعل سراج الافتتان لسلالم ( القلعة ) ؟

تاخر اكتشافه لجانب الصوب الكبير من مدينته كركوك ، و عندما تعرفه وجد فيه روح المدينة الاصيلة ، فأحب الاصغاء الى دقات هذه الروح و تحسس نبضها ، ثم تناغم مع اسواق الصوب الكبير و شغف بجوامعها التاريخية و خاناتها العريقة و حماماتها التراثية و استغرقه جمال سوق ( القيصرية ) و هندستها البديعه ، و حينما صعد سلالم القلعة الحجرية احس بأنها حكيم يسرد على قارعة الطريق حكايات و قصصا مضمخة بتاريخ ناسها و حيواتهم المتشابكة ، فأراد ان يستغور سر هذا الشيخ الحكيم الذي تحدى القرون الطوال و ظل يشمخ باطلالته الساحرة على نهر ( خاصة )هذا النهر المطلسم هو الاخر باسراره الدفينة و عشقه اللانهائي للقلعة ، هذا الحب المتفاني بين النهر و القلعة انقلب الى هواجس تؤرق شعراء كركوك و تغزو احلامهم و تسرج امالهم و كم وقفوا على جسرها الحجري الحميم ليصغوا الى استسرارهما ثم يتبادلوا البوح الاسيان معهما ، و اعتقد الشعراء صادقين بان اي واحد منهم سوف لن يُلهم باسراره الشعرية و يمتلك طقوسه الجوانية اذا لم يقف و يتامل هذا الثنائي الجميل و اعني : القلعة و النهر و هما يتناجيان و يتناغمان و يتوحدان في هذه السيمفونية التي خلدها شاعر كركوك القديم عندما انتشى بهيام القلعة فتمنى ان يغدو حجرا عند اسافلها يسقي مودته الغادين و الرائحين و يتنادم معهم بماء الصفاء و سراج الافتنان .
اختار مصطبة وحيدة امام القلعة و ادمن الذهاب اليها و عبر اقتعادها كان يحس بانه يتواصل مع حبه لها و نهر كركوك و انطبعت البقعة داخله و شعر كانها تخفق بالحياة و تنبض بالدفء و تنزف الضياء ، و عن طريق هذا المكان ذاق حلاوة الطبيعة الكركوكية و عرف كيف يقيم معيار حبه و انتماء تآلفه و توحده بكل ما يحيطه من اشياء و ادرك الصباح ينز نعاساته اللذيذة و اكتشف انه في انتظار صحبه الذين يؤمون المكان ، و كثيرا ما صادف صديقه الشاعر ( قحطان الهرمزي ) و هو يتنزه في المكان و يبرعم ازهار اشعاره و يلقيها الى المياه الجارية ، و مرة وجده حزينا افضى اليه مكنونات هذا الاسى اعلمه بانه حزين لان النهر غدا مفتقرا الى المياه و يخشى ان تهجره نوارسه ، قال : ساصعد الى اعالي القلعة علّي اكتشف الممرات الدفينه للماء و احفر الينابيع الخفية التي كان سكان القلعة القدماء يشربون منها و عن طريق هذه الينابيع سوف تفيض كهاريز كركوك من جديد و يستعيد النهر عافيته و تظل النوارس البيضاء تديم اعراس طيرانها ، و التقى مرة اخرى صديقه ( جليل القيسي ) و هو يرتاض على ضفاف النهر . كان مغمورا بالسعادة يفيض البشر من محياه ، انه على موعد مع اصدقائه الذين سيهبطون من ممالك ( بابل ) لاخذه معهم الى احتفالات ( اكيتو ) لهذا فهو في انتظارهم لانه لا يستطيع الا ان يلبي هذا الدعوة من الصحب اولاء و كم اشتاق هو الى التسكع في مدينه ( بابل ) و حضور احتفالاتهم الربيعية احتفاء ا بشهر الخصب و الاشراق و النماء .
تعود الجلوس على مصطبته و اعتاد اصدقاؤه ملاقاته في هذا المكان الذي صار اثيرا على القلب ، يوقد النار و يحضر قهوته فلابد من سقي الضيوف قهوة المساء التي هي عربون المودة و فاتحة التلاقي ، يعلم ان اصدقاءه يحضرون مصطحبين اوراقهم المحبرة باخر انفاس قصائدهم ، تلك القصائد التي يتبارون في القائها لتتوحد في هذا الطقس الكرنفالي المنداح امام دوائر الليل الزاحف الذي يضبب المساحات تدريجيا و يخفي معالم الوجوه تحت هذا الستار الشفيف و ما هي الا هنيهات ينساب صوت المغني الكركوكي الرائد ( عبدالواحد كوزه جي ) و هو يدعو الحبيبة في ان تتعجل قدومها لان العيد اصبح عند مشارف الابواب ، يحس ان الاغنية تنثال من اعالي القلعة متمسحة بحوائط البيوتات القديمة و مغتسلة باحزان المحبين ثم تتسع امواجها لتضيع في الفضاء الشاسع البعيد ، و ابلغ ما يؤلمه تقدم الليل و اصطباغ المكان باستاره العاتمة عند ذاك يتفرق صحبه و يعرف انه لابد من فراق مصطبته و تركها لضباب الليل الزاحف و يأوي الى منزله لعله يستعجل النهار و يستعجل شمسه الذهبية ليلوذ الى كنف المكان الاثير لديه و يستسلم الى مخمل اياديه و يتنعم برؤية اجمل الملامح من مدينته التي تقمصت روحها الاصيلة و نبضها التليد و كم تالم عندما حل ذلك اليوم الذي ودعه فيه اصحابه ، منهم من رحل الى خارج القطر و منهم من انتقل الى جوار ربه ، حتى الحمال الذي شعرن حكايته الشاعر ( سركون بولص ) في نصه ( حلم الحمال على جسر القلعة ) اختفى هو الاخر و لم يعد يزوره عند مصطبته ليحكي له حكايات هيامه العجيب للقلعة و لقاطنيها ، و في قرارة نفسه تيقن ان لا شيء يستطيع ان يمنع جريان الايام و زحفها و اكتهال المرء و دبيب الشيخوخة الجارفه ، و لكن عزاءه في بقاء القلعة و هي تسرد قصصها التي لا تنتهي و سلواه بان ما خط صحبه من شعراء كركوك جميل قصائدهم تلك الكتابات التي سوف تتجنح و تتحلق وحدها مع جمال القلعة و سوف تشعره بان المياه ما فتئت تتدفق في نهر كركوك مصغيا الى اصوات كهاريزها حاملة بين اصابعها كلمات خصبها و اغاني نمائها .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

أصواتٌ … بداخلِ الصَّمت
حسن حصاري / المغرب

كثيرا ما أضِيع … وأنا أفكرُ في الكِتابةِ اليك، وسَط سُطورٍ لمْ أكتُبها بَعد. أدركُ …

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *