عودة الكلاسيكية في حلة جديدة في فن القريض العربي !!!
الناقدة والاستاذة الباحثة سامية البحري

_تصدير : عندما ينتفض الحرف الثائر فيشكل مفهوم “الجمالية ” ما بعد “الحداثة ” فيولد المشروع الحضاري الجديد (الإنسان الجديد ) من رحم الشعر !!
الشعر الذي يعتنقه الشعراء ديانة ويقدسه أهله حتى أنه كان يعلق على الكعبة اجلالا وتكريما..
الشعر الذي يؤمن بمبدأ الجمال والجمالية في مستوى اللفظ والصورة والايقاع واللغة والبلاغة والمقاصد..
الشعر الذي يقبض على كل هذه العلوم في قبضة واحدة. .!!
_توطئة :
قال الشاعر الكبير ضياء تريكو صكر :
“أدين بكل حرف كتبته إلى والدي ذلك الجبل لا أمس سفوحه وسأبقى تلك الصخرة منه أتدحرج على قعر سلم مجده…. ما يدميني حقاً أن الديوان أهديه له ولم يقرأ حرفاً مما كتبت!!!!!”
فقالت الناقدة سامية البحري :
أهدي مشروعي النقدي وكل ما ورد فيه إلى روح الشاعر الفيلسوف تريكو صكر الذي تدين له الأمة ولغة الضاد بهذا الحرف المغزار والهطول العذب المدرار
______
1_ أضواء على مقدمة الوتد :
ورد في المقدمة ما يلي
وقد ارتأينا البداية بموقف الرائد الكبير والباحث الضخم في تاريخ الأدب العربي ريجيس بلاشير
(ومن لم يقرأ بلاشير لم يعرف ابدا تاريخ الأدب العربي. !!)
يقول هذا الباحث الكبير
إن ظهور الكلاسيكية في الأدب العربي يؤكد الاعتبارات المذكورة آنفا ويدعم الافتراض بأن فهم هذا الأدب على حقيقته في القرون الوسطى يبقى أملا ضئيلا طالما لم نعط للعوامل الاجتماعية الأسبقية على القيم الجمالية وعلى الإبداع الفردي الذي حظي بكثير اعتبار
إن أصول هذه الكلاسيكية ضاربة في القدم وهي بالتالي غامضة فما إن ينتصب العربي أمامنا في واضح التاريخ أي في القرن السابع ميلاديا حتى يبدو لنا مثالا بروح نفيسة..فهو يحس إحساسا عميقا بجمال الكلمة كما يوقظ الشعر في أصداء باطنية حميمة …….
لكن تأصيل نظرية للمذهب الكلاسيكي لم يكن قط مسألة تعني العلماء وحدهم فقد اقتحمت ميدان الفكر أرستقراطية مرهفة ومثقفة
مستعدة دوما لتوفير “حماة الأدب” (Mécènes ) وكان ذلك ملموسا منذ أواخر خلافة بني أمية ومع ازدهار العراق وتأسيس بغداد سنة 145ه/ 762م……

وامتد ليشمل أوساطا نصطلح على تسميتها “بالبرجوازية” كانت ذات خصائص وأنماط فكرية وأذواق يعود فضل معرفتنا لها إلى الكاتب البصري الجاحظ ويبدو أن هذا الوسط العراقي قد طرح كل المسائل. ..!!
وفيه نشأ و تطور ذلك الشكل الفائق الخصوصية للإنسانية (Humanisme ) التي تسمى “أدبا” ..
وفي هذا الصدد مثل ظهور كتاب “البيان والتبين” للجاحظ في مطلع الربع الأول من القرن الثالث هجريا /التاسع ميلاديا حدثا مركزيا
________
من هنا ينطلق البحث
ومن هنا تبدأ المغامرة
ومن هنا نمسك بتلك الخيوط الرفيعة بين المراحل التاريخية المختلفة للأدب العربي عموما وللقصيدة العربية العمودية خاصة
ومن هنا سنؤكد أن الشاعر ضياء تريكو صكر هو الحلقة التي تصل ما سبق بما لحق وبما سيكون في مستقبل الأيام
نقطة الانطلاق هي لعبة البيان والتبيين من الجاحظ كمنظر لهذا العلم الدقيق وما خطه يراعه من أفكار حول فني الخطابة والترسل تكتسي قيمة استثنائية. .
فهو الجامع المانع في آن
إذن من الجاحظ العالم المدقق إلى ضياء تريكو الشاعر المنجز للفعل البلاغي عبر أدوات مختلفة ومتعددة يمتلكها ويطوعها لمقاصده وبطريقته يستند إلى علم نفيس اجتهد في سبيله بكثير من العزم كما انبثق من “طبع ” قوي وسليقة أخاذة ..
ولغة نقية عالية الجودة والكثير الكثير من الشغف والصبابة بالقريض وفي القريض
وقد ذهبنا إلى كل ما ذكرنا من نقاط لاعتبارات عديدة منها طبيعة العصر الذي جاء فيه الشاعر ضياء تريكو وهو عصر في قطيعة كلية مع كل ماهو قيمي وفكري وابداعي وغيره
مع تعدد الموجات العارمة التي تجتاح ساحة الأدب العربي بتسميات مختلفة وتيارات متعددة ..لا يمكن الإفلات منها …
وهي تيارات لم تعد تنسب لما يفد من الغرب فحسب..بل أصبحت تخرج من رحم الواقع العربي المتحرك والبركاني …على الصعيدين السياسي والاجتماعي خاصة ..وما يطرح قضايا عميقة جدا ..تتصل بالأرض والجغرافيا في تفاصيلها الدقيقة…وهذه المشاريع الجديدة “الإمبريالية الجديدة ” التي تطرح نفسها كبديل لحل الأزمات والكوارث التي تعيشها الأمة العربية من المحيط إلى المحيط! !
وكلها لها التأثير القوي في الحركة الأدبية عموما باعتبار أن الأدب هو وليد واقعه أولا ثم تأتي المنابع الأخرى. .!!
لكن كما يقول غاندي
“أفتح نافذتي على الرياح لكن لا أسمح لها باقتلاعي من جذوري”
وهذه هي الفلسفة التي نسعى إلى ترسيخها في العقل العربي “الصغير” القادم على مهل في عيون تلك البراعم التي تتقدم دون أن تعرف الطريق. ..
تمشي مكبة على ذاكرتها الحزينة بلا زاد ولا وجهة!!
في كل المجالات ….!!
ودورنا حماية تلك “البراعم” من نفسها أولا باعتبار هشاشتها
وحمايتها من “أكلة عقول البشر ” الذين ظهروا في عصر يسم نفسه بالمتمدن والمتطور والمتحضر
وهم_ في تقديري _ أشد فتكا وأشد خطورة من تلك الوحوش والسباع التي تقطن الغاب وتخضع لقانونه !!
هكذا يمكن أن يلعب الخطاب الشعري والأدبي عموما والنقدي الدور المناط بعهدته
وهو إنارة السبيل ..والتشريع للحلم الجميل بغد أفضل في كل المجالات
وهذه إمكانية من جملة من الإمكانيات المتاحة
وليس الشعر العربي مجرد وعاء تسكب فيه جملة من المقاصد بل هو وسيلة من وسائل خلق الاتصال الممكن بين الإنسان والإنسان وبين الإنسان والواقع
وبين الحلم والأمنية. ..وبين الفرد والمؤسسة. ..
وبين الفكر والحرية والكرامة الإنسانية! !

2_ أضواء على الشاعر
ضياء تريكو صكر
شاعر يتقن الغوص في الوجع العربي بحروف كأنها الرماح وقد جاد بها فارس مغوار عندما يشتد الوطيس
وأنت تقرأ نصوص ضياء في الوجع العربي تصيبك الحروف في الوريد
وتقبض القصيدة على الودج فتسقط وقد تقطعت أنفاسك …..
تروح وتغتدي…وفي الفؤاد حرقة على أمة فتكت بها العمائم والجماجم المحنطة في كهوف العفاريت …
بيد أن بصرك يعيد السفر في جوف الكلم كمن به ظمأ لذاك المنبع المغزار ……!!
ضياء تريكو صكر
شاعر يكتب النص الشعري الرحب
وهو ما أسميناه النص الشعري الحضاري المنتج ..
وهو نص يضيف ولا يقلد ..
ينتج المعاني وفق السياق الحضاري الذي أفرزه …
فهو إبداع فيه إضافة إلى سياق حضاري أنتجه…..
يقوم على منطق داخلي ينتظم نسيج النص برمته يتمثل في مجموعة من الأبنية المنسجمة
على مستوى المعجم والبلاغة واللغة والعروض ….
هذا الشاعر حمل لواء القصيدة العمودية ونجح في تطوير ما خلده رواد المدرسة الشعرية الكلاسكية
واستطاع مواجهة التحديات الكبرى التي فرضها عصر العولمة بكل ما يحمله مصطلح العولمة من شراسة وتهديد للتراث واللغة والمبادئ العامة …
إذن وبناء على المدونة الشعرية الضخمة التي جاد بها فارس القريض نقر أن الشعر ليس مجرد كلمات تقوم على التزويق والترصيع فتحصل على صفة الشعر بل الشعر فلسفة وجودية عميقة تقبض على هذا الكون الشاسع في قبضة واحدة لتكون القصيدة برمتها في استرسال دقيق وتدرج موضوعي. .
كما أن الشعر موقف وجملة من القيم والمبادئ التي آمن بها الشاعر فكرس لها كل ما يملك من وسائل للنضال
ولعمري إن أشرس نضال هو النضال عبر الكلمة ….
إذ الكلمة الهادفة تفتك بصناع الخراب والدمار والموت
ولاسيما الشعر ..والشعر عند العرب منذ القدم قرآنهم وفلسفتهم في تمثل الوجود وما وراء الوجود
حتى أن العربي كان يتدرب على الخطابة كما يتدرب على المبارزة
وهذه لعمري فلسفة وجودية عميقة. …

3_ أضواء على الديوان “وفاء في سطور”
ديوان الشاعر الكبير ضياء تريكو صكر قصائد جواهر تشرق لتزيل ظلمة قد توغلت في شرايين هذه الأمة
وتعيد أمجاد لغة الضاد في أرقى توهجها. .
ديوان ضياء لن يكون كلمات على ورق كما يتصور البعض حول الإصدارات الشعرية خاصة التي أصبحت كالسلع تعرض هنا وهناك باسم الشعر زورا وبهتانا. .
ديوان ضياء عودة لأمجاد القصيدة العربية القديمة
نظريات في اللغة والشعر وكل علوم البلاغة
وهو صرخات في تحد كبير لكل مظاهر الزيف والنفاق والترهل الثقافي والسياسي ومواجهة قوية لكل مظاهر التطرف ..
ديوان ضياء قصائد جواهر وقصائد ملاحم تقف شاهدا على مرحلة تاريخية حاسمة في تاريخ هذه الامة المنكوبة
وهو قصائد من اللؤلؤ والتبر لو صدرت في زمن الجاهلية لعلقت على الكعبة ..
عندما كان الشعر مقدسا ديوان العرب وفلسفتهم …
والكثير الكثير. …
والبقية يأتيكم في مدونة نقدية استثنائية تحت عنوان الوتد / النقد الغزير في الشعر العربي الأصيل
لمن يدرك ما معنى أن ترتحل في شرايين حرف تدركه على امتداد ما يقارب حولين من الزمن
سيستوعب ما أقول. .ولماذا أقول ما قلته ..
وما دون ذلك سيقف عاجزا ..حائرا ..وربما مستنكرا …
بيد أنني لا أكتب إلا ما آمنت به وقد آمنت بما قلت. .
تحية إجلال لحرف آمنت به وأدركه. ..
الناقدة والاستاذة الباحثة سامية البحري
__________
المصادر :
مادة البحث ديوان وفاء في سطور للشاعر ضياء تريكو صكر
الوتد / النقد الغزير في الشعر العربي الأصيل للناقدة سامية البحري

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| زياد جيوسي : دوامة “منّ السَما”.

“منّ السَما” هي الرواية الثانية للكاتبة غصون رحال التي يتاح لي قراءتها بعد روايتها “في …

| احمد عواد الخزاعي : الاسطورة والدين والتراث .. في رواية (فقيه الطين) .

لغة سردية هجينة، غريبة على طبيعة السرد الروائي، تتأرجح بين الشعر والنثر، تنتج عن سارد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *